فهرس الفصل الأول

فهرس الباب الثاني

المؤلفات

 الاجتماع

الصفحة الرئيسية

 

العائلة

 منذ يرى التاريخ تكونت العائلة أول ما تكونت، من زوج وزوجة، قال سبحانه: (وجعل منها زوجها ليسكن إليها)(1) فقد كان آدم وحواء، ثم ولدا هابيل وقابيل، وخلق الله لهما زوجتين جديدتين فلما تزوجا بهما، صار أولادهما أبناء عمومة، وهكذا صار التوالد إلى اليوم، وسيبقى إلى يوم انتهاء الدنيا.

أنواع الزواج  

وأما كيفية التزويج، فقد اختلفت في الأمم على خمسة أقسام:

1 ـ رجل وامرأة.

2 ـ ورجل وأكثر من امرأة.

3 ـ وامرأة وأكثر من رجل.

4 ـ وجماعات رجال ونساء.

5 ـ والفوضى الجنسية بدون ميزان، كما يدعوا إليه ماركس وطبق في روسيا والصين، أول سيطرة الحكم الشيوعي فيهما، فكل رجل لكل امرأة وكل امرأة لكل رجل.

والكيفية الصحيحة ـ عقلاً وشرعاً ـ هما الأولان، إذ أنه إن استطاع الرجل اتخاذ أكثر من زوجة [وذلك، لكثرة النساء ـ على الأغلب ـ بالنسبة إلى الرجال، حيث دل الإحصاء أن الرجل أقل عمراً من المرأة، وأن الرجل يقتل ويموت بالكوارث، لأنه مشغول بأعمال خشنة، وليست المرأة كذلك] وإن لم يستطع الرجل، اتخذ زوجة واحدة.

لكن الغالب أن الرجال يتخذون زوجة واحدة، لا لعدم الإمكان، بل لأن جماعة من الرجال تخلفوا عن موازين إدارة النساء، فرغبت النساء عن الضرة مما أوجب تخوف الرجال من التعدد، حيث العرف العام يثقل عليه التعدد، خصوصاً إلى ثلاث وأربع.

أما المرأة لأكثر من رجل، فقد وقعت في بعض الأمم، إما لفقر الرجال عن المهر أو لقلة النساء لحادث ما… وهذا خطير في تحطيم لعائلة وإيجاد أنواع كثيرة من الأوبئة النفسية والصحية والفكرية كما يؤكده علماء ذوي الاختصاص.

والرابع: بالإضافة إلى أنه غير شرعي، غير صحيح حيث يلزم من ذلك المنازعات، للمقاربة، وللنفقة، وللأولاد.

أما الخامس: فهو خلاف السكن والأنس، ولذا تحاشى عنه حتى الشيوعيين ـ غالباً ـ ضاربين تعالم ماركس وانجلز عرض الحائط، كما ضربوا بسائر تعاليمهما، إلا الديكتاتورية في الحكم، فهي باقية إلى الآن، وإلا خنق الأديان، خوفاً من أن يطالبهم الدين بعدم الديكتاتورية، وتوزيع الثروة توزيعاً عادلاً.

الزواج في عالم الحيوان  

ثم إنه فرق بين عالم الإنسان والحيوان في الزواج، من حيث أن الزواج في الحيوان إما ينفصم بعد اللقاح أو بعد تكبير الأولاد، وقابلية الأولاد للعيش وحدهم، كما في الحمام ونحوه، بينما الإنسان حيث لا ينتهي أمره بتكبير الأولاد بل يبقى هناك التربية والمعاش للأولاد، والمحبة، وانتظار أن يكافئ الأولاد جزاء والديهم في الإعاشة والإدارة و… لذا تدوم العائلة الإنسانية أكثر من دوام العائلة الحيوانية ـ فيما كان لها دوام ـ.

لا… لطرد الأولاد  

والعائلات على قسمين: قسم يستبقي الأولاد، بعد رشدهم، واستقلالهم في أمور معاشهم، وقسم يطرد الأولاد، لكن القسم الثاني أقرب إلى المادية بينما القسم الأول أقرب إلى الإنسانية، حيث أن الحب والعلاقة فوق المادة، بل اللازم ـ كما جعله الإسلام ـ إنفاق العائلة على الأولاد، إن كانوا فقراء وبالعكس كذلك، وإلا تعاونا في أمر المعيشة، وبالاجتماع يدرك الإنسان لذة روحية لا يدركها بالانفراد.

ولذا نرى أنه كلما أوغل مجتمع في المادية، كان الطرد فيه أكثر وبالعكس كلما لازم مجتمع الإنسانية ـ وفي قمتها الإسلام ـ كان الاستبقاء أكثر…. وقد زعم بعض علماء الاجتماع أن المجتمع الصناعي يلازم الطرد، وفيه أن ذلك ليس من لوازم الصناعة بل من لوازم المادية.

ثم هناك بعض العوائل المتوسطة بين المبقية والطاردة، وهي التي تحفظ ولدها الكبير فقط دون سائر الأولاد، وذلك للأنس به والتعاون معه، وإذا مات الولد الأكبر، جاء ولد آخر ليعيش مع أبويه، تاركاً استقلاله في عائلة نفسه، أي يأتي مع عائلته إلى دار والديه.

بين العائلة الصغيرة والعائلة الكبيرة  

والعائلة، تنقسم إلى عائلة ضيقة هي عائلة الزوجين والأولاد، وعائلة وسيعة هي العائلة التي تتكون من الأبوين والأولاد والأصهار وزوجات الأولاد، وعائلة أوسع هي بالإضافة إلى ما تقدم تبقى مستمرة في السعة كالأجداد والأعمام والأخوال، وما أشبه. ولكل من الأقسام الثلاثة محاسن إلا أنه ورد في الحديث: (تزاوروا ولا تجاوروا)(2) وذلك لأن انضمام الكل في عائلة واحدة غالباً تؤدي إلى منافسات ومنازعات، بل بعض المفاسد الخلقيــة، ولعل خيـــر الأمور أوســطها يقتضي ترجيح الثاني، بعد انصراف النص عن مثله.

وذلك لأن الأبناء والبنات لابد لهم ممن يجمعهم في حياتهم العائلية، كما كانوا قبل ذلك في بيت الأبوين، وإلا فكيف تعيش بنت منفردة جديدة العهد بالزواج في دار مستقلة، سواء كانت بنت الأبوين، أو زوجة ولدهما؟ فإنها تحتاج إلى مساعدة من نوع جديد في حياتها الجديدة، حتى ينشأ لها الأولاد وكذلك بالنسبة إلى الولد المتزوج، أمّا أن يسكنا مع عائلة أخرى غير أبويهما، فذلك فيه أضرار الغربة، وخوف انحراف الأخلاق.

لكن اللازم لهما إذا سكنا بيت الأبوين ملاحظة، عدم تسرب فساد الأخلاق بين الزوج وأخت الزوجة وبين الزوجة وأخ الزوج… وكيف كان فالعائلة عش لا للجهات الجسدية للأولاد، بل للجهات النفسية أيضاً، فإنهم يتعلمون من الأبوين، ويتربون بأخلاقهما وسلوكهما، ولذا كان اللازم عليهما تــحسين السلوك حتـــى لا يخرج الأولاد منحرفين، كما أن اللازم عليهما مداراة الأولاد، حتى لا يصيروا معقدين.

وفي الإسلام طائفة كبيرة، من الآيات والروايات بهذا الصدد، يمكن مراجعة [حلية المتقين] و [مرآة الكمال] و [سراج الشيعة] وغيرها للاطلاع عليها، وهي كافية لتقويم العائلة سواء الزوجين، أو مع الأولاد، أو حتى مع الأحفاد والأقرباء الآخرين.

مركز الثقل في العائلة  

ثم الأولاد قد يضعون ثقلهم على الأم، وقد يضعون ثقلهم على الأب، وقد يساوون في وضع الثقل، وذلك لعدة عوامل، فوضع الثقل على الأم، لأنها تدير الاقتصاد، أو لأنها شخصية كبيرة سواء بنفسها، أو لأجل محتدها، أو لأنها تدير التربية، أو لأن الأب يغيب في تجارة أة زراعة أو صيد أو ما أشبه ذلك، أو لأن الأب سجن مدة طويلة، أو لأنه مات أو جن، أو ما أشبه ذلك ومنه يعلم وجه العكس بأن يوضع الثقل على الأب، ووجه وضع الثقل عليهما… وأحياناً لا يوضع ثقلهم على أي منهما بل على العمة أو الخالة أو ما أشبه.

ولكل قسم من أقسام وضع الثقل الأربعة، قسم من الآثار، مثلاً: من يضع ثقله على الأم يتربى بتربية النساء عاطفياً، بالعكس ممن يضع ثقله على الأب حيث يتربى بتربية الرجال عقلانياً، أما من يضع الثقل عليهما فيصبح معتدلاً، ومن يضع ثقله على الخارج ـ العمة والخالة ونحوهما ـ فهو يحرم غالباً من نوع من العطف والعقل، ويخرج عنيفاً، أمّا من يضع ثقله على مثل دار الحضانة ونحوها فغالباً ما يخرج معقداً، ولعلم النفس والتربية بحث طويل حول ذلك.

العائلة والإنتاج الاقتصادي  

ثم لكيفية الإنتاج الاقتصادي، أثر بيّ، في سعة العائلة وضيقها، فالإنتاج اليدوي زراعة أو صناعة أو ما أشبه، له تأثير في سعة العائلة، حيث يحتاج مثل هذا الإنتاج إلى أيادي كثيرة، يمكن القيام بالمعاش، بينما إذا كان الإنتاج مثل الصيد، والغزل بالمغزل، وتربية الدواجن لم يحتج إلى أيادي كثيرة، فيقتنع الزوجان بأنفسهم وأولادهما لذلك، وكذلك إذا كان الإنتاج مثل البستان فإنه يكتفي بعائلة واحدة، وقد زعم ستالين أن المزارع الجماعية أدر في الربح لكيس الدولة فأجبر الفلاحين على ذلك، ولم ينتج ذلك إلا تأخر الزراعة من ناحية، واستشراء الفساد الأخلاقي من ناحية ثانية، والمقاومة الشديدة، حتى قتل منهم أكثر من مليون من ناحية ثالثة.

ثم الرجل منتج طبيعي [أي نوع من الإنتاج] أما المرأة فإذا كانت منتجة ارتفعت مكانتها في العائلة، وكذا في الاجتماع، بخلاف ما إذا لم تكن كذلك بل بقيت مربية وربة بيت، فإن عملها وإن كان عملاً رفيعاً ـ وفي المثل: [التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بشمالها] ـ إلا أن الاجتماع المادي لا يعيرها تلك الأهمية التي هي للمرأة الاقتصادية، ولعل ذلك لأجل ما ألمع إليه علي عليه السلام (احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره)(3).

وقد جعل الإسلام للمرأة مكاناً رفيعاً لم يصل إليه الغرب حتى الحال الحاضر، حتى أنه قال بالنسبة إلى الأم: (الجنة تحت أقدام الأمهات) وفي حديث أن شخصاً سأل رسول الله صلى الله عليه وآله: إلى من أحسن؟ قال صلى الله عليه وآله: أمك، وسأل ثانياً وثالثاً؟ وفي كل مرة يجيب صلى الله عليه وآله: أمك، وفي المرة الرابعة قال صلى الله عليه وآله: أبيك(4).

المرأة… والعمل  

وفي الحال الحاضر: المرأة الموظفة التي تدر الثروة، والمرأة العاملة ولو في الصنائع اليدوية، لها قيمة فوق قيمة العاطلة في الاجتماع، حتى أن مهرها عند أخذ يدها أكثر من غيرها… والعالم لم يتمكن أن يحل مشكلة المرأة في العصر الحاضر، حيث أنها إن اشتغلت بالحمل والولادة والتربية والأعمال المنزلية فاتها الاقتصاد، وإن اشتغلت بالاقتصاد لم تتمكن من إدارة المنزل، والإنجاب والتربية، والإدارة والتربية وإن أمكنت للرجل، إلا أن العاطفة النسوية في الأولاد لا تحصل بتربية الرجال، ثم إذا وضعت التربية على الرجل، كان خلاف قاعدة البنية لهما حيث أن الرجل للأعمال الخشنة، والمرأة للأعمال الخفيفة.

ولعل الحل أن تقسم أوقات المرأة إلى:

1 ـ الإنجاب والتربية.

2 ـ ترفيعها نفسها بالعلم والصنعة وما أشبه.

3 ـ العمل مع مراعاة الحشمة الكاملة، ويستعان لأجل إمكان جمع الثلاثة بالوسائل الحديثة المسهلة، مع تقديم الأول على الثاني والثاني على الثالث… أما جعل الرجل والمرأة في سياق واحد  فهو الظلم لها وله، مثله مثل جعل سيارة المسافر وسيارة الحمل في مساق واحد، كما أن حرمانها عن العلم والعمل، أو عن الإنجاب والتربية، ظلم لها في الأول، وعلى الأطفال في الثاني.

ولذا نرى أن المرأة الغربية والشرقية أخذتا تشتكيان حشرهن في المعامل والأعمال الخشنة، مما وفوق طاقتهن، وسبب لذبول أنوثتهن، كما تشتكين من إهانة الرجل لهن، حيث أن الوضع السائد، هناك عدم الاعتناء بعفتهن وبزواجهن، فقد أصبحن وسيلة رخيصة للمتعة والإعلان والدعاية، ولا تحظى كثيرات منهن بدفء البيت من جراء استغناء الشباب عنهن، من ناحية وتحريم تعدد الزوجات من ناحية ثانية، حيث كثرت العوانس والأرامل من جراء عدم الزواج أو الطلاق أو الافتراق الذي يحدث لأتفه الأسباب.

مشاكل العائلة الحديثة  

ثم إن العائلة الحديثة ـ لعدم تمكن العصر من وضع البرامج الصحيحة التي يكون محورها الإنسان ـ ابتليت بأمور أولدت مشاكل، وهي:

1 ـ صغر حجم العائلة [الأبوان والأولاد الصغار غالباً] فلا تتنعم العائلة بدفء السعة وحنان الأقرباء، وذلك لأن توجه كل واحد إلى المزيد من المادة وعدم الثقافة التي توجب ربط الأقرباء بعضهم ببعض، أوجب انفصام العائلة الوسيعة، حتى أن الأبوين يخرجان بناتهم عند الرشد عن الدار ليعملن بأنفسهن ولإعطاء إيجار المنزل لتحصيل المزيد من المادة.

2 ـ ليست الدار مركز الإنتاج، كما كان في عصر الإنتاج اليدوي، بل كل من الأبوين والأولاد ـ إذا بقوا في البيت ـ يذهب للعمل في الخارج، والأمر إلى هنا لا بأس به،وإنما البأس في الانفصام الحاصل من ذلك، حيث كثيراً ما يبقى في الخارج أسبوعاً أو ما أشبه في عمله، ولا يتلاقى أهل المنزل إلا في أيام العطلة، وذلك يورث تقلص العاطفة والدفء، حيث أن كل صفة لم تراع تقلصت وذبلت.

3 ـ قلّ تسلط الأبوين على الأولاد مما سبب عدم إمكان تربيتهما لهم، وذلك لأن الانفصام أوجب عدم تمكن الأبوين من رعاية الأولاد، وعدم الرعاية يلازم عدم التسلط.

4 ـ وفي المقابل قلّ اعتناء الأولاد بالأبوين، وعدم احترامهما وجعلهما أسوة، وذلك بالإضافة إلى أنه يسبب بقاء الجميع في حالة ضياع وغربة ووحشة نفسية، بسبب عدة تربي الأولاد تربية صالحة مما يجعلهم نهباً للوسواس والشهوات والتيارات، ولذا نجد الاضطرابات الشبابية في كل مكان.

وعلى هذا فإن أمكن إرجاع الدفء العائلي، بالجمع بين الصناعة وبين الدار، وبين المادة والروح، لزم وضع برامج لذلك، تفادياً عن المشاكل الحاضرة، وإن لم يكن ـ ولو في الخط القريب ـ كان اللازم جعل برامج لحفظ الشباب عن الانزلاق وذلك يمكن بـ:

أ ـ تقوية الثقافة الاجتماعية الصحيحة، حتى تستوعب الشباب أينما كانوا ليعوض ذلك عن ما فقدوه من العائلة الصحيحة.

ب ـ تكوين الأحزاب والنقابات الصحيحة، لتجمع الشباب وتصرف طاقاتهم في البناء بدل الهدم أو الضياع.

ج ـ تكوين [وزارة الشباب] للعمل الدائب في انتشالهم من المزا لق والمهاوي.

د ـ تكوين المؤسسات الشبابية لجمعهم وهدايتهم إلى الصراط السوي وذلك بإعطائهم حاجاتهم، وحل مشكلاتهم، والإجابة على أسئلتهم، وصرف طاقاتهم في المصارف الصحيحة.

5 ـ قل اتكاء المرأة على الرجل، لأن الاتكاء كان من جهة الثقافة الاجتماعية ومن جهة الاحتياج، وكلا الأمرين تبدلا إلى الضد، حيث أن الثقافة الحديثة المادية، أوجبت انسياب المرأة، كما أن الصناعة الحديثة والنظام الحديث أوجبا تسديد المرأة لحاجات نفسها بالوظيفة أو بالعمل الصناعي… وقد انعكس ذلك، إلى قلة مبالاة الرجل بالمرأة، حيث أن الاتكاء والعطف يتقابلان زيادة ونقيصة، وهذا أوجب تحويل الدار إلى جو باهت لا تجد العائلة فيها العطف والدفء.

6 ـ تحوّل قسم من أعمال الأولاد إلى خارج الدار، أخذاً من دار الرضاعة والحضانة إلى البلوغ والرشد، وذلك لأن كثرة أعمال الأبوين، من ناحية، وتأسيس المؤسسات المعنية من ناحية ثانية، أوجبت أن تحول الأولاد إلى خارج الدار، وقد سبب ذلك بعض ما تقدم من المشاكل.

وتبعاً لبعض ما تقدم وقعت العائلة في مهب الانفصام، من جهة أن المحور المادة، ومن جهة الثقافة الانفصالية في المجتمع والتي منها الثقافة الماركسية التي لا ترى للعائلة احتراماً، ومن جهة اختلاف آراء العائلة في الأمور السياسية ونحوها مما أوجد النزاع الدائم، ومن جهة سرعة استغناء كل من الزوجين عن الآخر، ولذا كثر الطلاق كثرة كبيرة إلى غير ذلك من الأسباب والمسببات.

أسباب الطلاق  

ثم إن الطلاق ظاهرة اجتماعية، رافقت البشرية منذ العهود السحيقة، وكثرته وقلته تابعتان لأمور:

1 ـ فالزواج المتأخر يوجب كثرة الطلاق، بخلاف الزواج المبكر، والسبب أن تقدم الإنسان في العمر يعطيه طابعاً خاصاً من الكيفية الحياتية، فلا يقدر من تغيير تلك الكيفية إلا بصعوبة، ولذا لا يتلاءم الزوجان، بخلاف الزواج المبكر حيث يتمكنان من توفيق أخلاقهما.

2 ـ كما أن عدم الدين يوجب كثرة الطلاق، بخلاف المتدين، لأن الدين من أقوى الحوافز على عدم الطلاق، إلا لدى الاضطرار، وقد ورد: (إن عرش الله سبحانه يهتز عند الطلاق)(5) و: (إن أبغض الحلال عند الله الطلاق)(6) إلى غير ذلك.

3 ـ الاختلاط بدون الاحتشام بين الرجال والنساء يوجب كثرة الطلاق، لأن المرأة تجد أفضل من زوجها مالاً وأخلاقاً، وكذلك العكس، ولذا يقل الطلاق في المجتمعات المحتشمة بالحجاب، بينما يكثر في المجتمعات المنسابة.

3 ـ مرض أحد الزوجين أو كليهما حيث أن الطرف الآخر يريد التخلص منه، وفي ما إذا كان كلاهما مريضاً، كل يريد ذلك، إذ لا يطيق مرض الآخر زيادة على مرض نفسه.

5 ـ العقم يوجب كثرة الطلاق، حيث أن الأولاد من أقوى الروابط المبقية للعلاقة بين الزوجين، وهكذا قلة الأولاد بالنسبة إلى كثرتهم، حيث الطلاق في الأول أكثر من الطلاق في الثاني.

6 ـ كثرة التكاليف الاقتصادية في الدار، ولذا كلما تحضر الاجتماع زاد الطلاق حيث أن الحضارة المادية توجب التكاليف الكثيرة بالتجملات ونحوها وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (خير نساء أمتي أقلهن مهراً)(7) فإن قلة المهر بالإضافة إلى تسهيلها الزواج، توجب عدم استعلاء المرأة على الرجل مما يؤدي إلى الشقاق، كما أن المرأة قليلة المهر قليلة المصرف ايضاً، بخلاف المرأة كثيرة المهر، وقد ورد استحباب قلة المهر، وأن يكون مهر السنة، وفي حديث صحيح ذكره الكافي ورد أن مهر فاطمة عليها السلام [كان ستاً وثلاثين درهماً] والدرهم زهاء نصف مثقال فضة.

7 ـ سوء خلق الطرفين أو أحدهما، فإنه ينتهي كثيراً إلى الطلاق، لعدم تحمل أحدهما الآخر، ولذا ورد في الحديث: (إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه)(8).

8 ـ عدم رعاية أحد الطرفين آداب الملامسة، فإن اللمس إحدى العوامل الجوهرية لبقاء العائلة، فضلاً عن عدم قدرة أحدهما إشباع الآخر، لنقص جنسي لمرض أو هرم أو غير ذلك.

9 ـ الفاصل الكبير بين عمرهما، حيث أن الأنقص عمراً يطلب الطلاق وينتهي أمرهما غالباً إلى الفراق.

10 ـ عدم رضى أحد الطرفين بالزواج من الطرف الآخر لأمر غير عاطفي حيث أن عدم الرضى يوجب عدم الانسجام مما يوجب الطلاق في كثير من الأحيان، نعم لو كان عدم الرضى لأمر عاطفي عابر، فإنه يزول بسرعة ولا يخل بموازين الانسجام.

11 ـ الاختلاف الثقافي الاجتماعي بينهما، حيث يكدر ذلك جو التفاهم وعدم تفاهم الزوجين من أسباب الطلاق.

12 ـ كون الزوجين في المدينة يوجب أكثرية الطلاق من كونهما في القرية، إذ جوّ القرية ضاغط للانسجام بخلاف جو المدينة الذي ليس له ذلك الضغط، ولأسباب أخر أيضاً.

13 ـ الثقافة الاجتماعية العامة، في تقبيح الطلاق، أو عده أمراً عادياً، فإن خوف الاجتماع من ناحية ـ في الثقافة المقبحة ـ ورسوخ القبح في باطن الزوجين، يوجب قلة الطلاق، بخلاف العكس.

14 ـ تبدل حال أحد الزوجين غنى أو فقراً أو بالصعود والنزول الاجتماعي بوظيفة أو نحوها، يوجب كثرة الطلاق، حيث أن المرأة إذا استغنت تترفع على الرجل الفقير، ويتأنف من استغنى عن أن تكون قرينته امرأة فقيرة، وهكذا في ترفع أو انحطاط الوظيفة ونحوها، وذلك يوجب الاقتراب من الطلاق.

بين الطلاق والزواج  

ثم إنه بقدر كثرة الطلاق في المجتمعات المتحضرة، تكون قلة الزواج لعدة أسباب من أهمها إمكان كل من الرجل والمرأة أن يرضي غريزته الجنسية بغير الزواج، فلماذا يتزوج ويتحمل مسؤولية العائلة؟ فإن التجمل المتزايد الذي هو طابع عصر المادة، جعل مسؤولية أصل الزواج ثم استمرار العائلة أمراً عسيراً، بقدر ما سيّب العصر الحاضر كلاً من الرجل والمرأة، وجعل كلاً في متناول الآخر، بأسهل صورة.

ولهذا السبب نفسه اعتيد في العصر الحاضر، المنع عن إنجاب الأولاد إطلاقاً، أو لمدة، كما اعتيد الإجهاض بكثرة لا سابقة لها، وفتحت دور البغاء والشذوذ، واعتيد الاستمناء، مع أن كل ذلك لها أضرار بالغة مذكورة في الطب.

أضرار الطلاق  

والطلاق يسبب أضراراً بالغة مثل:

1 ـ إشاعة عدم الاحترام في الاجتماع، حيث أن الزوجين ومن إليهما يأخذ في تنقيص الآخر وذويه وذكر معا يبهما.

2 ـ تعقّد الرجل والمرأة، حيث أن الطلاق يوجب صدمة نفسية لا تنسى خصوصاً للطرف المظلوم، والعقد النفسية لها آثار سيئة منها زرع حالة الانتقام في المعقّد، ومنها غير ذلك.

3 ـ ضياع الأولاد وتعقدهم، فإنه ليس مثل عش العائلة مكاناً آخر لتربية الأولاد، ومنعهم الصحة الجسدية والنفسية.

المهر بين الإسلام والمذاهب الأخرى  

ثم إن المهر اتخذ في مختلف الأمم صوراً:

1 ـ حيث في حين كان الرجل يعطي المهر لزوجته، باعتبار أن الرجل هو العامل الذي يحصل على المال، والاحتياج إلى المهر من جهة تجهيز البيت الجديد.

2 ـ في حين، كانت المرأة تعطي للرجل، باعتبار قلة الرجال وكثرة النساء، فكان أهلها يضطرون لجمع المال لها حتى يتمكنوا من جلب نظر الرجل، وقد كان ذلك بسبب أن المرأة هي المحصلة للمال، أما الرجل فكان مشغولاً بالحرب ونحوها.

3 ـ وأحياناً كان الزواج بلا مهر في بعض الأمم، أما الأثاث المنزلية فكل واحد منهما يأتي به حسب قدرته.

4 ـ ولم يعهد قسم رابع بأن يقدم كل واحد المهر للآخر، وإن كان أمكن ذلك من باب تبادل الهدايا.

وفي الإسلام جعل المهر على الرجل ـ لما تقدم في الأول ـ لكنه أكد على تخفيفه، وقد تقدم حديث الرسول صلى الله عليه وآله بشأن قلة المهر، وإن أباح الإسلام المهر بالغاً ما بلغ، حتى قال القرآن الحكيم: (وآتيتم إحداهن قنطاراً)(9) وقد ذكر الشيخ البهائي (ره) أن القنطار: ملأ جلد الثور ذهباً، أو أنه ما يكفي لكل أيام الحياة، كأنه قنطرة يعبر عليها الإنسان.

الرجل هو القيم  

وفي الإسلام جعلت إدارة البيت بيد الرجل، فقال سبحانه: (الرجال قوامون على النساء)(10) وذلك لأن الدار تحتاج إلى قيّم، إذ بدونه تكون فوضى، فالقيّم إن كانت المرأة أوجبت الانحراف لغلبة عاطفتها، وإن كان كلاهما، أوجب التنازع، فلم يبق إلا الرجل، وفي قبال هذا الحق كانت النفقة عليه ـ إذ بإزاء كل حق واجب ـ.

وبيد الرجل حق الطلاق لما تقدم، نعم للمرأة أن تأخذ لنفسها حق الطلاق بحسب الشرط عند العقد…

بحث حول المتعة  

أما المتعة، كما قال سبحانه: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن)(11) فهي كالإيجار، ولذا ورد في الحديث: (هنّ مستأجرات)(12) فكما أن في كل شيء ملكاً واستيجاراً، في الدكان، والدار، والبستان، والسيارة، والحيوان، كذلك في الإنسان، لاقتضاء الضرورة في الأسفار ونحوها، فهل تكبت الشهوة؟ وذلك صعب جداً، أو تطلق بالزنا والشذوذ؟ فذلك فساد، فلم يبق إلا الزواج الموقت الذي هو كالدائم، وإن كان الفارق أن الدائم يقطع بقاطع [وهو الطلاق] وهذا ينقطع تلقائياً، كالملك الذي يقطع بالبيع ونحوه، والإيجار الذي ينقطع تلقائياً.

وعدم رغبة بعض الناس في المتعة لا يضر، فهو كعدم رغبتهم في رجل يوقع الدائم ثم يطلق بعد ساعة، نعم تبعاً لمصلحة التوقيت، صارت المتعة بدون طاعة ولا نفقة ولا إرث إلا بالشرط [على نحو مشروع].

الزواج من الأقارب  

ثم إن من الشؤون العائلية أيضاً، صلة الرحم، حيث أن إلزامها يوجب التعاون الأكثر بالإضافة إلى الجنين الطبيعي بين الأرحام، لما تقتضيه وحدة الدم، كما ثبت في عالم الوراثة، وقد كانت ثقافات الأمم تختلف في الزواج من الرحم، بين إجازة ذلك حتى بالنسبة إلى الأرحام القريبة، كزواج الأم والبنت والأخت، وبين عدم الإجازة حتى من بعداء العائلة كبنت العم والعمة وبنت الخال والخالة.

والإسلام توسط بمنع الأول، لما فيه من الأضرار وعدم الرغبة، وإجازة الثاني لعدم المحذور، والغالب في عالم اليوم الجنوح إلى رأي الإسلام، ورأي الإسلام هو كان دين الأنبياء منذ آدم عليه السلام ـ كما تقدم ـ وإن كان بين الشرائع بعض الخلافات النابعة من مقتضيات الزمن، حال ذلك حال الخلاف في بعض خصوصيات الصلاة والصيام والحج والزكاة وما أشبه.

نقاء المحيط العائلي  

ثم إن من أهم الشرائط العائلية، أن يتمكن الزوجان من الحفاظ على نقاء المحيط العائلي، بالنسبة إلى أنفسهما وبالنسبة إلى الأولاد، فإن ذلك يؤمن سعادة العائلة أولاً، وسعادة مستقبل الأولاد ثانياً.

أ ـ فالاختلافات الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والتربوية، بين الزوجين توجب سوء الروابط بين الزوجين، مما يبدل السعادة إلى الشقاء، بل وكذا الاختلاف الكبير بين عمرهما.

وعلاوة على ذلك هناك أسباب توجب سوء الروابط، مثل عدم المحبة، عدم الوفاء، عدم الرحمن، سوء الأخلاق، شدة الكلام، السباب، الحسد، ترجيح الزوج إحدى زوجاته على الأخريات، الكبر، الغرور، عدم اعتناء الزوجة بنفسها لزوجها، خصوصاً إذا كانت تعتني بنفسها للضيوف، وعند الخروج من الدار، عدم الاهتمام بالأكل واللباس والنظافة، الكذب، سوء الظن.

وهكذا شرب الخمر واستعمال المخدرات، والكسل، والنوم الكثير، وعدم اعتناء أحدهما بالآخر، لمطالعة أو ما أشبه، احتقار أحدهما الآخر أو عمله أو أقربائه، العلاقة الشديدة بين أحدهما وبين أقربائه قبح أحدهما أو نقصه، سوء تصرف أحدهما.

عدم التوافق الجنسي، نفسياً، أو جسدياً، أو عملياً، وموضعاً، فإن كل واحد من الزوجين له فلسفة خاصة في الممارسة، إذا لم توافقها فلسفة الآخر ينتهي إلى السوء الجنسي فسوء العلاقة، وكذلك في الاختلاف الجسدي، بأن كان أحدهما بارداً والآخر حاراً، والاختلاف العملي عند الملامسة، وكذلك عدم التطابق الموضعي، وإن كانت الفلسفة والجسد حرارة وبرودة متقاربين وكان العمل حسب الموازين الصحيحة، ويلحق بذلك الفقر والمرض في الموضع ثم اللازم للزوجين، علاج ما يمكن علاجه، من تقويم الأخلاق، ومن مراجعة الطبيب الجسدي والنفسي، ومن تقوية الإطارات التي يتمكنان من العي فيها بسلام، وإلا فيكثر بين الأزواج سوء الأخلاق، مما ينتهي بالعائلة إلى الشقاء، وكثيراً ما إلى الطلاق.

وعائلة كل واحد من الزوجين، لها علاقة كبيرة بإساءة المحيط العائلي أو تحسينه، كما أن أصدقاء كل منهما له نفس الأثر، وعليه يكون اللازم على الأقرباء أن يراعوا الله في حفظ المحيط وتحسينه، وكذلك بالنسبة إلى الأصدقاء.

والاختلاط بين الجنسين، وكذلك الثقافة العامة المنحرفة لهما أثرهما الكامل في إساءة المحيط، كما مر تفصيلهما في أسباب الطلاق، وبالعكس جو الحشمة، والثقافة العامة المستقيمة لهما تأثير في تحسين المحيط العائلي.

ومن الجدير تأسيس المؤسسات لتكثير ولتحسين الروابط العائلية كجمعيات خيرية، لها فروع، فرع لتزويج العزاب [حتى المطلقات والأرامل والمطلقين من ماتت زوجته] مثلً: وفرع سد حاجات العائلات، من الحوائج اللازمة، مع عدم تمكن العائلة من سدها بنفسها لأمور اقتصادية أو غيرها، وفرع التقريب بين وجهات النظر المختلفة وعلاج الأمراض النفسية والجسدية الممكن علاجها، بما يسبب تبديل الشقاء والتعاسة إلى الهناء والسعادة، ويقوم هذا الفرع، أو فرع آخر بالإرشادات العائلية بالنسبة إلى الزوجين، والأولاد، والأقرباء، إلى غيرها من الفروع.

العائلة والتربية السليمة للأولاد  

ب ـ العائلة يجب أن يكون محيطها بحيث يمكن تربية الأولاد، تربية صحيحة بحيث يتخرج فيه الأولاد:

1 ـ سالمين من حيث الجسم.

2 ـ ومن حيث العقل.

3 ـ ومن حيث العاطفة، فإن سعادة الزوجين فقط لا تؤثر في سعادة الأطفال وإن كانت سعادتهما من شرائط سعادة الأطفال، إذ الدار التي فيها الشقاق والتضارب لا تتمكن أن تربي أولاداً صالحين.

كما أنه تقدم أن الطلاق يؤثر تأثيراً كبيراً في مستقبل الأولاد، وإن لم يؤثر في صحتهم الجسمية، وإن كان هناك فرق كبير بين أن يقع الطلاق في حال صغر الطفل، وفي حال كبر الطفل، فإن حال الصغر أقل تأثيراً في نفس الطفل وعقله، كما أن هناك فرقاً كبيراً أيضاً بين أن يتشتت أمر العائلة بالطلاق، بحيث يكون الطفل بعد الطلاق عند أحد أبويه، أو عند غيرهما، حيث يؤثر ذلك في الطفل تأثيراً كبيراً، وبين أن يكون البيت واسعاً يسع الأجداد والأعمام والأخوال، بحيث لا ينهدم عش الطفل بالطلاق، وإنما يؤثر الطلاق في حياة الزوجين بأن يفترقا في الغرفة فقط مثلاً، فإن مثل هذا الطلاق اقل تأثيراً في حياة الطفل من القسم الأول.

وعلى أي حال، فالدار المتزلزلة لا تتمكن أن تربي الطفل السليم وأقل ذلك أن لا يتمكن الطفل إذا كبر من المعايشة السليمة مع الناس، حيث امتزجت نفسه بالمضادة والصخب والمنافرة، واللازم بالإضافة إلى هدوء العائلة الصغيرة [الأبوين] هدوء العائلة الكبيرة [الأجداد والأعمام والأخوال] إذا كان الطفل يعيش في عائلة كبيرة، إذ الطفل كالشريط يأخذ ما يجري حوله من الأحداث فإذا كان بين الجد والجدة، أو بين العم والأب، أو بين الأم والخالة، وما أشبه، شجار ومنافرة ونزاع، أثر ذلك في مستقبل الطفل.

وقد ذكر بعض علماء النفس أن مخ الطفل من أول يوم ولادته، يسجل كل ما حوله من الأحداث، ويؤثر ذلك في لا وعيه، مما يعطيه لوناً في حال كبره، ولعل ذلك سبب تأكيد الشارع على الأذان في أذنه اليمنى والإقامة في أذنه اليسرى، وغير ذلك.

تأهيل الطفل للمستقبل  

واللازم تربية الطفل تربية تؤهله للمستقبل:

1 ـ بملاحظة صحته الجسدية، بعدم سوء التغذية وعدم تركه وشأنه معرضاً للأخطار، وعلاجه بمجرد إصابته بمرض، ووقايته عن الأمراض المحملة، فربما سبب الإهمال في الجملة، تحطم مستقبل الطفل الصحي.

2 ـ وصحته العقلية، بأن لا يصيبه خلل حتى لا يتمكن من تقييم الأشياء حسب موازينها الطبيعية، وإنما ينشأ منحرف الفكر كثير التردد، أو كثير الجزم فإن الطفل إذا عاش في جور الشك والريب، أو في الاعتباط في الحكم على الأمور خرج كذلك، مما يفسد مستقبله.

3 ـ وصحته العاطفية، بان لا يكون جامد العاطفة، أو سيال العاطفة، فإن الطفل الذي يرى عطوفة زائدة، أو خشونة زائدة، يربى على ذلك، فينضح منه ما غرس في عقله الباطن، من الخشونة والانسياب، بما لهما من الآثار السيئة حتى في معاملته مع نفسه، حيث أن معاملة الإنسان مع الناس ومع نفسه تنشآن من منبع واحد، ولذا نجد أناساً يتشددون حتى على أنفسهم وآخرين يعطفون عطفاً متزايداً حتى على أنفسهم، وكلا الأمرين نوع من المرض النفسي والانحراف الخلقي.

صحيح أن ذلك ليس علة تامة ـ على اصطلاح الحكماء ـ إلا أنه مقتضى وللمقتضى آثاره، ولعل ما ورد من أن أبناء الإنسان يتعاملون معه كما تعامل مع آبائه، ينشأ من ذلك حيث أنه كيف ما عامل أبويه، انطبعت تلك الحالة في ذاته، مما يتخلق بها، فالأبناء يتأثرون بخلقه ويردون ذلك الخلق إلى نفسه هذا بالإضافة إلى التأثير الغيبي، وعلى كلا الأمرين يحمل ما ورد من أنه [كما تدين تدان] فإن عمل الإنسان وفكره، وقوله، نواة يزرعها، فكيف ما زرع، أخذ الثمر وفي المثل [لا يجتني الجاني من الشوك العنب] وقد قال القرآن الحكيم: (ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة)(13) (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة)(14).

التربية بين الإفراط والتفريط  

والطفل الذي لم يتوجه إليه توجهاً كافياً من ناحية الأبوين، يكون في مستقبل عمره سيئ العمل، ويفرط في الخشونة مع أولاده ومع غيرهم، كأنه يريد بذلك ملأ فراغه النفسي، حيث يحس بعدم الأمن وبالخطر المطارد له، بينما إذا توجه الأبوان إليه برعاية زائدة عن الحد، يصبح الولد مهزوز الشخصية، ومتزلزل الإرادة ولا يتمكن من الاستقامة في مستقبل أمره، وغالباً ما يكون مثل هذا الشخص عاطلاً، ولا يتمكن من التقدم، أما الأبوان المعتدلان في التربية بلا مسامحة، ولا إفراط، بدون عصبية وليونة، فهما يهيئان المناخ الملائم لنمو الطفل نمواً صحيحاً خالياً عن التعقيد والانفلات.

بل الأطباء يقررون أن كلاً من التشديد والتساهل في أمور الطفل الجسدية يسبب له أمراضاً مستقبلية، فتجنيبه الحر والبرد، وحفظه عن المآكل المتعارفة إلى المآكل اللذيذة، يسبب له أمراضاً، كما أن عكسه ـ بعدم الاعتناء بأكله ولباسه ونظافته ونومه ووقايته عن الحر والبرد المتناهيين ـ يسبب له نوعاً آخر من الأمراض.

وقد ورد في الحديث: (خير الأمور أوسطها)(15) وفي الآية الكريمة: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)(16) وقد قرر علماء الأخلاق لزوم التوسط، وإلا كان سوءاً مثلاً: الإفراط والتفريط في الكرم والشجاعة، بخل وإسراف، وجبن وتهور وهكذا.

المساواة بين الأطفال  

وكذا يجب أن يلاحظ بالنسبة إلى الطفل عدم ترجيح غيره عليه، فإذا كان له طفلان ساوى بينهما، وإن لم يساو، أورث تعقيداً بالنسبة إلى كليهما، سواءاً المرجح، أو المرجح عليه، ولو كان أحدهما أذكى أو أكثر عملاً أو ما أشبه، لزم أن يكون التشويق في غيبة الآخر، حتى لا يوجب للمرجح دلالاً، وللمرجح عليه حقداً وعقدة.

بل ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يبدأ في تقسيم الشيء بالصغار حيث أنهم أرق نفساً فلا يتحملون التأخير مما يتحمله الأكبر فالأكبر، فيوجب تقديم الأكبر صدمة نفسية للأصغر… كما أن اللازم مراعاة مشاعر الطفل، فهو ليس كالكبير يتحمل ما يتحمله الكبير… وكذلك يلزم أن يعطيه الأبوان الشخصية والسمو، فإن ذلك يطبع الرفعة عن الدنايا في نفسه، حيث أنه قد قرر في علم النفس أن من طبيعة الإنسان أنه لا يريد أن يخيب ثقة الإنسان الذي وضع ثقته فيه، وذلك يحفز على العمل الدائب والارتفاع عن ارتكاب الدنايا، بل ذلك حالة الكبير أيضاً في أنه لا يريد تخييب ثقة من وضع ثقته فيه.

التقدم العلمي في خدمة العائلة  

ثم إنه بعد أن تحطمت آراء ماركس فرويد ودارون ومار كوز وأشباههم على صخرة الواقع وأعطى العلم كشوفاً جديدة وتسهيلات كبير، وتقدم علم الاجتماع وعلم النفس وعلم التربية و…. أخذت العائلة في التحسن، مما ظهر بعض آثاره في الحال وستظهر آثاره الأخرى في المستقبل ـ إن لم تصادف البشرية انتكاسة جديدة، كانتكاستي الرأسمالية والشيوعية في القرنين الأخيرين ـ والتحسن:

1 ـ في علاقة العائلة: بين الزوجين، وبينهما والأولاد، حيث يكون العطف الأكثر والألفة والمحبة والتعاون الأوفر، وتقوى الروابط بين الأقرباء ـ من جهة التسهيلات ـ.

2 ـ وسيكون الشمل أجمع، فإن تبدد شمل العائلة، أو الأقرباء، كان وليد تحول المحورية عن الإنسان إلى المادة، وحيث ظهرت مفاسد ذلك، أخذت المحورية تتحول إلى الإنسان، وبذلك ستنظم الحياة على محورية الإنسان، وهو ملازم لتجمع الشمل بما لا ينافي الصناعة والمكشوفات الحديثة، بل الصناعة تزيد من تجمع الشمل، لإمكان اتصال بعضهم ببعض حتى في الغياب بسبب التلفون وغيره، ويمكن قطع الغيبة الطويلة بالأسفار السريعة إلى غير ذلك من الأمثلة.

3 ـ كما سيصبح الرفاه أكثر، بسبب وسائله، من ثلاجة وغسالة وإنارة ومدفأة وراديو وتلفزيون ووسائل طبخ وتنظيف وتجميل وغير ذلك، بل ستكون البيوت قابلة لتجديد المكان وتجديد وضع الغرف وهندستها، وتجديد ألوانها ومزاياها، وكذلك الحال في الشوارع والمدن والجامعات، والسيارات وغيرها مما يخرج الإنسان عن الرتابة المملة، أنظر كتاب: [صدمة المستقبل].

4 ـ وكذلك بالنسبة إلى تربية الطفل، فإنها تتحسن بسبب روضة الأطفال والمدارس والجامعات، حيث يواجه الأساتذة والأخصائيين، الأطفال بما يربيهم تربية صحيحة، وحتى الملاعب والألاعيب أخذت تتوجه إلى حالة تعليمية وتوجيهية،مما يساعد في تربية الطفل وتنميته العقلية والعاطفية، واللازم في تربية الأطفال أمران:

أ ـ جعلهم صالحين ليتمكن من الكفاح في حياة كثيرة الالتواءات والانعطافات، فمن لا يعرف سبل مثل هذه الحياة سيسقط عاجلاً أو آجلاً.

ب ـ تأهيلهم للحياة المستقبلية، لأن الزمان يسير بسرعة، وإلا كان كمن ربى أولاده لحمل السيف، بينما المستقبل لا يفيده إلا البندقية.

5 ـ كما أن صلوح المعلمين، إذا رافقه البلاغ الحسن والأسوة الحسنة، يؤثر تأثيراً كبيراً في إصلاح العائلة، ورفاهها، وتحسين التربية، وذلك صار أكثر إمكاناً بسبب الوسائل الحديثة، وزوال كثير من التعصبات، وظهور فلسفة جملة كبيرة من الأحكام بسبب الاكتشافات الحديثة.

تحول الشؤون العائلية إلى الخارج  

ثم إنه قد تحول الاقتصاد والتعليم والتربية والاكتفاء الذاتي وتربية الدواجن وزواج الأولاد وما أشبه من العائلة إلى الخارج، حيث أن الوحدة الاقتصادية التي كانت تتم في الدار بالغزل والنسج ونحوهما، تحولت إلى المعامل والمصانع، كما تحول تعليم الأطفال وتربيتهم إلى المدارس والروضات وغيرهما، والعائلة كانت تخبز وتعجن وتطحن وتنسج وتهيئ كثيراً من لوازم البيت في نفس البيت، بينما تحوّل كل ذلك في العصر الحاضر، إلى الخارج وتربية الدواجن أعطيت إلى الحقول، والأبوان لا يكلفان في الحال الحاضر بتزويج الأولاد، وإنما نفس الأولاد، هم الذين يختارون لأنفسهم زوجاً أو زوجة حسب صداقة في المدرسة أو غيرها.

وتلك الأمور بعضها حسنة يورث السعادة والرفاه، وبعضها سيئة يورث الشقاء والوحشة، واللازم على المصلحين أن يهتمّوا لتمييز الصالح من الفاسد وتنظيم الاجتماع بحيث يجمع بين الرفاه النفسي والجسدي، وبين الصناعة والتقدم، ولا يمكن ذلك إلا بعد تنقية الاجتماع من:

1 ـ استغلال المال.

2 ـ واستبداد الحكم.

3 ـ واحتكار العلم، فإن هذه الثلاثة رأس المفاسد، وبدون تنقية الاجتماع عنها، لا يمكن الإصلاح الشامل، وإن أمكن بعض الإصلاحات الجزئية، إلا أنها لا أهمية لها، نعم الميسور لا يترك بالمعسور، و ما يدرك كله لا يترك كله.

الإرث في الإسلام  

بقية كلمة أخيرة في باب العائلة، وهي أن أحدهم إذا مات ورثه الآخرون وفي منطق الإسلام ذلك للأقرب فالأقرب، حسب مناهج مفصلة في الفقه، وفي الإرث ـ بصورة عامة ـ قد يتساوى الرجل والمرأة، كما في أقرباء الأم، وقد تتفاضل المرأة على الرجل كما إذا مات جدّ له ابن بنت، وبنت ابن، حيث يكون نصيب البنت ضعف نصيب الابن، وقد يكون العكس كما في الأولاد والزوجين، حيث البنت وكذا الزوجة ـ غالباً ـ ترثان نصف نصيب الزوج والابن، وكل ذلك لفلسفة دقيقة ذكرت في الكتب الإسلامية.

 

1 ـ سورة الأعراف آية 189.

2 ـ شرح النهج ج/20 رقم 697 ث322.

3 ـ شرح النهج ج/20 رقم 4 ص255.

4 ـ بحار الأنوار ج/71 ص49.

5 ـ مكارم الأخلاق ص197.

6 ـ السنن الكبرى: ج7 ص322.

7 ـ مكارم الأخلاق ص198.

8 ـ مكارم الأخلاق ص205.

9 ـ سورة النساء آية 20.

10 ـ سورة النساء آية 34.

11 ـ سورة النساء آية 24.

12 ـ وسائل الشيعة ج/14 ص446.

13 ـ سورة إبراهيم آية 24.

14 ـ سورة إبراهيم آية 26.

15 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص429.

16 ـ سورة البقرة آية 143.