الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

قال الله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)(1).

من الخطأ أن نتصور أن اليهود اليوم هم أنفسهم قوم موسى(عليه السلام)، ومن الخطأ أيضاً أن نتصور أن بني إسرائيل اليوم هم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز وفضلهم على العالمين ـ أي عالمي زمانهم ـ ، في قوله تعالى:(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (2).

أو هم أولئك الذين اختار الله تعالى منهم كثيراً من الأنبياء (عليهم السلام) أمثال موسى، وهارون، ويوسف، والياس، ويونس بن متى (عليهم السلام)، والذين جعل منهم الملوك كما قال تعالى: (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) (3).

أو أنهم المقصودين في الآية الكريمة حينما كانوا أبراراً وآتاهم الله ما لم يؤت أحداً في زمانهم، كما قال الله تعالى:(وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ) (4).

ولكن يهود اليوم وإسرائيل اليوم هم من سلالة أولئك العصاة الذي تكبروا في الأرض فجعلهم الله عزوجل قردة وخنازير فقال سبحانه: (وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) (5).

إذن يهود اليوم.. يختلفون عن يهود الأمس الذين كانوا من أتباع موسى (عليه السلام)، وإسرائيل اليوم غير إسرائيل الأمس.

الأصل الجديد ليهود اليوم

ويعرف ذلك من هذه القطعة التاريخية التي تقول: (.. ما بين القرنين السابع والعاشر الهجري، سيطر شعب مغولي هو شعب (الخزر) على الطرف الشرقي من أوروبا ما بين (الفولغا والقفقاس) وكان يواجه الدولة الإسلامية في الشرق والجنوب الشرقي والدولة المسيحية المحيطة به، وهو اختيار يحير بعض المؤرخين، كما انه لم يكن صدفة: (كما ذكروا) (6)، ويفسره البعض بأنه حرص شعب (الخزر) على الاحتفاظ بشخصيته الخاصة بين القوتين العالميتين حينذاك (أي القوة الإسلامية والقوة المسيحية).

وفي القرن (الثاني عشر ـ الثالث عشر) انهارت دولة الخزر، وفروا في اتجاه الغرب إلى القرم وأوكرانيا وهنغاريا وبولندا وليتوانيا، يحملون معهم ديانتهم اليهودية (التي عرفها العصر الحديث) وبذلك فان يهود العالم اليوم في غالبيتهم الساحقة ينحدرون من هذا الشعب المغولي خاصة، وان اليهود الأصليين الذين ينتمون إلى القبائل الإسرائيلية (الاثنتي عشرة) في التاريخ القديم قد ضاعت آثارهم..) (7).

هذه الحقيقة التاريخية تثبت أن اليهود اليوم لا علاقة لهم تاريخياً ولا غيرها من قريب أو بعيد بيهود الأمس، وإسرائيل اليوم لا علاقة لها ببني إسرائيل الأمس.

كما أنه لا علاقة لهم بفلسطين إطلاقاً.

مزاعم اليهود

الحقيقة التاريخية السالفة الذكر أطلق اليهود عليها اسم (الشتات) وجعلوها عنواناً (لمظلوميتهم) كما يدعون، حيث تزعم (الصهيونية) الآن أن القوى الظالمة (أي الإسلامية والمسيحية) فرضت عليهم الشتات، وحالت عبر التاريخ بينهم وبين عودتهم إلى (ارض الميعاد) لكن التاريخ ينسف هذه المزاعم وهذه الأسطورة.. فالمعروف انهم رحلوا طلباً للعيش قبل أن يطاردهم أحد، بل هاجروا قبل السبي البابلي، وبعد قيام (مملكة إسرائيل) التي ظهرت على أثر انقسام فلسطين إلى مملكتين (مملكة يهوذا في القدس) و(مملكة إسرائيل) في السامرة بعد وفاة نبي الله سليمان (عليه السلام) عام (935ق.م) وفي القرن السادس قبل الميلاد زال كل أثر فعلي لليهود في فلسطين إلا من اندمج منهم بسكان البلاد الأصليين.

ثم اتسع (تشتت) اليهود في مراكز الاقتصاد والتجارة مثل: (الإسكندرية وقرطاجة) قبل تدمير الهيكل سنة (70م)...

الطابع التجاري لديانة اليهود

اليهود أينما تجمّعوا فذلك يعني انهم تجمّعوا حول نواة تجارية مالية، ولا يهمهم شيء حول ما إذا كانت تجارتهم هذه دنيئة أم لا، المهم عندهم جمع المال من التجارة والتحكم بالعصب الاقتصادي والسياسي للمنطقة، فلو جاء عشرة رجال من اليهود الفقراء إلى منطقة، لوجدناهم يتحكمون بالسوق في بضع سنوات وذلك عبر خطة عالمية تدعمهم، بغض النظر عن الوسائل التي يتبعونها في ذلك.

فمثلاً في أوروبا كان الربا مقدماً على التجارة والأعمال لكسب الربح السريع. وقد استغله اليهود وكذلك الدعارة ويعود عملهم بالربا إلى أن الكنيسة الكاثوليكية حرمت الربا على النصارى. فبقي فراغ شغله اليهود، فأخذوا يتعاملون به بجشع.

اليهود في البلاد العربية

بدأ بعض اليهود بالنزوح إلى البلاد العربية من القرن السادس قبل الميلاد (النفي البابلي)، ثم جاء بعضهم بعد سقوط القدس (القرن الأول الميلادي) فنزحوا شرقاً نحو العراق وجنوباً نحو الجزيرة العربية وبالاتجاه الجنوبي الغربي نحو مصر، وتسربت أعداد منهم وامتزجت بأهل البلاد الأصليين واختلطت بهم اختلاطاً مباشراً في جوانب حياتهم وظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كما شاركوهم في ـ اللغة والتقاليد وأسلوب التفكير ـ .

وقد ضاعت وحدتهم العنصرية رغم تقوقعهم ورغم تعصبهم العنصري لديانتهم، كما فقدوا لغتهم المشتركة (العبرية) فتكلموا بلغات مختلفة حسب الموقع الذي يعيشون فيه، وهذا يبين أنهم هجين من عدن قوميات ومن عدة لغات.

أما تواجدهم في فلسطين فسوف نتطرق إليه ضمن مراحل تاريخية متتالية.

فلسطين في التاريخ

ذكر بعض المؤرخين: انه عرفت فلسطين بأرض (كنعان) قديماً (حوالي 2500ق.م)، وفي عام (2100ق.م) تعرضت لغزو القبائل الكريتية التي سكنت شواطئها بين يافا وغزة، فسميت تلك المناطق باسم (فلسطين) ثم صار هذا الاسم لكل المنطقة فيما بعد وبحكم موقعها تعرضت لحروب طاحنة وغزوات وهجرات متوالية لكن كان معظم الغزاة عابرين إلا من استقر فقد اندمج مع السكان وصار منهم.

خرجت قبائل العبرانيين من مصر متجهة إلى الشرق بقيادة النبي موسى (عليه السلام) في عام (1290ق.م) وتوقفت في صحراء (التيه) 40 عاماً.

وفي عام (1000ق.م) أخضع النبي داود (عليه السلام) (الكنعانيين اليبوسيين) في منطقة القدس وجعل أورشليم (القدس) عاصمة لهم.

وبعد وفاة ابنه النبي سليمان (عليه السلام) عام (635ق.م) انقسمت المملكة إلى مملكة يهوذا ومملكة إسرائيل.

وفي القرن السادس ق.م تعرضت فلسطين لغزوات الآشوريين والكلدانيين وتبعثر اليهود على أثرها وفي عام (529ق.م) غزا الفرس فلسطين وألحقوها بدولتهم.

وفي عهدهم عادت قبيلة (يهوذا) مع بقايا الأسر البابلية إلى القدس، وأعادت الهيكل من جديد.

وفي عام (332 ق.م) غزا الاسكندر فلسطين.

وفي عام (90 ق.م) قدم العرب إلى الأنباط والحقوا فلسطين بعاصمتهم.

إلى أن احتلها الرومان في أوائل القرن الميلادي وظلت تتبع روماً أولاً وبيزنطة بعدها، إلى أن جاء الإسلام وحررها من أيديهم.

الفتح الإسلامي

نظراً لأهمية فلسطين دينياً عند جميع الأديان ـ ففيها أولى القبلتين عند المسلمين وكونها (أرض الميعاد) لدى اليهود وحيث سمّت أرضها التوراة (أرض السمن والعسل)، ولكونها وسط الحضارات والإمبراطوريات القديمة وكونها معبراً بين القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا وملتقى لها ـ كل ذلك جعل أرضها مسرحاً تتجابه عليه مختلف القوى العالمية قديماً وحديثاً وتنجذب إليها أمواج الهجرات المتتالية والمتصاعدة باستمرار من مختلف الديانات والقوميات، وبانتصار الإسلام في جزيرة العرب.. انطلقت القوة الإسلامية الجديدة إلى جميع الاتجاهات لتحمل رسالة الإسلام والحضارة الإسلامية. وتوجهت قوات المسلمين شمالاً إلى فلسطين لتقضي على الجيوش الرومانية في معركتين حاسمتين معركة أجنادين بالقرب من القدس فدخلت القدس سنة (638م).

ثم معركة اليرموك التي أنهت الوجود الروماني في فلسطين وتم استيلاء المسلمين على كل فلسطين، وصارت جزءاً لا يتجزأ من البلاد الإسلامية بسقوط (قيصارية) سنة (460م) لينتهي فصل الختام للإمبراطورية الرومانية في أرض الإسلام، ليبدأ بعدها فصل جديد بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية (الصليبية).

المملكة الصليبية

في القرن الحادي عشر الميلادي تحركت الجيوش الأوروبية (الصليبية) بعوامل الطموح ودوافع الطمع والحماس الديني نحو المشرق تحت شعار (تحرير الأراضي المقدسة) وكان هدفهم القضاء على المسلمين، وبالفعل فقد اغرقوا القدس بعد احتلالها في بحر من الدماء وقتلوا من فيها من المسلمين وحتى المسيحيين واليهود الشرقيين وأقاموا مملكة باسم (مملكة القدس) وبعد ثمانين سنة من سقوط القدس بأيديهم استطاع المسلمون مرة أخرى استردادها من أيديهم (1187م) بعد أن ألحقوا بهم هزيمة نكراء.

ونتيجة لانتصارات المسلمين، انحسر نفوذ الصليبيين إلى المنطقة الساحلية من فلسطين وأصبحت (عكا) هي عاصمتهم الجديدة.

وبعد ذلك نشبت معارك طويلة ومريرة طوال السنتين استطاع بعدها (مماليك مصر) من المسلمين تحرير (عكا) وطرد الصليبيين وإزالة آخر أثر لهم من الأراضي الإسلامية سنة (1291م).

الحكم الإسلامي في فلسطين

بعودة الحكم الإسلامي إلى فلسطين سمح لليهود بالهجرة إليها والإقامة فيها بعد أن منعتهم من ذلك الحكومات الصليبية وقضت على وجودهم في فلسطين قضاءً تاماً.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها اليهود للاضطهاد من قبل الأوربيين (الصليبيين) فقد طردوا من أوروبا الغربية وخلت من اليهود تقريباً، وقد أطلق على اضطهاد اليهود الجديد هذا، اسم جديد متأثر بنظرية الأجناس وتفوق العرق (اللاسامية) وقد عاشت الطوائف اليهودية في أوروبا في القرون الوسطى في نظام خاص(8) وهو النظام الذي يحصر تواجد اليهود فيه في أماكن معينة. وحين انتصر الإفرنج على المسلمين في الأندلس أشاعوا محاكم التفتيش، وكان على اليهود كما كان على المسلمين أن يختاروا بين البقاء والتكثلك أو الفرار والتشرد، ولو قارنا ذلك بوضعهم في ظل المسلمين لوجدنا الفرق شاسعاً جداً.

فقد تميزت معاملة المسلمين لليهود بالتسامح في حين كانت أوروبا تغلق عليهم كل شيء،وقد تمكن الأقلية اليهودية من المساهمة بحرية في الحضارة الإنسانية في ظل الحكم الإسلامي. وتُذكر الأندلس دائماً كمثل على المركز الممتاز الذي تمتع به اليهود في العالم الإسلامي.

التدفق الجديد لليهود

في زمن الدولة العثمانية ومنذ بداية القرن السابع تدفق اليهود القادمين من أوربا (الشرقية) (9) ويعرفون باسم خاص(10) يميزهم عن بقية اليهود في العالم على فلسطين، وزادت الهجرة مع ضعف الدولة العثمانية وازدياد نفوذ الدول الكبرى وتصاعد الاضطهاد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

ومع نمو الحركة الصهيونية توجهت هذه الهجرة إلى (فلسطين) واستمرت بالازدياد المطرد إلى يومنا هذا.

سورة المائدة: 82.

سورة البقرة: 47.

سورة المائدة: 20.

سورة المائدة: 20.

سور المائدة: 60.

أنظر المؤرخ المجري (د. انطال بارثا).

من كتاب (القبيلة الثالثة عشر) لـ(أرثور كوستلر).

يسمى (الغتيوات).

بولندا، ليتوانيا، روسيا.

10ـ اشكنازيم.