الفهرس

المؤلفات

 العقائد الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

النبي (صلى الله عليه وآله) ساعة الوداع

قال ابن مسعود: لما دنا فراق رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمعنا في بيت فنظر إلينا فدمعت عيناه ثم قال (صلى الله عليه وآله): «مرحباً بكم، حياكم الله، حفظكم الله، نصركم الله، نفعكم الله، هداكم الله، وفّقكم الله، سلمكم الله، قبلكم الله، رزقكم الله، رفعكم الله، اُوصيكم بتقوى الله، واُوصي الله بكم[1]، اني لكم نذير مبين أن لا تعلوا على الله في عباده وبلاده، فإن الله تعالى قال لي ولكم: ((تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ))[2]. وقال سبحانه: ((أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ))[3] ».

قلنا: متى يا رسول الله أجلك؟

قال (صلى الله عليه وآله): «دنا الأجل والمنقلب إلى الله وإلى سدرة المنتهى، وجنّة المأوى والعرش الأعلى، والكأس الأوفى، والعيش الأهنأ».

قلنا: فمن يغسّلك؟ قال (صلى الله عليه وآله): «أخي»[4].

من كلمات الوداع

قال علي (عليه السلام): «بينما نحن عند النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يجود بنفسه وهو مسجّى بثوب وملاءة خفيفة على وجهه، فمكث ماشاء الله أن يمكث ونحن حوله بين باكٍ ومسترجع إذ تكلّم (صلى الله عليه وآله) وقال: ابيضّت وجوه، واسودّت وجوه، وسعد أقوام، وشقي آخرون، أصحاب الكساء الخمسة أنا سيّدهم ولا فخر، عترتي أهل بيتي السابقون المقرّبون، يسعد من اتّبعهم وشايعهم على ديني ودين آبائي، أنجزتَ مواعيدك يا رب إلى يوم القيامة في أهل بيتي»[5].

الأولى حتى من جبرئيل

وعن علي (عليه السلام) أنه قال: «دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شكاته فإذا رأسه في حجر رجل أحسن ما رأيت من الخلق، والنبي (صلى الله عليه وآله) نائم، فلما دخلت التفت إليّ ذلك الرجل وقال لي: أدن إلى ابن عمك فأنت أحقّ به منّي، فدنوتُ منهما، فقام الرجل وجلست مكانه ووضعتُ رأس النبي (صلى الله عليه وآله) في حجري كما كان في حجر الرجل، فمكث ساعة، ثم استيقظ النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا علي، أين الرجل الذي كان رأسي في حجره؟

قلت: يا رسول الله إنّي لما دخلت دعاني إليك ثم قال: أدن إلى ابن عمك فأنت أحقّ به منّي، ثم قام فجلستُ مكانه.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): فهل تدري من الرجل؟ ذاك جبرئيل كان يحدّثني حتى خفّ عني وجعي، ونمت ورأسي في حجره»[6].

قال عمار: لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الله دعا بعلي (عليه السلام) فسارّه طويلاً ثم قال له: «يا علي أنت وصيّي ووارثي، قد أعطاك الله علمي وفهمي، فإذا متّ ظهرت لك ضغائن في صدور قوم، وغصب على حقد».

فبكت فاطمة (عليها السلام) وبكى الحسن والحسين (عليهما السلام).

فقال (صلى الله عليه وآله) لفاطمة: «يا سيّدة النسوان ممّ بكاؤك؟ ».

قالت (عليها السلام): «يا أبة أخشى الضيعة بعدك».

قال (صلى الله عليه وآله): «أبشري يا فاطمة فإنك أول من يلحقني من أهل بيتي، لا تبكي ولا تحزني، فإنّك سيدة نساء أهل الجنّة، وأباك سيد الأنبياء، وابن عمك خير الأوصياء، وابناك سيدا شباب أهل الجنّة، ومن صلب الحسين (عليه السلام) يخرج الله الأئمّة التسعة مطهّرون معصومون، ومنك مهدي هذه الاُمّة»[7].

جبرئيل (عليه السلام) وكتاب الوصيّة

قال علي (عليه السلام): «دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند ارتحاله من هذه الدنيا وأخرج من كان عنده في البيت غيري، والبيت فيه جبرئيل والملائكة معه، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتاب الوصية من يد جبرئيل مختومة، فدفعها إليّ وأمرني أن أفضّها، ففعلت، وأمرني أن أقرأها فقرأتها، فإذا فيها كل ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوصيني به شيئاً شيئاً ما تغادر حرفاً»[8].

قال موسى بن جعفر (عليه السلام): «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أليس كان أمير المؤمنين (عليه السلام) كاتب الوصية ورسول الله (صلى الله عليه وآله) المملي عليه وجبرئيل والملائكة المقرّبون شهود؟

فقال (عليه السلام): فأطرق طويلاً ثم قال: يا أبا الحسن قد كان ما قلت، ولكن حين نزل برسول الله (صلى الله عليه وآله) الأمر نزلت الوصية من عند الله كتاباً مسجّلاً، نزل به جبرئيل مع اُمناء الله تبارك وتعالى من الملائكة، فقال جبرئيل: يا محمد، مر بإخراج مَن عندك إلاّ وصيّك ليقبضها منا، وتشهدنا بدفعك إياها إليه...

ففعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك وأشهدهم عليه وقال: يا علي، تفي بما فيها مِن موالاة مَن والى الله ورسوله، والعداوة لمن عادى الله ورسوله والبراءة منهم على الصبر منك، وعلى كظم الغيظ، وعلى ذهاب حقّك، وغصب خمسك، وانتهاك حرمتك.

فقال: نعم يا رسول الله.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لقد سمعت جبرئيل يقول للنبي (صلى الله عليه وآله): يا محمد عرّفه أنه يُنتَهَك الحرمة وهي حرمة الله وحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى أن تخضب لحيته من رأسه بدم عبيط.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): فصعقت حين فهمت الكلمة من الأمين جبرئيل حتى سقطت على وجهي وقلت: نعم قبلت ورضيت وإن انتهكت الحرمة...

ثم دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وأعلمهم مثل ما أعلم أميرالمؤمنين (عليه السلام) فقالوا مثل قوله، فختمت الوصية بخواتيم من ذهب لم تمسه النار ودفعت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وخرج جبرئيل والملائكة معه إلى السماء... »[9].

ثم عرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضعف شديد، فلما أفاق دخلت عليه النساء يبكين وارتفعت الأصوات وضجّ الناس بالباب من المهاجرين والأنصار.

وديعة الله ووديعة رسوله

قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): «فقلت لأبي (عليه السلام): فما كان بعد خروج الملائكة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

قال: فقال (عليه السلام): ثم دعا (صلى الله عليه وآله) علياً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وقال لمن في بيته: اخرجوا عني، وقال لاُم سلمة: كوني على الباب فلا يقربه أحد، ثم التفت إلى علي (عليه السلام) وقال له: يا علي ادن مني، فدنا منه، فأخذ بيد فاطمة (عليها السلام) فوضعها على صدره طويلاً، وأخذ بيد علي (عليه السلام) بيده الاُخرى، فلما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكلام غلبته العبرة فلم يقدر على الكلام.

فبكت فاطمة (عليها السلام) بكاءاً شديداً وأكبّت على وجهه تقبّله، وبكى علي والحسن والحسين (عليهم السلام) لبكاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أكبّوا على وجهه...

فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأسه إليهم ويدها في يده، فوضعها في يد علي (عليه السلام) وقال له: يا أبا الحسن هذه وديعة الله ووديعة رسوله محمد عندك فاحفظ الله واحفظني فيها، وانك لفاعل هذا يا علي، هذه والله سيّدة نساء أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين، هذه والله مريم الكبرى، أما والله ما بلغت نفسي هذا الموضع حتى سألت الله لها ولكم، فأعطاني ما سألته. يا علي أنفذ لما أمرتك به فاطمة، فقد أمرتها بأشياء أمر بها جبرئيل، وأمرتها أن تلقيها إليك، فانفذها، فهي الصادقة الصدوقة. واعلم يا علي، أني راضٍ عمّن رضيَت عنه ابنتي فاطمة، وكذلك ربي وملائكته. يا علي ويل لمن ظلمها، وويل لمن ابتزّها حقها، وويل لمن هتك حرمتها، وويل لمن أحرق بابها، وويل لمن آذى حليلها، وويل لمن شاقّها وبارزها، اللهم إني منهم بريء، وهم مني براء، ثم سماهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضمّ فاطمة إليه وعلياً والحسن والحسين (عليهم السلام) »[10] الحديث.

الإقرار بقبول الوصيّة

قال أبو عبدالله الصادق (عليه السلام): «ثم انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام) بعد أن دفع إليه الوصية وأشهد على ذلك جبرئيل ومن معه من الملائكة: يا علي، أضمنت دَيْني تقضيه عنّي؟

قال (عليه السلام): نعم»[11]، الحديث.

حنوط من الجنة

قال علي (عليه السلام): «ثم إنه كان في الوصية أن يدفع إليَّ الحنوط، فدعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل ارتحاله عن الدنيا بقليل وقال: يا علي ويا فاطمة هذا حنوطي من الجنة، وكان وزنه أربعين درهماً، قد دفعه إليَّ جبرئيل، وهو يقرئكما السلام ويقول لكما: اقسماه وأعزلا منه لي ولكما.

قالت فاطمة (عليها السلام): لك يا أبه ثلثه، وليكن الناظر في الباقي علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضمّها إليه وقال: موفقة رشيدة، مهدية ملهمة، يا علي قل في الباقي.

قال (عليه السلام): نصف ما بقي لها، ونصف لمن ترى يا رسول الله.

قال (صلى الله عليه وآله): هو لك فاقبضه»[12].

[1] أي: أطلب من الله سبحانه أن يتفضل بالمزيد عليكم ولفظ (اوصي) من باب المشاكلة مثل قوله تعالى: ((تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)) سورة المائدة: 116.

[2] سورة القصص: 83.

[3] سورة الزمر: 60.

[4] أمالي الشيخ الطوسي: ص206 المجلس 8 ح4.

[5] بحار الأنوار: ج22 ص494 ب1 ح40.

[6] راجع أمالي الطوسي: ص385 المجلس 13 ح836.

[7] أنظر كفاية الأثر: ص125 باب ما جاء عن عمار بن ياسر (رضي الله عنه).

[8] بحار الأنوار: ج22 ص478 ب1 ضمن ح27.

[9] أنظر الكافي: ج1 ص281 باب أن الأئمة (عليهم السلام) لم يفعلوا شيئاً لا يفعلون إلا بعهد من الله عزوجل وأمر منه لا يتجاوزونه..

[10] أنظر بحار الأنوار: ج22 ص484 ب1 ح31.

[11] بحار الأنوار: ج22 ص492 ب1 ح38.

[12] مدينة المعاجز: ج3 ص58 ح721، ومستدرك الوسائل: ج2 ص209، أبواب الكفن ب1 ح1814.