الإعداد للقرن الواحد والعشرين


عنوان الكتاب: الإعداد للقرن الواحد والعشرين

تأليف:  بول كينيدي

ترجمة: نسيم واكيم يازجي

دار النشر: دار علاء الدين/ سوريا


يقول مؤلف الكتاب في مقدمته:

يأخذ هذا الكتاب أصله من نقاش في أثنائه قدمت "ولادة وانهيار الدّول العظمى"، الَّذي نشرته، بين جمهور عريض مكوّن من اقتصاديين، في معهد بروكنغ – و اشنطن، في ربيع 1988. بدأت الأمسيّة، وفيها أعلن ناقد، لا أعرفه، عدم فهمه سبب الضجيج الَّذي أثير حول هذا العمل. رأى أنه كتاب تقليدي جداً، يميِّز الدّولة – الأمَّة ويجعلها الممثل الرّئيسي للمشهد الدُّوليّ. لِمَ لَمْ أكرس وقتي لتحليل مسائل أهم وأكثر ضرورة. بخاصَّة قوى التَّبذُّل الكوكبي مثل زيادة السُّكان، صدم التّقنيَّة، المحيط المعرض للخطر والهجرات، التي هي من طبيعة فوق – قوميّة والتّي تهدد حياتنا جميعاً، من الأصغر حتى الأكبر؟.

إن هذا الكتاب في الوقت نفسه قريب جداً ومغاير جداً لكتاب (ولادة وانحدار القدرات الكبرى)...

أولاً، مع أن هذه الدّراسة ليست بحد ذاتها تاريخيّة، فهي تؤسس على رؤية تاريخيّة لأن التَّطوُّرات التي تدرسها وتعقب عليها ليست أبداً جديدة، فالكتابان يقدمان للقارئ تحليلاً لقوى التّغيير المهمة التي تؤثر في الأحداث الدُّوليّة. تبعث هذه الدّراسة التّفصيلات التّاريخية لـ(ولادة وانهدام) لتركيز أكثر على تحليل لقاء العرق البشري مع التّكنولوجيا، التّغيير الاقتصادي والتَّوسُّع السُّكاني. على هذا، يحاول الكتابان، كل منهما على طريقته، النّظر في شؤون العالم حسب رؤيّة أوسع ما يمكن.

ثانياً، لن يقف هذا المؤلَّف ملياً عند النّزاعات العسكريّة، القوات المسلحة، توازن السلطات والمفاهيم التّقليدية للأمن القومي؛ مع ذلك، سيناقش أن بعض قوى التّغيير الأحداث التي تثقل كاهل كوكبنا قد تسبب في المستقبل عدم الاستقرار والحروب، وأن الحكومات والشعوب يجب أن تعيد النّظر بتعريفاتها العتيقة لما يشكل تهديداً للأمن القومي والدولي. إن انتهت الحرب الباردة أم لا، وأن يوضع حد للنزاع في الشرق الأوسط، أن تهديدات مهمة غير عسكريّة لأمن وحياة شعوب الأرض تستحق اليوم تأملنا وعنايتنا.

ثالثّاً، لأن هذا الكتاب يعالجّ بخاصَّة تطورات فوق – قوميّة، يولي قليلاً من الاهتمام (للولادة والانهدام) في الولايات المتحدة ذاتها ومناهج الوفاق الدّبلوماسيّة التي بها تعمل تقليدياً.

يرى مؤلف الكتاب أنه لا يجوز أن نستخلص أن القرارات المتخذة في واشنطن وموسكو من دون أهميّة، وأن مستقبل الوحدات الإقليميّة النّوعيّة كاليابان أو المجتمع الأوروبي غير كافٍ أو أن التَّيَّارات الدُّوليّة الرّاهنة لا تهتم إن كانت الحياة في سويسرا أو في تشاد. البلدان والأقاليم الأرضيّة مبنيّة بخلاف مصطلحات الوضع الجّغرافي، مستوى خاصيّة النّاس، المصادر الوطنيّة والأنشطة مشلولة الحركة؛ يمكن أن تجيب إلى هذا الحد أو ذاك على التَّحدَّيات فوق القوميّة التي تواجه الجّميع. أضف إلى هذا، البنى النّوعيّة للبلد قد تعني أن صدمة تكنولوجية جديدة ستكون أعتى أو أربح مما لدى أمَّة في مختلف البنى؛ الزراعة الحيويّة – التّكنولوجية، لكن نعطي مثلاً بيَّناً، قد تكون خيّرة في بلد ذي تقنيَّات متقدمة تستورد المواد الغذائيّة كاليابان، لكنها تقدر أن تكون بالقوة مدمرة للأمم على درب التَّطوُّر مثل غانا أو كوستاريكا، التي تعتمد على تصدير زراعتها. وإن محليّة شعب على هذا الكوكب ومستوى مصادره البشريّة والتّكنولوجيّة توسع كثيراً إمكاناته أمام التَّحوُّلات التي سيعرفها عالمنا.

تدرس الفصول الأولى من هذا الكتاب قوى التّغيير في أبعادها فوق – القوميّة، أما فصول الجّزء الثّاني تدقق الإنجازات النّوعية من أجل الأجزاء الأهم في الأرض: الصّين، الهند، الأمم على درب التَّطوُّر، أوربا، روسيا الاتحاديّة، اليابان والولايات المتحدة. كما في أيام مالتوس، شعوب مختلف بلدان العالم غير مستعدة أن تنتقل من قرن إلى آخر وفي يدها نفس الثّمار فقط؛ وكثير منها ليس في يدها سوى ثمرة غير طيبة.

مرة أخرى، يبدو أن التّاريخ يستعد لوضع لائحة بالخاسرين والرّابحين. التّغير الاقتصادي والتّطور التّكنولوجي، كالحروب واللقاءات الرّياضيّة، ليست عادة خيّرة للجميع. التَّقدُّم، المحتفى به بأصوات المتفائلين منذ قرن الأنوار حتى أيامنا، يفيد الجّماعات أو الأمم القادرة على المساهمة بطرق وعلوم جديدة، بينما يؤذي الآخرين، غير المهيئين تكنولوجياً، ثقافياً وسياسياً للإجابة عن التّغيير. كما في أيام الثّورة الصّناعية في إنكلترا، يمكن أن ينطلق التَّقدُّم التّكنولوجي شيئاً فشيئاً نحو الأسفل، لكي يتحسن في نهايّة المطاف مستوى حياة كل أعضاء المجتمع؛ مع ذلك، لم يرضِ هذا الإيضاح أبداً النّساجين العاطلين عن العمل في 1795 ولن يرضي أكثر أشباههم المعاصرين.

يجهد المؤلَّف بدايّة في تقويم من سيكون في المستقبل الرّابح والخاسر. لكنه يفتح أيضاً نقاشاً آخر: ألن تشدنا القوى الدُّوليّة للتغيير اليوم إلى أبعد من السياسات المعروفة؟ ألن تخلق جملة من الظروف الجّديدة، بحيث أن المنظمات الاجتماعيّة البشريّة يمكن أن لا تكون بمستوى التَّحدِّيات التي يطرحها التَّوسُّع السُّكاني، تدمير المحيط والثّورات التّكنولوجية؟ في هذه الحالة، معرفة من الرّابح والخاسر قد تصير إلى حد ما من دون جدوى. مثلاً، إن استمر العالم الثالث – على درب التَّطوَّر، في تدمير المحيط وإهمال أثر الضغط، أو إن هرب دفق كثيف من اللاجئين الاقتصاديين من الأقاليم الأفقر نحو الأقاليم الأغنى، سيتألم كل العالم. حاصل الكلام، كما أن المنافسات القوميّة حلت محلها مسائل أهم، علينا أن نفكر في المستقبل على مستوى أعرض من المستوى الَّذي ميَّز آنفاً التّفكير في السياسة الدُّوليّة. حتى إن حاولت الدّول الكبرى دوماً التوسع أو على الأقل عدم الانحدار، ويصيب العالم ضرر كبير إذا جعل جزءاً من جهوده الخيرة غير نافع.

لأن هذا المؤلَّف يعالجّ أساساً تيارات واسعة كوكبيّة، قضايا المحيط، نماذج سكانيّة وتطورات تقنيَّة، يمكن أن يوحي أن المؤلف لا يبالي بشكل كافٍ بالأبعاد الضخمة وغير الماديّة لحياتنا الاجتماعيّة والبشريّة، لقيمنا الرّوحيّة والثّقافية. صحيح أن الجّزء الأول يطرق موضوعات عامة، لكن قراءة متقصيّة لدراسات إقليميّة في الجّزء الثّاني تشير إلى أهميّة هذه الأبعاد لفهم سبب تباين ردود الفعل على التَّحدِّيات الجّديدة حسب كل مجتمع فعلاً، المواقف الاجتماعيّة، القناعات الدّينيّة والثّقافية هي التي تفرض شروطها بقسوة على قدرة رد الأمَّة على التَغيير. فالدراسات المكرسة للحضارات السالفة التي لم تعرف أن تتلاءم مع تحدي الحداثة تذكر، الواحد تلو الأخرى، العقبات التي كبحت التَّطوُّرات الجّديدة: الموقف من الصّناعة وصناعة الجّملة، ارتياب المتنفذين بالتِّجارة والمشروع، المعارضة الأيديولوجية والدينيّة للأخلاق الغربيّة والرّأسماليّة، بنيات السلطة التي تعزز المداهنين، البيروقراطية، العسكر والكنيسة، المناهج الشرعيّة والماليّة (أو حتى السلب) التي تؤذي المتعهدين لصالح مالكي المكاتب.

يشير الملف الى أن كثيراً ما ظن الكتَّاب الغربيون أن هذه العقبات من خواص المجتمعات الشرقيّة والأفريقيّة، بالتّعارض مع المجتمعات الأوروبيّة التي، وقد اتسقت مع العقلنة ومع الأسلوب العلمي والتّجريبي، هي، مع الزمن، واصلة إلى الهيمنة على العالم فالانجازات الاستثنائيّة لليابان في أثناء العقود الأخيرة في ميدان الاختراع، التّخطيط والمشروعات، الإنتاج الصّناعي والمالي يجعل هذا التّأكيد مبعث شك وريبة أكثر من أي وقت مضى. من البدهي أن بعض مناطق العالم (غينيا الجّديدة، صحراء كالاهاري) تشكل عقبات طبيعيّة أمام التَّطوُّر؛ ومع ذلك يبدو صحيحاً الافتراض أن أغلب شعوب العالم، إن خُيرت، يمكن أن تجيب بالإيجاب على تحدي التّغيير. لكن هذه الكلمات ذاتها –"إن اختيرت"- تملي التّلاؤم مع السمات التي تجلو نجاح هولندا في القرن السابع عشر ونجاح اليابان في نهايّة القرن العشرين: وجود اقتصاد السوق أو على الأقل الاقتصاد الَّذي لا يعاقب التُّجَّار والمتعهدين، الَّذي لا يخلق لهم عقبات ولا يفقرُهم؛ غياب أرثوذكسيّة صلبة ونظريّة؛ حريّة القيام بأبحاث، ونقد وتجريب؛ النّقد بإمكانه التّحسين والإعداد؛ همُّ الممارسة قبل التّجريد؛ عقلنة تتحدى تشريعات المتنفذين، العقائد الدّينيّة والفولكلور التّقليدي. مجتمع  يحكمه أصوليون أو إقطاعيون كبار محافظون هو أيضاً غير مستعد أن ينفتح على تغيير القرن العشرين مما يعود إلى القرن الخامس عشر.

العقبات الثّقافية أمام التّغيير مشتركة في كل المجتمعات لأن كل تحول يهدد العادات القائمة، أساليب الحياة، القناعات والأحكام المسبقة الاجتماعية. ويمكن ظهور هذه العقبات في المجتمعات المتطورة كما في المجتمعات النّاميّة. فعلاً، البلدان (أو هذه البلدان) التي تجاوزت الذروة الشؤون الدُّوليّة أو الإقليميّة وتضاعفت اقتصادياً صارت أمماً تنمو بشكل أسرع تشير غالباً إلى مقاومة عنيدة للتغيير. الأسباب عملياً جزئيّة، لكنها أيضاً نفسيّة وثقافية، وقد بلغت القمّة في الشروط التّاريخيّة النّوعيّة، تجد هذه الأمم التي تعاني التّقهقر صعوبة في قبول عالم مغاير وترفض أن ترى طرقاً أخرى لتنظيم الصّناعة، وتربيّة النّاشئة، وتوزيع الموارد، واتخاذ قرارات سياسيّة، وأن هذه الطرق الجّديدة أكثر ما عليه وأمضى، وللإجابة على التّغيير، يجب أحياناً تبديل هذه الملكات الاجتماعيّة، ونهجها التّربوي، أساليبها الاستهلاكيّة والإدخاريّة، وحتى قناعاتها الأساسيّة في العلاقات بين الفرد والمجتمع. فالأمريكان القلقون الذين يناضلون اليوم للإجابة على "التَّحدِّي اليابانيّ" يعرفون مدى تعقيد وعمق هذه العقبات الثّقافية والاجتماعية.

أبنيّة هذا الكتاب نسبياً بسيطة. إذ يحلل الجّزء الأول بعض قوى التّغيير الفاعلة التي سيعرفها عالمنا ويناقش الإملاءات العامة لهذه التَّحوُّلات. مع أن هذا الكتاب مقسم إلى فصول عديدة، يرى القارئ الصّلة بين الانفجار السُّكاني والهجرة غير الشرعيّة المتناميّة، ثورة الإنسان الآلي Robotique والطلب الدُّوليّ للعمل، وتكنولوجيا خسارة خسارة السيادة الوطنيّة والقوميّة. فللانفجار السُّكاني الكوكبي إملاءات أساسيّة سيتناوله الكتاب أولاً: بل ويضيف إليها تحليل التّكنولوجيات الجّديدة (العاديّة، الفضائيّة، الإخباريّة / المواصلاتية) التي تعمم الاقتصاد وتبدل طريقة عمل المشاريع. سيشير هذا التّجمع إلى الهوّة التي تفصل التَّطوُّر في الفروع الفقيرة وكثيفة السُّكان في العالم وتطور الفروع الغنيّة والمتقدمة تكنولوجيا. سأعمق هذا الموضوع في الفصل الثّالث (في الزراعة الحياتيّة – التكنولوجية) وفي الفصل الرابع (في الإنسان الآلي Robotique) التي تسبر تدريجياً سبب تعريض ثورتنا الزراعيّة، الصّناعيّة تلطيفها. ما دام يمكن توقع تعميق البعد بين البلدان الفقيرة والبلدان الغنيّة، يناقش الفصل الخامس أثر الإضرار بالبيئة وإمكانيّة دفع المجتمعات المتطورة أخيراً إلى أن تفهم الّروابط التي تجمع التَّوجُّهات السُّكانيّة، البيئيّة، والتّقنيّة، وفي مساعدة أبناء جلدتهم الفقراء. ينتهي الجّزء الأول بفصل يسبر مدى تأثير التَّبدُّلات فوق القوميّة على فكرة السيادة القوميّة.

يدرس القسم الثاني من الكتاب مختلف أمصار العالم وقدراتها التّنفيذيّة على مواجهة هذه التَّحدِّيات الجّديدة. لقد اختار المؤلف هذه البلدان أو هذه الأقطار ليس فقط لأهميتها بل أيضاً لأوضاعها المتباينة: اليابان يزداد أكثر فأكثر اعتبارها مجتمعاً تلعب فيه التّكنولوجيا الدّور الأساس؛ الهند والصين، اللتان تمثلان أكثر من ثلث العالم، من حيث السُّكان، تحاولان بيأس مراقبة التَّوسُّع السُّكاني والتّحكم بالتّكنولوجيا وإجادتها؛ بعض البلدان من العالم النّامي (آسيا الشرقيّة، أمريكا اللاتينيّة، الدّول المسلمة وأفريقيا جنوب الصّحراء الدروسة هنا) تظهر فوارق بيّنة في جوابها على التَّحدِّيات التّكنولوجيّة والسكانيّة؛ وروسيا الاتحاديّة مجابهة بين هذه القوى الدُّوليّة في أثناء تفكك وحدتها السابقة، أما المجتمع الأوروبي فقد جوبه بقضايا فوق قوميّة ويجب أن يصل إلى أوسع تكامل؛ أخيراً، الولايات المتحدة، جيدة التّجهيز القتالي، يجب أن تتصدى إلى تحديات جديدة جذرياً غير عسكريّة. يواجه كل فصل العديد م المخارج في المستقبل الخاص بهذا البلد أو ذاك الإقليم.

يغير الجّزء الثّالث والأخير من جديد وجهة نظره ليفكر بالمسألة الأهم: أمام القوى الضخمة للتغيير التي تتحدَّانا، كيف يستعد المجتمع لقدوم القرن الواحد والعشرين؟ أي خواص، أي قوى ترغب الشعوب في امتلاكها في عصر التغييرات السريعة وغير المتوقعة؟ يبدو هذا الموضوع دراسة أحكم من الالتّزام بمسألة مثيرة سياسياً بل ماكرة لمعرفة "من سيكون رقم (1) في العام 2025 (أو 2050) لأنه يخولنا التّفكير أن المجتمعات تقدر أن تنسجم مع التّغيير وتميز تطور التّملك ودعم الخواص المرغوبة. إن تلاؤم البلدان والأقاليم المعنيّة وامتلاك قواها تبقى، كما دائماً، مسألة مفتوحة. فالكائنات البشريّة تصنع تاريخها حتى ولو تأثرت كما يقول بالماضي.

ما يجدر ذكره الأفق الزمني الَّذي يعالجّه هذا العمل. بعض نقاد رأي المؤلف "انحدار نسبي" لأمريكا في (ولادة وانحدار الدّول الكبرى) قرؤوا خطأ النّص ووصلوا إلى الحصيلة التي يرجعها ليومنا هذا أكثر مما للجيل القادم. وأيضاً، أولئك الذين لم يقنعوا بقدرة الإنسان الآلي (الفصل الرّابع) يقدرون أن لا يفهموا أن النّسبي عدد صغير مع المصانع المُؤَلَّلة اليوم ربما قورن يعدد نادر من نماذج المعامل الأولى التي كانت موجودة عندما كتب مالتوس بحثه؛ إن تعميم هذا النّمط من الإنتاج لن يتم إلا بعد جيل على الأقل. وفي هذا الكتاب، لأن لا تواجه التَّيَّارات فوق القوميّة أو رؤى إقليم بعينه الأبعد ثلاثين عاماً تقريباً لأن أغلب الأسقاطات أو رؤى مجتمع بعينه تصل حتى العام 2025 فتسعيرات الآجال الطويلة هي أكثر ريبة وتشككاً. أضف إلى هذا، النّمط يتعقد بواقع أن بعض قوى التّغيير هذه تتقدم بإيقاع أسرع من غيرها؛ فمثلاً، بينما لم يتغير الشعب النّرويجي إلا ببطء، من يقدر أن يرى إلى أين ستقودنا الثّورة البيو-تكنولوجيّة في الرّبع القادم من العام؟ وأيضاً، إن انطلاق بعض الانتفاضات (كالحروب) في بدايّة القرن القادم -21- كيف تؤثر في مصير بعض الأمم أو في سرعة التَّيَّارات فوق القوميّة التي تناقش هنا؟

إن (إعداد القرن 21 لا يفترض إذن أن ثمة مشروعاً مثالياً أو التّوجيهات إذا تابعناها، ستمنح المجتمعات القدرة على مواجهة تبدلات ضخمة في العقود القادمة. فالتَّحوُّلات المنذرة – بخاصَّة السباق بين السُّكان والتّكنولوجيا – ستفعّل بعض المجتمعات وبعض الطبقات أكثر من سواها؛ وستكون ذات نتائج إيجابيّة وسلبيّة، لأن التّغيير يتبع عدة طرق والجنّس البشري يرد عليها بطريقة مغايرة.

أخيراً، لا يشك هذا الكتاب أن التّغيير هو، بحد ذاته، شيء إيجابي. بل ليس له سوى محصلات خيرة. فإن توصلنا على الأقل إلى فهم التَّحوُّلات المنذرة فوق كوكبنا، نقدر ربما أن نرى ما هي خير الطرق الواجبة الإعداد.