الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

خاتمه

وفي ختام هذا الفصل نشير إلى أن الأحكام والعبر التي استنبطناها من حديث الكساء، كانت عبر الإستناد إلى الدلالة المطابقية والتضمنية والإلتزامية ونحوها، كما ألمعنا إليه في المقدمة.

التدبّر والتفكر والإستنباط في القرآن

ويمكن أن يستخرج أكثر ما ذكرناه من الأحكام عبر (التدبر) و (التفكر) و (الإعتبار)، فقد ذكر الأول في القرآن الحكيم في أربع آيات، والثاني في ثمانية عشر موضعاً، والثالث في سبع آيات، والقرآن يؤكد على الإجتهاد والإستنباط، قال سبحانه: ((لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ))[1].

ولذا أكثر من حديث (العقل) و (التعقل) وجاءت الإشارة إلى ذلك في تسع وأربعين آية.

وتحدث عن (القلب) ـ والمراد به ذلك أيضاً ـ في مائة واثنتين وثلاثين آية.

وعن (اللب) ـ وهو جوهر الإنسان وحقيقتة، والمراد به العقل أيضاً، مع اختلافهما في اعتبار أن العقل من العقال، واللب هو جوهر الشيء، معرّى عن الحواشي وشبهها ـ في ستة عشر موضعاً.

وعن (النهى) ـ بمعنى العقل لأنه ينهى الإنسان عن الرذائل ـ في اثنتين، وعن (الفقه) في عشرين، وعن (الحكمة) في تسع عشرة آية، إلى غير ذلك.

تجسّم الأعمال

ولا بأس أن نشير ههنا إلى ان ما ورد من ان الفكرة السيئة تفوح منها رائحة خبيثة، وما ورد من تجسم الأعمال في الآخرة وفي القبر وما أشبه ذلك واضح، حتى حسب الموازين الطبيعية المتعارفة، فكيف بغيره فإن كل عمل يصدر من الإنسان حتى تفكره وسماعه ورؤيته وشمه وذوقه ولمسه، إنما يكون من تحول المادة إلى الطاقة ـ على الإصطلاح ـ أي عبر تحول جزء من الطعام والشراب إلى قوة وطاقة تنتشر في أرجاء الجسد وتعد وقود الأعمال والأفكار، فإن الأذن تأخذ نصيبها من الطاقة حتى تسمع، والعين كذلك حتى تبصر، واللسان حتى يتكلم، والجسم حتى يلمس وهكذا.

ومن المعلوم إن تلك الأطعمة أجسام، والجسم قابل للتقلص والتمدد والتشكل والتلون والتغير والتحول، كما نشاهد في الفواكه وسائر المواليد[2] حيث إن الماء والتراب والنور والهواء تتشكل من مليارات من المواد أو الجزيئات[3] والأطعمة والروائح والخواص، ولذا ورد إن المغتاب تقيّأ من فمه، وإن العمل يتجسم كلباً إذا كان سيئاً، ومنع الزكاة يتشكل ثعباناً، وقد قال سبحانه: ((إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ))[4] فـ (ما) هو الجزاء لا سبب الجزاء ولذا لم يقل (بما) فهو هو جزاء إلى غير ذلك من الآيات والروايات والمؤيدات.

وأولياء الله تعالى من الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) وصالحي العباد، أمثال سلمان وربما مؤمن آل فرعون[5]، يرون تلك الأشكال الواقعية، ولذا أحسّ الإمام علي (عليه السلام) بالرياح الشديدة من حركة الملائكة في ليلة بدر.

ويمكن بإرادة الله تعالى تبدل الجسام اللطيفة والواقعيات إلى أجسام كثيفة وشبهها، كما جمع الإمام (عليه السلام) زغب الملائكة، وهذا بحث طويل نكتفي منه بهذا القدر، تقريباً لرؤيتهم وسماعهم واستشمامهم (عليهم السلام) لما لا ندرك.

ولذا قال النبي يعقوب (عليه السلام) رغم كون البون بعيداًَ والمسافة شاسعة: ((إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ))[6].

للحواس والإدراكات درجتان

ومما ذكرنا يتلخص ما يلي:

الأول: إن الحواس الظاهرة، والفهم والإدراك، لها درجتان:

الأولى: الدرجة الطبيعية المعهودة كرؤية الأشياء إلى مقدار محدد، وسمع الأصوات إلى مسافة وقدر معين وهكذا، ويلحق بهذا القسم تطوير الحاسة بالمباشرة أو الواسطة كرؤية الأبعد بواسطة النظارة والتلسكوب مثلاً، وسماع الأبعد بواسطة المكبرة الصوتية السمعية والاذاعية.

الثانية: الدرجة الغيبية، كرؤية باطن الإنسان وحقيقتة وسماع أصوات الملائكة والأموات، وهذه الدرجة تختص باؤلياء الله سبحانه ممن أراد الله تعالى له ذلك، وهكذا حال الفهم الطبيعي العادي والفهم الغيبي، فللفهم درجتان.

ظاهر الإنسان وباطنه

الثاني: إن الإنسان له ظاهر وباطن، فظاهره هذا الذي نشاهده وندركه بالآلة أو بدون الآلة، وباطنه هو قالبه المثالي الداخل في هذا الجسم، كدخول الماء في النباتات والحيوانات وشبهها، والزجاج في الحجر.

وذلك الباطن قد يكون متطابقاً مع الظاهر، وقد يكون متخالفاً معه، بان يكون ظاهره انساناً وباطنه قرداً أو كلباً أو خنزيراً حسب صفاته النفسية، ولذا رأى أبو بصير جملة ممن وقف بعرفات على غير صورتهم الإنسانية، وقال له الإمام (عليه السلام): (ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج)[7] إلى غيرها من الروايات المتواترة.

ويستفاد من بعض الروايات: إن الناس يحشرون يوم القيامة بتلك الصورة الباطنية، حسب صفاتهم التي اكتسبوها في هذه الدنيا[8].

ومثال هذين الأمرين: مثال من يقرأ الحمد وهو يفكر في تجارته أو دراسته، فظاهره شكل وباطنه شكل آخر، أو بالعكس يتاجر في محل تجارته وباطنه مشغول بالله سبحانه، حيث يكون ظاهره عادياً وباطنه نورانياً، ولعل ما ورد من (إن الله لا ينظر إلى صوركم بل ينظر إلى قلوبكم)[9] إشارة إلى هذين الأمرين.

سبحان ربك رب العّزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد والله الطاهرين.

                                                                                                         

محمد الشيرازي

قم المقدسة

1414 هـ

 

[1] النساء: 83.

[2] المواليد اصطلاح متداول في كتب الفلسفة سابقا ويعني النبات والحيوان والإنسان.

[3] كالـ (فوتون) ـ حسب العلم الحديث ـ.

[4] الطور: 16.

[5] قال تعالى: ((ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين)) [يس: 26 ـ 27] والذي فسرته بعض الروايات بأنه رأى مكانه في الجنة.

[6] يوسف: 94.

[7] سفية البحار: 2/71 (باب الضاد) ط نجف.

[8] راجع بحار الأنوار: 6/229.

[9] راجع بحار الأنوار: 70/248 ب 54 ح 21.