الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، سيما المحدّثة العليمة، التقية النقية، الرضية المرضية، الصّديقة الكبرى، فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

إن سيدة النساء فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) مجهولةٌ قدراً ومهضومةٌ حقّاً، ولعل من مصاديق مجهولية قدرها، عدم الاستفادة من كلماتها وخطبها في: (الفقه) وعدم إدراجها ضمن الأدلة أو المؤيدات التي يُعتمد عليها في استنباط الأحكام الشرعية، ولذلك فقد استعنت بالباري جلّ وعلا في الكتابة حول ذلك[1] رجاء المثوبة وأداءً لبعض الواجب والله الموفّق.

والروايات المذكورة في هذا الكتاب بعضها صحيح من حيث السند وبعضها حسن أو موثق وبعضها الآخر وإن لم يطلق عليها ذلك اصطلاحاً ـ حسب ما جرى عليه علماء الدراية والرجال ـ إلاّ إن الغالب منها قد ورد في باب المستحبات والآداب، مما يشمله حديث: (من بلغه....)[2] وغيره.

بالإضافة إلى الشواهد الكثيرة المؤيدة لها في الآيات والروايات الأُخر، وهي قرينة خارجية.

إضافة على قوة المضمون في بعضها ـ وهي قرينة داخلية ـ مما يجعل للأحكام المذكورة قوة، بحيث تصلح للاستدلال بها أو لاعتبارها مؤيداً على الأقل.

كما أن بعضها يؤيد بنحو الملاكات[3].

وقد ذكرنا في بعض المباحث[4] أن الحجية قد تكون من جهة تمامية السند، بمقتضى بناء العقلاء والآيات والروايات، ومنها: قوله (عليه السلام): (لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا)[5] الحديث.

وقد تكون من جهة قوة المتن، مما تكون دليلاً على الورود عنهم (عليهم السلام) وإن لم يكن قوي السند، لبناء العقلاء أيضاً، ولشمول ملاك: (ثقاتنا) له[6].

وقد تكون من جهة قوة المؤلف، فيما كان بناء العقلاء الاعتماد على إسناده أو أفاد الاطمينان، وذلك كالشريف الرضي (ره) ونحن نرى حجية نهج البلاغة وإن لم يتسلسل إسناد العديد من الخطب والكلمات الواردة فيها ـ لمجموعة من القرائن الخارجية والداخلية ـ.

وقد تكون من جهة القرائن الخارجية[7]، كما ذكر ذلك العديد من علماء الأصول.

وقد تكون من جهة الشهرة المضمونية، لشمول قوله (عليه السلام): (خذ بما اشتهر بين أصحابك)[8].. (فإن المجمع عليه لا ريب فيه)[9].

وربما يُقال بالحجية أو يتعامل مع الحديث، التعامل مع الحجة من حيث ترتيب الآثار أو بعضها ـ على تفصيل مذكور في الفقه والأصول ـ من جهة التسامح في أدلة السنن.

وقد كتبنا حول هذه القاعدة، رسالة مستقلة أدرجناها في شرح الرسائل للشيخ الأعظم الأنصاري (قده)[10].

أما سند حديث الكساء، فقد رواه والدي (ره) في رسالة مخطوطة له، بسند صحيح متّصل الإسناد، وكل واحد منهم من الأعلام[11].

وكذلك سند خطبتها (عليها الصلاة والسلام)، فقد رُويت بما لا يدع للشك مجالاً، كما لا يخفى على من راجع ذلك في مظانِّه، وسيأتي إن شاء الله تعالى، بالإضافة على انطباق مضمونها مع الآيات والروايات ووجود القرائن الداخلية والخارجية.

لمحة عن عظمة الزهراء (عليها السلام)

ومن نافلة القول في المقام، الإشارة إلى أننا لم نقم في هذا الكتاب، إلاّ بالإلماع إلى هذا البُعد الفقهي مع شيء موجز من الشرح والتوضيح، وإلاّ فهي (صلوات الله عليها) أعلى وأجلّ من أن أتمكن أنا الفقير العاجز، عن ذكر بعض ما يليق بمن دارت على معرفتها القرون الأولى[12] ومن هي قطب دائرة الإمكان، كما دل على ذلك قوله تعالى في حديث الكساء: (فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها).

فإنّ مكانتها وعظمتها (صلوات الله عليها) لا يمكن أن يستوعبها أي واحد من المخلوقات، إلا النبي (صلى الله عليه وآله) والوصي (عليه السلام) فإن الضيّق لا يمكن أن يحيط بالواسع، وأنّى للذرّة أن تحيط بالمجرة؟! وأنّى للمغرفة أن تستوعب المحيط؟!.

كما قالوا بالنسبة إلى استحالة إدراكنا لله سبحانه، لأن اللامتناهي يستحيل أن يحيط به المتناهي المحدود أو يدرك كنهه، ولا شك أنهم (عليهم السلام) ليسوا كالله سبحانه في اللاّتناهي واللاّمحدودية، إلاّ أنه لا شك أنهم (عليهم السلام) أوسع من الناس الضيقين بما قد يلغي النسبة بين الطرفين ويجعلها أبعد من نسبة القطرة إلى المحيطات، وقد (سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها) كما في الحديث الشريف[13].

فإنها (عليها الصلاة والسلام) أفضل من الأنبياء كافة[14] باستثناء الرسول (صلى الله عليه وآله) كما دلت على ذلك أدلة متعددة، وسيأتي ذلك.

وهي (عليها الصلاة والسلام) حجّة على كل أولادها الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) وهم أفضل من الأنبياء والملائكة كافة ـ ولذا قال الإمام العسكري (عليه السلام) (وهي حجّة علينا)[15].

وقال الإمام الحجّة (عجل الله تعالى فرجه الشريف): (وفي ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي أسوةٌ حسنة)[16].

وقد قال الإمام الحسين (عليه السلام) (أُمي خيرٌ مني)[17].

ولها (عليها السلام) الولاية التكوينية، بتفويض الله سبحانه لها كتفويضه الولاية لهم (عليهم السلام).

أما كونها (عليها السلام) كسائرهم (عليهم السلام) في حجية قولها وفعلها وتقريرها، فمما قام عليه الإجماع، بالإضافة إلى الأدلة الثلاثة الأُخر، وسنذكر شيئاً من الأدلة على ما لهم (عليهم السلام) من الولاية التكوينية والتشريعية، كما نشير إلى بعض مصاديقها حسب ما ذكرناه في كتاب البيع من (الفقه)[18]:

الولاية التكوينية والتشريعية و...

فإن الصديقة الطاهرة (عليها السلام) كسائر المعصومين (عليهم السلام) لها الولاية- التكوينية والتشريعية، وهي (صلوات الله عليها) وكذلك سائر أهل البيت (عليهم السلام) قد جعلهم الله الوسائط في خلق العالم والعلّة الغائية له[19]. كما انها وإنهم (عليهم السلام) سبب لطف الله تعالى وإفاضته على العالم، واستمرار قيام العالم بها وبهم (عليهم السلام)، وقد صُرّح بذلك في الأدلة الشرعية[20] فلولاهم لساخت الأرض[21]، وكونهم (عليهم السلام) سبب القيام كما أن الجاذبية والقوة الطاردة أو العناصر الأربعة، سبب القيام المادي، بحيث لولاها لساخت الأرض وانهدم العالم.

وكونهم (عليهم السلام) واسطة الفيض كما في حديث الكساء[22] وغيره، وأنه لولاهم لم يجر فيض الله سبحانه على هذا العالم القائم فرضاً.

كما أنها (صلوات الله عليها) تعلم الغيب كسائر المعصومين (عليهم السلام) حسب مشيئته سبحانه.

ولها ولهم (عليهم السلام) الولايات التكوينية ومعناها: إن زمام العالم بأيديهم (عليهم السلام) ومنهم فاطمة (سلام الله عليها) حسب جعل الله سبحانه، كما أن زمام الأمانة بيد عزرائيل، فلهم (عليهم السلام) التصرف فيها إيجاداً وإعداماً، لكن من الواضح أن قلوبهم أوعية مشيئة الله تعالى[23]، فكما منح الله سبحانه القدرة للإنسان على الأفعال الاختيارية، منحهم (عليهم السلام) القدرة على التصرف في الكون.

وما نذكره يشمل كل المعصومين (عليهم السلام)، فإن كل الصلاحيات التي كانت للأنبياء (عليهم السلام) ثابتة للمعصومين (عليهم السلام) أيضاً، لأنهم أفضل منهم، وفاطمة (صلوات الله عليها) أفضل من جميع الأنبياء (عليهم السلام) إلاّ الرسول (صلى الله عليه وآله).

لأنها (سلام الله عليها) بضعة منه[24]، لا البضعة المادية فقط، بل المعنوية أيضاً، إذْ لا يترتب على المادية تلك الآثار التي رتبها الرسول (صلى الله عليه وآله) عليها، وإذا كان (صلى الله عليه وآله) أفضل جميع الأنبياء فبضعته كذلك، فتأمل.

وهناك روايات عديدة يمكن القول بأنها متواترة ولو إجمالاً، ومحتفّة بالقرائن المعتبرة، تدل على أفضليتها (صلوات الله عليها) على جميع الأنبياء. إلاّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وهي على طوائف.

فمنها: ما دل على كون طاعتها مفروضة على جميع الخلائق والأنبياء.

فعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): (ولقد كانت (عليها السلام) مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله من الجن والإنس والطير والوحش والأنبياء والملائكة...)[25].

ومنها ما دل على اطلاع الله تعالى على الخلق واختيارهم.

فقد قال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): (إن الله عز وجل أشرف على الدنيا فاختارني منها على رجال العالمين، ثم اطلع الثانية فاختارك على رجال العالمين، ثم اطلع الثالثة فاختار الأئمة من وُلدِك على رجال العالمين، ثم اطلع فاختار فاطمة على نساء العالمين)[26].

مع ملاحظة وحدة السياق معه (صلى الله عليه وآله) مما يفيد عمومية الأفضلية من كل الأنبياء، وبضميمه ما دل على أنها (عليها السلام) أفضل من أبنائها (عليهم السلام).

وفي كمال الدين: (... ثم اطلع إلى الأرض اطلاعة ثالثة فاختارك وولديك...)[27].

ونظيره قوله تعالى: (... يا محمد أني خلقتك وخلقتُ علياً وفاطمة والحسن والحسين من سنخ نوري، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرض، فمن قبلهما كان عندي من المؤمنين....)[28].

ووحدة السياق معه (صلى الله عليه وآله) والإطلاق يفيد المطلوب.

ومنها ما دل بالصراحة على الأفضلية: مثلاً: قوله (صلى الله عليه وآله): (ما تكاملت النبوّة لنبي حتى أقر بفضلها ومحبتها)[29]. فتأمل.

وكذلك الأحاديث الدالة على أنه (لولا أنَّ الله تعالى خلق أمير المؤمنين لم يكن لفاطمة كفو على وجه الأرض آدم فمن دونه) وهي عديدة[30].

ومنها: ما يدل بالالتزام على الأفضلية مثل:

أ: الكتابة على ساق العرش والجنة

فمثلاً قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ليلة عرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنة مكتوباً: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي حبيب الله، والحسن والحسين صفوة الله، فاطمة خيرة الله، على باغضهم لعنة الله)[31].

وقال (صلى الله عليه وآله): (أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين كنا في سرادق العرش نسبّح الله فسبحت الملائكة بتسبيحنا قبل أن يخلق الله عز وجل آدم بألفي عام، فلما خلق الله عزّ وجل آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له ولم يؤمروا بالسجود إلاّ لأجلنا...)[32].

وقال (صلى الله عليه وآله): (لما خلق الله إبراهيم كشف عن بصره فنظر في جانب العرش نوراً فقال: إلهي وسيّدي ما هذا النور؟ قال يا إبراهيم هذا نور محمد صفوتي، قال: إلهي وسيدي وأرى نوراً إلى جانبه؟ قال: يا إبراهيم هذا نور علي ناصر ديني، قال: إلهي وسيدي وأرى نوراً ثالثاً يلي النورين؟ قال: يا إبراهيم هذا نور فاطمة تلي أباها وبعلها...)[33].

ب: والخلقة قبل آدم (عليه السلام)[34]:

فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (خلق نور فاطمة قبل أن تخلق الأرض والسماء... خلقها الله عزّ وجل من نوره قبل أن يخلق آدم...)[35].

ج: قصة سفينة نوح: حيث (... سمّر المسامير كلها في السفينة إلى أن بقيت خمسة مسامير، فضرب بيده إلى مسمار منها فأشرق في يده وأضاء كما يضيء الكوكب الدري في أُفق السماء...) وكان المسمار الأول باسم الرسول (صلى الله عليه وآله) والثاني باسم الإمام علي (عليه السلام) والبقية باسم السيدة الزهراء (عليها السلام) والحسنين (عليهما السلام) ثم قال (صلى الله عليه وآله): (ولولانا ما سارت السفينة بأهلها)[36].

د: تعليم أسمائهم (عليهم السلام) للأنبياء فمثلاً: ورد عن الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف): إن زكريا (عليه السلام) سأل ربّه أن يعلّمه الأسماء الخمسة... الحديث[37].

وكذلك ما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ))[38] كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم[39].

هـ ما ورد في يوم القيامة ومقامها (عليها السلام) مثل قوله (صلى الله عليه وآله): (.... والذي بعثني بالحق إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلاّ صعق فينادي إليها: أن يا جهنم يقول لك الجبار أسكني بعزّي واستقري حتى تجوز فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) إلى الجنان...)[40].

و: وما أشبه ذلك مثل ما دل على أفضليتها (عليها السلام) من الأئمة (عليهم السلام)

كقول الإمام الحسين (عليه السلام): (أُمي خير مني)[41]. وغير ذلك[42].

وسائر الأئمة (عليهم السلام) أيضاً كذلك، فهم في الأفضلية سواء من هذه الجهة[43]، ويؤيده روايات مثل صلاة عيسى (عليه السلام) خلف الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)[44].

الولايات التكوينية للأنبياء والصالحين

وقد دلّ القرآن العظيم على ثبوت الولاية التكوينية لعدة من الأنبياء (عليهم السلام) وغيرهم، فتثبت لها (صلوات الله عليها) ولسائر أهل البيت (عليهم السلام) بطريق أولى: كقصة آصف وعرش بلقيس[45]، وسليمان (عليه السلام) والريح والشياطين وغيرهم[46]، وقصة الجبال والطير مع داوود (عليه السلام)[47]، وقصة عيسى (عليه السلام) وتكلمه في المهد[48] وإبرائه الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى وخلقه الطير[49]، إلى غيرها مما ورد في القرآن الكريم.

وقد وردت طائفة كبيرة منها في السنة المطهرة.

بل من أطاع الله تعالى إطاعة كاملة، يكون قادراً على العديد من ذلك كرامةً، كسلمان الذي تكلم مع الميت، وزينب (عليها السلام) بنت الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) التي أومأت إلى الناس ـ في سوق الكوفة ـ فهدأت الأصوات وسكنت الأجراس[50] وغيرهما. كما أن الأنبياء والأئمة (عليهم الصلاة والسلام) يأتون بها معجزة أو خرقاً للعادة، ويطلق على أحدهم الخارق باعتبار خرقه سنن الكون الأولية، بأمر خالقه سبحانه.

وفي الحديث: (أطعني تكن مثلي) ـ على وزن حبر أو فرس ـ والأول معناه اسم المصدر والثاني المصدر من قبيل شِبه وشَبه وحُسن وحَسن. والمثل يطلق على (وينسب إلى) التابع وعلى المتبوع أو المشابه، مثل: ((مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ))[51] وقد يستعمل في المتبوع مثل ((وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ))[52]، فإن معناه الشبه تابعاً أو متبوعاً.

ومن الواضح: إن قدرتهم التكوينية ليست ذاتية من عند أنفسهم، بل هي منحة الله تعالى وعطاؤه لهم (عليهم السلام)، ولذا قال سبحانه ((قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا))[53] فقدرتهم في طول قدرة الله سبحانه وحاصلة بإرادته تعالى.

ولذا لا ينافي علمهم بالغيب حسب ((إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ))[54] عدم علمهم الذاتي حسب قوله سبحانه: ((وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ))[55]، فهما كالشفاعة لا يملكها أحد بذاته ((قُلْ للهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً))[56] وإن ملكا غير واحد فهو بأمره سبحانه ((لا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى))[57].

فقوله: (تكن مثلي) لا ينافي ((فَلا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثالَ))[58] و ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ)) فـ ((مثلي طولي لا عرضي وفي بعض الأمور بقرينة الوضوح، والذيل (أقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء...)[59] فإن الخبر يعمم ويخصص الموضوع، كالعكس. أما ما سبق من كونهم (عليهمالسلام) بما فيهم فاطمة (صلوات الله عليها) علّة غائية للتكوين، فلأدلة ومؤيدات عديدة، منها: ما ورد من: (ما خلقت سماءاً مبنية... إلاّ لأّجل هؤلاء الخمسة)[60] وفي حديث آخر: (لولاك لما خلقت الأفلاك ولولا علي لما خلقتك ولولا فاطمة لما خلقتكما)[61] ولعل الوجه في ذلك أن عدم خلق الكمال من جميع الحيثيات، مع خلق ماعداه دليل على عدم قدرة الخالق أو بخله، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، فلولاهم (عليهم السلام) كان الخلق على خلاف الحكمة.

العلّة للحدوث والبقاء:

وقد ذهب بعض العلماء، إلى كونهم (عليهم السلام) العلّة حدوثاً، بمعنى أن الكون منهم ككون الوفاء من عزرائيل، وعن الإمام المهدي (عجل الله تعلى فرجه الشريف): (نحن صنائع ربنا والخلق بعد صنائعنا)[62]. وأما كونهم (عليهم السلام) علته[63] بقاءاً: فلأن البقاء بحاجة إلى استمرار العلّة، كالمصباح حيث إن دوامه بحاجة إلى الاتصال المستمر بالقوة الكهربائية، وهم بإرادة الله وفي طوله تعالى، علّة كما أن الكهرباء بإرادته تعالى وفي طوله علّة للإنارة.

وقد قيل للصادق (عليه السلام): الله بمقدوره أن يخلق الكون الباقي أبداً، في أقل من الساعة[64] فلا عمل له سبحانه بعد ذلك، كما قالت اليهود ((يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ))[65] فأجاب ـ ما معناه ـ: بأن الكون قائم به سبحانه على سبيل الاستمرار، فالكون بالنسبة إليه كالصور الذهنية بالنسبة إلينا بحيث إن مجرد عدم الالتفات يوجب انعدامها، ولذا ورد: (لولا الحجة لساخت)[66] والمراد الانعدام لا الانهدام فليس من قبيل انهدام الكون إذا فقدت الجاذبية.

وفي دعاء رجب (فبكم يجبر المهيض ويشفى المريض وما تزداد الأرحام وما تغيض)[67] إلى غير ذلك، مما دلّ على هذه المراتب الثلاثة في الولاية التكوينية.

الولاية التشريعية

وكذلك لفاطمة (صلوات الله عليها) الولاية التشريعية، إذ هم (عليهم السلام) علّة التشريع، فإن علّة الملازم، علّة للملازم الآخر، وعلّة الملزوم، علّة للازمه أيضاً، مثل كون علّة وجود الكتب المتعددة، علّة وجود الزوجية أو الفردية التي هي وصف لتلك الكتب، إذ التشريع من لوازم التكوين ـ بالمعنى الأعم ـ إضافة إلى ما ورد من (إنهم (عليهم السلام) نور واحد) وما ورد من (إن فاطمة (عليها السلام) حجة علينا)[68] وغير ذلك.

كما انهم (عليهم السلام) علّة، فعلّية التشريع وبقاء التشريع، حيث إن الدين باق بصورة أو أخرى، فلا يقال لدين موسى (عليه السلام) ـ مثلاً ـ: لم يبق بقول مطلق، إذ جوهر الدين بقي بصورة أخرى في زمن عيسى (عليه السلام) وزمن الرسول (صلى الله عليه وآله). ((قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ))[69].

الأمر بين الأمرين في التشريع

لا يقال: كيف يجمع بين تشريعهم (عليهم السلام) المستفاد من (ففوض إليه دينه)[70] ومن (المفوض إليه دين الله)[71] ومن (سنّة النبي في قبال فرض الله) وبين ((وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى))[72] المراد به الأعم من القول والفعل والتقرير، ولذا ورد ((هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ))[73] فإن كل مظهر نطق، مثل ((يُسَبِّحُ للهِ))[74] المراد به التكوين أو اللسان أو بعد آخر لا تدركه عقولنا؟

لأنه يقال: إن قلوبهم (عليهم السلام) أوعية مشيئة الله سبحانه، كما أن الله ينبت، لكن محل إنباته الأرض، أو الرحم، كما قال: ((وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً))[75].

ثم إن الله سبحانه نسب الأمور التكوينية تارة إلى نفسه، وأخرى إليهم وثالثة إليهما: فمرة قال تعالى ((وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ))[76].

وتارة قال سبحانه ((ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ)).[77]

وقال. تعالى ثالثة ((رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ))[78]. ((سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ))[79] ـ ماضياً ومستقبلاً ـ كما استدل بها الصادق (عليه السلام) على أبي حنيفة الذي قال: أشركت بالله.

فمعنى أنهم (عليهم السلام) المكوِّنين بأمره تعالى، وبأنهم مجرى إرادته وأوعية مشيئته، مثل أن عزرائيل يُميت بأمره سبحانه وإرادته، وإسرافيل ينفخ، وجبرائيل ينزل الوحي، وميكائيل يقسم الرزق، وهكذا.

ومن المعلوم إن المعصومين (عليهم السلام) جميعاً أفضل من الملائكة، ولذا سجدت الملائكة لآدم (عليه السلام)، وهم أفضل من آدم (عليه السلام).

وكشاهد على ما نحن فيه ترى ـ في القرآن الكريم ـ يقول سبحانه تارة: ((اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ))[80].

وأخرى ((يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ))[81].

وثالثة ((تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا))[82].

فالثالث[83] في طول الثاني الذي هو طول الله سبحانه.

التتمة

[1] لقد قام الإمام المؤلف (قدس سره) باستخدام أسلوب (فقه الحديث) في تحليل كلماتها (عليها السلام) حيث تناول كل كلمة بالبحث والدراسة، وربما في العديد من جوانبها وقد ورد في الحديث الشريف: (أنتم افقه الناس ما عرفتم معاني كلامنا) [الإختصاص: ص 88] ومن الواضح ان للكلمات دلالات جلية وأخرى خفية، كما ان لها ظهراً وبطناً ويظهر ذلك بجلاء أكبر في آيات الذكر الحكيم وفي القواعد الفقهية.

[2] راجع وسائل الشيعة: 1/59 ب 18 ح 1 ط اسلاميه.

[3] ربما يكون المراد تنقيح المناط، أو كون الحكم المذكور صغرى لكبرى كلية ويكون المراد من الشواهد: المعاضد الموافق.

[4] راجع (الأصول) و(الوصول إلى كفاية الأصول) للإمام المؤلف (قدس سره).

[5] وسائل الشيعة: 18/108 ب 11 ح 40.

[6] الملاك: (الوثاقة) كما تطرق له الإمام المؤلف (قدس سره) في (الأصول).

[7] بعض ما سبق وسيأتي من مصاديق ذلك كما لا يخفى، فهو من باب ذكر الخاص بعد العام أو قبله.

[8] حيث يستفاد الشمول للشهرة الفتوائية أيضاً.

[9] وسائل الشيعة: 18/75 ب 9 ح 1.

[10] راجع الوصائل إلى الرسائل: ج 6.

[11] ولهذا الحديث اسناد كثيرة وسيأتي بعد المقدمة ـ أول الفصل الأول ـ الإشارة إلى بعض المصادر في الهامش.

[12] اشارة إلى الحديث المروي عن الإمام الصادق ((عليه السلام)): هي الصديقة الكبرى وعلى معرفتها دارت القرون الأولى. (أمالي الطوسي ج 2 ص 280 ط قم).

[13] تفسير فرات الكوفي: ص 218 ط نجف وص 581 ط طهران.

[14] سيأتي بعد قليل الحديث عن أفضليتها (عليها السلام).

[15] كتاب تفسير أطيب البيان: ج 13 ص 225.

[16] بحار الانوار: ج 53 ص 178 ح 9 ب 31 ط بيروت.

[17] الإرشاد للشيخ المفيد ص 232 ط بيروت.

[18] موسوعة الفقه، كتاب البيع، الجزء الرابع.

[19]. سيأتي هذا البحث تفصيلاً، فراجع ما سيأتي من بحث (لاجلهم) و(محبتهم) وغيرهما

[20] سيأتي الحديث عن الأدلة على ذلك بعد صفحات، كما سيتطرق لذلك في مطاوي الكتاب، وراجع العقبات والبحار ـ عند الحديث عنهم (عليهم السلام) وكذا عن خلق العالم ـ وكفاية الموحدين ونهج الحق وكشف الصدق للعلامة الجلي ودلائل الصدق للمظفر إلى غيرها من الكتب الكلاميه.

[21] الكافي: 1/179 ح 10.

[22] الدعاء والزيارة ص 805 وملحق مفاتيح الجنان وسائر المصادر المذكورة في هذا الكتاب.

[23] بحار الأنوار: 25/336، ح 16 ب 10 ط بيروت.

[24] المستدرك: 14/182 ح 16452 ب 21. إحقاق الحق: 10/225 ـ 228.

[25] دلائل الإمامة للطبري: ص 28 ط النجف الأشرف.

[26] زين الفتى للحافظ العاصمي على ما في (فاطمة الزهراء (عليها السلام)) للعلامة الأميني ص 43 طبعة طهران.

[27] كمال الدين: ص 262 ح 1.

[28] هذا الحديث مذكور في الكثير من المصادر، إذ هو مذكور في مقتضب الأثر وفي غيبة الطوسي وفي تأويل الآيات وفي مقتل الخوارزمي وفي فرائد السمطين وفي تفسير فرات، فراجع عوالم العلوم تحقيق مؤسسة الإمام المهدي (عج) ص 13 ـ 14.

[29] مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني، كما نقل الحديث القدسي حيث قال تعالى متحدثاً عن الزهراء (عليها السلام): (هذا نوري... افضله على جميع الأنبياء...)، والحديث مذكور في علل الشرائع ومصباح الأنوار أيضاً راجع عوالم العلوم ص 61. ونقله في ص 281 عن عيون أخبار الرضا ((عليه السلام))، وجاء في لسان الميزان: (... لما خلق الله آدم وحواء تبخترا في الجنة وقالا: من أحسن منا؟ فبينما هما كذلك إذ هما بصورة جارية لم ير مثلها، لها نور شعشعاني يكاد يطفي الأبصار، قالا: يارب ما هذه؟ قال: صورة فاطمة...) راجع بهجة قلب المصطفى ص 76.

[30] راجع فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى ص 87 نقلا عن البحار ج 43 ص 107 و10 ـ 11.وقد نقل هذا الحديث في (عوالم العلوم)، تحقيق مدرسة الإمام المهدي (عج) عن أمالي الصدوق وعلل الشرائعوالخصال ودلائل الإمامة هكذا (... لما كان لها كفو إلى يوم القيامة على وجه الأرض آدم فمن دونه) العوالم: ص 52 والتهذيب: 7/470 ح 90. ب 41.

[31] تاريخ بغداد: 1/259 نقلاً عن فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى ص 23.

[32] تأويل الآيات: 2/509.

[33] الأربعون لابن أبي الفوارس نقلاً عن العوالم: ص 17 ـ 18، وما شاكل ذلك من الأحاديث كثير، فراجع كشف الغمة: 1/ 456 ومقتضب الأثر وغيبة الطوسي وتأويل الآيات ومقتل الخوارزمي و... ويمكن مراجعة تمام الحديث باسناده في تلك الكتب عبر مراجعه العوالم ص 13 ـ 14 ونظيره في علل الشرائع ودلائل الإمامة [العوالم: ص 19].

[34] راجع مثلاً: البحار ج 15 ص 10 ورواية أخرى في مرآة العقول في مولدالنبي (صلى الله عليه وآله) (راجع الحديثين في كتاب فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى ص 40 وص 86 ـ 87.

[35] معاني الأخبار نقلاً عن العوالم ص 28 ونظيره في مصباح الأنوار( العوالم ص 15 ـ 16) وفي فرائد السمطين نقلاً عن أبي هريرة:) لما خلق الله تعالى آدم أبو البشر ونفخ فيه من روحه التفت آدم يمنه العرش فإذا في النور خمسة أشباح سجداً وركعاً...) (العوالم ص 16 ـ 17) ونظيره في كمال الدين (العوالم ص 22) وفي الكافي (العوالم ص 24 )وغيرها.

[36] عبقات الأنوار: مجلد حديث السفينة، ولا يخفى ما له من الدلالة على ان ببركتهم (عليهم السلام) وعناية الله بهم نجى نوحاً (عليه السلام) وأصحابه.

[37] راجع البحار ج 52 ص 84.

[38] طه: 115.

[39] المناقب لابن شهر اشوب.

[40] بحار الانوار: 22/491.

[41] الإرشاد: ص 232 ط بيروت.

[42] راجع ص 11 من هذا الكتاب.

[43] أي: على جميع الأنبياء (عليهم السلام) إلاّ الرسول (صلى الله عليه وآله).

[44] بحار الأنوار: 14/349 ح 12 ب 24.

[45] النمل: 40.

[46] ص: 36 ـ 37.

[47] الأنبياء: 79.

[48] مريم: 19 ـ 30.

[49] آل عمران: 49.

[50] بحار الأنوار: 45/162 ح 7 ب 39.

[51] النور: 35.

[52] الزخرف: 59.

[53] الأعراف: 188.

[54] الجن: 27.

[55] الأعراف:188.

[56] الزمر:44.

[57] الأنبياء: 28.

[58] النحل:74.

[59] بحار الأنوار: 9/376 ح 16 ب 24 قريب منه.

[60] بحار الأنوار: 35/23 ح 15 ب 1.

[61] راجع: كشف اللآلي للعرندس، على ما نقله السيد ميرجهاني في الجنة العاصمة والعلامة المرندي في ملتقى البحرين ص 14 ومستدرك سفينة البحار: 3/334 ونقله(عوالم العلوم) ص 26عن مجمع النورين وستأتي أحاديث أخرى.

[62] كتاب الغيبة للطوسي: 173 ح 7 ط طهران. وفي البحار أيضاً ج 53 ص 178 ح 9 ب 31 ط بيروت. ذهب بعض علماء الكلام إلى ذلك مستندين إلى أدلة وشواهد ومؤيدات كثيرة نشير إلى بعضها، قالوا: ومما يشهد على كونهم (عليهم السلام) وسائط الله سبحانه وتعالى في خلق العالم بعد وضوح امكان ذلك بل وضوح رجحانه بالنظر لحكمة الله تعالى كما فصل في محله، ما ورد في الحديث القدسي:(... وهي فاطمة، وبنورها ظهر الوجود من الفاتحة إلى الخاتمة) [الخصائص الفاطمية للمحقق الشهير الملا محمد باقر: ص 1] والظاهر ان المراد ظهورها من كتم العدم إلى نور الوجود والباء للسببية، فليتأمل.

كما قالت السيدة فاطمة (عليها السلام) (... ونحن وسيلته في خلقه ونحن خاصته ومحل قدسه ونحن حجته في غيبه..)[السقيفة وفدك نقلاً عن شرح نهج البلاغة ج 16 ص 211]. وإطلاق (وسيلته) يقتضي الأعم من الحدوث والبقاء، وهذا بناء على كون المراد بـ(الوسيلة) ما يتوصل به إلى الشيء ـ كما هو الأصل في معناها، راجع لسان العرب مادة (وسل) وباقي المعاني مشتقة منه ـ فهم (عليهم السلام) الوسيلة في الإيجاد وهم (عليهم السلام) الوسيلة في الإفاضة بعد الإيجاد.

ويقول العلامة المجلسي (قدس سره): ورد في أخبار كثيرة: (لا تقولوا فينا رباً وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا) باب نفي الغلو عن النبي والأئمة (عليهم السلام) [بحار الأنوار: ج 25 ص 347]. مع وضوح ان (رب) علم لله سبحانه وتعالى أي للواجب الوجود فلا يقال فيهم (عليهم السلام) انهم إله واجب الوجود بل هم ممكنوا الوجود، وبعد ذلك (قولوا فينا ما شئتم) ومن مصاديقه كونهم (عليهم السلام) الوسائط في الخلق خاصة مع ملاحظة (ولن تبلغوا) والأمر واضح بملاحظة العقد السلبي، والعقد الايجابي للكلام وبملاحظة ان المتكلم معصوم حكيم ملتفت لدقائق الكلام، ومنها هذا الإطلاق الواسع والمؤكد.

وورد، كما أشار المصنف (قدس سره): (نحن صنايع ربنا والناس بعد صنايعنا) [كتاب الغيبة للطوسي: 173 ح 7، وفي البحار أيضاً 53/178 ح 9 ب 31 ط بيروت] ووحدة النسق والسياق، يشير إلى ان الناس مصنوعون لهم (عليهم السلام) كما إنهم (عليهم السلام) مصنوعون لله تعالى، فالله سبحانه علة العلة. وفي نهج البلاغة [الكتاب 28]: (إنا صنائع ربنا والناس بعد صنائع لنا) واللاّم في (لنا) للتقوية، خاصة مع ورود (صنائعنا) الذي يشهد لذلك. وفي البحار عن الخصال قال أمير المؤمنين ((عليه السلام)): (إياكم والغلو فينا قولوا إنّا عبيد مربوبون وقولوا في فضلنا ما شئتم) [بحار الأنوار: 25/27 ونظيره ص 274]. وكونهم (عليهم السلام) بإذن الله العلة الفاعلية من مصاديق الفضل كما لا يخفى. وقوله ((عليه السلام)): (ولو خلت الأرض ساعة واحدة من حجة لساخت بأهلها) [بحار الأنوار: 51/113 ح 8 ب 2]. وهذا ونظائره يدل على كون استمرار الإفاضة منوطاً بهم (عليهم السلام) وأما الروايات التي يتوهم منها نفي ذلك، فهي إما محمولة على التقية، أو إن المراد بها نفي كونهم (عليهم السلام) بالاستقلال، وفي عرض الله سبحانه علّة الخلائق، لا نفي كونهم (عليهم السلام) في طوله تعالى وبالإستناد إليه وبقدرته وإذنه: العلة للخلقة فلاحظ هذه الرواية مثلاً. روي عن زرارة أنه قال: قلت للصادق ((عليه السلام)): إن رجلاً يقول بالتفويض فقال: وما التفويض؟ قلت: إن الله تبارك وتعالى خلق محمداً وعلياً (صلوات الله عليهما) ففوض إليهما فخلقا ورزقا وأماتا وأحييا؟ فقال: كذب عدو الله، إذا انصرفت إليه فاتل عليه هذه الآية التي في سورة الرعد: ((أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ))[الرعد: 16]، [بحار الأنوار: 25/343 ـ 344]. فلاحظ إن الإمام ((عليه السلام)) نفى التفويض بمعنى اعتبارهم (شركاء لله خلقوا كخلقه) أي في عرض الله لا باستناد إليه... وهكذا سائر الأحاديث كما يظهر بالتتبع والتأمل، خاصة مع ملاحظة إن إطلاق السؤال يشمل المقام (وهو كونهم (عليهم السلام) الخالقين في طول الله سبحانه) وهو محل الإبتلاء أيضاً، بل لعل السؤال كان عن خصوص كونهم (عليهم السلام) العلة في طول الله بقرينة (خلق... ففوض...) ومع ذلك لم ينف الإمام ((عليه السلام)) هذا الشق، بل نقل الحديث لنفي الشق الآخر وهو كونهم (عليهم السلام) شركاء الله تعالى وفي عرضه. كما أن التفويض، بمعنى ان أمور الكون إليهم (عليهم السلام) بقاء دون مدخلية لله تعالى أصلاً أيضاً باطل، ولهذا البحث مقام آخر تطرقنا له هنا إشارة فقط. ونموذج آخر يوضحه قوله ((عليه السلام)): (أنا بريء من الغلاة كبراءة عيسى بن مريم من النصارى) [بحار الأنوار: 25/266]. فهذا التشبيه دليل على المتبرى منه، إذ النصارى يرون فيه رباً وشريكاً لا مخلوقأً مستند القدرة إلى الله سبحانه، وهذا التقييد بـ(كبراءة) في العديد من الأحاديث شاهد كبير على المطلب.

ولذا جاء في الرواية: (وإنا لنبرأ إلى الله عز وجل ممن يغلو فينا فيرفعنا فوق حدنا، كبراءة عيسى بن مريم من النصارى قال الله عز وجل: ((وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله)) [المائدة: 116]، [بحار الأنوار: 25/272].

وكذلك قول صاحب الزمان) عجل الله تعال فرجه الشريف: (... ليس نحن شركاَهُ في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره...) [بحار الأنوار: 25/266] مع وضوح علمهم (عليهم السلام) بالغيب بإذنه تعالى، وكذلك قدرتهم.

ويوضحه اكثر قوله (عجل الله فرجه الشريف): (إني بريء إلى الله وإلى الرسول ممن يقول إنّا نعلم الغيب أو نشارك الله في ملكه...) [بحار الأنوار: 25/ 266].

فالمنفي هو مشاركة الله في ملكه وهو الند ومن هو في العرض، لا من يقوم بعمل استناداً إليه تعالى وبإفاضته وفي طوله، وما يوضح المطلب أكثر فأكثر. مراجعة الرواية المطولة المذكورة في ج25 ص 273 ـ 278 من البحار، حيث إن الأئمة كانوا يواجهون من يدعي أن علياً ((عليه السلام)) هو الله تعالى والعياذ بالله ويردون عليه بكل شدة وعنف.

[63] أي: علة الكون.

[64] الساعة ـ لغة ـ الفترة من الزمن فتشمل حتى الدقيقة مثلاً.

[65] المائدة: 64.

[66] راجع بحار الأنوار: 51/113ح 8 ب 2. وبصائر الدرجات ص 488 و489.

[67] بحار الأنوار: 99/195 ح 6 ب 8.

[68] راجع كتاب تفسير أطيب البيان 13/225، عن الإمام الحسن العسكري ((عليه السلام)).

[69] البقرة: 136.

[70] التهذيب: 9/379 ح 24 ب 46.

[71] بحار الأنوار 91/81 ح2 ب30.

[72] النجم 3.

[73] الجاثية: 29.

[74] الجمعة: 1.

[75] آل عمران: 37.

[76] الإسراء: 4. والقضاء يأتي بمعنى الأخبار والتقدير والحكم، وغير ذلك (راجع شرح التجريد بحث القضاء) وربما يكون المراد بالآية أن التقدير كان حسب السنن الكونية أفسادهم مرتين، فمن السنن الكونية أن التكبّر يفسد وهذا تقدير كوني.

[77] النساء: 65.

[78] التوبة: 59.

[79] التوبة: 59.

[80] الزمر: 42.

[81] السجدة: 11.

[82] الأنعام: 61.

[83] للروايات الدالة على أن لملك الموت أعواناً يقبضون الروح بأمره.