الفهرس

المؤلفات

 العقائد الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الوصية والوصي

ولما ثقل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه كان رأسه في حجر علي (عليه السلام)، والبيت مملوء من أصحابه من المهاجرين والأنصار، والعباس بين يديه يذب عنه بطرف ردائه، فالتفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عمه العباس وقال: «يا عباس يا عم النبي، أقبل وصيّتي في أهلي، وفي أزواجي، واقض ديني، وأنجز عداتي، وأبريء ذمّتي».

فقال العباس: يا رسول الله، أنا شيخ ذو عيال كثير، غير ذي مال ممدود، وأنت أجود من السحاب الهاطل، والريح المرسلة، تباري الريح سخاءاً وكرماً، فلو صرفت ذلك عني إلى من هو أطوق له منّي.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أما إني سأعطيها من يأخذها بحقّها، ومن لايقول مثل ما تقول. يا علي، هاكها خالصة لا يحاقك فيها أحد، يا علي أقبل وصيتي، وأنجز مواعيدي، وأدِّ ديني، يا علي اخلفني في أهلي واُمّتي، وبلّغ عني من بعدي».

قال علي (عليه السلام): «لما نعى ـ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ إليّ نفسه رجف فؤادي واُلقي علي لقوله البكاء، فلم أقدر أن اُجيبه بشيء.

ثم عاد (صلى الله عليه وآله) لقوله، فقال (صلى الله عليه وآله): يا علي، أوَتقبل وصيّتي؟ ».

قال (عليه السلام): «فقلت، وقد خنقتني العبرة ولم أكد أن أبين: نعم يا رسول الله.

فقال (صلى الله عليه وآله): يا بلال ايتني بذي الفقار، ودرعي ذات الفضول، ايتني بمغفري ذي الجبين، ورايتي العقاب، وايتني بالعنزة والممشوق.

فأتى بلال بذلك كله إلا درعه كانت يومئذ مرهونة في أصوع من شعير، كان (صلى الله عليه وآله) قد استقرضها لقوته وقوت عياله.

ثم قال (صلى الله عليه وآله): ايتني بالمرتجز والعضباء، ايتني باليعفور والدلدل، فأتى بها فوقفها بالباب.

ثم قال (صلى الله عليه وآله): ايتني بالأتحمية والسحاب، فأتى بها، فلم يزل يدعو بشيء شيء، فافتقد عصابة كان يشدّ بها بطنه في الحرب، فطلبها فأتى بها والبيت غاص يومئذ بمن فيه من المهاجرين والأنصار.

ثم قال (صلى الله عليه وآله): يا علي، قم فاقبض هذا في حياة منّي، وشهادة من في البيت، لكيلا ينازعك أحد من بعدي».

قال علي (عليه السلام): «فقمت وما أكاد أمشي على قدم حتى استودعت ذلك جميعاً منزلي، ثم جئت فقمت بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنظر إليَّ ثم عمد إلى خاتمه فنزعه ثم دفعه إليَّ وقال: هاك يا علي هذا لك في الدنيا والآخرة.

ثم قال (صلى الله عليه وآله) لي: يا علي أجلسني، فأجلسته وأسندته إلى صدري.

قال علي (عليه السلام): فلقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن رأسه ليثقل ضعفاً وهو يقول يسمع أقصى أهل البيت وأدناهم: إنّ أخي ووصيّي ووزيري وخليفتي في أهلي واُمّتي علي بن أبي طالب، يقضي ديني، وينجز موعدي، يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، لا تبغضوا علياً، ولا تخالفوا عن أمره فتضلّوا.

ثم قال (صلى الله عليه وآله): أضجعني يا علي، فأضجعته، فقال (صلى الله عليه وآله) لبلال: يا بلال ايتني بولديَّ الحسن والحسين، فانطلق فجاء بهما فأسندهما إلى صدره، فجعل (صلى الله عليه وآله) يشمّهما».

قال علي (عليه السلام): «فظننت انهما قد غمّاه ـ يعني أكرباه ـ فذهبت لآخذهما عنه.

فقال (صلى الله عليه وآله): دعهما يا علي يشمّاني وأشمّهما، ويتزوّدا منّي وأتزوّد منهما، فسيلقيان من بعدي زلزالاً، وأمراً عضالاً، فلعن الله من يخيفهما، اللهمّ إنّي أستودعكهما وصالح المؤمنين»[1].

مع ابنته فاطمة (عليها السلام)

قال سلمان: بينا أنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه، إذ دخلت عليه فاطمة (عليها السلام) فلما رأت ما به (صلى الله عليه وآله) خنقتها العبرة حتى فاضت دموعها على خدّيها، فأبصر ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: «ما يبكيك يا بنيّة، أقرّ الله عينك ولا أبكاها؟ ».

قالت (عليها السلام): «وكيف لا أبكي وأنا أرى ما بك من الضعف؟ فمن لنا بعدك يا رسول الله؟ ».

فقال (صلى الله عليه وآله) لها (عليها السلام): «يا فاطمة، لكم الله فتوكّلي عليه واصبري كما صبر آباؤك من الأنبياء، واُمّهاتك من أزواجهم، ألا أُبشرك يا فاطمة؟ ».

قالت (عليها السلام): «بلى يا أبه».

قال (صلى الله عليه وآله): «أما علمت ان الله تعالى اختار أباك فجلعه نبياً، وبعثه إلى كافة الخلق رسولاً، ثم اختار علياً فأمرني فزوّجتك إياه، واتخذته بأمر ربّي وزيراً ووصيّاً، يا فاطمة انّ علياً أعظم المسلمين على المسلمين بعدي حقاً، وأقدمهم سلماً، وأعزهم خطراً، وأجملهم خلقاً، وأشدّهم في الله وفيّ غضباً، وأعلمهم علماً، وأحلمهم حلماً، وأثبتهم في الميزان قدراً، وأشجعهم قلباً، وأربطهم جأشاً، وأسخاهم كفاً».

فاستبشرت فاطمة (عليها السلام)، فأقبل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: «هل سررتك يا فاطمة؟ ».

قالت (عليها السلام): «نعم يا أبه»[2]، الحديث.

وصايا خاصة

قال ابن عباس: لما مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده أصحابه قام إليه عمار بن ياسر فقال له: فداك أبي واُمي يا رسول الله، من يغسلك منا إذا كان ذلك منك؟

قال (صلى الله عليه وآله): «ذاك علي بن أبي طالب (عليه السلام)، إنه لا يهمّ بعضو من أعضائي إلا أعانته الملائكة على ذلك».

فقال له: فداك أبي واُمي يا رسول الله، فمن يصلّي عليك منّا إذا كان ذلك منك؟

قال (صلى الله عليه وآله): «مه، رحمك الله» ثم قال لعلي (عليه السلام): «يا ابن أبي طالب، إذا رأيت روحي قد فارقت جسدي فاغسلني، وانق غسلي، وكفّني في طمريّ هذين، أو في بياض مصر، وبرد يمان، ولا تغال في كفني، واحملوني حتى تضعوني على شفير قبري، فأول من يصلّي عليّ الجبّار جلّ جلاله من فوق عرشه، ثم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل في جنود من الملائكة لا يحصي عددهم إلا الله عزّوجل، ثم الحافّون بالعرش، ثم سكّان أهل سماء فسماء، ثم جلّ أهل بيتي ونسائي الأقربون فالأقربون، يؤمون ايماءاً، ويسلّمون تسليماً»[3].

[1] أنظر أمالي الشيخ الطوسي: ص600 المجلس 27 ح1244.

[2] أنظر تفسير فرات الكوفي: ص463 ح464 من سورة الواقعة.

[3] روضة الواعظين: ص72 مجلس في ذكر وفاة سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله).