الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الثاني

السلم والسلام في السياسة والحكم

أصالة الحرية السياسية
مساحة الحرية في النظرية الإسلامية
معنى الحرية
الفرق بين الحريات الإسلامية والغربية
حرية الروح
مفهوم الحرية السياسية
حق الانتخاب
مبدأ الاستشارة وخصائصه وبعض تطبيقاته
خصائص مبدأ الاستشارة
نماذج من سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الاستشارة
دلالات مبدأ الاستشارة
الحركات والتيارات الإسلامية المعاصرة
أسباب عدم تمكن الحركات الإسلامية من الوصول إلى الحكم
مؤتمرات لنجاح الحركات الإسلامية
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
نظرة الإسلام لظاهرة العنف والإرهاب
أوجه الصراع البشرية
دلالات مصطلح الإرهاب
خصائص الإرهاب
أنواع الإرهاب
إرهاب الدولة والأفراد
الإرهاب السياسي
الإرهاب الاستعماري
الدور الإسلامي في إزالة الإرهاب
زوال الإرهاب المدني
الحكمة في تشريع الحدود والقصاص
زوال الإرهاب الدولي والإرهاب السياسي
زوال الإرهاب الاستعماري
مسائل في السلم والسلام السياسي

 

أصالة الحرية السياسية

مسألة: جاء الإسلام بمجموعة من المبادئ والمفاهيم الخالدة التي حظيت بعظيم الاهتمام والعناية، ووفير الانتباه والتوقير من قبل شعوب العالم، وخاصة في باب السلم والسلام، فكانت محط أنظار الإنسانية ومحور تفكيرها على مر القرون والأزمان، وأصبحت ــ بالإضافة إلى كثير من الأحكام المشرقة الأخرى ـ سببا لاستقطاب سائر أممها وشعوبها إلى الإسلام، ومن هذه المفاهيم على سبيل المثال مفهوم (الأمة الواحدة) و(الأخوة الإسلامية) ومن أدل الآيات القرآنية على مفهوم (الأمة الواحدة) قوله تعالى: (إِنّ هَـَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبّكُمْ فَاعْبُدُونِ((1).
وأما بالنسبة إلى الأخوة الإسلامية فقالت الآية: ( إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ((2).
وهناك مبدأ آخر أولاه الإسلام عناية بالغة ورعاية مهمة وهو مبدأ الحرية، ومن الأدلة القرآنية عليه قولـه تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ
عَلَيْهِمْ((3).
وقد يستفاد هذا المعنى من الآية الكريمة أيضا: (النّبِيّ أَوْلَىَ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ((4). حيث لهم الولاية وهي تعني الحرية.
ومن الأحاديث النبوية التي دلت على هذا المبدأ قولـه (صلى الله عليه وآله وسلم): »الناس مسلّطون على أموالهم«(5)، وقد ألحق الفقهاء بالحديث، قولهم: (وأنفسهم) مستنبطين ذلك من الآية الشريفة.
ومن أحاديث العترة الطاهرة قول أمير المؤمنين (عليه السلام): »لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا«(6). إلى غيرها من الروايات.
فالأصل في الإسلام الحرية، وهي تستلزم السلم والسلام، فإنهما ضمان للحرية الشخصية والاجتماعية كما لا يخفى.

مساحة الحرية في النظرية الإسلامية

مسألة: إن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، البارئ، المصور، المحيي، المميت، النافع، الضّار، الرزاق، ذو القوة المتين، والجبروت والسلطان، كما قال سبحانه:
( هُوَ اللّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوّرُ لَهُ الأسْمَآءُ الْحُسْنَىَ يُسَبّحُ لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ((7).
ومع ذلك كله خلق الإنسان مختاراً ونسب إليه المشيئة، حيث قال تعالى:
(وَقُلِ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ((8).
(إِنّ هَـَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتّخَذَ إِلَىَ رَبّهِ سَبِيلاً((9).
(كَلاّ إِنّهُ تَذْكِرَةٌ ( فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ((10).
(كَلاّ إِنّهَا تَذْكِرَةٌ ( فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ((11).
(ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقّ فَمَن شَآءَ اتّخَذَ إِلَىَ رَبّهِ مَآباً((12).
(قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ((13).
ومن خلال مجموع هذه الآيات يعرف أصل حرية الإنسان، وأن لها أكبر المساحات في الإسلام وأنه ليس لغير الله على البشر من سلطان،وحينما يتحرر الضمير من شعور العبادة والخضوع والانقياد لغير الله سبحانه وتعالى، يأتي دور سائر الحريات الممنوحة للإنسان في مختلف معاملاته وسائر شؤونه الفردية والاجتماعية وغير ذلك.
وبمعنى آخر إن الحرية في النظرية الإسلامية ليست بمعنى الانطلاق غير المحدود بفعل المحرمات وترك الواجبات حتى لا يقف عند حد ولا يعبأ بالقيم ويتمرّد على المجتمع، وإنما تعني الانطلاق البنّاء الذي يتطلع إلى فضائل الخير في أرجاء النفس والفكر والعقل والمجتمع فيبني ولا يهدم ويقوّم المعوجّ فيذهب إلى المزيد من التقدم ويطلب الحق والعدل دائما، كما يطلب المساواة في موضعها.
فليست هناك مساواة مطلقة، كما أنه لا تصح الحرية المطلقة حتى وإن كانت على حساب الآخرين، وإنما لكل واحد منهما منطقة خاصة به، فإذا تحوّلت الحرية أو المساواة في غير منطقة العدل، فإن ذلك يسبّب خبالا وفسادا.
فالحرية تعني أن كل إنسان حرّ في كل شيء، ما عدا المحرمات والواجبات، حيث إن المحرمات يلزم تركها، والواجبات يلزم فعلها، وذلك رعاية لمصلحة الإنسان نفسه أو بني نوعه، ومن المعلوم أن الواجبات والمحرمات بإزاء سائر الحرّيات شيء قليل.

معنى الحرية

والحرية في الإسلام ليس معناها الانغمار في الشهوات الطائشة أو الهوى المتبع أو تهدف غرضا غير نبيل توجب سلب حقوق الآخرين، فالوجدان محرر من العبودية والخضوع والانقياد لغير الله سبحانه وتعالى سواء كان أصناماً بشرية أو أصناماً حجرية، وقد قال الإمام الحسين (عليه السلام) للحر بن يزيد الرياحي في يوم عاشوراء: »ما أخطأت أمك إذ سمتك حرّا فأنت حرّ في الدنيا وسعيد في الآخرة«(14).
وقد قال الإمام علي (عليه السلام) في يوم الخندق وهو يصرع عمرو بن عبد ود أحد صناديد قريش:
ونصرت رب محمد بصواب
نصر الحجارة من سفاهة رأيه
كالجذع بين دكادك وروابي
فغدوت حين تركته متجدلا
كنت المجدل بزنـي أثوابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني
ونبيه يا معشر الأحزاب(15)
لا تحسبن الله خاذل دينه
وفي هذه الأبيات بيان لمصير الإنسان الذي حباه الله بالعقل وقدرة التمييز، فيصبح أسير هواه حتى يعود صريعاً في سبيل الحجارة التي لا تكون عاقلة ولا مبصرة ولا سميعة ولا عليمة ولا فاعلة، وإنما يعبد ما لا يضرّ ولا ينفع، وقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) دعاه إلى الإسلام قبل أن يصرعه لكنه أصرّ على السفاهة والتزم بما لا يؤيده عقل ولا منطق ولا ضمير ولا حتى عاطفة، مما سبّب لـه ذلك المصير الأسود والعاقبة الوبيلة.
والحرية شيء طبيعي وفطري، إذ يتشوق إليها كل إنسان حتى وإن وقع في أزمة أو مأزق أو ما أشبه ذلك، فقد قال مسلم بن عقيل (عليه السلام) وهو سفير الحسين (عليه السلام) إلى الكوفة:
وإن رأيت الموت شيئا نكرا(16)
أقسمت لا أقتل إلاّ حرّا

الفرق بين الحريات الإسلامية والغربية

لم تعط أرقى الحضارات مبدأ الحرية حقها، وإنما طبقت منها ما يتلاءم مع مصالحها الضيقة، ومع ذلك نجد المسلمين في واقعنا المعاصر تركوا الحريات
الإسلامية ــ التي فيها كل خير وسيادة وسعادة ــ إلى القيود التي (مّآ أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ((17)، وسبّب ذلك لهم التأخر، الشأن الذي لم يكن مسبوقا في تاريخ الإسلام الطويل إطلاقا، وإنما جاءت هذه التبعية للغرب والشرق منذ أقل من قرن فذاقوا وبال أمرهم حيث سقطت سيادتهم وسعادتهم واستقلالهم، وحرموا من الحرية الممنوحة من قبل الإسلام.

حرية الروح

من اللازم على الإنسان أن يتمتع بحرية الروح وقوة النفس، فلا يقع ضحية المال أو الجاه أو الشهوة الجنسية أو السلطان أو الحسب أو النسب، فإن كل ذلك خلاف الحرية، فإذا وجد الإنسان نفسه خاضعا بتأثير أي أمر من تلك الأمور وأشباهها فإنه لايتمتع بحرية كاملة حيالها، كما قال عيسى بن مريم (عليه السلام) لأصحابه: إنكم لن تنالوا ما تريدون إلا بترك ما تشتهون وبصبركم على ما تكرهون(18).
وهذه الحرية من ميزات الدين الإسلامي، حيث يجعل الروح حراً أمام كل الشهوات.
قال علي (عليه السلام): »إياكم وغلبة الشهوات على قلوبكم فإن بدايتها ملكة ونهايتها هلكة«(19).
وقال (عليه السلام): »عبد الشهوة أسير لا ينفك أسره«(20).
وقال (عليه السلام): »مملوك الشهوة أذل من مملوك الرق«(21).
وقد قال أحد الفلاسفة لأحد الملوك: أنت عبد عبدي، ولما استفسره عن السر، قال: إن شهوتي عبدي وخاضعة لي وأنت عبد للشهوة فأنت عبد عبدي.
وقد تعرّض القرآن الحكيم إلى بعض أمثال هذه القيم الزائفة حيث قال سبحانه: (وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذّبِينَ ( قُلْ إِنّ رَبّي يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ( وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالّتِي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىَ إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ( وَالّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيَ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ( قُلْ إِنّ رَبّي يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ((22).
وفي آية أخرى من آيات القرآن الكريم، وكلها آيات جامعة وصميمية الأثر، يقول الله سبحانه: (إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ((23).
فالكرامة ليست للمال، ولا للسلطان،ولا للعشيرة،ولا للمكانة الاجتماعية وإنما الكرامة للتقوى،كما عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: »ما نقل الله عزوجل عبدا من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه من غير مال، وأعزه من غير عشيرة، وآنسه من غير بشر«(24).
فكلما زادت تقوى الإنسان زادت كرامته وكذلك يصح العكس، هذا بالنسبة إلى العقل والمنطق في الدنيا، وأما بالنسبة إلى الآخرة فلا تبقى قيمة إطلاقا إلا قيمة الحق والعدل وسائر الواقعيات.

مفهوم الحرية السياسية

وقد ذكرنا في كتاب (الفقه: الحريات) وغيرها ألف قسم من الحريات الإسلامية، وما نشير له في مطاوي هذا الكتاب هو الذي يتعلق في بعض موضوعات بحث السلم والسلام، وسيكون الحديث في هذا الموضوع عن الحرية السياسية.
قد تحدثنا في الفصل الأول عن الحرية الدينية وأثرها على السلم والسلام في العقيدة والأديان والمذاهب، وهنا سنتحدث عن الحرية السياسية وهي لا تقل أهمية في نشر السلم والسلام في المجتمع عن الحرية الدينية. وإليكم بعض مصاديقها:

حق الانتخاب

حق الانتخاب لكل فرد فرد، رجلاً كان أو امرأة، صغيراً أو كبيراً، فإن الطفل يمكنه المشاركة بالانتخابات عبر وليه على تفصيل ذكرناه في بعض كتبنا، إنه من الحقوق السياسية التي شرعها الإسلام للإنسان.
فقد جعل الإسلام لكل فرد من المسلمين حق أن يعطي رأيه وأن ينتخب من يريده في رئاسة الجمهورية وما أشبه.
نعم الإمامة تعين من قبل الله تعالى، لأن الإمامة كالنبوة هي خلافة الله في الأرض ومشروطة بالعصمة والعلم اللدني، يقول تعالى: ( إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً((25) ومن هنا تتميز الإمامة والنبوة بالمعاجز التي لا يقدر البشر عليها.
ولكن في غير منصب النبوة والإمامة، الإنسان مختار في انتخاب من يراه صالحاً في إدارة أموره،ولـه الحق أيضا في أن يساهم بنفسه في إدارة شؤون الدولة والأمة، وقد يكون ذلك واجبا عقلاً إذا توقف الواجب عليه من باب المقدمة، فحقّ انتخاب رئيس الدولة وما أشبه حق مكفول لكل فرد فرد من أفراد المجتمع، وقد ذكرنا في كتبنا السياسية أن اللازم أن يكون حتى للصغار حق الرأي والانتخاب لكن حيث لايتمكنون من مزاولة ذلك بأنفسهم فيشاركون عبر وليهم الشرعي.
فالحريات السياسية بمختلف مصاديقها هي حق مشروع لكل إنسان، من المشاركة في الدولة، والترشيح، وإبداء الرأي، وحقوق المعارضة، وتشكيل الأحزاب والتجمعات، وإصدار الصحف والمجلات، والبث عبر الإذاعات والتلفزيونات وما أشبه. وكل هذه مما يضمن السلم والسلام السياسي، أما العنف والإرهاب والقمع والظلم والاستبداد فإنها تنافي السلم والسلام.
فالمفردات التي يلزم أن تبحث تحت هذا العنوان (الحريات السياسية) كثيرة وليس من هدف هذا الكتاب الإحاطة بتلكم التفاصيل، فهو يميل في الأغلب إلى ذكر العناوين والخطوط العامة، وقد تطرقنا إلى الكثير مما يرتبط بهذه المباحث في بعض كتبنا بصورة مفصلة. وسنقتصر هنا بالإشارة إلى ثلاثة من المفردات التي تنطوي تحت هذا العنوان (الحرية السياسية) وهي:

مبدأ الاستشارة وخصائصه وتطبيقاته

خصائص مبدأ الاستشارة

هنالك عدة أمور هي من جملة المفاهيم التي يقوم بها السلام السياسي، فإذا طبقت وفق تعاليم النظرية الإسلامية سيعم السلم والسلام والأمن المجتمع، وتزول عنه مظاهر العنف والإرهاب والجور والظلم، من أهمها: استشارية الحكم وعدم الاستبداد به. والمجالات التي يمكن أن تتدخل فيها الشورى والاستشارة كثيرة جدا، فلها دور في المجال التربوي والاقتصادي، ولها مساحة واسعة في البعد الاجتماعي، ولها ميدان واسع في العديد من مجالات الحياة، والحديث هنا عما يتناول بعدها السياسي، أي استشارة الحاكم لرعيته في مجال السياسة والحكم وعدم استبداده به، ومن جملة خصائص الشورى:
1: إنها مجال خصب وميدان واسع لحرية التعبير والانتخاب في الميدان السياسي. وبما أن حرية الرأي في الانتخاب من الأمور الضرورية في المجتمع الإسلامي فقد أولاها التشريع الإسلامي عناية بالغة، حيث ورد الحديث عنها في القرآن الكريم فقال سبحانه: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ((26) وقال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ((27)، وفي صغرى من صغريات المسألة قال سبحانه: (وَتَشَاوُرٍ((28).
2: الشورى والاستشارة هي عملية تكامل للإنسان على المستوى الفكري والسياسي، ولها دور إيجابي في إرساء دعائم كيان المجتمع السليم، والحكومة الرشيدة، إذ فيها تتم عملية التنظيم السياسي بأنجح صوره.
3: الشورى والاستشارة هي الإطار الصحيح للآراء المتعددة، وهي الضابط الذي يجعل الآراء المتخالفة في توجيه سليم. وقد قلنا في بعض كتبنا إن الله سبحانه وتعالى حل كل الاختلافات في كلمتين: كلمة الشورى للأكثرية حيث تكون حاكمة على الرأي الفردي، وكلمة القرعة حيث قال سبحانه وتعالى: (فَسَاهَمَ((29) فإذا لم تكن أكثرية بأن تساوت الآراء، أو أنّ البعض كان حيادا والرأيان الآخران متساويين كانت القرعة محكّمة، وقد قال الشاعر:
واقبل نصيحة ناصح متفضل
شاور صديقك في الخفي المشكل
في قولـه شاورهم وتوكل
فالله قد أوصى بذاك نبيه
بالاقتراع يكون حل المعضل(30)
وإذا فقدت الأكثرية مرة

نماذج من سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الاستشارة

قد ذكرنا في بعض كتبنا السياسية أن مبدأ الشورى والاستشارة يلزم تطبيقها من المعمل الصغير إلى رئاسة الدولة الكبيرة، فإن من الواضح أن الآراء خير من رأي واحد، وأكثرية الآراء خير من أقليتها بالنسبة إلى الإطار العام، حتى إن خلافه إذا اتفق يكون خلافا ضئيلا، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول مكرّرا: »أيها الناس أشيروا عليّ«(31)، يقصد بذلك تدريبهم على المشورة والرأي.
كما أن قولـه (صلى الله عليه وآله وسلم): »أنا في الحزب الذي فيه ابن الأدرع(32)«(33) يدل على أنه كانت في زمانه أحزاب أيضا، ولا ينافي ذلك أن يكون المجموع هم من (حزب الله) كما أن أصحاب الأحزاب الباطلة هم بأجمعهم في (حزب الشيطان).
وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على رفعة نفسه وكثرة علمه واتصاله بالوحي وأنه (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ( إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ((34) يستشير أصحابه ويأخذ برأيهم في العديد من القضايا وربما فيما خالف رأيه المبارك، وذلك لتمرينهم على مبدأ الاستشارة، حتى فيما يرتبط بالسياسة وفي أمور الدولة والأمة، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته لابنه محمد بن الحنفية: »يا بني إياك والاتكال على الأماني..« إلى أن قال: »قد خاطر بنفسه من استغنى برأيه، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ«(35).
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): »ما يمنع أحدكم إذا ورد عليه ما لا قبل له به أن يستشير رجلا عاقلا له دين وورع« ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): »أما إنه إذا فعل ذلك لم يخذله الله بل يرفعه الله ورماه بخير الأمور وأقربها إلى الله«(36).
وهذه جملة من مشاورة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه والتي نرى فيها السلم والسلام بينا في نتائجها:

في غزوة بدر

جاء الحباب بن المنذر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة بدر، حيث نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكان فقال: يا رسول الله أ رأيت هذا المنزل أ منزل أنزلك الله سبحانه ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): »بل هو الرأي والحرب والمكيدة«.
فقال الحباب: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فامض بالناس حتى تأتي أدنى مياه القوم فنشرب ولا يشربون. فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): »لقد أشرت بالرأي«(37) وأخذ برأيه، لكن كلام حباب (ولا يشربون) لم يفعل به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما جعل أحواضا من الماء ملأ المسلمون مياه الآبار فيها، ولما جاء الكفار وأرادوا أن يأخذوا الماء أذن لهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذوا الماء كما شاؤوا.

في غزوة الأحزاب

وفي غزوة الأحزاب أخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) برأي جماعة من أصحابه حيث اختلفوا هل يخرجون من المدينة إلى الخارج ويحاربون الأحزاب، أم يبقون في داخل المدينة فإذا جاءهم الكفار حاربوهم؟، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يظهر أولا برجحان المقام في المدينة ليترك الأحزاب حتى يقدموا عليهم فيحاربهم في طرقها ولكن تقدم سلمان الفارسي (رضوان الله عليه) فأشار بالخندق وأخذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) برأيه وخرجوا من المدينة وكان رأيه الصواب(38).

في حصار الطائف

وفي مورد آخر حيث طال حصار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأهل الطائف، رأى بعض الصحابة أن يفاوض الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل الطائف وقبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رأيهم، فدخل في مفاوضات مع أهل الطائف(39).

ثمار المدينة

وفي قصة أخرى أراد أن يعطي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للكفار ثلث ثمار المدينة، بشرط أن لا يحاربوا المسلمين، فسأل سعد بن معاذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عما إذا كان للوحي دخل في ذلك؟ فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): »إنما هو أمر صنعته لكم رجوت من ورائه الخير«(40)، فقال سعد: اتركها يا رسول الله، إنهم لم ينالوا منا ثمرة حين كنا قبل الإسلام أذلاء، أفبعد أن أعزنا الله بك يأخذون ثمار المدينة عنوة لا والله، فقبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رأيه وردّ الكفار خائبين(41).

صلح الحديبية

ومن القصص الغريبة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسألة المشورة ما قام به في شروط صلح الحديبية حيث إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر أصحابه وهم مجتمعون في المسجد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى في منامه أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين، محلّقين رؤوسهم ومقصرّين كما ذكرتها الآية الكريمة: (لّقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرّؤْيَا بِالْحَقّ((42)، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأصحابه إلى الحج وبذل قصارى جهده في إقناع قريش أنه خرج حاجا وزائرا لا غازيا ولا محاربا، لكن أهل مكة رأوا أن ذلك إهانة لهم وهم أصحاب العدة والمنعة والقوة، فوقفوا أمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وصدّوه وأتباعه عن مكة المكرمة وعن المسجد الحرام وتأزم الموقف حتى انتهى بمعاهدة أمضيت بين المسلمين والمشركين على شروط لمدة معينة، منها من هاجر من المكيين إلى المسلمين يرده المسلمون إليهم ولا يرد المشركون من هاجر إليهم من المسلمين، وأن يرجع المسلمون عن مكة هذا العام على أن يدخلوها في العام المقبل، لكن أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد رأوا في تلك المعاهدة إجحافا لحقوق المسلمين، ولونا من الإهانة والذلة والاستصغار لا يتفق مع عزّة الإسلام وكرامته، ولذا استبد ببعضهم الغضب وظهر على وجوههم غيظهم، وكان البعض منهم يعبرّ عن ثورته بكلمات ما كان يظن أن يجري مثلها ممن آمن بالله واليوم الآخر، فقال مكذّبا للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ورؤياه حيث قال: والله ما حلقنا ولا قصّرنا ولا دخلنا المسجد الحرام ألست رسول الله وألسنا نحن المسلمين وأليس الله أخبرك بأنك تدخل فتحلق وتقصّر فعلام نعطي هذه الدنية في ديننا، لكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حلم حلما كبيرا لأنه عرف أن هذا الرجل لا يعرف عاقبة الأمر وإنما العاقبة هي المعيار، وأخيرا أصدر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أوامره إلى أصحابه لكي يستعدّوا للرجوع إلى المدينة، وطلب منهم أن يتحلّلوا من إحرامهم فعظم الأمر عليهم ولم ينقادوا إلى تنفيذ أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبدت علامات العصيان والتمرد على وجوههم، واشتدّ غضب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ كيف يمضي صلحا مع أعداء لـه ثم يغضبه جيشه ويثور عليه في تنفيذ أمره والوفاء بعهده، فدخل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على زوجته (أم سلمة) في هذا الموقف الحرج قائلا لها: »هلك المسلمون يا أم سلمة أمرتهم فلم يطيعوا« وهنا يظهر مقدار السمو ومبلغ التوفيق في الرأي والمشورة حتى عند امرأة كأم سلمة، فقالت أم سلمة: اعذرهم يا رسول الله، فقد حمّلتهم أمرا عظيما في الصلح فهم بذلك مكرهون، والرأي أن تخرج ولا تثور على أحد، فتبدأ بما تريد من الحلق، فإذا رأوك فعلت تبعوك وعلموا أن الأمر حتم لا هوادة وهم مؤمنون بك، محبوك ومضحّون لك، فاستقر قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على رأي أم سلمة وفكرها الثاقب فقام من فوره، وحلق أمامهم وصدّق رأي أم سلمة فلم يخالفه المسلمون حين رأوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى فعلوا مثله من الحلق، ثم رجعوا إلى المدينة موفين بعهدهم مؤمنين بحكمة نبيّهم(43)، وبذلك اجتمع شملهم وتوحّدت صفوفهم واتّحدت كلمتهم ولم يخذلوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل كانوا معه وإن كان في نفس بعضهم شيء، وقد ذكر بعض المفسرين إن هذا كان فتحا مبينا لأنه انتهى إلى الفتح، مثل:
(اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانشَقّ الْقَمَرُ((44) حيث أنزل الله سبحانه وتعالى حينئذ: (إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مّبِيناً( لّيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخّرَ وَيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مّسْتَقِيماً( وَيَنصُرَكَ اللّهُ نَصْراً عَزِيزاً( هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ السّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَاناً مّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلّهِ جُنُودُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً((45)، لكن بعضهم ذكر أن السورة نزلت بعد فتح مكة، وعلى أي حال فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) استشار امرأة في هذه القصة الخطيرة ونفّذ رأيها.
ومن المعلوم أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ( إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ
يُوحَىَ((46) لكن ضعاف النفوس من المسلمين لم يتمكنوا أن يحتملوا مثل هذا الأمر الذي كان ظاهره مشينا، وبعد رأي حصيف أخذه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من امرأة ظهرت به حكمة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وصدق الواقع الذي أشار إليه وأن عمله كان وفق الحكمة والصواب.

دلالات مبدأ الاستشارة

1. في هذه المشاورات(47) دلالة على لزوم أن لا يستبد الحاكم برأيه دون مشورة ذوي الرأي. فإذا استبد برأيه كان للأمة حق إلغاء ذلك الرأي ـ في غير المعصوم (عليه السلام) ـ.
2. كان بعض هذه الصور المتقدمة في سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مجال الشورى أن البادئ في الرأي هم أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أي أحد أفراد المجتمع، ويستدل من هذا على أن الإسلام أعطى حق المشورة للأفراد بأن يبدوا رأيهم في المجال الذي هم فيه حتى وإن لم يبدأهم القائد بالاستشارة.
3. ويلاحظ أيضا أن أصحاب المشورة في هذه الصور هم من أصحاب الخبرة أو من أهل الحل والعقد، كما أن إبداء الرأي من الأعم منهم، ومن هذا يستدل على أن أهل الرأي والحل والعقد عليهم أن يبدوا آراءهم حتى يكون القائد على بصيرة من أمره قبل أن يقدم على أي موقف سياسي.
4. ويتضح من هذه الصور المجالات التي يتطلب تطبيق مبدأ الاستشارة فيها، ففي بعضها كانت الشورى في المجال العسكري، وبعضها كان في المجال السياسي.
5. وفي الصورة الأخيرة يعرف دور النساء في مجال الشورى، وقد منحها الإسلام كامل الحرية لإبداء رأيها فيما تعرفه، وهذا الأمر لا يتناقض مع ما ورد من:
«شاوروهن وخالفوهنّ»(48). فإن الخلاف فيما إذا كان رأيهن غير صحيح، أما لو كان رأيهن صحيحا وصائبا فإنه يؤخذ به، ثم ليس كل النساء في مستوى واحد من المعرفة والثقافة والإيمان.
6. ويستدل من هذه الصور على لزوم التدريب وممارسة الاستشارة في كل الميادين وفي مختلف المجالات لكي تكون أمرا طبيعيا ليس فيها غرابة على من يراد أخذ الرأي من غيره حتى وإن اختلفت وجهات نظرهم حول رأي معين لأنه حينئذ يصقل وينضج وقد قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): »من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها«(49).
والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الصور كان عالما بكل تلك الأمور وإنما كان يريد تدريبهم على المشورة وأخذ الآراء التي يجمع عليها القوم.
7. ويتضح من بعض الصور أنه لا فرق في الإسلام بين مشورة عربي أو أعجمي، لأنه لا تفاوت وتمييز بينهما إلا بالتقوى، وأن المهم في ممارسة الشورى هو الرأي الأصيل والقول الصائب والفكرة الثاقبة فيقبل وإن كان صادرا من رجل ليس عربيا كما حدث في غزوة الأحزاب حينما تقدم سلمان الفارسي (رضوان الله عليه) فأشار بالخندق وأخذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) برأيه.
8. ومن فوائد الاستشارة والشورى ضمان عدم الاستبداد والطغيان، فإن صاحب المنصب والجاه ومن كان لـه موقع في الدولة ـ صغيرا أو كبيرا ـ قد يستبد برأيه ويطغى، وذلك لأن البشر بطبيعته يتجبّر ويتغيّر بسبب القدرة وامتلاك المنصب الوظيفي أو الاجتماعي العالي إلاّ من عصمهم الله تعالى وهم المعصومون (عليهم السلام) فقط، كما يمكن للصحافة الحرة والإعلام الحر والأحزاب المتنافسة وما أشبه من أن تقف أمام الحاكم من أن يتغيّر ويطغى.
وقد كان أحد العلماء يقول: إذا انقلب شخص من كونه مأموما إلى كونه إمام جماعة، أو من عدم كونه قاضيا إلى كونه قاضيا، أو من كونه مقلّدا إلى كونه مرجع تقليد، أو من كونه محكوما إلى كونه حاكما، في أية رتبة من الحكم، لاستصحب حالته السابقة، مع وجود احتمال تغيره وطغيانه لأن هذه الأمور متغيّرات وقد قال سبحانه: (إِنّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىَ( أَن رّآهُ اسْتَغْنَىَ((50)، وكل تغيير من هذا القبيل نوع من الاستغناء، وعلى هذا يلزم مراقبة سيرته فإن كان على حالته السابقة من النزاهة والعدالة يبقى الاعتماد عليه وتقوم مسيرته، وإذا كان العكس فالحل هو ما يتخذ من رأي في الشورى التي تعقد لأجل إصلاح هذا الأمر.
ولذا يلزم على الحاكم المنتخب من قبل الأمة أن لا يتغيّر عمّا كان عليه قبل الحكم، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): »يد الله فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة، فإذا حاف في الحكم وكله الله إلى نفسه«(51)، وإذا تغير نحو الأسوأ ينبغي أن يقال ويخلع من قبل الشعب.
9. وأخيرا يعرف أن السلم والسلام والأمن والنجاح في المجال السياسي يكون عبر حرية الرأي في ممارسة الشورى وتطبيق الاستشارة وعدم الاستبداد بالرأي، ومن هنا يعرف بعض أسباب سيطرة الغرب على مقدرات المسلمين فحينما أخذ الغرب بهذا المبدأ الإسلامي نجحوا وسيطروا على العالم، بينما نحن تركناه فخسرنا، وليس آخرتنا فحسب، بل ودنيانا أيضا حيث صار غيرنا سادة علينا، ولذا قال سبحانه وتعالى:
(يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السّلاَمِ((52)، فإن من السلام أن يكون الإنسان سيدا لا مسودا، وقائدا لا مقودا، وفي قبض الزمام لا في مؤخرة القافلة، وحينما ترك المسلمون طريق الإسلام والقرآن وسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يهتدوا بنور أهل البيت (عليهم السلام) تداعت عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها وتتهافت عليهم تهافت الذئاب على الشاة القاصية.

الحركات والتيارات الإسلامية المعاصرة

مسألة: من الواجب على الأمة وقياداتها أن تهيّئ أسباب الحرّيات المكفولة في الإسلام ليسود السلم والسلام المجتمع الإسلامي، وهذا لا يكون إلا بالوعي العام وبالتعدّدية الحزبية وجعل الحكم بالانتخابات الحرة وإحياء قانون الشورى والاستشارة وتطبيقه بصورة عملية صحيحة كما ذكرنا ذلك في جملة من كتبنا تفصيلا تارة وإجمالا أخرى. وكان الأمل معقوداً على طليعة هذه الأمة والنخبة الواعية المتمثلة بالحركات الإسلامية في أن تهيأ الأسباب لإحياء هذا القانون، ولكن اتضح فيما بعد أن الكثير من الحركات الإسلامية، تدّعي المشاورة وعدم الاستبداد وما أشبه ذلك، فلمّا قوي أمرها وصارت ذات نفوذ فعلت مثل أفعال من سبقوها من المستبدين، وهذا في تصورنا من أسباب عدم تمكن الحركات من الوصول إلى الحكم، مع أنه انقضى منذ سقوط القاجاريين والعثمانيين ما يقارب القرن.

أسباب عدم تمكن الحركات الإسلامية من الوصول إلى الحكم

إن الحركات الإسلامية لم تنجح في الوصول إلى الحكم الإسلامي مع أن البلاد بلاد الإسلام والأمة مسلمة، ومع أن الكل ـ باستثناء النادر ـ يحبون الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا، فذلك لأمور:
الأول: رغم أن الحركات والتيارات الإسلامية كافة حدّدت مواقفها من الصراعات الفكرية والمذهبية المعاصرة، أمثال: الشيوعية والبعثية والقومية والديمقراطية الغربية والاشتراكية والرأسمالية إلا أنها لم تهتد لاتخاذ الموقف الصائب من الهجوم الغربي الفكري والذي تم بمختلف أساليبه على بلاد الإسلام.
وقد انقسم المسلمون أمام هذا الهجوم الفكري إلى ثلاث جماعات:
الجماعة الأولى: فرقة اتجهت بكلّيتها إلى حضارة الغرب ومناهج حياته وأساليبه، فقد انحازوا إلى الغرب كلّيا في المناهج والأنظمة والتطبيقات وسائر الخصوصيات، وبذلك خسروا دنياهم وآخرتهم، ودنيا غيرهم وآخرتهم، والعديد من المثقفين عندنا هكذا صنعوا، ولهذا تفشت الحركات العلمانية في المسلمين، وأباحوا المحرمات وتركوا الواجبات، إلى غير ذلك، وهؤلاء هم الذين جعل الغرب الحكم بأيديهم فمنهم الحكام ولهم الأحكام.
والجماعة الثانية: هم الذين أخذوا شيئا من هذا وشيئا من ذاك، فصاروا:
(مّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَىَ هَـَؤُلآءِ وَلاَ إِلَى هَـَؤُلآءِ((53) فهؤلاء يتذبذبون ويتأرجحون بين نهجين مفضلين مسك الهراوة من الوسط والمثابرة على التذبذب والتأرجح.
والجماعة الثالثة: هي الجماعة التي أدارت ظهرها للغرب وعكفت على الاتجاه التقليدي السابق، فدعوا إلى العودة للقديم قلبا وقالبا ومظهرا ومخبرا، وغالب الحوزات العلمية، السنية والشيعية اتجهت هذا الاتجاه، ومنها أيضا بعض الحركات الإسلامية.
لكن من الواضح لزوم معرفة أن الصغريات المتغيرة تدخل في أي الكبريات؟ فهل يلزم إدخالها في كبريات جدد أو الكبريات السابقة، فمثلا إذا كان استيراد البضائع الأجنبية يوجب الضرر والمكوس، وذلك حرام شرعاً، ومن جانب آخر قانون حرية التجارة الإسلامي يبيح الاستيراد والتصدير، فهل المعيار هو (لا ضرر)(54) أو قانون الحرية، علماً بأن بين (لا ضرر) وبين الجمرك عموم من وجه، إلى غير ذلك من مئات الأمثلة والفروق.
فالغزو الفكري الغربي كان أحد الأسباب التي أدت إلى عدم نجاح الحركات في الوصول إلى الحكم.
الثاني: الرؤية الضبابية لقضايا معلقة لم يعرفها البعض، مثل الموقع الاجتماعي للمرأة في الإسلام، وما يتعلّق بقضايا الزّي والعمل والإسهام في الأمور العامة من شؤون الحكومة وغيرها، وحقوقها السياسية، وحقوقها الاجتماعية، وحقوقها الاقتصادية، وحقوقها البيئية، وحقوقها العملية، وما أشبه ذلك.
الثالث: قضية الوحدة الوطنية، فهل الاعتبار في الإسلام بالوطن القومي، أو بالوطن الجغرافي، أو بالوطن اللغوي، أو بالوطن الإسلامي، بما أنهم يعيشون مسلمين تحت ظل الإسلام، مثلا الهند كانت قبل الاستقلال حكومات وأديان ولغات ومناخات وجغرافيات وما أشبه ذلك، لكن حزب المؤتمر تمكن أن يوحّد الجميع تحت لواء الهند، وإن اختلفوا في اللغات والأديان والمذاهب والقوميات والمناخات وغيرها.. أما المسلمون فلم يتمكّنوا بعد من نشر مفاهيم الإسلام القائلة بوحدة الوطن الإسلامي بلا حدود جغرافية، وأن الجميع يعيشون تحت ظلّ الأخوة الإسلامية، وإزالة ما لحق بالمسلمين من الأهواء والجهل والتردد كما ورد عن جعفر بن محمد (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) قال: »يا علي آفة الحسب الافتخار«، ثم قال: »يا علي إن الله قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا إن الناس من آدم وآدم من تراب وأكرمهم عند الله أتقاهم«(55).
الرابع: عدم تطبيق المفهوم الإسلامي الذي هو مبنيّ على الشورى والعدل والمساواة وكفالة الحقوق والحريات للمسلمين وغير المسلمين الذين يعيشون تحت لواء الإسلام مما يرتبط بالقيم الدستورية التي هي الدعائم الأساسية في حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام علي (عليه السلام)، فقد اختلطت الأوراق في أذهان جماعة من المسلمين المنضوين تحت الحركات الإسلامية والتيارات الإسلامية فصاروا بين مفرطين ومفرّطين، وقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه: »لا يرى الجاهل إلا مفرطا أو مفرّطا«(56)، ومن الواضح أن النجاح لا ينضوي تحت ألوية أمثال هؤلاء الذين لا يرون المبادئ والأصول والأوليات والثانويات على حقيقتها.
الخامس: كيفية تطبيق كليّات الشريعة على الصغريات الخارجية، فإن الكليات يجب أن تكون مستفادة من الكتاب والسنة، والمراد بالسنة الأحاديث والسيرة، فإن إحداهما تكمل الأخرى، مع مراعاة كون التطبيق حسب الزمان والمكان والشرائط، فإنه لا إشكال في أن تطبيق الشريعة هو مطلب جماهيري لكل المسلمين إلا من شذّ منهم من تلاميذ الغرب والشرق، وليس مطلبا قاصرا على الجماعات الإسلامية فقط.
لكن عنجهية وتعصب بعض الجماعات الإسلامية على خلاف ما ورد في القرآن الحكيم حيث قال سبحانه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ((57) وقفت أمام تنفيذ هذا المطلب، فالاحتيالات والسباب والتهجّمات والمهاترات ورؤية النفس أرفع من الغير واحتساب الغير جهلة، كفرة، منافقين، فاسقين، عملاء للغرب، إلى غير ذلك، سبّب الحؤول دون جماهيرية الأفكار التي تحملها التيارات والحركات الإسلامية، ولذا نشاهد منذ ما يقارب القرن أنه لم تظهر حركة تتمكن من النهضة والقيام.
السادس: أميّة كثير من أعضاء الحركات ـ خصوصا الشباب منهم ـ بالنسبة إلى الرؤية الإسلامية الصحيحة، وسرّ الأميّة أولا عدم تمكّنهم من استيعاب الإسلام، فهم صاروا كما قال سبحانه وتعالى بالنسبة إلى اليهود: (وَمِنْهُمْ أُمّيّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيّ((58)، بالإضافة إلى أن جماعات منهم تولّدت فيهم عقدة الشدة والغلظة والعنف، حيث لم نجد بلدا إسلاميا واحدا لم يحارب نهضة المسلمين وخصوصا الحركات الإسلامية، ولم يودعهم في السجون ولم يمارس معهم سياسة التعذيب.
وقد سبّب ذلك تكفيرهم للحكام والمجتمع على حدّ سواء وهم يردّدون دائما:
(وَمَن لّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ((59) وكذلك: (وَمَن لّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ((60) وأيضا: (وَمَن لّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ((61) من دون أن يفهموا معنى (ما أنزل الله( وكيفية الوصول إليه، وبذلك صاروا عنيفين، والعنيف لا ينضوي تحت لوائه أحد كما هو واضح، فكان اتخاذ أسلوب العنف سبباً رئيسيا لفشل هذه الحركات، بينما اللازم اتخاذ أسلوب السلم والسلام للوصول إلى الأهداف.
السابع: افتقار كثير من الحركات الإسلامية والتيارات في العالم الإسلامي ككل إلى الرؤية الموضوعية الشاملة للواقع الإسلامي القابل للتطبيق في هذا القطر الواسع من البلاد التي تحتوي على أكثرية مسلمة، فإن الافتقار إلى هذه الرؤية الموضوعية يجعل من تحركات الجماعات الإسلامية أقرب ما يكون إلى ردود الفعل أو إلى الأفعال المنغلقة اللاإرادية، ولذلك حرم العمل الإسلامي من فرصة إحراز أي تقدم ملحوظ نحو هدفه النهائي، وإنما صارت الحركات الإسلامية تدور في حلقة مفرغة من الفعل وردّ الفعل ثم الفعل وردّ الفعل وهكذا.
ومن الواضح أن تحويل هذا الشيء إلى الواقع يحتاج أولا إلى رؤية شاملة بالإعلام الواسع والثقافة الفكرية، وثانيا هو بحاجة إلى قيادات قوية ضابطة للنفس وبعيدة عن العنف إلى أبعد الحدود حتى تتمكن من توجيه القاعدة، لا ما اعتاده بعض قادة المسلمين من أنهم يختفون وراء ستار من اللاواقعية ثم يعمدون إلى انحراف هذا الشاب أو تلك الجماعة الفرعية أو غيرها بالعنف والسباب والتهريج وأمثال ذلك، ولهذا السبب نجد كثيرا منهم لا يبالون إلا بالمظاهر كتطويل اللحى وتقصير الثياب، وعدم احترام مبدأ التخصص ومبدأ الشورى في اتخاذ القرارات سواء في داخل الحركات أو في خارجها، وعدم دعوتهم إلى التعدّدية، بل أكثر الحركات الإسلامية تتصف بالدكتاتورية والاستبداد.
الثامن: عدم وضع خطة للعمل الإسلامي تتضمن الأهداف والوسائل المشروعة فكل يدّعي الرجوع إلى عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته، لكن هذه الفكرة تحتاج إلى تخطيط كما قال سبحانه: (أَنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا((62) فما هي خطة العمل المدروسة المحدّدة الأهداف والمراحل؟ وما هي الوسائل المشروعة لبلوغ هذه الأهداف مرحلة فمرحلة حتى تصل إلى النهاية؟ ومن الواضح أنه من غير هذه الخطة يضطرب العمل ويتعرض لمخاطر قد تودي بحياة هذه الحركات أو تنال من فعاليتها ونمائها أو توجب تشوّهها في أذهان أصحابها فكيف أذهان الآخرين؟!.
التاسع: عدم الالتزام الواقعي العملي بالمبادئ التي تدعو إليها كثير من الحركات، مثل مبدأ الشورى، ومبدأ العدل، ومبدأ المساواة، ومبدأ السلم واللاعنف، ومبدأ حرية الرأي والنقد، وفرض وصايتهم وهيمنتهم على الآخرين بلا أي مبرر لذلك، وكأنهم الرسول الذي نصّبته السماء مع أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المنصوب من السماء أيضا كان يأخذ بهذه المبادئ ولو مجاراة، فإنه كان يرجع إلى رأي الناس مع أنه (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ( إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ((63)، ويعلم الغيب بتعليم الله تعالى كما قال سبحانه، (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىَ غَيْبِهِ أَحَداً( إِلاّ مَنِ ارْتَضَىَ مِن رّسُولٍ((64) لكنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلّه كان يظهر شيئاً ثم يعمل بالمشورة بخلاف رأيه لتعليم المسلمين ذلك لأنه أسوة. وكذلك كان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يلاحظ رأي أصحابه، وفي قصة صلاة التراويح وقصة عزل شريح القاضي عن تولية القضاء(65) يعرف أن الإمام (عليه السلام) كيف ترك القوم على ما أرادوه لما أخذوا يطالبون به.
وتتبع الدكتاتورية في الكثير من القيادات الإسلامية نزعة تقديس الأشخاص وتصنيف المسلمين حسب درجات ولائهم للتنظيم أو درجات ولائهم للقيادة، ومن الواضح أن ذلك يفسد الحركة والسمعة ويزّهد الآخرين في الانضواء تحت هذا اللواء أو ذاك.
العاشر: محاربة الحركات الإسلامية بعضها لبعض وتكفير بعضها لبعض، وحتى إذا دخلوا السجون كفّر هذا ذاك وذاك هذا، وانطبق عليهم قولـه سبحانه: (كُلّمَا دَخَلَتْ أُمّةٌ لّعَنَتْ أُخْتَهَا((66).
لكن الآية الكريمة في الطولي وهؤلاء نشاهدهم يعملون ذلك في العرضي، ناسين قولـه سبحانه:(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُواْ((67) وقولـه سبحانه: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوّةٍ أَنكَاثاً((68).
وقد قامت في عصرنا الحديث حكومات باسم الإسلام لكن نشاهد أن كل حكومة تكفرّ الحكومة الأخرى بينما كل حكومة من هذه الحكومات تصاحب حكومة علمانية ولو كانت بعيدة كلّ البعد عن الإسلام.

مؤتمرات لنجاح الحركات الإسلامية

وينبغي هنا بيان كيفية وضع الحلول العلمية والموضوعية والواقعية لنجاح الحركات الإسلامية، فإن من الواضح أن هذه المشكلات وأمثالها وهي كثيرة ومتعددة ومتلونة حسب ألوان الحركات لا يمكن أن توجد لها الحلول العلمية والموضوعية والواقعية إلا إذا أعيدت تلك الأفكار الإسلامية المستفادة من القرآن والسنة وتم إعادة بناء الجسور بين الأقطار الإسلامية وبين التيارات الإسلامية وسائر الجماهير الإسلامية من حكومات وشعوب على أساس الأخوة والأمة الواحدة والحرية، وذلك لا يكون إلا بالمؤتمرات المشتملة على من لا يريدون جاها ولا مالا ولا زواجا من ملكات الجمال كما شاهدنا ذلك في بعض الحركات، حتى يطمئن البعض إلى البعض ويطمئن الجميع إلى الجميع، ولعل الله بذلك يحدث أمرا.
وينبغي أن تكون هذه المؤتمرات قائمة على أسس السلم والسلام، لتكون الحركات الإسلامية بعيدة كل البعد عن العنف والإرهاب.
قال سبحانه: (وَعِبَادُ الرّحْمَـَنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً((69).
وقال تعالى: (تَحِيّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً((70).
وقال سبحانه: (الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ((71).
وقد رأينا كيف أن المسلمين لم يحاربوا أحداً إلا ليصدوا الاعتداء عنهم وعن دولتهم وعقيدتهم، ووجدناهم لم يستلوا سيوفهم إلا عند اليأس من مسالمة الأعداء وفي أقصى حالات الضرورة، فلم يكن عفو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصاً بأهل مكة فحسب، بل كان يعفو عن كل من استولى عليهم.
فالمسلمون لم يحاربوا في حروبهم إلا المحاربين فقط، ولم يتجاوزوا في حربهم حد الدفاع، فلم ينتقلوا إلى الانتقام الحاقد المبيد، وكان المسلمون يجنحون إلى السلم إذا ما جنح لها الأعداء حيث قال سبحانه: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا((72)، ثم رأيناهم رحماء بالبشر لا يمثلون بالقتلى ولا يخربون العمران، ولا يجبرون أحدا على نقض دينه واعتناق الإسلام، ولم يقطعوا شجرا ولم يلقوا سمّا في الماء، كما لم يحولوا بين الماء وبين شرب الكفار، حتى أنهم إذا تمكنوا من الحيلولة لم يفعلوا ذلك وإن كانت الحيلولة تؤمن النصر السريع.
روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا بعث أميرا لـه على سرية أمره بتقوى الله عزوجل في خاصة نفسه، ثم في أصحابه عامة، ثم يقول: اغز بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغلوا، وتمثلوا، ولاتقتلوا وليدا، ولا متبتلا في شاهق، ولا تحرقوا النخل، ولا تغرقوه بالماء، ولاتقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعا، لأنكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه، ولا تعقروا من البهائم مما يؤكل لحمه إلا ما لابد لكم من أكله»(73).

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

مسألة: من الأمور المهمة التي لها علاقة مباشرة بالحرية السياسية وحرية الرأي والشورى وترسيخ السلم والسلام: فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ تعتبر هذه الفريضة إحدى قواعد السلام وركائزه ومقوماته، وهناك جملة من الأدلة على ضرورتها، نشير إلى بعضها:
1: إن الله يصف المؤمنين الذين يمكنهم في الأرض ويجعل لهم السلطة بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذا شرط للتمكين في الأرض وإدارة الحكم وبهما يتم إحلال السلام والأمن،تقول الآية: (الّذِينَ إِنْ مّكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ((74).
2: الدعوة إلى الخير ـ بما فيه السلم والسلام ـ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متلازمان، وإذا فقد الإنسان حريته العامة لا يتمكن من مزاولة أعماله ونشاطاته خير تمكّن، منها على سبيل المثال شعائره الدينية التي يعتقد بها فلا يستطيع ممارستها على الوجه المطلوب، فلم تكن هناك دعوة إلى الخير ولا إلى الأمر بالمعروف ولا إلى النهي عن المنكر، بينما قال سبحانه وتعالى: (وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ((75). وإذا فقدت هذه الفريضة تقوضت إحدى ركائز السلام ومقوماته.
3: عدم القيام بهذه الفريضة سبب لهيمنة الأشرار على البلاد وسيطرتهم على العباد، وفي حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: »لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم«(76).
ومن الواضح أن الأخيار إذا لم يأمروا ولم ينهوا تقدّم الأشرار حتى يكونوا هم الأمراء الذين يسومون الناس خسفا ويعملون بالمنكر فيكون هناك كما في الحديث:
«باك يبكي على دينه وباك يبكي على دنياه»(77). وهذه الحالة هي التي يعبر عنها بالفتنة ومن خصائصها أنها تعم الجميع، ولذا ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: »ما أقر قوم بالمنكر بين أظهرهم لا يغيرونه إلا أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده«(78).
وفي القرآن الكريم: (كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ((79).
وفي آية أخرى: (وَاتّقُواْ فِتْنَةً لاّ تُصِيبَنّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصّةً((80).
ففي الدنيا الفتنة وفي الآخرة العقاب، لكن من الواضح أن العقاب في الآخرة إنما هو للذين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما فتنة الدنيا فهي عامّة وذلك لقانون الأسباب والمسببات، أما بالنسبة إلى الآخرة فتختلف الموازين، فهناك عدل مطلق ليس فيه ظلم إطلاقا، فإن الله لا يظلم الناس مثقال ذرة، وقد ذكرنا ذلك في كتاب (تفسير القرآن الموضوعي) بتفصيل كما هو مذكور في علم الكلام أيضا.
ومن هنا ورد الذم في كثير من الروايات لتاركي هذه الفريضة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »بئس القوم قوم لا يقومون لله تعالى بالقسط، وبئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر«(81).
وتفصيل أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مذكورة في الفقه.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): »من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ليس وراء ذلك شيء من الإيمان«، وفي رواية: »إن ذلك أضعف الإيمان«(82).
وإنما وجب النهي عن المنكر بالقلب حتى لا ينحرف الإنسان فيرى المنكر معروفا والمعروف منكرا، كما نشاهد ذلك في كثير من المنحرفين الذين لا يأبهون بالمنكر إطلاقا ويمرّون عليه كأنه معروف.
وليس المراد بلزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مورد التأثير الكامل فقط، كما ذكرناه في الفقه، بل احتمال التأثير كاف في الوجوب في مقابل القطع بعدم التأثير، ولذلك فإذا احتملنا الفائدة في النهي إذا اجتمع بغيره ونهاه ثان وثالث ورابع حتى المائة، وجب على كل واحد منهم، لأن كل واحد يكون جزء فإذا اجتمعت الأجزاء تكون النتيجة، كقطر المطر حيث إن قطرة وقطرة وقطرة إذا اجتمعت يكون السيل الجارف للأبنية والأشجار والقطيع من الأغنام وغيرها.. وهكذا يجب النهي عند احتمال الفائدة فيه ولو بعد عدة سنوات، وقد قرّر علماء الاجتماع تقبل الإنسان عادة ولو بعد حين، فإذا قال كلاما لشخص وهو قاطع بعدم جدواه الآن، لابدّ وأن يكون لهذا الكلام تأثير فيه بعد مدة ـ ولو كان تأثيرا جزئيا ـ فإن الله خلق الذهنية بحيث تتقبل النصيحة.
وفي الإنجيل: (في البدء كان الكلمة)(83).
وفي القرآن الحكيم قال سبحانه: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ((84).
فالبدء كانت القراءة، وبداية (بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ( لا تنافي ذلك، فقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): »كل أمر ذي بال لا يذكر فيه بسم الله فهو أبتر«(85) فالبسملة مقدمة.
ثم أردف الله سبحانه بالقراءة الكتابة حيث قال سبحانه:(عَلّمَ بِالْقَلَمِ((86) دلالة على أن القراءة والكتابة هما محورا كل تقدم وفضيلة ودين وتقوى.
مضافاً إلى تصريح الفقهاء بعدم اشتراط التأثير الفعلي إذا كانت أسس الدين في خطر فاللازم الأمر والنهي، وإن انتهى الأمر إلى أن يقتل الآمر الناهي كما فعل الإمام الحسين (عليه السلام)، أما إذا لم يكن أصل الدين في خطر وخاف القتل أو ما أشبه سقط عنه الأمر والنهي.
روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك، فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة وجعفر».
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر«(87).
وقد يظن بعدم شمولية هذه الفريضة لكل مكلف، لقوله تعالى: (وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ((88)، ولكن (منكم( نشوية(89) لا تبعيضية لظهور قولـه: (أولئك هم المفلحون( وأن غيرهم ليسوا بمفلحين.
أما قولـه سبحانه: (يَـا أيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرّكُمْ مّن ضَلّ إِذَا اهْتَدَيْتُم((90)، معناه مع عدم تمكّنهم فإن القدرة شرط التكليف، فإذا لم يتمكن من هداية الضالين أو لم يقبلوا منه فقد برأ عن مغبّة ذلك وتقع التبعة على من ضل.
وأما قوله تعالى: (وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمّرْنَاهَا تَدْمِيراً((91)، فالمراد أمرهم بالطاعة ففسقوا، ولم يقتصر في نزول العذاب على مخالفة أمر العقل فحسب، لأن الله سبحانه لا يهلك القرى ولا يعذب أحدا إلا بعد مخالفته أوامر الشرع وبعث الرسل، وهو عزوجل يقول: (وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّىَ نَبْعَثَ رَسُولاً((92)، ولهذا فإن معنى قوله: (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها((93) أي: أمرناهم بالطاعة فخالفوا، كما يقول الطبيب: (أمرته ففسق وخالف) أي أمره بشرب الدواء وأخذ العلاج وما أشبه، وحينذاك يحق عليها التعذيب والإهلاك، وعندها دمّر الله سبحانه وتعالى تلك القرية تدميرا.
وفي نهاية هذا البحث عن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنها إحدى قواعد السلم والسلام وركائزه ومقوماته في المجتمع الإسلامي ينبغي بيان أن هذه الفريضة ليس لها دور في إحلال السلام إلا إذا كان هناك واقع ملائم لحركة هذه الفريضة وممارستها.
وينبغي التدرج في تطبيق قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي بعض مراتبه لابد من الرجوع إلى الجهات المعنية كي يؤدي دوره بصورة أكمل في إحلال السلام، وهذا ما يتطرق له الفقهاء في الفقه في باب الحدود والتعزيرات، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): »من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ليس وراء ذلك شيء من الإيمان«(94)، ظاهره أن التغير باليد يستطيع أن يؤديه غير الحاكم الشرعي، ما لم يصل إلى مرتبة الحدود أو التعزيرات، وإلا فلا يمكن أن يأمر بها ويتم تنفذيها إلا بإذن من الحاكم الشرعي.
وربما يقال بأن هذا التعبير: (فليغيره بيده) كناية عن إقامة الحد والتعزير، وذلك إذا قلنا بأن المخاطب فيه هم الفقهاء، ولكنه بعيد لأن شهرة الحديث واردة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس في باب الحدود والتعزيرات.
نظرة الإسلام لظاهرة العنف والإرهاب

أوجه الصراع البشرية

مسألة: ظاهرة العنف والإرهاب محرمة شرعاً، ومن مصاديقه القتل والغدر والاختطاف والتفجير والتخريب وما أشبه.
إن مسيرة الصراع بين البشرية في مختلف الميادين ابتدأت منذ أن هبط آدم (عليه السلام) إلى الأرض ووجد الإنسان عليها، قال سبحانه: (اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ((95).
وقد كان لهذا الصراع وجهان سلبي وإيجابي، فأما الأول: فله مظاهر كثيرة منها صراع من أجل السيطرة الفردية على الحياة ومميزاتها وسحق الآخرين وحقوقهم، فالبعض يريد لنفسه جلب أكثر قدر من النفع ودفع أكثر قدر من الضرر، وآخر سعى للتحكم على ما ينفعه وما ينفع غيره، وثالث أخذ يلحق الأضرار بالآخرين.
وليس هذا الوجه من الصراع في هذه المسيرة مما جبل عليه الإنسان لأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق فطرة الإنسان مجبولة على الشر وإنما الشر في استعماله المنحرف، كالإنسان المجرم يستعمل السكين في قتل الأبرياء. وليس من طبع السكاكين القتل وإنما جعلت للفائدة.
وأما الوجه الإيجابي لهذا الصراع في هذه المسيرة فهو التنافس الذي يوجب تقدم الحياة، فعلى سبيل المثال الصراع في الجانب المعنوي، فلو لم يوجد بين الإنسان والشيطان، لم يتمكن الإنسان من التقدم إلى الدرجات الرفيعة في الدنيا ولا في الآخرة، ولم يمكنه الاختبار ليخرج فائزا، وينال درجة تسمو درجات الملائكة.
وكذلك لولا الصراع والتنافس بين دول العالم في الجانب المادي لما حصل هذا التطور الذي تنعم فيه البشرية في المجالات المختلفة. إذ به تمكن الإنسان من الاكتشافات الغريبة، ولم يقتصر في طموحه على اكتشاف أسرار الأرض من بحارها وجبالها وأنهارها وأعماقها، بل شجعه البحث إلى اكتشافات جديدة في الكواكب الأخرى، حتى وصل إلى المريخ بل يريد اليوم الوصول إلى سائر المجرات.
ولا يقتصر هذا الوجه الإيجابي من هذا الصراع على الإنسان فقط، بل يشترك معه حتى الحيوانات، فالصراع بينها ـ كما في الأسد مثلا حينما يأكل الغزال، والثعلب في أكله للدجاج ـ هو نوع من الجمال والتطور والبقاء في الحياة.
ولا يكون هذا ظلماً في الأطر المقررة، نعم إذا تجاوز الحدود فإنه ظلم ويقتص منه،تقول الآية الكريمة: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ((96).
وقال الإمام علي (عليه السلام) في قولـه عزوجل: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً((97) »فهو ميزان العدل يؤخذ به الخلائق يوم القيامة، يدين الله تبارك وتعالى الخلائق بعضهم من بعض ويجزيهم بأعمالهم ويقتص للمظلوم من الظالم«(98).
وقد ورد في الأحاديث أن الله يقتص للعجماء من القرناء(99).
وأما ما كان لأجل الأكل وليس بظلم فيثيب المظلوم إن صح التعبير.
وقد أكدت بعض الدراسات الحديثة على أن هذا الصراع هو الذي يوجب نمو هذه الحيوانات وكمالها، وقد قام فريق من العلماء ببعض التجارب في هذا المجال وذلك حينما أخلوا جزيرة من الحيوانات المفترسة المؤذية وملأوها بالوعول والغزلان وما أشبه ذلك، وبعد مدة رأوا ظهور الترهل على هذه الحيوانات وسقوطها عن الكمال والجمال.
ومنشأ هذا الصراع والتنافس بين البشرية في الوجه الأخير هو الطموح وهو حسن في نفسه إذا استعمل في موضعه، وربما يعبر عنه بالطمع، قال سبحانه وتعالى:
(وَالّذِيَ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّينِ((100).
وطموح الإنسان عادة يغلب إرادته كما هو طبيعة التنازع بين النفس المطمئنة، والنفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة.
ومن هنا نرى طبيعة الإنسان تنزع إلى الطموح المشروع وغير المشروع، وهذا يؤدي إلى الخلاف مع الغير، والخلاف يقود إلى النزاع والصراع، وكثيرا ما يوجب ذلك العنف والإرهاب.
وقد اصطلح في العصر الحديث على أحد طرفي الصراع السلبي بالإرهاب، ومن خلال استعمال هذا المصطلح في وسائل الإعلام العالمية كان مفهومه أقرب إلى مجال السياسة منه إلى المجالات المختلفة، ولهذا أدرج هذا الموضوع (نظرة الإسلام إلى العنف والإرهاب) في هذا الفصل. وقد تحدثنا عن بعض جوانب هذا الموضوع في بعض كتبنا(101) وهنا سنذكر ما يتعلق منه بمفهوم السلم والسلام.

دلالات مصطلح الإرهاب

وردت مادة (رهب) في القرآن الكريم وأريد به المعنى اللغوي لا ما هو المصطلح في يومنا هذا، فالمقصود به ما يكون سبباً للردع عن العنف والإرهاب لا مشجعاً له.
وذلك لأن الطغاة عادة يقومون بالسيطرة على البلاد والعباد متخذين سياسة العنف والإرهاب والقتل والقمع، كما هو المشاهد في طول التاريخ، من هنا أراد الإسلام للمسلمين أن يكونوا أقوياء حتى لا يطمع فيهم طامع، فقالت الآية الكريمة: (وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ((102)، ومعنى (ترهبون( هنا هو ردع العدو بتلك القوة التي هيأت كي يمتنع من اتخاذ أي قرار في المهاجمة، وهذه وقاية لكي لا تقع الحروب ولا تنجر البشرية إلى العنف والإرهاب كما لا يخفى، ومما يدل على ذلك سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كانت بعيدة كل البعد عن العنف والإرهاب، وإنما أراد (صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين القوة حيث كان المشركون يخططون ضدهم كل يوم ويشنون الحروب الدامية للقضاء عليهم.
ثم إن وسائل استخدام الردع كثيرة، ومن أهمها القوة السياسية والإعلامية والدولية والدبلوماسية.
وهذا لا يعني التسابق في امتلاك الأسلحة الخطرة كما هو دأب الغرب والشرق، بل ذكرنا في بعض كتبنا لزوم التخلي عن جميع الأسلحة المتطورة حالياً، من النووية والجرثومية وحتى القنابل والطائرات الحربية والدبابات وما أشبه من مختلف الأسلحة النارية، فإنها سلاح غير عادل.
وقد رأيت كتابا اسمه (الردع النووي) قصد فيه المؤلف أن طرفي العالم من الشرق والغرب يردع كل منهما الآخر بما يملك من الأسلحة النووية بحيث أن أحدهما لو عرف أن سلاحه أكثر من سلاح الآخر لهاجمه بلا تفويت للفرصة، أي عند ما يكون هناك توازن فهذا يوجب الردع، وحينئذ تكون الحرب في منتهى العسر إن لم تكن مستبعدة بشكل نهائي ما دامت إمكانية الظفر غير متوفرة.
ولكن الردع الأكبر هو نزع مختلف الأسلحة المتطورة عن جميع البشر وجميع الدول، ويمكن ذلك عبر اجتماع عقلاء الأمم، كما اجتمعوا لنزع أسلحة الدمار الشامل المحظورة.
وكان على المسلمين أن يتمسكوا بالقوة التي أمر الله بها بعيدة عن العنف ووقاية له، ولكن مما يؤسف لـه أنهم لم يوفقوا لذلك، بل ترك كثير منهم سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في تثبيت قواعد السلم والسلام.
وقد حرف مصطلح الإرهاب الذي وضع للصد عن التعدي وهدر الحقوق إلى ما يعني العنف، فكثرة استخدام هذا المصطلح في وسائل الإعلام الغربية جعله وكأنه من وضع الغرب ومصطلحاته التي وضعها في قاموسه السياسي والعسكري.
علماً بأن مادة رهب في القرآن مصطلح أقرب إلى السلم منه إلى الحرب على ما بيناه، بينما جعله الغرب ينطبق على مختلف حالات العنف فسميت به، وقد اتهم الإسلام به من قبل بعض المغرضين، مع أن الإسلام هو الدين الذي يدعو العالم كله إلى السلم والسلام ونبذ العنف والإرهاب.
وهناك بعض الغموض في مصطلح الإرهاب اليوم، فكل يتهم الطرف الآخر بكونه إرهابياً، فهل حركات التحرر من الأجنبي سواء كانت إسلامية أو وطنية أو غيرها تعتبر إرهابية، وهل جهاد الشعوب ضد الحكام الطغاة المستبدين أيضا إرهاب، وهل يصح نسبة رجالات الفكر والعلم والمعرفة إلى الإرهابيين.
نعم قد تكون بعض الحركات والرجالات تسير في طريق العنف والإرهاب بالمعنى المصطلح وهؤلاء لايمثلون الإسلام وهو بريء منهم، لأنهم خارجون عن سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرة أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) وما نزل به القرآن الحكيم حيث يقول: (وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ((103).
ثم إن مادة رهب لها استخدام محدد في الإسلام فهي تدل على تلازم منطق القوة وقوة المنطق في الإطار السلمي الصحيح، وفي هذا التلازم دلالة على السلم والسلام، كما هو واضح في قوة المنطق، وحتى الجانب الثاني لا يراد منه إلا الحفاظ على السلم عبر التهديد بهذه القوة من أجل الحفاظ على حقوق الإنسانية.

خصائص الإرهاب

مسألة: للعنف والإرهاب خصائص يرفضها الشرع المقدس، نشير إلى بعضها:
أولا: الإرهاب قد يكون فرديا، وقد يكون جماعيا سياسيا، وهو من أشكال الصراع السياسي،ومن عناصره ما يلي:
1: زرع الرعب والخوف في نفوس الناس، بالقيام بأعمال العنف من القتل والخطف والتفجير وما أشبه.
2: زعزعة الحكم والقائمين به عبر أعمال العنف.
3: نشر عقيدة خاصة يراد تطبيقها بالعنف، ويكون منه القمع الطائفي وما أشبه.
وهذه كلها مرفوضة شرعاً.
ثانيا: ومن خصائص الإرهاب أنّه وسيلة من الوسائل العنيفة الفعّالة التي يلجأ إليها من لهم أهداف معينة، سواء كانوا رأس القضية أو فروعها، وأنه ظاهرة سياسية تندرج في لائحة الظواهر المماثلة لها، كالحروب والثورات وحروب العصابات والحروب الأهلية وما إليها، والغالب أن هذه الوسيلة لم تلق اهتماما كافيا كالاهتمام بالحروب والثورات وحروب العصابات وأمثالها، بسبب اعتبار الإرهاب جريمة عادية تعود مسؤولية الحكم فيها ومعالجتها إلى المحاكم الجنائية العادية أسوة بالأعمال كالقتل والتخريب التي يقوم بها المجرمون العاديون واللصوص المحترفون والقتلة لأجل الأغراض الشخصية بهدف السرقة والنهب والابتزاز واختطاف الفتيات وما أشبه ذلك، ومن الواضح أن الإرهاب السياسي لا يندرج تحت هذه اللائحة لأنه صاحب قضية تتعدّى مصلحته الفردية وإنما يصنف الإرهاب الجماعي في قائمة الإجرام لأن السلطات السياسية في البلاد غالبا تريد التقليل من شأن ذلك عن قصد وتحقيق، وذلك تهرّبا من مساواة إرهاب الحكام وإرهاب المحكومين ولتبرير ضرب المحكومين باعتبارهم خارجين عن العرف والقانون، وهذا ما يزيد الإرهاب حقدا وشراسة فإن الإرهابيين غالبا إذا كانوا سياسيين يريدون واقعا سياسيا وهدفا مقصودا، بينما السلطات تجعل ذلك من الأعمال الفردية للقتلة واللصوص والمجرمين، هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية لأن تميز الإرهاب السياسي عن الجريمة العادية يؤدي بالنتيجة النهائية إلى وضع تلك السلطات السياسية القائمة موضع الاتهام، والسلطات السياسية القائمة لا تريد أن تكون في قفص الاتهام بإزاء هؤلاء الإرهابيين المنظمين، كما يؤدي أيضا إلى اتهام المنظمات الدولية والقواعد والقوانين التي تسيّر سياسات الدول تجاه بعضها وتجاه مواطنيها، وهذا يعني التوصل إلى إعادة النظر في مستويات القيم الأخلاقية والسياسية المعتبرة والمعمول بها. وخلاصة هذه الصورة في الإرهاب هو فعل يستعمل العنف أو يهدد باستعماله، وفي كلا الحالين يبدو العنف محورا رئيسيا بفعل الإرهاب.
ثالثا: ومن خصائص الإرهاب أنه لم يتخذ صورة معينة وإنما يتخذ أشكالا أخرى كالقتل الاعتباطي والتفجير وبتر الأعضاء والجرح وهتك الأعراض وسلب الحريات وإذهاب القوى وتلف الأموال وغير ذلك، من المجرم وغير المجرم، والذي يحدث أنّ المجرم قلّما يعاقب بمقدار جرمه بل أكثر من مقدار الجرم غالباً وبما لم تأمر به الشريعة،على سبيل المثال قطع رجل بدل من قطع اليد ومثل جدع الأذن وقطع الرأس وفقء العين وقطع اللسان وغيرها، وحرمة هذه الأمور مقطوع به في الكتاب والسنة والإجماع والعقل.
وقد ذكر بعضهم أن الإرهاب أخذ يزداد، ففي عام (1968م) بلغ عدد الأعمال الإرهابية(152) عملا، وفي عام (1970م) بلغ عددها(215) وفي عام (1972م) بلغ العدد(409) عملا إرهابيا، وهكذا ازدادت الأعمال الإرهابية على مرّ
السنوات.
وعلى هذا فالغالب أن إرهاب الضعفاء يكون رد فعل الأقوياء، وكثير من الإرهاب هو نتيجة الظلم والطغيان، ومن هنا ينبغي حل مشكلة الإرهاب والعنف حلاً جذرياً، وذلك بتطبيق قوانين الإسلام من الحرية والتعددية والشورى والأخوة وما أشبه.

أنواع الإرهاب

مسألة: إن أنواع الإرهاب كثيرة، منها الإرهاب الاستعماري، وإرهاب الدولة والأفراد، والإرهاب السياسي والمدني والاجتماعي، وغيرها. وسنتطرق إلى هذه الأنواع، مع ذكر النظرية الإسلامية في زوال هذا الإرهاب.
1: إرهاب الدولة والأفراد
2: الإرهاب السياسي
3: الإرهاب الاستعماري

أولا: إرهاب الدولة والأفراد

الحركة الإرهابية ليست خاصة بالمستعمرين فقط، بل إن الأنظمة السياسية الحاكمة في بلادنا والقائمة على الدكتاتورية والاستبداد بجميع وجوهها خصوصا الدكتاتورية العسكرية أو التي تبدلت إلى العسكرية الاستخباراتية، هي الشكل الحديث والمتطور للاستبداد والطغيان السياسيين.
ففي هذا النوع من الأنظمة تكون الحياة السياسية الطبيعية والدستورية معلّقة، إذ يقرر الحكام أن القوانين الدستورية وأجهزة القضاء والتشريع التي تشمل الميادين السياسية والاقتصادية والحقوقية وغيرها، عاجزة عن فرض النظام الذي يريدونه وعن توجيه حياة الدولة والمواطنين بالاتجاه الذي يرسمونه لها، فتمنح الأقلية الحاكمة السلطة المطلقة لنفسها بقرار كيفي استثنائي مستند إلى رئيس الدولة ومجلس الوزراء الذي هو الزعيم الأوحد، أو مجلس الأمّة الذي يعين باختيار الزعيم الأوحد أيضا، كما أن الحكام يقررون أن القوانين الدستورية الصحيحة عاجزة عن فرض النظام الذي يريدونه في توجيه حياة الدولة والمواطنين في الاتجاه الذي يرسمونه لها، وتتخذ الإجراءات التعسفية لفرض النظام سواء كانت الإجراءات التعسفية منفردة أو ضمن المؤسسات الدستورية، لكن روح المؤسسات الدستورية تكون مفقودة والعمل كله للمؤسسات التعسفية المفروضة من قبل الحاكم الدكتاتور، وذلك دون الرجوع إلى أي سلطة تأسيسية أو تشريعية غير المراسيم الخاصة التي تصدرها هي.
وهذا يعني أن العلاقة الطبيعية بين الحاكم والمحكوم تبطل قيمتها السياسية والأخلاقية والاجتماعية والحقوقية، وتصبح علاقة أحاديّة الاتجاه، تحدد نمط الحياة القائم بين السيد والمسود، والحاكم والمحكوم، والدكتاتور والشعب.
وكما ذكرنا أن هذا الواقع لا يقتصر فقط على تحديد النظام الدكتاتوري بشكله المعلن والواضح، وإنما يشمل أيضا الأنظمة التي تدّعي الديمقراطية وتحافظ على بقاء المؤسسات التمثيلية والتشريعية والقضائية بصورة شكلية فقط، أما في الواقع فلا تكون تلك الأنظمة إلا الأنظمة الدكتاتورية التي تتلبس بلباس الديمقراطية بتدريب وجودها على ذلك النحو، وفي كلتا الحالتين تبقى النتيجة نفسها، نسق قمعي وحكومة استخبارية وإعلام مبالغ فيه يجمل صورة الحكم ويسوّغ ممارسة السلطة، وبذلك تكبت الحريات العامة وتضرب المعارضة السياسية بعنف حتى تمنع كل محاولة مشابهة عن الظهور والتعبير عن نفسها، وآلة ذلك الاتهام والسجن والتعذيب والإعدام ومصادرة الأموال، ونتيجة لهذا الوضع لا يبقى أمام الشعب أية إمكانية حرّة للاختيار والتقرير، فهو لا يستطيع أن يقبل بسلطة مفروضة عليه خارج سيادته وإرادته، كما أنه لا يستطيع من جهة أخرى أن يرفض هذا الوضع طالما أن الوسائل القمعية تحول دون أي إجراء شرعي وديمقراطي وإرادي، ويجد الشعب نفسه سجينا عاجزا تجاه السلطة البوليسية الغاشمة، وضحية الإجراءات التعسفية التي تواجهه بها أجهزة القمع، غير أنه يحمل بالمقابل سلطة منافية يستطيع بفضلها أن ينفي عن المجموعة الحاكمة شرعيتها المستمدّة من قوة السلاح.
ومن هنا يحصل الاختلال في توازن الهيئة الاجتماعية السياسية، اختلال يعرّض الوحدة السياسية وحكومتها للخطر، لذلك لا يبقى أمام الحاكم الدكتاتوري إلاّ أن يفرض نفسه بقوة السلاح، وأن يدعم بقاءه في السلطة بقوة العنف والإرهاب، وعندما تتهدد الحريات في كيانها ومسيرها بوسائل فعّالة لا يسعها إلا أن تلجأ إلى نفس الوسائل في ممارستها لحقّ الدفاع عن النفس، وذلك طبقا للقاعدة المعروفة من أن العنف يدعو إلى العنف المضاد، والإرهاب يدعو إلى الإرهاب المضاد، وهكذا تعود الحكومة والشعب إلى الدائرة المفرغة حتى إسقاط الدكتاتور وهكذا دواليك، ما دام لم يكن للشعب وعي، وما دام لم يكن هناك تعدّدية.
كما رأينا نوري السعيد(104) عطّل الدستور وحلّ الأحزاب ومارس الإرهاب، فقابله إرهاب مضاد من عبد الكريم قاسم(105) الذي فعل الشيء نفسه، حتى قابله إرهاب مضاد من عبد السلام عارف(106) الذي فعل بدوره الشيء نفسه، حتى قابله إرهاب مضاد من البعثيين، والبعثيون أيضا قابلهم إرهاب مضاد باق إلى اليوم مما سبّب تجزئة العراق في الجملة وضعف السلطة وقتل الأبرياء والفقر والمرض والجهل والمشكلات والفوضى كما هو معروف.

إرهاب الأفراد والمنظمات

قد ذكرنا أن إرهاب الدولة في معاملتها مع مواطنيها أو مع المعارضة، هو عبارة عن الاستبداد والدكتاتورية وكأن الشعب فيها قطيع من الأغنام أو اتباع سياسة تنضيب منابع الدين ومنع الحريات الدينية والسياسية وغيرهما، ومثاله الواضح في تعيين الغرب صدام حاكما على العراق، فهذا عمل إرهابي كبير، يجعل من المواطنين العراقيين أن يضطروا إلى أعمال إرهابية صغيرة مبعثرة ومتفرّقة هنا وهناك ضد السلطة الغاشمة التي هي عميلة للغرب.
وأمثال هذه الصغار تزداد عنفا وشراسة وتفرعنا كلما بقي الإرهاب الكبير، فالضعفاء في إرهابهم يبحثون عن إمكانية أخرى للاختيار، حتى لا يحرموا منها في منطق عقلانيتهم.
ومن الواضح أن الدولة الإرهابية التي تتخذ سياسة القمع والطغيان ضد شعبها، هي السبب في تأسيس إرهاب الأفراد والمجموعات والمنظمات، فإذا نظرنا إلى المجتمع من زاوية شكل بنيته الترتيبية الهرمية، وهيئة تنظيم عناصره المكوّن منها، بدا أن إرهاب الأقوياء أو إرهاب الدولة يكون من فوق إلى تحت، حيث يبدأ هذا الإرهاب من رأس الهرم باتجاه القاعدة، لكن ذلك إرهاب منظم ومعترف به قانونيا ودوليا، بينما إرهاب الضعفاء أو إرهاب الأفراد والمجموعات والمنظمات وأمثالها يكون من تحت إلى فوق، من القاعدة إلى رأس الهرم، حيث لا يعترف بهذا الإرهاب.
وبينما الإرهاب من القمة يتزود بكل المقومات من الصلاحيات والسجون والقانون والنظم والمال وما أشبه ذلك، نجد أن الإرهاب من تحت لا يتمكن إلا بأشياء قليلة ومبعثرة من الإمكانيات.
ففي الحالة الأولى تأخذ الدولة على عاتقها مهمة ممارسة الإرهاب فتستنفر إمكانياتها من أجهزة وقوة عسكرية وقضائية وما أشبه ذلك من أجل هذه الغاية، أما في الحالة الثانية وهي إرهاب الأفراد والقاعدة والقمة، فإن الأفراد والجماعات ليسوا في السلطة ومجرّدين من القوة الدستورية والمال والقضاء وغير ذلك من الامتيازات، وهم الذين يتولون ممارسة الإرهاب بأنفسهم، ولذا يكون بعض الإرهابيين ضعفاء وضحايا لإرهاب الدولة.
ولكن إرهاب الأفراد قد يصل إلى شيء منظم ودقيق وأعمال ثورية، فينشئ أجهزة خاصة بالعمليات، تتلقى عناصرها تدريبات منظمة ومدروسة، كما يتلقون الأوامر بالتنفيذ من قياداتهم العليا، ويتميّز هذا النوع المنظم لممارسة الإرهاب السياسي من قبل المجموعات عن إرهاب الدولة بمستوى التنظيم وعدد العناصر البشرية المكلّفة بهذه الأعمال وتعقيدات الإجراءات الإدارية ولزوم عملهم في الظلام.
ثم إن الأمم المتحدة تعترف بإرهاب الدول ضد شعوبها بحجة أنها مسائل داخلية، في حين أنها لا تعترف بإرهاب المنظمات الصغيرة والأفراد، وقد ذكرنا في بعض كتبنا أن على الأمم المتحدة وما أشبه من منظمات دولية محاسبة الدول التي تقوم بالإرهاب ضد شعبها.
من جهة أخرى يكون إرهاب الأقوياء ـ عادة ـ مدعوما بالمركز الاجتماعي والسياسي الذي يتمتع به رجال السلطة على عكس إرهاب الضعفاء.
علماً بأن جميع أنواع العنف والإرهاب سواء من الدولة أم الشعب مرفوضة شرعاً.

ثانيا: الإرهاب السياسي

أخذ الإرهاب السياسي مساحة واسعة من أفكار المفكرين وعلماء الاجتماع وعلماء السياسة وعلماء الاقتصاد، والاهتمام بها جاء بقصد إيجاد الحلول الجزمية للذين يقومون بالإرهاب.
ثم إن الإرهاب السياسي قد يكون واقعيا، كما هو المعروف، وقد يكون صورياً كالإرهاب من دولة عميلة لدولة كبيرة ضد دولة كبيرة أخرى، ومثل هذا الإرهاب قد يسمى إرهابا ابتزازيا.
ثم إن بعض المظلومين الذين هم يريدون تغيير خريطة دولهم أو ما أشبه ذلك من الفساد إلى الصلاح أو من الظلم إلى العدل أو ما أشبه ذلك، يخطئون الطريق فيستخدمون العنف والإرهاب، وهذا يضر هدفهم قبل أن يخدمه، على تفصيل ذكرناه في كتاب (السبيل إلى إنهاض المسلمين).
ومن المشاهد أن أعمال الإرهاب التي يقوم بها الأفراد والجماعات والشعوب المهضومة حقوقها في العالم يتضاعف عددها كل سنة، وتشمل هذه الأعمال الإرهابية أعمال القتل والجرح والخطف والتهديد بالقتل أو التدمير واختطاف الأولاد من بنين وبنات، وتحصل هذه الأقسام من عمليات الإرهاب ضد الأشخاص والممتلكات وما يشبه ذلك، وهي تتضاعف مضاعفة كبيرة من جرّاء السياسة المغلوطة للدول الكبرى، حيث يخصون أنفسهم بغالب الخيرات ويتركون البقية الباقية ذليلة فقيرة مستضعفة.
ومن هنا يعرف إن إرهاب الضعفاء يحفزه طموحهم للوصول إلى مراكز السلطة العامة السياسية التي تكون غلافا للدولة، وينتج عن هذا أن الأقوياء يمارسون الإرهاب ليدعموا نظامهم السياسي وليحافظوا عليه ويدعموا مركزهم فيه دون أن يخاطروا بحياتهم الشخصية بصورة مباشرة، أما الضعفاء فإنهم يخاطرون بحياتهم الشخصية وبصورة مباشرة في عملية الإرهاب التي يقومون بها وذلك بهدف إزالة أو هدم أو زعزعة النظام السياسي القائم وما يمثله من الأجهزة والآلات الأخرى.
ويلعب عنصر الإعلام الدعائي دورا رئيسيا في ممارسة الإرهاب لدى الفريقين على السواء، لكن مع اختلاف أساسي بينهما يقوم على أن الإعلام الدعائي عند الأقوياء هو عنصر دخيل على العمل الإرهابي، أي أنه يتدخل من الخارج من أجل الدعم والتأييد والتبرير، بينما هو أساسيٌّ وملازم للعمل الإرهابي عند الضعفاء، وهذا يعني أن العمل الإرهابي الذي يقوم به الأفراد أو الجماعات والمنظمات يحتوي في أساسه على عنصر دعائي يستغلّه هؤلاء ويستفيدون من فعاليته ليسمعوا أصواتهم وليعرفوا بأنفسهم وبقضيتهم تجاه الرأي العام. ومن هنا يلزم نبذ جميع مصاديق العنف والإرهاب سواء من الأمم والشعوب أم من الدول والحكومات.

ثالثا: الإرهاب الاستعماري

وهو حينما يتحكم بالبلد يستعمل العنف مع أهله، ومنه إذا كان إحلالياً أي يريد أن يبيد السكان الأصليين ويحل محلهم، كما في قصة فرعون في ممارسة التطهير العرقي، وكما في الإرهاب الأمريكي حينما أراد استئصال الهنود الحمر من أمريكا وخطفه للناس الأحرار من إفريقيا وجعلهم عبيدا، وكذلك ما جرى في استراليا، وأشهر من عرف بالإرهاب الاستعماري والإحلالي هو الكيان الصهيوني، فالصهاينة قبل احتلالهم لفلسطين كانوا مجموعة من العصابات الإرهابية، وبقوا إرهابيين حين احتلالهم وبعد الاحتلال وإلى يومنا هذا.
ومن السياسات التي يمارسها الاستعمار الإرهابي هي اختلاق الفتن بين الدول الإسلامية، وكم من الخسائر التي تحملتها الأمة الإسلامية بسب الحروب التي وقعت بينها، وبتخطيط إرهابي من المستعمرين.
ولقد ترك الإرهاب الاستعماري عبر عملائه ـ ومعظم الحكّام في هذا العصر عملاء لـه عملا أو فكرا ـ آثارا سيئة في البلدان الإسلامية، منها إثارته للمشاكل والنزاعات بين الدول الإسلامية كي تقع الحرب بينها، وقد رأينا قبل سنين كيف حارب العراق إيران، فقد سمعنا من رئيس الجمهورية في إيران أن خسائر إيران في هذه الحرب كانت ألف مليار من الدولارات(107).
ونقلت الصحف(108): أنّ جملة خسائر البلاد العربية جراء غزو العراق للكويت في سنة واحد وتسعين ميلادية كانت ستمائة وستا وسبعين مليار دولار، مشيرة إلى أن خسائر العراق الاقتصادية جرّاء هذا الغزو قد بلغت مائتين وأربعين مليار دولار، وخسائر الكويت مائتين وسبعة وثلاثين مليار دولار.
بالإضافة إلى ما نشاهده من مشاكل الحدود التي ليس لها أول ولا آخر بين البلاد الإسلامية.
ومنها: إثارته الفتن والنعرات الطائفية في أوساط المسلمين كما في باكستان إذ يقتل الوهابيون من الشيعة كل يوم.
ولبيان نوع هذا العمل الإرهابي المتمثل بإثارة الفتن أذكر مثالا على ذلك، وهو قصة قتل ابن السيد أبي الحسن الأصفهاني (رحمه الله) في النجف الأشرف قبل ستين سنة تقريباً.
وكان قاتله رجل مجنون يسمى بالشيخ علي القمي، ومع أن القاتل كان مشهورا عند الجميع وهو القمي، فقد أشاع عملاء بريطانيا في كل العراق من أقصاه إلى أقصاه أن الذي قتل ابن السيد هو الشيخ علي الأفغاني، وبذلك أوجدوا هوة سحيقة بين العراقيين والأفغانيين، حتى أن الأفغانيين بقوا في دورهم شهرا كاملا لأنه حتى في البصرة والعمارة والناصرية والنجف وكربلاء المقدستين وغيرها إذا رأى عراقي أفغانيا ضربه انتقاما لهذه الفعلة الشنيعة من الشيخ علي الأفغاني حتى أن السيد أبا الحسن (رحمه الله) تدخّل بنفسه في الأمر، وعمّم إلى وكلائه في كل البلاد وصرف أموالا طائلة حتى يرفع هذا الحيف عن الأفغانيين في قصة طويلة ذكرنا منها هذا المقطع.
ولنفترض أن الذي قتل ابن السيد الأصفهاني كان أفغانيا فما هو ذنب سائر الأفغانيين عقلا أو شرعا، وقد قال سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ((109) والعقل يدل على أنّ المذنب هو المأخوذ بذنبه لا غير المذنب وإن كان من لغته أو قومه أو عشيرته أو منطقته أو ما شبه ذلك(110).
ولكن كما ذكرنا إن إثارة الفتن سياسة المستعمرين الأجانب الذين يريدون تفرقة المسلمين بأي ثمن كان وتحطيم الأخوة الإسلامية ولكي لا يتقارب الشعبان بينما كانوا قبل مائة سنة شعبا واحدا، وإنما انفصلت أفغانستان عن إيران في زمن ناصر الدين شاه(111) قبل ما يقارب من قرن.
وعلى أي حال فقد قتل الغربيون بسبب عملائهم في بلاد الإسلام: الدولة الواحدة والأمة الواحدة والأخوة الإسلامية، كما قتلوا الحريات الإسلامية والشورى والاستشارة، والتعددية الإسلامية ـ كما ذكرنا تفصيل ذلك هنا وفي بعض كتبنا الأخرى ـ وذلك للحيلولة دون وحدة الأمة وتكاملها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والفكري والعقيدي والعملي، وأصبحت هذه الأمور بأيدي الغربيين وعملائهم ألغاما متفجرة بين حين وآخر فضلا عن الألغام التي زرعوها بين السنة والشيعة والعرب والعجم.
ونذكر عملا مشابها لهذا العمل وقع في أيامنا هذه حيث قتل شاب إيراني مهووس في طهران إحدى عشرة بنتا بعد الفعل الشنيع بهن وهو معروف ويحمل جنسية إيرانية، وإذا بمقام كبير جدا في الدولة يخطب وينشر في الجرائد إن مرتكب هذه الفعلة الشنيعة أفغاني‍اً مما أثار الإيرانيين على الأفغانيين، فقتل جملة منهم وضرب الآخرون أينما وجدوا ، وكان البعض يمتنع عن نقلهم في سيارات الأجرة مما اضطر الكثير منهم إلى الاختباء في دورهم وعدم ذهابهم للعمل خوفا من أن يشملهم الانتقام، لكن الحكومة بعدئذ تداركت الموقف ورفعت الحيف عنهم وبينت أن القاتل لم يكن أفغانيا وإنما إيرانيا وله سوابق أخرى غير هذا الأمر المفجع.

الدور الإسلامي في إزالة الإرهاب

مسألة: لقد وضع الإسلام الحلول الجذرية لحل مشكلة العنف والإرهاب.
وكان من الممكن للمسلمين العمل على زوال الإرهاب وإحلال السلام محله وذلك بتطبيق القوانين الإسلامية.
فإن هناك إرهاب الإنسان ضد نفسه وحياته، فالإنسان الحر في الشريعة الإسلامية لا يحق له أن يقتل نفسه، قال سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً( وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً((112)، وفي حديث عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): »من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها«(113).
ولا يجوز للإنسان أن يبتر عضوا من أعضائه كقطع يده أو أذنه أو جدع أنفه أو فقء عينه أو ما شابه ذلك، أو أن يذهب قوة من قواه كقوة عينه فلا يبصر أو أذنه فلا يسمع، أو المرأة تذهب قوة رحمها فلا تنجب، ولذا قال الفقهاء: بأنه يجوز للمرأة أن تعطّل رحمها عن الإنجاب بشكل موقت كسنة أو ما أشبه ذلك، أما أن تعطل رحمها عن الإنجاب مطلقا فذلك غير جائز.
وسنذكر هنا باختصار رأي النظرية الإسلامية في زوال بعض أنواع الإرهاب وإحلال السلام محلها.

زوال الإرهاب المدني

الإرهاب المدني وهو الذي يهدد الناس في مختلف مجالات حياتهم المدنية، كالظلم والقتل والسرقة والانتقام والفساد والتخريب وغيرها من هذه الجرائم، وقد نهى الإسلام عن كل ذلك، يقول تعالى في الانتقام والعدوان: (وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرّ وَالتّقْوَىَ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ((114).
وكذلك منع الإفساد والتخريب، فقال: (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا((115).
ومن حكم الإسلام تشريعاته المختلفة وفق طبيعة الجريمة فنراه حرم الأمور التي تؤدي إلى القيام بالأعمال الإرهابية ومنها على سبيل المثال شرب الخمر والزنا، قال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): »حرم الله الزنا لما فيه من الفساد من قتل النفس وذهاب الأنساب وترك التربية للأطفال وفساد المواريث وما أشبه ذلك من وجوه الفساد«(116).
وقال (عليه السلام): «وإن الله تعالى حرّم الخمر لما فيها من الفساد وبطلان العقول في الحقائق، وذهاب الحياء من الوجه، وإن الرجل إذا سكر فربما وقع على أمه أو قتل النفس التي حرم الله, ويفسد أمواله، ويذهب بالدين، ويسيء المعاشرة، ويوقع العربدة، وهو يورث مع ذلك الداء الدفين، فمن شرب الخمر في دار الدنيا سقاه الله من طينة خبال وهو صديد أهل النار»(117).
ومن حكمه أنه شرع الوعيد لمن يسرق، وأقل منه لمن يغصب، لأن السارق يهدد أمن الناس وحياتهم.
وكذلك موقفه من العصابات الإجرامية الذين صورتهم الآية الكريمة: (إِنّمَا جَزَآءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً((118) فجاء لهم الإسلام بأشد العقوبات لأنه حرص على الأمن والسلام المدني والاجتماعي.
وكل جريمة من هذه الجرائم وضع لها الإسلام عقابا أو إرشادا لردعها، كإدانته لجريمة الخطف مثلا، تقول الآية: (كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ((119).
وأيضا الآية: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ((120).
والآيات التي تحدثت عن مقاومة الإسلام للإرهاب المدني والاجتماعي كثيرة جدا، وكذلك التي أشارت إلى أهمية الأمن والسلام، ومنها الآية: (الّذِيَ أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مّنْ خَوْفٍ((121).
ومنها الآية: (ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللّهُ آمِنِينَ((122).
والآية: ( أَنّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً((123).
ومن هذه الآيات يستدل على أن من جملة السنن الاجتماعية المدنية هي أن المجتمع إذا أنعم الله عليه يعم الأمن والسلام، وإذا عذبه يعمه الخوف والعذاب.
وهناك جملة من الأمور يجب الالتزام بها لزوال الإرهاب المدني المتمثل في الظلم والقتل والسرقة وما أشبه من سائر مصاديق العنف، منها:

أولا: وصايا إرشادية وأخلاقية

وهي كثيرة، نشير إلى بعضها:
1: تقوية الورع والتقوى والخير والفضيلة والواقعية وأمثال هذه المفاهيم. وتطهير النفوس والقلوب وإصلاحها وترقّيها وتقويمها.
يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب«(124).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): »كيف يصلح غيره من لا يصلح نفسه«(125).
2: الإيمان بالله واليوم الآخر، وتقوية الروح في مقابل شهوات الجسد، لأن الإنسان مركّب من الروح والجسد ولا يمكن الانتفاع الصحيح بأحدهما إلا في عرض الانتفاع الصحيح بالآخر، ولهذا نشاهد كثرة الجرائم في عالم اليوم حتى في العالم المتحضّر، لا لنقص في المال ولا لنقص في المعرفة أو في الشهوات الجنسية أو ما أشبه ذلك، بل لأن الإنسان لا يقف عند حد إذا لم يكن خائفا من الله راجيا لثوابه وهاربا من عقابه ومترقباً لـ ( يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ( إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ((126).
إن الإيمان بالله واليوم الآخر وتوقع الثواب العظيم والعقاب الصارم هو الشيء الوحيد الناجع لكبح جماح الشخص المنفلت الشاذ.
3: بيان ونشر الآيات والروايات التي ورد فيها وعيد للظالمين كي يرتدعوا عن ظلمهم وإرهابهم وهي كثيرة ستأتي الإشارة إلى بعضها.
ثم إن التشريع لم يقم حدا من الحدود إلا بعد الوعيد والإنذار الشديد كي يكون فيه قوة رادعة عن الظلم والإقدام على الفعل المحرم الذي يسبب إقامة الحد.
هذا ومن الواضح أن ظلم الحاكم إنما يكون بمعونة ظلم أعوانه من الأمة فإن الحاكم لا يتمكن بقوة غيبية قهرية من السيطرة وإنما تكون السيطرة والجبروت والغشم بالتخاذل والتواكل والإستئثار والوهم وعدم الدعوة إلى الخير وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذا ورد في الحديث: »كيفما تكونوا يولّ عليكم«(127)، ومثل هذه الأمة المتواكلة تكون من أشدّ أمثلة الظالمين فقد قال الله تعالى: (وَسَيَعْلَمْ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ((128).
وسنقتصر على ذكر بعض الروايات العامة التي توعدت الظالمين بالعقاب أو نهت عن الظلم والطغيان بمختلف مصاديقه:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الظلم ظلمات يوم القيامة»(129).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما»(130).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): «من أعان على مؤمن بشطر كلمة لقي الله عزوجل وبين عينيه مكتوب آيس من رحمة الله»(131).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أكرم أخاه المؤمن بكلمة يلطفه بها أو قضى له حاجة أو فرج عنه كربة لم تزل الرحمة ظلا عليه مجدولا ما كان في ذلك من النظر في حاجته، ثم قال: ألا أنبئكم لم سمي المؤمن مؤمنا لإيمانه الناس على أنفسهم وأموالهم، ألا أنبئكم من المسلم من سلم الناس من يده ولسانه، ألا أنبئكم بالمهاجر من هجر السيئات وما حرم الله عليه، ومن دفع مؤمنا دفعة ليذله بها أو لطمه لطمة أو أتى إليه أمرا يكرهه لعنته الملائكة حتى يرضيه من حقه ويتوب ويستغفر، فإياكم و العجلة إلى أحد فلعله مؤمن وأنتم لا تعلمون وعليكم بالأناة واللين، والتسرع من سلاح الشياطين، وما من شيء أحب إلى الله من الأناة واللين»(132).
وفي مناهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا ومن لطم خد امرئ مسلم أو وجهه بدد الله عظامه يوم القيامة وحشر مغلولا حتى يدخل جهنم إلا أن يتوب»(133).
وعن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه من معصية الله»(134).
وعن بعض الكوفيين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من روع مؤمنا بسلطان ليصيبه منه مكروه فلم يصبه فهو في النار، ومن روع مؤمنا بسلطان ليصيبه منه مكروه فأصابه فهو مع فرعون وآل فرعون في النار»(135).
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الصدود لأوليائي؟ قال: فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم، قال: فيقول هؤلاء الذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم وعاندوهم وعنفوهم في دينهم، قال: ثم يؤمر بهم إلى جهنم»..
قال أبو عبد الله (عليه السلام): «كانوا والله الذين يقولون بقولهم ولكنهم حبسوا حقوقهم وأذاعوا عليهم سرهم»(136).
وفي حديث آخر: »من خان جاره بشبر من الأرض طوّقه الله من سبع أرضين يوم القيامة إلى الأرض السابعة حتى يدخل النار«(137).
وورد أنه مكتوب في التوراة: »ينادي مناد من وراء الجسر (يعني الصراط): يا معشر الجبابرة الطغاة ويا معشر المترفين الأشقياء إن الله يحلف بعزته أن لا يجاوز هذا الجسر اليوم ظلم ظالم«.
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): »إن الله تبارك وتعالى إذا برز لخلقه أقسم قسماً
على نفسه فقال: وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كف بكف ولو
مسحة بكف ولو نطحة ما بين القرناء إلى الجماء فيقتص للعباد بعضهم من بعض حتى لا تبقى لأحد على أحد مظلمة ثم يبعثهم للحساب... «(138).
وروي أنه لما رجع المهاجرون من الحبشة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »ألا تخبرونني بأعجب ما رأيتم في أرض الحبشة؟ فقال قتيبة ـ وكان منهم ـ: نعم يا رسول الله بينما نحن جلوس إذ مرّت بنا عجوز من عجائزهم تحمل على رأسها قلّة من ماء فمر شاب منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرّت المرأة على ركبتيها وانكسرت قلّتها، فلما قامت التفتت إليه ثم قالت: سوف تعلم يا غادر إذا وضع الله الكرسيّ وجمع الأولين والآخرين وتكلّمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، تعلم ما أمري وأمرك عنده غدا، قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):كيف يقدّس الله قوما لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم«(139).
وفي الحديث: »يجيء الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم لقيه المظلوم وعرف ما في ظلمه، فما يبرح الذين ظلموا بالذين ظلموا حتى ينزعوا ما بأيديهم من الحسنات فإن لم يجدوا لهم حسنات حملوا عليهم من سيئاتهم مثل ما ظلموهم حتى يردوا الدرك الأسفل من النار«(140).
وفي حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »أول ما ينظر الله بين الناس في الدماء«(141).

ثانياً: إقامة القصاص والحدود من أجل إحلال السلام

الحدود والقصاص والديات والحقوق كلها ناشئة من الأمر الوجداني لترسيخ قواعد السلم والسلام في المجتمع، فإن جعل العقوبات ونحوها وبالكيفية المقررة شرعاً، مرتبطة أوثق ارتباط بسياسة الإسلام في التربية والتنظيم والتعليم والمال ونحو ذلك، لكنا ذكرنا في بعض كتبنا الفقهية أن العقوبة في الإسلام ليست على ما يذكره بعض الكتّاب من التضخيم، وإنما هي شيء قليل جدا ولها شرائط كثيرة جدا قلّما تجتمع هذه الشروط، كما هو المشاهد في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين علي (عليه السلام).
أما في الحال الحاضر وحيث أخذ المسلمون بقوانين الغرب والشرق فقد زاد الكبت والعنف والإرهاب، فجعلوا الجوّ موبوءً والمكان وخيما والزمان وبيلا، لذا كثرت الجرائم، بينما الإسلام يهيّئ المكان المعافى والزمان الرخي الوديع والجو السليم جدا والذي يلبي جميع حاجات البشر من مال أو زوجة أو زوج أو صحة أو نحوها، فإذا كانت بعد ذلك جريمة فقد برهن هذا الفرد الذي اقترف تلك الجريمة بالبرهان الساطع والبينة الجليّة على أنه في حاجة إلى العلاج، والعلاج قد لا يكون بالعقوبة فقط، بل قد يكون بغير العقوبة كمنع بعض الحقوق أو غير ذلك على ما ذكرنا تفصيله في كتاب العقوبات وغيره.
وقد ذكر القرآن الكريم جملة من الآيات التي تتحدث عن هذه الحدود والقصاص وما أشبه، وهي التي يعبر عنه بالفقه الجنائي، أي ما شرع من العقوبات للجرائم والجنايات المختلفة، ومن أشهر أحكام هذا التشريع وأسبابه:
1: صيانة المجتمع من الانحراف والفساد.
ومن الواضح أن جميع الأمم وحتى البدائية منها لها عقوبات توجب صيانة المجتمع من الانحراف والفساد. لأن كثرة الجرائم والجنايات سبب للفوضى وتخلق الانحراف وتكثر الفساد، فالالتزام بالحدود والعقوبات يوجب صيانة المجتمع ويمنعه من الانحراف ويجعل منه مجتمعا سويّا معافى.
2: إحلال الأمن والسلام في المجتمع.
للحدود والقصاص (العقوبة) الأثر الكبير في إحلال السلم والسلام في المجتمع، لأنها تكون رادعة للظلم ومانعة لارتكاب الجرائم العنيفة والإرهابية. وقد قال الله سبحانه وتعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَأُولِي الألْبَابِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ((142).
فالقصد من القصاص هو حقن الدماء وكف العدوان عن الأرواح، وقد جاء في وصية الإمام أبي جعفر (عليه السلام) لجابر بن يزيد الجعفي أنه (عليه السلام) قال: »القصاص والحدود حقن الدماء«(143)، وهذا هو أحد أسباب عيش الناس بأمن وسلام وحفظ الدماء من الهدر، والعرض من الهتك، والحياة من السفك، والمال من السطوة والاجتياح.
3: إرجاع الحقوق وأخذها لأصحابها.
تقع الجرائم وتهدر الحقوق، وقانون العقوبات تضمن للضحايا إرجاع حقوقهم، فإذا ثبت لدى الحاكم الشرعي المعتدي والمعتدى عليه يؤخذ حق المجني عليه وهو صاحب الحق عن طريق الحدود والقصاص والعقوبات من الجاني حسب التشريع والقانون الإسلامي لتلك القضية، وهذا من جملة الحقوق التي جعلها الله للإنسان, وإذا لم يستطع أن يأخذ حقه في الدنيا أخذ حقه في الآخرة، ومن تلك الحقوق المعتدى عليها من قبل المجرمين والإرهابيين: حق الحياة، حيث إن كل إنسان له حق الحياة لا بالنسبة إلى الإنسان العاقل ذي الشعور، بل حتى بالنسبة إلى النطفة في الرحم فإنها إذا استقرت فيه لا يحق لشخص أن يسقطها وإذا أسقطها كان محرما عليه من ناحية وموجبا للتأديب من ناحية ثانية وسببا للدية من ناحية ثالثة، حتى لو كانت النطفة من زنا، إذ الولد لم يجرم شيئا وإنما المجرم هو الزاني سواء كان كلاهما فعل محرما عمدا أو أحدهما كان زانيا.
عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: »يؤتى بوال نقص من الحد سوطا، فيقول: رب رحمة لعبادك، فيقال لـه: أنت أرحم بهم مني فيؤمر به إلى النار، ويؤتى بمن زاد سوطاً، فيقول: لينتهوا عن معاصيك فيؤمر به إلى النار«(144).
وهذه الجريمة التي تلغي هذا الحق غير القابل للإلغاء وتغيبه عن الوجود في الدنيا ـ طبعاً مع اجتماع شرائطه ـ هي من أعظم الجرائم والجنايات، وقد وقف منها الإسلام موقفا حاسما ومتشددا.
تقول الآية الشريفة: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مّتَعَمّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً((145).
وفي آية أخرى: (مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً((146)، وذلك لأن الشر يبيد الحياة والخير يثمر الحياة(147).
وفي حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قصة قتيل وجد في المدينة في عهده ولم يعرف قاتله، قال (صلى الله عليه وآله وسلم):
»لو أن أهل السماوات السبع وأهل الأرضين السبع اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله جميعاً في النار«(148).
وكما أن الله سبحانه وتعالى قد جعل القتل في إزاء القتل، كذلك جعل قطع العضو في إزاء قطع العضو على ما هو مذكور في أحكام القصاص، قال سبحانه:
(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنّ النّفْسَ بِالنّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالاُذُنَ بِالاُذُنِ وَالسّنّ بِالسّنّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ((149).
ويذكر أن هذا الحكم شرع عندما قتل أحد ابني آدم أخاه،فقالت الآية: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ أَنّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً((150) قالوا: ومعنى (من أجل ذلك( من ابتداء ذلك، أي أن ابتداء هذه الكتابة منذ تلك الواقعة.
نعم حكم القتل لا يكون إلا إذا كان عن عمد، وأما إذا كان قد قتل خطأ أو شبه عمد فالشارع لم يجز قتل القاتل وإنما جعل فيه الديّة.
وفي قتل العمد جعل حق العفو للولي، كما يحق لـه أخذ الدية أو الأقل من الدية أو الأكثر حسب التراضي(151).
ومن هنا يعرف الرد على الشبهة القائلة: لو حكم الإسلام لأجرى العقوبات ولكان عنيفا مع الناس. فإن الإسلام برحمته الواسعة وقوانينه السمحة يقلع جذور الفساد والظلم، ورعاية لحقوق الآخرين شرع قانون العقوبات بشروطه الكثيرة، ومع ذلك يحث الولي على العفو.
فإن هنا ملاحظة مهمة حول سماحة التشريع الإسلامي وهو أنه ينظر قبل إجراء الحدود في كل النواحي التي يترتب عليها حفظ الأرواح، فمع أنّ العقوبة تزجر فاسد الأخلاق الذي تجري في دمه شهوة إراقة الدماء أو ما أشبه ذلك، إلا أنه يجب النظر إلى ما يرفع الأحقاد والضغائن من النفوس حقنا للدماء وحفاظا على الأرواح ولسلامة المجتمع عن الأخذ بالثأر الذي كان عادة جاهلية ليعيش الناس في أمن وسلام، وعلى سبيل المثال حينما يشرع حكم القتل للولي فالتشريع الإسلامي ينهاه عن السرف في هذا الحق وهو الحكم الذي كان إلى جانبه وهذا ما أشارت له الآية: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فّي الْقَتْلِ إِنّهُ كَانَ مَنْصُوراً((152).
وهذه جملة من الروايات التي وردت في هذا الموضوع منها: ما ورد في حديث رواه أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ما رفع إليه قصاص قط إلا أمر فيه بالعفو.
وقال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): »عليكم بالعفو فإن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فتعافوا يعزكم الله«(153).
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »يأمر في كل مجالسه بالعفو وينهى عن المثلة«(154).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): »من لم يحسن العفو أساء الانتقام«(155).
إن جعل العفو إلى جانب العقوبة على الجاني، حيث يختار المجني عليه ذلك، تدل دلالة ساطعة على التطبيق المرن للتشريع الإسلامي وانتفاء التزمّت عنه، وهذا رد على بعض الكتّاب الذين يقولون: (لو حكم الإسلام لأجرى العقوبات).
و كأنه ليس في الإسلام إلا الحدود والعقوبات، مع أنها جزء صغير جداً من خريطة الإسلام الواسعة من باب العبادات والمعاملات والقضاء والمواريث والحريات والأمة الواحدة والأخوة الإسلامية وما أشبه ذلك، ويدل على ذلك تطبيق العقوبات في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانت أقل من القليل، حيث إن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبن سجنا على مملكته الواسعة، وكذلك في زمان الإمام علي (عليه السلام)، وإنما كان هناك سجن واحد في الكوفة، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): »أنه كان يعرض السجون كل جمعة فمن كان عليه حد أقامه من لم يكن عليه حد خلى سبيله«(156)، أما هذا الذي نشاهده اليوم في بلاد الإسلام من كثرة السجون، وكثرة قانون العقوبات فهو تابع للغرب فكرا أو عمالة، فليس من الإسلام في قليل أو كثير، بل إنها من المنفّرات عن الإسلام كما هو واضح.

زوال الإرهاب الدولي والإرهاب السياسي

اقترحت اللجنة التي تشكّلت في الأمم المتحدة عام (1972م) على دول العالم بعض الإجراءات المؤدية إلى تلافي الإرهاب الدولي، وأهمها التقيد بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان القائل بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وبالحفاظ على الحريات الفردية، والعمل من أجل مساعدة الشعوب الضعيفة على تحقيق حريتها، واقترحت أيضا عدم تدخل الدول الكبرى في شؤون الدول الصغيرة، وإلغاء التمييز العنصري، والاستعمار بجميع أشكاله ووجوهه، وإعطاء الشعوب حقوقها القانونية المشروعة، وحقوقها الأساسية، وهي حقوق لا يمكن التنازل عنها ولا يعفى عليها الزمن، وهي الحرية الكاملة التي تؤمن لتلك الشعوب المساواة بين هذه الدول القائمة والمعترف بها، ولكن هذه اللجنة الخاصة التي شكلت في الأمم المتحدة عام اثنين وسبعين لا يمكن الرهان عليها، لأن شرعة حقوق الإنسان التي تبنّتها جميع دول العالم، غير معمول بها في دول العالم إطلاقا وخاصة من قبل الدول الاستعمارية الكبرى، وإن القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة لا تتقيد بها الدول المعنية، ولذلك يجد الإنسان هيئة الأمم المتحدة عاجزة عن فرض هيبتها وتطبيق قراراتها بشكل مطلوب.
وقبل عقود من الزمن حيث عمّت موجة الشيوعية عالج عقلاء العالم الرأسمالي ذلك بإصلاح وضع العمّال والفقراء والمستضعفين والعاطلين مما سببّ انحسار مد الشيوعية عن تلك البلاد.
ومما يؤدي إلى زوال الإرهاب السياسي الأمور التالية:
الأول: الوعي العام والتعدّدية السياسية والانتخابات الحرّة والمؤسسات الدستورية.
الثاني: تطبيق العدل والمساواة وإعطاء كل ذي حق حقه حتى يعمّ السلم والسلام من أقصى الشعب إلى أقصاه، وحتى لا يكون لذوي الحقوق المهدورة سبب للقيام بالإرهاب والمخاطرة بأنفسهم وما يملكون، ورفع الحيف عن المظلومين ورد الحقوق المسلوبة إلى أصحابها وربط الشرعية بالقوة والقوة بالشرعية، فإنه وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): »ظلامة المظلومين يمهلها الله تعالى ولا يهملها«(157).
الثالث: إرضاء الإرهابيين الصغار وإقناعهم بأن الإرهاب ليس وسيلة محققة للغرض، بل اللازم أن يحققوا أغراضهم بالموازين الدستورية والقوانين العادية والعرفية والمعايير السلوكية والضغوط الإعلامية والدبلوماسية، وهذا هو سبيل اللاعنف الذي ندعو إليه ودلت عليه الآيات والروايات، وقد ألمحنا إليه في السابق، فاللاعنف هو الذي يتغلب على القوى المادية، كما استعمله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أول البعثة النبوية المباركة ولهذا تغلب على الماديات، وهكذا كان حال جملة من الأنبياء (عليهم السلام) الذين وصل إلينا تاريخهم كعيسى المسيح وموسى الكليم وإبراهيم الخليل ونوح شيخ المرسلين (عليهم السلام) مما هو مذكور في التواريخ.
وربما يستشكل على هذه النقطة الأخيرة، فيقال: بأن ما ذكر فيها من النقاط التي تنسجم مع مفهوم اللاعنف فجميعها طرق سلمية تواجه إرهابا منظما، محاولة تغيير منهجه ومن أجل تحقيق أهدافه وفق الموازين الدستورية والقوانين العادية والعرفية، وهذا يتعارض مع المفهوم الإسلامي في الرد بالمثل على المعتدي، لزوال ظاهرة الاعتداء، والجواب:
1: إن المفهوم الإسلامي بجواز الاعتداء بالمثل، إذا كان يتحدث عن الجانب الفردي في العقاب وإجراء الحدود كالعين بالعين والسن بالسن وهو بأن تقتص من الآخر إذا حصل لك ضرر، فهذا ليس من الإرهاب، فالنقطة الثالثة ليس لها علاقة بهذا المفهوم.
2: وإذا كان الكلام في مواجهة الإرهاب المنظم فلا يمكن تحقيق هذه النظرية (الرد بالمثل) لأن العمل الإرهابي ـ على سبيل المثال ـ لو صدر من مجموعة كبيرة وبشكل معين ضد أفراد الشعب الأبرياء فقتلوا عدداً منهم، لا يمكن الرد بالمثل عليها وبتلك الصورة التي صدرت منها.
3: إن الإرهاب المنظم لا يوجد فيه وازع ديني يردعه عن ارتكاب المحرمات والجرائم والقتل والخطف وسائر الأعمال الإرهابية، بل حساباته تجري وفق المنهج المادي، بينما في المفهوم الإسلامي بالرد بالمثل هناك رادع ديني عن ارتكاب الخطأ وهو حقن الدماء لأنه من قتل نفسا متعمدا فهو في النار، ولهذا اتخذ منهج الرد الإسلامي ما يتعلق بإرهاب الصغار لزوال الإرهاب.

زوال الإرهاب الاستعماري

لقد ترك الاستعمار آثارا سيئة في مختلف المجالات، ففي المجال المعنوي من ضعف التدين، وانحطاط الخلق، وتخلف العلم، وفي غيرها من الآفات الاجتماعية والدينية الخطيرة،فلا يمكن القضاء عليها إلا إذا عادت الأمة إلى القرآن الكريم وسنة النبي العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) موحدة الهدف، متراصة البنيان، مجتمعة الكلمة، كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا، عند ذلك يصعب على الأعداء مجابهة الأمة المتماسكة، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »المؤمن للمؤمن بمنزلة البنيان يشد بعضه بعضا«(158). وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »مثل المؤمنين فيما بينهم كمثل البنيان يمسك بعضه بعضا ويشد بعضه بعضا«(159).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »المؤمنون متحدون متآزرون متضافرون كأنهم نفس واحدة«(160).
وعندما يتحد الضعيف بالضعيف يصبح قوة وعندما تبتعد القوة عن القوة تصبح ضعفا.
وأما ما تركه الإرهاب الاستعماري في المجال السياسي في تجزأته للدولة الإسلامية إلى أكثر من خمسين دولة لها حدود جغرافية مصطنعة بألوف القوانين التي وضعها الغربيون وعملاؤهم لبقاء هذه التجزئة، بالإضافة إلى رصدهم المبالغ الكثيرة لبقاء هذه التفرقة، فمواجهة الإسلام لهذا الإرهاب هو سعيه الدؤوب لتحقيق الروابط الإسلامية الأصيلة بين المسلمين حتى يخلق مجتمعا متماسكا، وكيانا قويا، يستطيع مواجهة الأحداث، ورد عدوان المعتدين، وما أحوج المسلمين في هذه الآونة إلى هذا التجمع السلمي، لتطبيق هذه المعاني السامية في حياتنا اليومية، لإقامة دولة إسلامية، وإحراز كسب سياسي واجتماعي وديني وتحقيق القوة المرجوة، التي تكون كفيلة بحماية وجود المسلمين وحقوقهم.
وأما مواجهة الإرهاب الاستعماري الإحتلالي من أجل إحلال السلام والأمن تكون في إحدى حالتين:
الأولى: هي أن يزول بالطرق السلمية، ومن أمثلته الحاضرة استعمال حزب المؤتمر الهندي طرق السلم والسلام في مقابل المستعمرين الذين كانوا يملكون مشارق الأرض ومغاربها.
الثانية: مواجهة الإرهاب الاستعماري بالقوة، علما بأن هذه المواجهة إنما تكون مشروعة إذا كانت ضمن الشروط الخاصة والكيفية المقررة شرعاً وبإجازة من شورى الفقهاء المراجع، ولا تكون إلا في أقصى حالات الضرورة، على ما هو مذكور في كتاب الجهاد.
أما المواجهة الإرهابية بالاغتيال والغدر والخطف وسائر مصاديق العنف فهذا مما لا يجوز، ويوجب تشويه سمعة الإسلام والمسلمين والبعد عن الهدف.
ومن هنا لا يصح دعم الجماعات الإرهابية بحجة التخلص من إرهاب الدولة أو إرهاب المستعمرين، بل يلزم اتخاذ الطرق السلمية على ما هو مقرر شرعاً.
وربما ترى المستعمر (بالكسر) الظالم، والمستعمر (بالفتح) المظلوم ولكنه لم يكن واعياً، يمارسان الإرهاب، مع فارق أن الأول يهدف إلى تحقيق مصالحه على حساب الآخرين، والثاني إلى استعادة حقوقه ولكن عن طريق خاطئ.

مسائل في السلم والسلام السياسي

ونشير هنا إلى بعض المسائل الشرعية في باب السلم والسلام السياسي باختصار، وتفصيل كل في محله.

سلم مع الشعب

مسألة: يلزم على الحكومة تطبيق السلم ومراعاة السلام مع الشعب، فلا يجوز استخدام العنف مع الشعب أو غيره، إلاّ فيما قرره الشارع وبالمقدار المقرر فقط.

سلم مع المعارضة

مسألة: يلزم على الحكومة مراعاة السلم مع المعارضة، سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم دينية، فلا يجوز مصادرة حرياتها من الإعلام والصحف والتجمعات وما أشبه.

السياسة الخارجية

مسألة: يلزم على الحكومة أن تجعل سياستها الخارجية مبنيّة على السلم والسلام.

بناء أسس السلام

مسألة: يلزم على الحكومة أن تسعى لشمول السلم والسلام عموم المجتمع وأفراد الشعب وأن تكون هي المشجعة لذلك والبانية لأسس السلام.

مع الأقليات

مسألة: يلزم على الحكومة الإسلامية مراعاة قانون السلم والسلام مع الأقليات الدينية الموجودة في البلد.

مع الدول المجاورة

مسألة: يلزم على الحكومة الإسلامية مراعاة قانون السلم والسلام مع الدول المجاورة.

مع سائر الدول الإسلامية

مسألة: يلزم على الحكومة الإسلامية مراعاة قانون السلم والسلام مع سائر الدول الإسلامية.

مع الدول الأجنبية

مسألة: يلزم على الدولة الإسلامية مراعاة قانون السلم والسلام مع الدول الأجنبية.

جماعات إرهابية

مسألة: يحرم على الدولة الإسلامية تشجيع جماعات العنف والإرهاب ودعمها.

حرمة العنف

مسألة: لا يجوز ارتكاب أيّ نوع من أعمال العنف التي توجب ضرر الآخرين كالتفجيرات والاغتيالات واختطاف الطائرات وما أشبه.

اللاعنف في الشعار والعمل

مسألة: على الحكومة الإسلامية أن تجعل شعارها القولي والعملي السلم واللاعنف حتى تعرف بذلك، قال سبحانه: (ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَآفّةً((161) وقد جعل نبينّا (صلى الله عليه وآله وسلم) من أخلاق المؤمن (اللاعنف).

حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

مسألة: يلزم نشر وبيان الأُسلوب السلمي لحكومة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

شبهة العنف

مسألة: يلزم دفع الشبه التي ترد على الإسلام وتتهمه بأنه دين العنف.

حرمة التعذيب

مسألة: لا يجوز تعذيب أحد حتى يقر بالجرم، لأنّ ذلك من أظهر مصاديق العنف وقد حرّمه الإسلام أشد تحريم.

ومع المجرمين

مسألة: ينبغي مراعاة قانون السلم والسلام حتى مع المجرمين ـ المجرم في قانون الإسلام، لا في القانون الموضوع فإن بينهما عموم من وجه ـ وذلك بأخذ الأخف عليهم وما أشبه.

إخراج المسلمين

مسألة: لا يجوز إخراج مسلم من بلد إسلامي بحجة أنه لا ينتمي إلى ذلك البلد، فإنه من أعمال العنف المحرم شرعاً.

قوانين تخالف الحرية

مسألة: لا يجوز وضع القوانين التي تمنع أو تحد من حريات الناس كقانون الضرائب على الأعمال وعلى البناء وعلى السفر وعلى حيازة المباحات وما أشبه، فإنها من العنف المحرم شرعاً.

فضح الظالمين

مسألة: يلزم فضح الظالمين الذين يرتكبون أعمال العنف وينسبون ذلك إلى الإسلام سواء كانوا على شكل دول أو جماعات، ولكن الفضح يلزم أن يكون بطريق سلمي، فانّه من النهي عن المنكر بشرائطه.

ومع الأعداء

مسألة: ينبغي مراعاة قانون السلم والسلام حتى مع الأعداء كما هو ظاهر من تاريخ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، وربما كان واجباً على تفصيل مذكور في الفقه.

من حقوق المتظاهرين

مسألة: لا يجوز ارتكاب العنف بوجه المتظاهرين ضد الدولة.

أحزاب معارضة

مسألة: لا يجوز ارتكاب العنف ضدّ الأحزاب المعارضة للدولة.

تعدد الأحزاب

مسألة: من مصاديق السلم واللاعنف، فتح المجال أمام الأحزاب الأخرى أي تعدد الأحزاب، وكذلك الجمعيات والمنظمات.

الاستبداد في الحكم

مسألة: لا يجوز الاستبداد في الحكم، فإنّه من أظهر مصاديق العنف، بالإضافة إلى أنه محرّم في نفسه.

مبدأ الاستشارة

مسألة: يجب الاستشارة في أمور البلاد، فإنّه من مصاديق السلم بالمعنى الأعم.

السلم مع الإعلام

مسألة: يلزم على الحكومة مراعاة قانون السلم والسلام مع الإعلام الداخلي والخارجي، العالمي وغيره، أما سياسة التحريم والمنع فغير مجد.

مظاهر العنف

مسألة: يلزم على الحكومة ترك مظاهر العنف حتى في الشعار،كالموت للدولة الكذائية، وما أشبه.

في وضع القانون

مسألة: ينبغي مراعاة السلم والسلام في تطبيق القوانين ووضع الجزئيات من القوانين والمصاديق الخارجية.

السلم اللساني

مسألة: يلزم على الدولة مراعاة قانون السلم والسلام حتى في اللسان والتصريحات، أما السب والتهمة فهي محرمة.

السلم في وسائل الإعلام

مسألة: يلزم مراعاة السلم والسلام في الإذاعة والتلفاز.
مسألة: يلزم مراعاة السلم والسلام في الصحف والإعلام.

في باب القضاء

مسألة: ينبغي مراعاة السلم والسلام في باب القضاء.

في القانون الجزائي

مسألة: ينبغي مراعاة السلم والسلام في الحدود والتعزيزات.
مسألة: ينبغي مراعاة السلم والسلام في القصاص والديات.

في الحوار والمناظرات

مسألة: ينبغي مراعاة السلم والسلام في الحوار العلمي والمناظرات.

مع مختلف المذاهب

مسألة: ينبغي مراعاة السلم والسلام مع سائر الفرق الإسلامية وغيرها.

مع المرتد الفطري والملي

مسألة: ينبغي مراعاة السلم والسلام مع المرتد الفطري والملي.

مع الفساق

مسألة: ينبغي مراعاة السلم والسلام مع الفساق، ومنه جاءت درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

مع أهل الكتاب

مسألة: ينبغي مراعاة السلم والسلام مع أهل الكتاب.

مع غير أهل الكتاب

مسألة: ينبغي مراعاة السلم والسلام مع الكفار من غير أهل الكتاب.

استحباب العفو

مسألة: يستحب العفو، وهو من مصاديق السلم واللاعنف.

استحباب الإحسان

مسألة: يستحب الإحسان، وذلك من مصاديق السلم والسلام.

حرمة الحسد

مسألة: يكره الحسد القلبي، ويحرم العملي وهو من مصاديق العنف.

حرمة السب

مسألة: يحرم السب، فإنه من مصاديق العنف.

حرمة الغيبة

مسألة: تحرم الغيبة، فإنها من مصاديق العنف.

حرمة التهمة

مسألة: تحرم التهمة، فإنها من مصاديق العنف.

حرمة الفواحش

مسألة: تحرم الفواحش، فإنها من مصاديق العنف.

حرمة الغصب

مسألة: يحرم الغصب، فإنه من مصاديق العنف.

حرمة القتل

مسألة: يحرم القتل، فإنه من مصاديق العنف.

حرمة الكذب

مسألة: يحرم الكذب، فإنه من مصاديق العنف.

حرمة أكل المال بالباطل

مسألة: يحرم أكل أموال الناس بالباطل، فإنه من مصاديق العنف.

للقضاء على الإرهاب

مسألة: يجب تشكيل لجان للقضاء على الإرهاب العالمي بالطرق السلمية لا بالإرهاب المماثل.

مع قانون الأهم والمهم

مسألة: لو تعارض قانون السلم والسلام مع قانون (الأهم والمهم)، فاللازم في المسائل العامة العمل بنظر شورى الفقهاء المراجع.

مع قانون لا ضرر

مسألة: لو تعارض قانون السلم والسلام مع قانون (لا ضرر) كما في قصة سمرة بن جندب تُقدّم قانون لا ضرر(162).

حرمة العنف

مسألة: لا يجوز العنف إلاّ في أقصى حالات الضرورة وبقدرها وحسب تشخيص شورى الفقهاء المراجع.

حرمة التجسس

مسألة: لا يجوز ما تعارف اليوم من التجسس ضد الشعب فإنّه من أظهر مصاديق العنف كما قال الله سبحانه: (وَلاَ تَجَسّسُواْ((163).

السلم والتعليم المدرسي

مسألة: ينبغي جعل برامج خاصة للمدارس حتى يتعلم الطلاب السلم واللاعنف.

حرمة اعتقال الأبرياء

مسألة: لا يجوز اعتقال وسجن الأبرياء فكيف بتعذيبهم لمجرد مخالفتهم للحكومة، فإنّها من أعمال العنف المحرمة أشد التحريم.

ثقافة السلام

مسألة: ينبغي للحكومة نشر وعي السلم وثقافة السلام واللاعنف بين الناس عبر الإذاعات والصحف وأمثال ذلك.

منظمات حقوق الإنسان

مسألة: يلزم على المنظمات العالمية لحقوق الإنسان الاهتمام الأكثر لرفع العنف والإرهاب عن العالم أجمع، وذلك بإنكار ما يقع من أعمال العنف في داخل الدول بالنسبة إلى شعوبها فتطالب الدول بذلك وتتابع الأمور للحد عنه وقد ذكرنا في بعض الكتب لزوم تهيئة الأمم المتحدة (محامين) لأجل رفع الظلم عن الشعوب الذين يرزحون تحت أحكام الدكتاتوريين ولا يكون ذلك من التدخل في الشؤون الداخلية وإن كان تدخلاً فيها لكنه يلزم الدفاع عن المظلوم مطلقاً على ما ذكر في الفقه.

صدا للعنف

مسألة: يلزم على الأمم المتحدة جعل أطروحات لرفع أعمال العنف حتى بالنسبة إلى ما تعمله الدول ضد شعوبها، وليس من الصحيح عدم الاهتمام بذلك بحجة أنّها من التدخل في الشؤون الداخلية للدول على ما سبق.

محاسن السلم والسلام

مسألة: ينبغي جمع ونشر محاسن السلام والسلم واللاعنف وكذا مساوئ وأضرار العنف وبيان ذلك للناس.

نشر آيات السلم ورواياته

مسألة: ينبغي نشر آيات السلم والسلام وكذا الروايات الواردة في هذا المجال بين الناس لتركيز ثقافة السلم والسلام في المجتمع.
فإن هناك آيات وروايات وقواعد فقهية كثيرة تدلّ على رجحان السلم والسلام، ولا يخفى أن الرجحان هنا بالمعنى الأعمّ.
فمن الآيات:
قوله تعالى: (وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ((164).
وقوله سبحانه: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ((165).
وقوله تعالى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ((166).
ومن الروايات: قوله (عليه السلام): «ما وضع الرفق على شيء إلا زانه»(167).
ومن القواعد الفقهية: قاعدة لا ضرر، قاعدة لا حرج، قاعدة الجب، قاعدة اليسر، قاعدة الصحة، قاعدة سوق المسلمين، قاعدة اليد، قاعدة الفراغ، قاعدة التجاوز، قاعدة عفا الله عما سلف، قاعدة أرض المسلمين، وغيرها.
(1) سورة الأنبياء: 92.
(2) سورة الحجرات: 10.
(3) سورة الأعراف: 157.
(4) سورة الأحزاب: 6.
(5) غوالي اللآلي: ج1 ص222 ح99.
(6) مستدرك الوسائل: ج7 ص231 ح8116.
(7) سورة الحشر: 24.
(8) سورة الكهف: 29.
(9) سورة المزمل: 19، سورة الإنسان: 29.
(10) سورة المدثر: 54-55.
(11) سورة عبس: 11-12.
(12) سورة النبأ: 39.
(13) سورة آل عمران: 64.
(14) راجع اللهوف: ص104.
(15) كشف الغمة: ج1 ص199.
(16) الإرشاد: ج2 ص58.
(17) سورة يوسف: 40، وسورة النجم: 23.
(18) مستدرك الوسائل: ج11 ص341 ح13212.
(19) غرر الحكم ودرر الكلم: ص305 ح6974.
(20) غرر الحكم ودرر الكلم: ص305 ح6967.
(21) مستدرك الوسائل: ج11 ص347.
(22) سورة سبأ: 35 - 39.
(23) سورة الحجرات: 13.
(24) الكافي: ج2 ص76 ح8.
(25) سورة البقرة: 124.
(26) سورة الشورى: 38.
(27) سورة آل عمران: 159.
(28) سورة البقرة: 233.
(29) سورة الصافات: 141.
(30) راجع نهج السعادة: ج7 ص282.
(31) تفسير القمي: ج1 ص258.
(32) هو محجن بن الأدرع الأسلمي، له صحبة، مات في زمن معاوية، وهو الذي اختط مسجد البصرة.
(33) مستدرك الوسائل: ج14 ص79 ح16142.
(34) سورة النجم: 3-4.
(35) من لا يحضره الفقيه: ج4 ص388 ح5834.
(36) وسائل الشيعة: ج12 ص42 ح15596.
(37) للتفصيل راجع شرح نهج البلاغة: ج14 ص115.
(38) راجع الإرشاد: ج1 ص94.
(39) لمزيد من الاطلاع راجع بحار الأنوار: ج21 ص154، وج21 ص179.
(40) للتفصيل راجع الإرشاد: ج1 ص94، بحار الأنوار: ج20 ص250.
(41) راجع الإرشاد: ج1 ص94، بحار الأنوار ج20 ص250.
(42) سورة الفتح: 27.
(43) راجع مستدرك الوسائل: ج9 ص313.
(44) سورة القمر: 1.
(45) سورة الفتح: 1-4.
(46) سورة النجم: 3-4.
(47) التي مر ذكرها وغيرها أيضا، وقد جمعنا بعضها في كتاب فكانت زهاء عشرين.
(48) مستدرك الوسائل: ج8 ص348 ح9627.
(49) وسائل الشيعة: ج12 ص40 ح15587.
(50) سورة العلق: 6-7.
(51) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص6 ح3228.
(52) سورة المائدة: 16.
(53) سورة النساء: 143.
(54) راجع من لا يحضره الفقيه: ج4 ص334 ح5717، وفيه: عن رسول الله? قال: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام(.
(55) وسائل الشيعة: ج16 ص43 ح20929.
(56) بحار الأنوار: ج1 ص159 ح34.
(57) سورة آل عمران: 159.
(58) سورة البقرة: 78.
(59) سورة المائدة: 44.
(60) سورة المائدة: 45.
(61) سورة المائدة: 47.
(62) سورة الرعد: 17.
(63) سورة النجم: 3-4.
(64) سورة الجن: 26-27.
(65) ذكرنا تفصيل القصتين فيما سبق.
(66) سورة الأعراف: 38.
(67) سورة آل عمران: 103.
(68) سورة النحل: 92.
(69) سورة الفرقان: 63.
(70) سورة الأحزاب: 44.
(71) سورة النحل: 32.
(72) سورة الأنفال: 61.
(73) الكافي: ج5 ص29 ح8.
(74) سورة الحج: 41.
(75) سورة آل عمران: 104.
(76) الكافي: ج5 ص56 ح3.
(77) الغيبة للطوسي: ص441.
(78) وسائل الشيعة: ج16 ص137 ح21176.
(79) سورة المائدة: 79.
(80) سورة الأنفال: 25.
(81) مستدرك الوسائل: ج11 ص370 ح13290.
(82) مستدرك الوسائل: ج12 ص192 ح13853.
(83) الكتاب المقدس: العهد الجديد، بشارة يوحنا: ص140، فصل كلمة الله.
(84) سورة العلق: 1.
(85) وسائل الشيعة: ج7 ص170 ح9032.
(86) سورة العلق: 4.
(87) غوالي اللآلي: ج1 ص432 ح131.
(88) سورة آل عمران: 104.
(89) أي فلتنشأ منكم أمة يدعون إلى الخير.
(90) سورة المائدة: 105.
(91) سورة الإسراء: 16.
(92) سورة الإسراء: 15.
(93) سورة الإسراء: 16
(94) غوالي اللآلي: ج1 ص431 ح128.
(95) سورة البقرة: 36.
(96) سورة التكوير: 5.
(97) سورة الأنبياء: 47.
(98) الاحتجاج: ج1 ص244.
(99) بحار الأنوار: ج61 ص4.
(100) سورة الشعراء: 82.
(101) انظر كتاب (السبيل إلى إنهاض المسلمين) و(اللاعنف في الإسلام) و(اللاعنف منهج وسلوك) و(الصياغة الجديدة) و(الفقه السياسة) و(الفقه طريق النجاة) وغيرها من مؤلفات الإمام الشيرازي ( في هذا الباب.
(102) سورة الأنفال: 60.
(103) سورة الأنبياء: 107.
(104) مرت ترجمته.
(105) هو عبد الكريم قاسم محمد بكر الزبيدي، من مواليد 1914م قام بانقلاب عسكري عام 1958م وأطاح بالحكم الملكي بعد أن قتل أغلب أفراد العائلة المالكة، وأعلن قيام الجمهورية العراقية، وبعد أربع سنوات من حكمه تعرض لانقلاب عسكري صبيحة يوم الجمعة 8 شباط (1963م) بقيادة عبد السلام عارف مع مجموعة من الضباط البعثيين وقد أسفرت المحاولة عن تسليم عبد الكريم قاسم لنفسه ومعه رفاقه وأعدموا رميا بالرصاص.
(106) هو عبد السلام محمد عارف، من مواليد مدينة الرمادي/لواء الدليم عام (1339هـ=1921م)، اشترك مع عبد الكريم قاسم عام (1377هـ=1958م) في الإطاحة بالنظام الملكي، أصبح رئيسا للجمهورية بعد الإطاحة بنظام قاسم بمعونة رفاقه البعثيين في (14رمضان 1382هـ = 8 شباط 1963م)، قتل مع أحد عشر شخصا من وزرائه ومرافقيه في (32 ذي الحجة 1385هـ = 13نيسان 1966م) إثر سقوط طائرته في عملية مدبرة من خلال وضع قنبلة في الطائرة.
(107) ذكر ذلك الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني.
(108) نقلته صحيفة السفير اللبنانية عن وكالة أنباء رويتر.
(109) سورة الزمر: 7، سورة فاطر: 18، سورة الإسراء: 15، سورة الأنعام: 164.
(110) سيأتي الحديث مفصلا في الفصل القادم عن أسس سلام المجتمع في الإسلام ومنها أنه أبعد عن الناس العصبية للجنس أو القوم أو اللغة أو الجغرافية الخاصة، التي تسمّى بالوطنية والملية، أو اللون أو غير ذلك.
(111) ناصر الدين شاه بن محمد شاه بن عباس ميرزا بن فتح علي شاه القاجاري. ولد سنة 1247هـ، وهو أحد أفراد السلالة القاجارية التي حكمت إيران فترة مائة وثلاثين عاماً. جلس على سرير الملك سنة 1264هـ. كتب المؤرخون عن حياته وآثاره كتباً مستقلة مثل: (ناسخ التواريخ ـ مجلد القاجار) و(سفرنامه ناصرى) و(تاريخ ناصرى). له قصائد في رثاء الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام) باللغة الفارسية، وشعره معروف ومتداول بين الوعاظ وأهل الذكر والرثاء. زار العراق في سنة 1287هـ بدعوة رسمية من الحكومة العثمانية، فوصل إلى كربلاء المقدسة في 7 رمضان، وورد النجف الأشرف في 13 رمضان، ثم ذهب إلى زيارة سلمان الفارسي في 29 رمضان. وفي 2 شوال خرج إلى زيارة سامراء، فوصلها في 6 شوال وتشرف بالزيارة. عندما زار كربلاء المقدسة، أمر بتجديد الأبنية في المشهد الحسيني، وتبديل صفائح الذهب، وتذهيب القبة الطاهرة، واشترى دوراً فأضافها إلى الصحن الشريف من الجهة الغربية. وفي عهده حدثت قضية التنباك (التبغ) الشهيرة، حيث منح ناصر الدين شاه حقّ امتياز التبغ إلى إحدى الشركات البريطانية لبيعه في داخل إيران وخارجه، مما كان يسبب سيطرة الكفار على بلاد المسلمين، وقد أصدر الميرزا الشيرازي الكبير ( فتوى بتحريم استعمال التنباك، ونتيجة لهذه الفتوى اضطر الشاه ناصر الدين أن يذعن للفتوى ويلغي الاتفاقية بعد أن امتنع الناس عن التدخين وساروا في تظاهرات صاخبة عمَّت كل المدن الإيرانية للتنديد بالشاه وبالاتفاقية . وقد أدى ذلك إلى خروج الإنجليز من البلاد خائبين خاسرين. تعرض في 13 ذي القعدة سنة 1313 هـ إلى محاولة اغتيال على يد الميرزا رضا الكرماني، في حرم السيد عبد العظيم الحسني (عليه السلام) في مدينة الري جنوب طهران توفي على أثرها ودفن إلى جواره. ثم جلس على أريكة السلطنة من بعده ابنه مظفر الدين شاه.
(112) سورة النساء: 29-30.
(113) الكافي: ج7 ص45 ح1.
(114) سورة المائدة: 2.
(115) سورة الأعراف: 56.
(116) وسائل الشيعة: ج20 ص331 ح25699.
(117) مستدرك الوسائل: ج17 ص45 ب5 ح20693.
(118) سورة المائدة:33.
(119) سورة المدثر: 38.
(120) سورة الأنعام: 164، سورة الإسراء: 15، سورة فاطر: 18، سورة الزمر: 7.
(121) سورة قريش: 4.
(122) سورة يوسف: 99.
(123) سورة العنكبوت: 67.
(124) غوالي اللآلي: ج4 ص7 ح8.
(125) غرر الحكم ودرر الكلم: ص234 ح4694.
(126) سورة الشعراء: 88-90.
(127) شرح القصيدة الرائية: تتمة التنـزية، ص453.
(128) سورة الشعراء: 227.
(129) مستدرك الوسائل: ج12 ص99 ح13628.
(130) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج2 ص70-71 ب31 ح327.
(131) وسائل الشيعة: ج12 ص304 ب163 ح16366.
(132) بحار الأنوار: ج72 ص148 ب57 ح3.
(133) من لا يحضره الفقيه: ج4 ص15 باب ذكر جمل من مناهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ح4968.
(134) مستدرك الوسائل: ج9 ص138 ب138 ح10482.
(135) الكافي: ج2 ص368 باب من أخاف مؤمنا ح2.
(136) ثواب الأعمال: ص257 عقاب من آذى المؤمنين ونصب لهم وعاندهم.
(137) مستدرك الوسائل: ج8 ص422 ح9872.
(138) الكافي: ج2 ص443 ح1.
(139) بحار الأنوار: ج72 ص353.
(140) للتفصيل راجع الكافي: ج8 ص104ح79.
(141) مستدرك الوسائل: ج18 ص273ح22731.
(142) سورة البقرة: 179.
(143) بحار الأنوار: ج75 ص182 ح8.
(144) مستدرك الوسائل: ج18 ص37 ح21948.
(145) سورة النساء: 93.
(146) سورة المائدة: 32.
(147) وفي تفسير مجمع البيان: قيل في تأويله أقوال:
أحدها: إن معناه هو أن الناس كلهم خصماؤه في قتل ذلك الإنسان، وقد وترهم وتر من قصد لقتلهم جميعا، فأوصل إليهم من المكر وما يشبه القتل الذي أوصله إلى المقتول فكأنه قتلهم كلهم، ومن استنقذها من غرق، أو حرق، أو هدم، أو ما يميت لا محالة، أو استنقذها من ضلال، فكأنما أحيا الناس جميعا، أي: أجره على الله أجر من أحياهم جميعا؛ لأنه في إسدائه المعروف إليهم بإحيائه أخاهم المؤمن، بمنزلة من أحيا كل واحد منهم، عن مجاهد والزجاج واختاره ابن الأنباري، وهذا المعنى مروي عن أبي عبد الله (عليه السلام). ثم قال: (وأفضل من ذلك أن يخرجها من ضلال إلى هدى(.
وثانيها: إن معناه من قتل نبيا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعا أي: يعذب عليه كما لو قتل الناس كلهم، ومن شد على عضد نبي أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعا في استحقاق الثواب، عن ابن عباس.
وثالثها: إن معناه من قتل نفسا بغير حق فعليه مأثم كل قاتل من الناس؛ لأنه سن القتل وسهله لغيره، فكان بمنزلة المشارك فيه، ومن زجر عن قتلها بما فيه حياتها، على وجه يقتدى به فيه بأن يعظم تحريم قتلها كما حرمه الله، فلم يقدم على قتلها لذلك فقد أحيا الناس بسلامتهم منه فذلك إحياؤه إياها، عن أبي علي الجبائي وهو اختيار الطبري. ويؤيده قولـه (: (من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة(.
ورابعها: إن المراد فكأنما قتل الناس جميعا عند المقتول، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا عند المستنقذ، عن ابن مسعود وغيره من الصحابة.
وخامسها: إن معناه يجب عليه من القصاص بقتلها، مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعا، ومن عفا عن دمها وقد وجب القود عليها، كان كما لو عفا عن الناس جميعا، عن الحسن وابن زيد.
راجع تفسير مجمع البيان للعلامة الشيخ الطبرسي: ج3 ص 321-322.
(148) مستدرك الوسائل: ج18 ص212 ح22531.
(149) سورة المائدة: 45.
(150) سورة المائدة: 32.
(151) حكم القتل في أقسامه الثلاثة: العمد، وشبه العمد، والخطأ، ذكر في كتاب القصاص والديات في فقه الإسلام.
(152) سورة الإسراء: 33.
(153) الكافي: ج2 ص108 ح5.
(154) مستدرك الوسائل: ج9 ص7 ح10042.
(155) غرر الحكم ودرر الكلم: ص245 ح5019.
(156) مستدرك الوسائل: ج18 ص36 ح21943.
(157) غرر الحكم ودرر الكلم: ص343 ح7867.
(158) بحار الأنوار: ج58 ص150 ح30.
(159) غوالي اللآلي: ج1 ص377 ح107.
(160) بحار الأنوار: ج58 ص150 ح30.
(161) سورة البقرة: 208.
(162) راجع الكافي: ج5 ص292ح2.
(163) سورة الحجرات: 12.
(164) سورة النحل: 125.
(165) سورة آل عمران: 159.
(166) سورة فاطر: 18، سورة الأنعام: 164، سورة الإسراء: 15، سورة الزمر: 7.
(167) مستدرك الوسائل: ج11 ص292 ح13064.