الفهرس

المؤلفات

 العقائد الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

النبي (صلى الله عليه وآله) يستدعي أخاه

ولما ثقل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحجب الناس عنه كان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يفارقه إلا لضرورة، فقام (عليه السلام) في بعض شؤونه، فأفاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) إفاقة فافتقد علياً (عليه السلام) فقال وأزواجه حوله: «ادعوا لي أخي وصاحبي» وعاوده الضعف فصمت.

فدُعي له غير علي (عليه السلام)، فلما فتح (صلى الله عليه وآله) عينه ونظر إليه أعرض عنه بوجهه.

فقالت اُمّ سلمة: أدعوا له علياً (عليه السلام)، فإنه لا يريد غيره.

فدعي أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما دنا منه أومأ (صلى الله عليه وآله) إليه، فأكبّ عليه فناجاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) طويلاً، ثم قام فجلس ناحية، فقال له الناس بعد ذلك: ما الذي أوعز إليك يا أبا الحسن؟

فقال (عليه السلام): «علّمني ألف باب من العلم، يفتح لي في كل باب ألف باب، واوصاني بما أنا قائم به إن شاء الله تعالى»[1].

وفي رواية أنه قال (عليه السلام): «علّمني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألف باب من الحلال والحرام، وما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، كل باب منها يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب، حتى علمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب»[2].

بين الحبيب وحبيبه

ثم ان اُم سلمة استأذنت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لها: «ادعي لي حبيبتي وقرّة عيني وثمرة فؤادي فاطمة المظلومة بعدي»، فدعتها، فأقبلت وهي تبكي، فاعتنقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضمها إلى صدره، فناجاها فرفعت رأسها وعيناها تهملان دموعاً، ثم ناجاها وأسرّ إليها شيئاً تهلّل وجهها له، ولما سئلت بعد ذلك عن بكائها وعن تهلّل وجهها؟

قالت (عليها السلام): «نعى إليّ نفسه فبكيت، ثم أخبرني بأني أول أهل بيته لحوقاً به، وأنه لن تطول المدّة لي بعده حتى أدركه، وأخبرني أني سيدة نساء أهل الجنّة، وابناي سيدا شباب أهل الجنة وأن الأئمة الإثني عشر خلفاؤه هم بعلي ووُلدي: علي (عليه السلام) أبوهم وأولهم، والمهدي ابني آخرهم، فتهلّل وجهي لذلك».

ثم أنه (صلى الله عليه وآله) دعا الحسن والحسين وقبّلهما وشمّهما وجعل يترشفهما وعيناه تهملان وأخبر (صلى الله عليه وآله) بأنهما سيُظلمان بعده ويقتلان ظلماً، ولعن قاتلهما[3].

قال ابن عباس: ثم قالت فاطمة (عليها السلام) للنبي (صلى الله عليه وآله) وهو في لحظاته الأخيرة: «يا أبة أنا لا أصبر عنك ساعة من الدنيا، فأين الميعاد غداً؟ ».

قال (صلى الله عليه وآله): «أما إنك أول أهلي لحوقاً بي ـ وكان كذلك فقد لحقت بأبيها بعد خمسة وسبعين يوماً مظلومة شهيدة[4] ـ والميعاد على جسر جهنّم».

قالت (عليها السلام): «يا أبة أليس قد حرّم الله عزّوجل جسمك ولحمك على النار؟ ».

قال (صلى الله عليه وآله): «بلى، ولكني قائم حتى تجوز اُمتي».

قالت (عليها السلام): «فإن لم أرك هناك؟ ».

قال (صلى الله عليه وآله): «تريني عند القنطرة السابعة من قناطر جهنّم، أستوهب الظالم من المظلوم».

قالت (عليها السلام): «فإن لم أرك هناك؟ ».

قال (صلى الله عليه وآله): «تريني في مقام الشفاعة وأنا أشفع لاُمّتي».

قالت (عليها السلام): «فإن لم أرك هناك؟ ».

قال (صلى الله عليه وآله): «تريني عند الميزان وأنا أسأل لاُمتي الخلاص من النار».

قالت (عليها السلام): «فإن لم أرك هناك؟ ».

قال (صلى الله عليه وآله): «تريني عند الحوض، حوضي عرضه ما بين ايلة إلى صنعاء، على حوضي ألف غلام[5] بألف كأس كاللؤلؤ المنظوم، وكالبيض المكنون، من تناول منه شربة فشربها لم يظمأ بعدها أبداً»[6] وجعل يكرّرها.

النبي (صلى الله عليه وآله) حياً وميتاً

ثم ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثقل وهو (صلى الله عليه وآله) في بيت فاطمة (عليها السلام) فأشار إلى علي (عليه السلام) فدنا منه، فقال له وهو في لحظاته الأخيرة: «ضع يا علي رأسي في حجرك، فقد جاء أمر الله تعالى، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك، ثمّ وجّهني إلى القبلة وتولّ أمري، فاستق لي ست قرب من ماء بئر غرس، فغسّلني وكفّني وحنّطني، فإذا فرغت فخذ بمجامع كفني واجلسني ثم سلني عما شئت، فو الله لاتسألني عن شيء إلا أجبتك، وصلِّ عليّ أول الناس، ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي، يا علي ادفنّي في هذا المكان فإنّ بيتي قبري، وارفع قبري من الأرض أربع أصابع، وفي رواية: قدر شبر وأربع أصابع ـ وفي رواية: واجعل حول قبري حائطاً ـ ورش عليه من الماء واستعن بالله تعالى».

فأخذ علي (عليه السلام) رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوضعه في حجره وقد انقطع عن الكلام لما نزل به، فأكبت فاطمة (عليها السلام) تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه***ثمال اليتامى عصمة للأرامل

ففتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) عينه وقال بصوت ضئيل: «يا بنية هذا قول عمك أبي طالب، لا تقوليه، ولكن قولي: ((وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ))[7] »[8].

على مشارف الآخرة

ولما كان صباح يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شهر صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة النبوية المباركة استأذن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ملك الموت، وهو (صلى الله عليه وآله) في بيت فاطمة (عليها السلام) وعمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ ذاك ثلاث وستّون سنة.

قال ابن عباس: فلما طرق الباب قالت فاطمة (عليها السلام): «من ذا؟ ».

قال: «أنا غريب أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهل تأذنون لي في الدخول عليه؟ ».

فأجابت: «امضِ رحمك الله لحاجتك، فرسول الله (صلى الله عليه وآله) عنك مشغول».

فمضى ثم رجع فدقّ الباب وقال: «غريب يستأذن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهل تأذنون للغرباء؟ ».

فأفاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: «يا فاطمة، إن هذا مفرق الجماعات، ومنغّص اللذّات، هذا ملك الموت، ما استأذن والله على أحد قبلي، ولا يستأذن على أحد بعدي، استأذن عليَّ لكرامتي على الله، ائذني له»[9].

فقالت (عليها السلام): «اُدخل رحمك الله»، فلما اُذن له دخل كريح هفّافة وقال: «السلام عليك يا رسول الله وعلى أهل بيتك».

قال (صلى الله عليه وآله): «وعليك السلام يا ملك الموت».

فقال: «إنّ ربك أرسلني إليك وهو يقرؤك السلام ويخيّرك بين لقائه والرجوع إلى الدنيا».

فاستمهله (صلى الله عليه وآله) حتى ينزل جبرئيل ويستشيره، فخرج ملك الموت من عنده وجاء جبرئيل فقال: «السلام عليك يا أبا القاسم».

قال (صلى الله عليه وآله): «وعليك السلام يا حبيبي جبرائيل».

فقال: «يا رسول الله إنّ ربك إليك مشتاق، وما استأذن ملك الموت على أحد قبلك، ولا يستأذن على أحد بعدك».

قال (صلى الله عليه وآله): «يا حبيبي جبرئيل، إن ملك الموت قد خيّرني عن ربّي بين لقائه وبين الرجوع إلى الدنيا، فما الذي ترى؟ ».

فقال: «يا رسول الله ((وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى))[10] ».

قال (صلى الله عليه وآله): «نعم، لقاء ربي خير لي، لا تبرح يا حبيبي جبرئيل حتى ينزل ملك الموت»، فنزل ملك الموت فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): «امض لما اُمرت له»[11].

وفي رواية: قال جبرئيل: «يا رسول الله أتريد الرجوع إلى الدنيا؟ ».

قال (صلى الله عليه وآله): «لا، وقد بلّغت».

ثم قال ثانية: «يا رسول الله أتريد الرجوع إلى الدنيا؟ ».

قال (صلى الله عليه وآله): «لا، الرفيق الأعلى».

فقال جبرائيل: «يا رسول الله هذا آخر يوم أهبط فيه إلى الأرض[12] انما كنت حاجتي من الدنيا»[13].

فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): «يا حبيبي جبرئيل ادن مني»، فدنا منه، فكان جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، وملك الموت قابضاً لروحه (صلى الله عليه وآله).

ثم مدّ (صلى الله عليه وآله) يده إلى علي (عليه السلام) فجذبه إليه وهو يقول: «ادن مني يا أخي فقد جاء أمر الله»، فدنا (عليه السلام) منه حتى أدخله تحت ثوبه الذي كان عليه، ووضع فاه في اُذنه وجعل يناجيه طويلاً حتى فارقت روحه الدنيا، صلوات الله عليه وآله، ويد أمير المؤمنين (عليه السلام) اليمنى تحت حنكه، ففاضت نفسه فيها، فرفعها (عليه السلام) إلى وجهه فمسحه بها.

ثم انسل علي (عليه السلام) من تحت ثيابه، وقال: «أعظم الله اُجوركم في نبيّكم، فقد قبضه الله إليه»، ثم مدّ عليه ازاره، وقال: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، يالها من مصيبة خصت الأقربين وعمت المؤمنين، لم يصابوا بمثلها قط، ولا عاينوا مثلها[14].

فارتفعت عندها الأصوات بالضجّة والبكاء. فصاحت فاطمة (عليها السلام) وصاح المسلمون، وصاروا يضعون التراب على رؤوسهم، وفاطمة (عليها السلام) تقول: «يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه، يا أبتاه من ربّه ما أدناه، يا أبتاه جنان الفردوس مأواه، يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه»[15]، واجتمعت نسوة بني هاشم وجعلن يذكرن النبي (صلى الله عليه وآله). وقالت اُم سلمة: «وضعت يدي على صدر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم قبض فمر بي جمع آكل وأتوضأ ما تذهب رائحة المسك من يدي»[16].

[1] الإرشاد: ج1 ص185 فصل ومن ذلك ما جاءت به الأخبار في تسمية رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً بإمرة المؤمنين في حياته. وأنظر بحار الأنوار: ج22 ص469 ب1 ح19.

[2] الخصال: ج2 ص643 أبواب الثمانين وما فوقه ح22.

[3] أنظر كشف الغمة: ج1 ص17 ذكر مدة حياته (صلى الله عليه وآله).

[4] أو بعد خمسة وتسعين يوماً، على اختلاف الروايات.

[5] هذا مثال الزيادة، لا العدد، فهو من قبيل قوله تعالى: ((إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً)) سورة التوبة: 80.

[6] كشف الغمة: ج1 ص497 فاطمة (عليها السلام).

[7] سورة آل عمران: 144،

[8] أنظر بحار الأنوار: ج22 ص470 ب10 ح19.

[9] أنظر الأنوار البهية: ص39 فصل في وفاته (صلى الله عليه وآله) باختلاف يسير باللفظ.

[10] سورة الضحى: 4 ـ 5.

[11] راجع كشف الغمة: ج1 ص18 ذكر مدة حياته (صلى الله عليه وآله) قريب منه، وأنظر بحار الأنوار: ج22 ص503 من أبواب ما يتعلق بارتحاله إلى عالم البقاء...

[12] أي آخر هبوط على رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأجل إبلاغ الوحي وإلاّ فقد نزل جبرائيل بعده في قصص مختلفة لا لأجل الوحي.

[13] أنظر إعلام الورى: ص137 ب4.

[14] الأنوار البهية: ص40 فصل في وفاته (صلى الله عليه وآله) باختلاف يسير في اللفظ، وقريب منه في المناقب: ج1 ص203 فصل في وفاته (صلى الله عليه وآله)، وأنظر تفسير العياشي: ج1 ص209 سورة آل عمران ح166.

[15] أنظر الحدائق الناضرة: ج4 ص168 فصل هل يجوز النوح على الميت؟ وقريب منه في سبل الهدى في سيرة خير العباد: ج12 ص266 ب24.

[16] أنظر إعلام الورى: ص136 ب4.