الفهرس

المؤلفات

 العقائد الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الرزية كل الرزية

ثم مكث رسول الله (صلى الله عليه وآله) هنيئة كذلك، حتى إذا أفاق من ضعفه نظر إلى من حضره وقال (صلى الله عليه وآله): «ايتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً»، فقال بعضهم: إن الرجل ليهجر![1].

هذا والقرآن يقول: ((ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى))[2].

عند ذلك أعرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) بوجهه عن القوم، فنهضوا.

قال سليم: وكان ابن عباس كلما تذكّر ذلك بكى وقال: الرزيّة كل الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين أن يكتب لنا ذلك الكتاب[3].

أنتم المستضعفون بعدي

ولما أعرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن القوم بوجهه، نهض القوم من عنده وانصرفوا، وبقي عنده علي بن أبي طالب (عليه السلام) والعباس بن عبدالمطلب وأهل بيته خاصة.

عندها التفت اليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال لهم: «أنتم المستضعفون من بعدي» وصمت، فنهضوا وهم يبكون وقد يئسوا من النبي (صلى الله عليه وآله)[4].

مع ابن عباس

ثم ان ابن عباس استأذن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأذن له، فلما دخل عليه ورآه بتلك الحالة قال: بأبي أنت واُمي يا رسول الله قد دنا أجلك؟

قال (صلى الله عليه وآله): «نعم، يابن عباس».

فقال: يا رسول الله، فما تأمرني به؟

قال (صلى الله عليه وآله): «يابن عباس خالف من خالف علياً ولا تكوننّ لهم ظهيراً ولا ولياً».

ثم بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى اشتدّ ضعفه، فلما أفاق قال: «يابن عباس سبق الكتاب فيهم وعلم ربي، والذي بعثني بالحق نبياً لا يخرج أحد ممن خالفه من الدنيا وأنكر ولايته وحقه حتى يغيّر الله ما به من نعمة. يابن عباس، إذا أردت أن تلقى الله وهو عنك راضٍ فاسلك طريقة علي بن أبي طالب، ومِل معه حيث ما مال، وارض به إماماً، وعادِ من عاداه، ووالِ من والاه. يابن عباس، إحذر أن يدخلك فيه شك، فإن الشك في علي (عليه السلام) كفر بالله»[5].

في وداع الأنصار

ثم انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا الأنصار، فلما حضروا التفت إليهم وقال: «يا معشر الأنصار، قد حان الفراق، وقد دعيت وأنا مجيب الداعي، وقد جاورتم فأحسنتم الجوار، ونصرتم فأحسنتم النصرة، وواسيتم في الأموال، ووسّعتم في السكنى، وبذلتم لله مهج النفوس، والله يجزيكم بما فعلتم الجزاء الأوفى، وقد بقيت واحدة، وهي تمام الأمر وخاتمة العمل، العمل بها مقرون، إني أرى أن لا يفرق بينهما جميعاً، لو قيس بينهما بشعرة ما انقاست، من أتى بواحدة وترك الأخرى كان جاحداً للأولى ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً».

فقالوا: يا رسول الله، بيّنها لنا نتمسّك بها فلا نضلّ ونرتدّ عن الإسلام.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جوابهم: «كتاب الله، وأهل بيتي، فإن الكتاب هو القرآن، وفيه الحجة والنور والبرهان، كلام الله جديد غض طري شاهد ومحكم عادل ولنا قائد بحلاله وحرامه وأحكامه، يقوم غداً فيحاجّ أقواماً فيزلّ الله به أقدامهم عن الصراط، واحفظوني معاشر الأنصار في أهل بيتي، فإن اللطيف الخبير أخبرني انهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، ألا وان الإسلام سقف تحته دعامة لا يقوم السقف إلا بها، فلو انّ أحدكم أتى بذلك السقف ممدوداً لا دعامة تحته فأوشك أن يخرّ عليه سقفه فيهوي في النار.

أيها الناس، الدعامة دعامة الإسلام وذلك قوله تعالى: ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ))[6] فالعمل الصالح طاعة الإمام ولي الأمر من بعدي علي بن أبي طالب والتمسّك بحبله. أيها الناس، أفهمتم؟ الله الله في أهل بيتي مصابيح الظلم، ومعادن العلم، وينابيع الحكم، ومستقر الملائكة، منهم وصيي وأميني ووارثي علي بن أبي طالب وهو مني بمنزلة هارون من موسى، ألا هل بلّغت معاشر الأنصار؟ ألا فاسمعوا ومن حضر، ألا إن فاطمة بابها بابي وبيتها بيتي، فمن هتكه فقد هتك حجاب الله»[7].

وداع مع المهاجرين

ثم أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن يجمعوا له المهاجرين، فلما اجتمعوا التفت إليهم وقال: «أيها الناس، إني قد دعيت وإني مجيب دعوة الداعي، قد اشتقت إلى لقاء ربّي واللحوق بإخواني من الأنبياء، وإني اُعلمكم إني قد اوصيت إلى وصيّي، ولم أهملكم إهمال البهائم، ولم أترك من أموركم شيئاً».

فقام إليه أحدهم وقال: يا رسول الله، أوصيت بما أوصى به الأنبياء من قبلك؟

قال (صلى الله عليه وآله): «نعم».

فقال الرجل: فبأمر من الله أوصيت أم بأمرك؟

قال (صلى الله عليه وآله) له: «اجلس... أوصيتُ بأمر الله، وأمره طاعته، وأوصيت بأمري، وأمري طاعة الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى وصيّي فقد عصاني، ومن أطاع وصيّي فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله...

ثم التفت (صلى الله عليه وآله) إلى الناس وقال: «أيها الناس، اسمعوا وصيّتي، من آمن بي وصدّقني بالنبوة وأني رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاُوصيه بولاية علي بن أبي طالب وطاعته والتصديق له، فإن ولايته ولايتي وولاية ربّي، قد أبلغتكم فليبلّغ الشاهد الغائب: إن علي بن أبي طالب هو العلم، فمن قصر دون العلم فقد ضلّ، ومن تقدّمه تقدّم إلى النار، ومن تأخّر عن العلم يميناً هلك، ومن أخذ يساراً غوى، وما توفيقي إلا بالله، فهل سمعتم؟ ».

قالوا: نعم.

وفي رواية: انه (صلى الله عليه وآله) قال: «ألا اني مخلف فيكم كتاب الله ربّي عزّوجل، وعترتي أهل بيتي».

ثم أخذ بيد علي (عليه السلام) فرفعها وقال: «هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي، خليفتان بصيران، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فأسألهما ماذا خُلّفت فيهما»[8].

مع الثقلين الأكبر والأصغر

قال أبو سعيد الخدري: إن آخر خطبة خطبنا بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لخطبة خطبنا في مرضه الذي قبض فيه، خرج متوكياً فجلس على المنبر ثم قال: «يا أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين» وسكت.

فقام رجل فقال: يا رسول الله ما هذان الثقلان؟

قال (صلى الله عليه وآله): «ما ذكرتهما إلا وأنا اُريد أن اُخبركم بهما، الثقل الأكبر: كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم، والثقل الأصغر: أهل بيتي».

ثم قال (صلى الله عليه وآله): «وأيم الله إني لأقول لكم هذا ورجال في أصلاب أهل الشرك أرجى عندي من كثير منكم».

ثم قال (صلى الله عليه وآله): «والله لا يحبّهم عبد إلاّ أعطاه الله نوراً يوم القيامة حتى يرد عليّ الحوض، ولا يبغضهم عبد إلا احتجب الله عنه يوم القيامة»[9].

وكان ممّا قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمسلمون مجتمعون حوله: «أيها الناس، انه لا نبي بعدي، ولا سنّة بعد سنّتي، فمن ادّعى ذلك فدعواه وباغيه في النار. أيها الناس، أحيوا القصاص، وأحيوا الحق لصاحب الحق، ولا تفرقوا، وأسلموا وسلّموا، ((كَتَبَ اللهُ لاَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ))[10] »[11].

ومما قاله (صلى الله عليه وآله) في أيامه الأخيرة: «أيها الناس، حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم، فأما حياتي: فإن الله هداكم بي من الضلالة، وأنقذكم من شفا حفرة من النار، وأما مماتي فإن أعمالكم تعرض عليّ، فما كان من حسن استزدت الله لكم، وما كان من قبيح استغفرت الله لكم».

فقام بعض من حضر وقال: وكيف ذاك يا رسول الله وقد رممت؟ يعني: صرت رميماً.

فقال: «كلا، إن الله حرم لحومنا على الأرض فلا تطعم منها شيئاً»[12].

وإلى هذا أشار أبو عبدالله الصادق (عليه السلام) عندما قال: «مالكم تسوؤن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ ».

فقال له رجل: جعلت فداك وكيف نسوؤه؟

قال (عليه السلام): «أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية الله ساءه؟ فلا تسوؤا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسرّوه»[13].

[1] راجع مسند أحمد بن حنبل: ج1 ص355 ح3326 وفيه: قال رسول الله: «ائتوني باللوح والدواة، أو الكتف، اكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً»، فقالوا: إن رسول الله ليهجر، ومثله في صحيح مسلم: ج3 ص1259 ح1، وراجع صحيح البخاري ج1 ص29 ط/ دار إحياء التراث العربي، باب كتابة العلم، وفيه: قال عمر: إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، والبخاري: ج6 ص11 باب مرض النبي، وفيه: فقال بعضهم: إن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله.

[2] النجم: 2 ـ 4.

[3] راجع نهج الحق: ص333 قول عمر: إن النبي ليهجر.

[4] أنظر الإرشاد: ج1 ص184 فصل، وإعلام الورى: ص135، وعيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج2 ص61 ب31 ح244.

[5] كشف الغمة: ج1 ص380 ذكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

[6] سورة فاطر: 10.

[7] بحار الأنوار: ج22 ص476 ب1 ح27.

[8] أنظر أمالي الشيخ الطوسي: ص478 المجلس 17 ح14.

[9] راجع بحار الأنوار: ج22 ص475 ب1 ح25، وأمالي الشيخ المفيد: ص134 المجلس 16 ح13.

[10] سورة المجادلة: 21،

[11] أنظر من لا يحضره الفقيه: ج4 ص163 باب ما يجب من إحياء القصاص ح5370.

[12] بصائر الدرجات: ص444 ج9 ب13 ح3.

[13] مستدرك الوسائل: ج12 ص163 ب100 ح13787.