الفهرس

المؤلفات

 العقائد الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

النبي صلى الله عليه وآله وسلم

أرأيت الأنظمة الفاسدة التي تدير دفتها الحكومات؟
أرأيت الحروب الطاحنة والأغلال التي على الناس من جراء القوانين المدنية؟
هل فكرت يوماً في أن إنساناً واحداً كم تضغط عليه العائلة والبيئة والحكومة وكم سلبت راحته العادة والعرف؟
هل فكرت إن الإنسان وهو حر مغلول يداه مقيد رجلاه مطوق عنقه على كل من لسانه وعينه وأذنه رقباء وثم لا ترجع المنفعة إليه وإنما قيدته بهذه القيود الجهل والاستعباد والاستغلال، الإنسان مسكين وأي مسكين..
انه ينشأ في ظلمات الرحم ثم يقيد بالمهد فإذا شب وزعم انه تخلص من السجون فإذا بكابوس الجهل والفقر وضغوط المرض والأنظمة الفاسدة تحيط به من الجهات الست.
فهو من سجن إلى سجن إلى سجن إلى أن يقبر.
إن الله خلق العالم بميزان عادل وقسطاس مستقيم فجعل لكل شيء صلاحاً ولكل حركة وسكون نظاماً فلو حاد عن ذلك النظام وزاغ عن القانون العام لكر فاسداً مفسداً، ولا يعرف هذا النظام إلا هو أو من جعل أزمته بيده وعرّفه مفاتيحه وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو(1).
والأنبياء هم وحدهم يعرفون سنة الله في الخلق فهم يعرفون الصلاح والفساد والرقي والانحطاط والتقدم والتأخر والذهاب والتقهقر، وأما من سواهم فلا يعرفون عن النظام الصالح شيئاً فلو كفلوا وضع الأنظمة وتقنين القوانين فسدوا وأفسدوا وساد الهرج وعم الفوضى والظلم ونجمت الحروب وانتثر عقد الاجتماع.
لو فرضنا أفراد الإنسان كأجهزة الماكنة الواحدة قلنا كما أن آلات الماكنة المتبددة لا يتمكن من تركيبها على نحو الصلاح ومقتضى الصنعة الأولية لها إلا المهندس الخبير العارف بكيفية التركيب والنصب حتى لو تكفل جاهل ذلك مهما أوتي من مال وسلطان لم يرجع إلا بإيقاف الماكنة وشلها عن الحركة والإنتاج ولو أخذنا أنه تمكن من تركيبها تركيباً ناقصاً عاد الأمر إلى خراب الآلات وضئالة الإنتاج، كذلك أفراد البشر هم كأجزاء تلك الماكنة يلزم وضع كل موضعه وتوجيه كل إلى ما فيه صلاح المجموعة البشرية وتحت نظام دقيق وميزان عادل فيلزم أولاً صوغ الفرد في قالب الكمال حيث يصلح أن يكون عضواً في المجتمع ثم تنظيم العائلة تنظيماً صحيحاً يعود كل فرد منهم جزءاً بناءاً للعائلة ثم تكوين الدولة التي تضم تحت جناحها شتيت العوائل بسن قوانين الخير والصلاح والرقي والهيمنة على المذاهب البشرية حتى يجري كل حسب المتوخى من العدل والإحسان.
والمنظم لمثل هذه الأمور لا يكون إلا الخالق الذي يعرف الخير والشر والحسن والقبيح والصلاح والفساد والعدل والجور لأنه هو الذي خلق وربى وأبدع وعلم بما في الضمائر من الغرائز والصفات والنزعات والإمكانيات، والمبلغ عن الله ليس إلا النبي الذي يوحى إليه أو خلفاؤه المهديون وأوصياؤه المؤتمنون.
وقد رأينا في تاريخ الإنسان الطويل أن كل جيل أخذوا بهدي الأنبياء وسلكوا الطريق المستن لهم بنور الوحي قلّ بل عدم فيهم الشرور وعاشوا في رفاه ودعة، وكل أمة رفضت الرضوخ لحكم المرسلين وثنت عطفها عن متابعة الأنبياء تاهت في فيافي الظلم والاعتساف والفوضى والهرج وكان عاقبة أمرها خسراً.
ويكفي دليلاً على المطلب مثال واحد.
إن المسلمين الذين أخذوا ببعض تعاليم الإسلام رأيناهم وقد حلّقوا إلى المستوى الرفيع وسادوا العالم في أقل من نصف قرن وصلح أمرهم واجتمع شملهم وارتفع قدرهم وظهر عزهم وبانت شوكتهم واستراحوا من أكثر الأغلال الاجتماعية التي كانت عليهم فحلقوا والغرب تئن تحت نير الاضطهادات في ظلم وقسوة وهمجية يستغيثون فلا يغاثون ويستجيرون فلا يجارون يسود فيهم الفوضى والطغيان ويحكمهم طواغيت الأرض ويسفك دماءهم جراثيم الأمم ويستذلهم طغمة الملوك حتى أخذوا قبل قرن بشيء من تعاليم الإسلام من حيث يشعرون أو لا يشعرون فاستراحوا وأراحوا وانتظم نوعاً ما أمرهم وساد فيهم الصلاح والعدل قدر ما أخذوا من التعاليم.
ولست أنا أقول هذا إن جورج جرداق وهو نصراني لا يدين بدين الإسلام يذكر في كتابه صوت العـــدالة الإنسانيـــة، إن عــليـــاً عليه السلام وهو عبد من عبيد محمد صلى الله عليه وآله وسلم على حد تعبير الإمام نفسه سبق مفكري فرنسا أم الحضارات في وضع وثيقة حقوق الإنسان باثني عشر قرناً تقريباً بل فضل عليهم في جودة القانون وإتقان النظام.
ثم نرى فرنسا هذه حيث تحيد عن قانون الحق التي تدعي إنها وضعت صيغتها فقبل قرن تغلب عليها الوحشية والسبعية والقساوة فتسوق الألوف من الجزائريين إلى المجازر الرهيبة وتخمد صوت الحق بالحديد والنار.
نعم الأنبياء عليهم السلام هم الوحيدون في إمكان جعل النظام العادل وهم وحدهم جعلوا هذا النظام للإنسانية على ضوء الوحي من خالق الإنسانية، ونحن لو لاحظنا النُظُم الحاضرة التي تسود البلاد ثم لاحظنا النُظُم الإسلامية لرأينا البون شاسعاً والفرق كثيراً ولرأينا أن أكثر هذه الحروب الباردة والحارة التي تهلك الحرث والنسل وتشتعل في كل فترة إنما هي بسبب انحراف الناس عن هدي الأنبياء واستبدادهم في الجعل والتنظيم وسن القوانين ووضع الأنظمة، ولعرفنا أن الدين لو كان سائداً وهدي الأنبياء حاكماً لعاش الناس في جو من الحق والعدل والهدوء والسلام والأخوة والصفاء.
ثم إن العراقيل التي تأخذ بالأكظام والمشاكل التي تترى على الإنسان في هذه الأوقات من ضغط واستعباد واستذلال ما هي إلا ولائد الأنظمة الفاسدة والقوانين الجائرة الحائدة عن هدي المرسلين وهداية إله الخلق.
فليرزح الإنسان في أثقال الجهل والفقر والمرض والفوضى والحروب والمشاكل حتى يرجع إلى رشده ويعرف صوابه ويأخذ بقوانين السماء وينبذ قوانين الجبابرة.
وسيأتي ذلك اليوم وهو قريب.

دليل النبوة

النبي هو خليفة الله في الأرض.
فهل نقبل قول من يدعي هذا المنصب الخطير بمجرد دعواه؟
كلا..
انا لا نقبل من الطبيب دعواه الطب إلا بعد أن يبرز شهادته الطبية ولا نقبل من المهندس دعواه المقدرة على التخطيط والهندسة إلا بعد أن نرى شهادته الهندسية، فهل نقبل من رجل يدعي انه مرسول من عند اله الكون ومن بيده أزمة الحياة والموت بمجرد انه يقول أنا نبي مرسل.
لا لا يكون هذا أبدا.
إذن لابد من دليل يشهد لصدق كلامه وليس الدليل إلا تصديق الله انه رسوله.
وما هو الدليل؟
هل نرى الله والله غير ممكن رؤيته؟
أم نسمع كلامه! فليس الله يكلم كل أحد؟
إن دليل النبوة هو أن يظهر النبي خرقاً لناموس العادة مما لا يتمكن عليه إلا الله وحده. فهذا هو دليل الرسالة.
فإن خرق نواميس الكون التي جرت عليه العادة لا يتمكن منه إلا من كان خليفة لله تعالى، وقد أبدى الأنبياء عليهم السلام خوارق ركع البشر أمامها ولم يتمكنوا من الإتيان بمثلها وبذا نجحت دعوتهم والتف البشر حولهم وقبلوا قولهم وصدقوا ما أتوا به من عند ربهم، فكانت لموسى تسع آيات ببينات التي منها أن يلقي عصاه فإذا هي حية تسعى ومنها أن يدخل يده تحت إبطه ثم يخرجها فإذا هي كالشمس المشرقة.
يقول القرآن الكريم أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوماً فاسقين(2).
وكانت لعيسى بن مريم خوارق ظاهرة لا يرتاب فيها أحد فكان يبرء الأكمه ويشفي الأبرص ويحيي الموتى ويخلق من الطين طيراً.
يقول القرآن الحكيم إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولاً إلى بني إسرائيل إني قد جئتكم بآية من ربكم إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلكم لآية لكم إن كنتم مؤمنين(3) وكان إبراهيم عليه السلام لم يحترق بالنار التي أوقدت لأجله.
يقول القرآن الحكيم قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم(4)، وكذا معاجز سائر الأنبياء عليهم السلام كناقة صالح وطوفان نوح عليهما السلام.
فكان يأتي كل نبي بمعاجز تناسب أزمنته لتكون أقوى في الحجة وأولى في القبول، فكان زمن موسى عليه السلام قد فشى فيه السحر ونبغ سحرة ماهرون ولذا أتى هو عليه السلام باليد البيضاء والعصا فإذا رأتها السحرة أذعنوا بأنهما فوق السحر وخارقان لا يكونان إلا بإذن الله فآمنوا بإله موسى وعرّضوا أنفسهم لاضطهادات فرعون وتعذبيه، وكان زمن عيسى عليه السلام قد انتشر فيه علم الطب وكان هناك أطباء ماهرون ولذا أتى هو عليه السلام بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، ولو انعكس الأمر فكان يأتي موسى عليه السلام بخوارق عيسى عليه السلام لقال معاصروه أنا لا نعرف الطب ولعل ما أتيت به من أقسام الطب الراقي وكذا لو أتي عيسى عليه السلام بمعاجز موسى عليه السلام لقال معاصروه إنا لا نعرف السحر ولعل ما أتيت به من أقسام السحر الراقي، فلم تكن تكمل الحجة ولكان للناس العذر في الرد وعدم القبول.
أما إذا كانوا أطباء واعترفوا بأنه فوق مقدور علم الطب أو كانوا سحرة وعجزوا عن أن يأتوا بمثله فلا يبقى ريب في أنه ليس بمتناول البشر وإنما هو بإشارة من الله الحكيم الذي تعنو له حياة العناصر وتخضع لأمره الأرض والسماء.

الأنبياء ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم

إن شرائع الله لا تختلف في جوهرها وحقيقتها وإن اختلفت في صيغها وبعض كيفياتها إن الأنبياء كلهم أخوة وإن تعددت أمهاتهم واختلف آبائهم.
فآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين إنما جاءوا من قبل إله واحد وكانت دعوتهم واحدة وغايتهم واحدة وسلوكهم واحد، كل يأمر بالخير وينهى عن الشر، وكل يدعو إلى الله الحق ويحث على العدل.
أساس علمهم الوحي وملاك أمرهم أيقاظ الضمير وعماد دعوتهم الحق أولهم يصدق آخرهم وآخرهم يصدق أولهم وأوسطهم يصدق الأول ويدعو للأخير، لذا نرى أنه لا اختلاف بينهم جوهرياً وإن حرّف المحرفون وحوّر الدخلاء ولعبت الأهواء.
هذا هو الفارق الوحيد بين الأنظمة الأرضية سواء وضعها الحكماء والفلاسفة أو البرلمانات ومجالس القانون أو السلطات الاستبدادية، وبين الأحكام السماوية التي هي كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً ويؤيد أحده الآخر.
يقول القرآن الحكيم أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحدا ونحن له مسلمون(5).
وقال تعالى قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون(6).

ختم الأنبياء

للإنسان في الحياة دورة يبتدأ طفلاً ثم يافعاً ثم كهلاً ولكل من هذه الأحوال مقتضيات فمقتضى الطفولة اللعب واللهو ومقتضى اليفاعة العلاقة بالسياحة والتفاخر ومقتضى الشباب النشاط والعمل والجد ومقتضى الكهولة الفكر والتجربة ثم ليس بعد ذلك شيء في هذه الدنيا، وكذلك الثقافة فتبدأ المدرسة من الصف الأول متدرجاً إلى آخر صف من الكليات والمعاهد العالية فتدريس الدرس الخاص بالخامس مثلاً خطأ في غيره متقدماً أو متأخراً، ولو نظرنا إلى أدوار الإنسانية في هذا الكوكب لوجدناها كأدوار الفرد الواحد، ولو أمعنا في شرائع الأنبياء في القرون المتلاحقة لألفيناها كدروس المدارس، كل جيل يتطلب ثقافة خاصة وشريعة تلائمها، وكل شريعة تناسب زمانها وتوافقه.
هذا بعد أن علمنا أن الأديان متفقة في الجوهر وإن اختلفت في الخصوصيات، فهي كالرياضيات مثلاً التي تبتدأ من الصف الرابع إلى آخر صف من كلية الهندسة فكلها رياضيات ولكن تتفاوت حسب تفاوت الأفهام وتتدرج في الكمال حسب تدرج مراتب العقل في التلاميذ.
كانت الأنبياء مختلفة من حيث عموم الدعوة وخصوصها فدعوة يونس عليه السلام كما يقول القرآن الكريم وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (7) كانت خاصة بهذه الكمية من أفراد البشر ودعوة لوط عليه السلام كانت بأهل بلده وهكذا دعوة صالح وهود وشعيب عليهم السلام، وذلك يرجع على الأغلب كما يحتمل إلى أن الأمم كانت متباينة وكانت وسائل الاتصال فيما بين البلدان قليلة جداً فكان من الصعب أن ينتشر في جميع الأمم وشعوبها دعوة موحدة ولذا فقد كان في كثير من الأجيال في زمان واحد نبيان أو أكثر هذا يدعو قومه وذاك يدعو قومه.
بالإضافة إلى أن المفاسد التي كانت سائدة في قوم غير المفاسد التي كانت تغزو قوماً آخر فكان نبي كل فريق يأتي لإصلاح مفاسد قومه، وكان من بين الأنبياء الذين عددهم مائة وأربعة وعشرون ألفاً كما في الأحاديث(8) خمسة تعم دعوتهم شرق الأرض وغربها وهم نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وذلك لما كان لانتشار تعاليمهم من إمكان ولما كان في شريعتهم من كمال ولما كان في نفوسهم من قوة وعزم ولعل هذا هو سبب تسمية هؤلاء الخمسة ب أولي العزم، وحيث أن الأمم كانت متدرجة في الرقي ولم يبلغ بعد كمالها اللائق الرسالة الإصلاحية عليها نسخت كل شريعة لاحقة ملابسات الشريعة السابقة وتوسعت في العمق والكمال وإن أبقيت الجوهر على حاله الأول.
ولو شبهنا الأمم في زمان نوح وإبراهيم عليهما السلام بالطفل الذي لا يستحق أكثر من دراسة الابتدائية وفي زمان موسى وعيسى عليهما السلام باليافع الذي لا يستحق أكثر من دراسة الثانوية وفي زمان محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالشاب المكتمل الذي يصلح لدخول المعهد وإلقاء الدروس النهائية عليه لم نكن بعيدين عن الحق، ولعل يشير إلى هذا كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعثت لأتمم مكارم الأخلاق(9)، فإن مكارم الأخلاق سادت الناس بفضل تعاليم الأنبياء والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو المتمم لها.
هذا هو مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا هو شركة شريعته مع شرائع السماء السابقة وهذا هو المائز بين دينه وسائر الأديان.
إن شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي الصيغة الأخيرة لإصلاح البشر، وقد اشتملت من المبادئ الإصلاحية ما يجعلها جديرة بالبقاء والخلود، فهي خالدة ما دام الإنسان على ظهر الأرض.
يقول القرآن الحكيم ولكن رسول الله وخاتم النبيين(10).
ويقول عن الإسلام.
ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين(11).
وفي الحديث حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة (12).
ولن تفلح الانسانيه الا بالتمسك بشريعته صلى الله عليه وآله وسلم والأخذ بتعليمه واتباع هديه والخضوع لأحكامه، انه لا جمود ولا رهبة ولا خرافة ولا تمويه، انه الحق والبقاء والخلود، هل يمكن أن يأتي زمان لا تحكم فيه هذه الآيات؟
قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي(13).
وقوله سبحانه تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان(14).
وقوله عزوجل ولتكن منكم أمه يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (15).
وقوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط(16) وقوله سبحانه وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل(17).

محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن

بزغ نور نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد انخمد نور العلم وسيطر على العرب الجهل ولم يكن لهم حظ من الثقافة فكيف يثبت لهم انه نبي من عند الله يجب اتباع تعاليمه، لا طريق إلا بأن يأتيهم بمثل ما هم عارفون به ثم يتحداهم بأن يأتوا بمثله وكانت معرفتهم منحصرة في البلاغة وقد وصلوا إلى قمتها فكانوا يعقدون الأندية ويقيمون الأسواق لأجل هذه الغاية وقضية سوق عكاظ(18) مشهورة.
فأتى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن الحكيم ودعى العرب كافة إلى أن يأتوا بمثله فأحجموا ولم يتمكنوا، ثم دعاهم ثانية إلى أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات فلم يتمكنوا.
ثم دعاهم ثالثة إلى أن يأتوا بسورة من مثله ولو كانت كأقصر السور
بسم الله الرحمن الرحيم انا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر (19).
أو بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد (20).
فلم يتمكنوا.
يقول القرآن الحكيم قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً(21).
وقال تعالى أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فا لّم يستجيبوا لكم فاعلموا إنما أنزل بعلم الله(22).
وقال سبحانه وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين(23).
ولم تكن معجزة النبي صلـــى الله عليه وآلـــه وسلم منحـــصرة في الــــقرآن فقد حفظت عنه التواريخ معاجز كثيرة لكنها كانت وقتية(24) ولم تكن مثــــل القرآن باقية إلى هذا اليوم.

القرآن وسائر الكتب

إن الله لا يُنزل إلا الحق ولا يقول إلا الحق لكن الجاهلون والمعاندون يخلطون الحق بالباطل والصحيح بالسقيم.
كانت التوراة المنزلة على موسى عليه السلام هدى ونوراً وكان الإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام حقاً وصواباً لكن ما لبثت اليهود والنصارى بعد نبيها إلا وحرفا وبدلا وأدخلا في الكتابين ما ليس منهما وأخرجا منهما ما كان منهما.
ويكفي أقل نظر إلى هذين الكتابين الذين يعبر عنهما بـ العهدين أو الكتاب المقدس للإذعان بما ذكرنا من وقوع التحريف والتحوير الشائن فيهما، فهل يعد من وحي السماء وكلام الله الحكيم؟
أولا : ما ينقله سفر التكوين الإصحاح التاسع عشر عن لوط عليه السلام انه شرب الخمر وزنى مع بنته الكبرى ثم شرب في الليلة الثانية الخمر وزنى مع بنته الصغرى.
ثانيا : ما ينقله سفر اشعيا الإصحاح العشرين من أن الله أمر أشعيا النبي أن يمشي مكشوف العورة والسته ثلاث سنين ففعل النبي اشعيا.
ثالثا : ما ينقله سفر حزقيال الإصحاح الرابع من أن الله أمر نبيه حزقيال أن يأكل خبزاً من الشعير على الخرء الذي يخرج من الناس يخبزه أمام عيون الناس.
رابعا : ما يقوله يونس في رسالته إلى أهل غلاطية في الإصحاح الثالث المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة.
ودع عنك الخرافات التي تثبتها مما يندى لها الجبين كمصارعة الله لبعض أنبيائه وكون بعض الأنبياء ولد زنا ومشي الله في الجنة ونزوله لتفريق كلمة الناس(25).
فهل كتاب يلعن مثل عيسى المسيح عليه السلام وينسب إليه الزنا بذات المحارم مثل لوط عليه السلام ويستهزأ بأنبياء الله من أكلهم العذرة ومشيهم عاري العورة والستر كتاب وحي من عند الله وهدى ونور!
كلا وألف كلا..
ولقد صدق الله تعالى حيث يقول فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به… ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به(26).
وقال تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون(27).
فهم كما قال القرآن الحكيم مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله(28).
ثم إن كتاب العهدين كتاب عجيب يفضل عليه كتب التواريخ والقصص فهو كتاريخ حشوه مضطرب اللفظ والمعنى بعيد غاية البعد عن الذوق والفكر، وقد شهدت تواريخ أهل الكتاب أنه حرف ثم حرف ثم حرف كما يظهر ذلك لمن راجع الهدى أو الرحلة للعلامة البلاغي رحمه الله.
أما القرآن الحكيم فهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقال الله تعالى فيه إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون(29).
وفيه من الحكم والأحكام والأخلاق والآداب والمواعظ والنصائح والحق والعدل والصدق والفصاحة والحضارة والثقافة وأحوال المبدأ والمعاد والجنة والنار والدنيا والآخرة وقصص الأنبياء بما يليق بهم من نزاهة وطهارة وحكاية الأمم الغابرة والأمثال والعبر و بحور وبحور.
كيف لا يكون كذلك وهو كلام الله ووحيه وهداه ونوره ودستوره للخلق إلى يوم يبعثون..

 

1 ـ الانعام 59.

2 ـ القصص 30 - 32.

3 ـ آل عمران 45 - 49.

4 ـ الانبياء 69.

5 ـ البقرة 133.

6 ـ البقرة 136-138.

7 ـ الصافات 147.

8 ـ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان أول وصي كان على وجه الأرض هبة الله بن آدم وما من نبي الا وله وصي وكان عدد الأنبياء مائة الف واربعة وعشرين ألف نبي خمسة منهم اولو العزم…الخ اعلام الدين ص 464 فصل في حسن الظن بالله
وعن علي بن الحسين عليه السلام من أحب ان يصافحه مائة الف نبي واربعة وعشرون الف نبي فليزر الحسين عليه السلام ليلة النصف من شعبان فان… بحار الأنوار ج11 ص32 ب1 ح25
وقال الصدوق طيب الله ثراه اعتقادنا في عدد الانبياء عليهم السلام انهم مائة الف ونبي واربعة وعشرون الف نبي ومائة الف وصي واربعة وعشرون الف وصي قصص. الانبياء للجزائري ص4.

9 ـ مكارم الاخلاق ص 8.

10 ـ الاحزاب 40.

11 ـ آل عمران 85.

12 ـ بصائر الدرجات ص 148 ح 7.

13 ـ النحل 90.

14 ـ المائدة 2.

15 ـ آل عمران 104.

16 ـ الإسراء 29.

17 ـ النساء 58.

18 ـ اسم سوق للعرب بناحية مكة كانوا يجتمعون بها في كل سنة يقيمون شهراً ويتبايعون ويتناشدون شعراً ويتفاخرون.

19 ـ الكوثر 1 - 3.

20 ـ الإخلاص 1 - 4.

21 ـ الإسراء 88.

22 ـ هود 13-15.

23 ـ البقرة 23-24.

24 ـ راجع كتاب مدينة المعاجز وبحار الأنوار.

25 ـ راجع ماذا في كتب النصارى للإمام المؤلف دام ظله.

26 ـ المائدة 13-14.

27 ـ البقرة 79.

28 ـ الجمعة 5.

29 ـ الحجر 9.