الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

روى عبد الله بن الحسن، باسناده عن آبائه (عليهم السلام) (1)

استحباب الرواية ووجوبها

مسألة: يستحب مطلق الرواية: العقائدية، أو الفقهية، أو الأخلاقية، أو الآدابية، أو التاريخية، أو غيرها.

وقد تجب لوجوب حفظ آثار النبوة والإمامة وإن كانت في المستحبات أو المكروهات أو المباحات، في الجملة.

فإن المعصومين عليهم السلام كانوا يحرضون أصحابهم على الرواية ونشر العلم والثقافة[1]، كما كانوا يتصدون بنحو واسع لذلك، وهذه الرواية من أهم مصاديقه.

وقد أشرنا إلى قسم من هذا المبحث في المجلد الأول من هذا الكتاب[2].

رواية هذه الخطبة

مسألة: تستحب رواية هذه الخطبة بصورة خاصـة، حيث رواها العديـد مـن المعصومين (عليهم الصلاة والسلام).[3]

ومن الممكن أن تكون الرواية لهذه الخطبة ـ أحياناً ـ واجبة، لما ذكرناه سابقا ً[4] ولدخولها تحت عناوين اخرى عديدة[5] تقتضي الوجوب أو الاستحباب.

وهذه الخطبة متلقاة بالقبول، وقد كان الأئمة الأطهار (عليهم السلام) والأعلام من الأخيار يتعاهدون هذه الخطبة، ويتواصون بها، ويعلمونها أولادهم جيلاً بعد جيل.[6]

فهي مقبولة سنداً لتلقي الأصحاب والعلماء عصراً بعد عصر لها بالقبول، وهو دليل الاعتبار عقلائياً، وشهرتها الروائية كبيرة جدا[7].       

إضافة إلى القرائن المقالية والمقامية الكثيرة الشاهدة لها: كنقل المخالفين لها مع توفر الدواعي على عدم النقل. وكقوة المضمون في الكثير من مقاطعها بل في كلها. وكتطابق مضمونها مع الأصول والقواعد[8].

رواية النساء

مسألة: يستحب الرواية للنساء، كما يستحب الرواية للرجال، للإطلاقات، ولان هذه الخطبة روتها ـ في جملة رواتها ـ السيدة زينب (صلوات الله عليها) وقد نقلها عنها المعصوم (عليه السلام)[9] إضافة إلى كون أقوالها[10] وأفعالها (عليها السلام) حجة على ما بيناه في الجملة.

وهذا المورد من باب المصـداق، وإن كانت له مزيــة، إلا أنها غـير حاصـرة، لكونه صغرى لكبرى كلية، وقد سبق البحث عن ذلك في الفصل الأول من الكتاب[11].

تحمل المميز

مسألة: يستفاد من هذه الرواية أيضاً، صحة تحمل المميز للرواية[12] وجواز الاعتماد عليه إذا رواها بعد البلوغ.

لأن السيدة زينب (عليها الصلاة والسلام) كان عمرها ـ حين الخطبة ـ دون البلوغ، إذ أن بعض أسناد الخطبة ينتهي إليها (صلوات الله عليها)[13] وإن كان لا يقاس بهم عليهم السلام أحد، فإنهم عليهم السلام قد زقوا العلم زقا ً[14] وقال الإمام السجاد (عليه السلام) لها (عليها السلام): (وأنت ـ بحمد الله ـ عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة)[15] لكنهم عليهم السلام أسوة، وذلك هو الأصل.

فكونهم عليهم السلام لا يقاس بهم أحد، يراد به: جانب الفضائل لا في

جانب الاشتراك في التكاليف والأحكام ـ بنحو الأصل ـ فتأمل.

ومنه يعلم: حجية قول البالغ إذا حكى عما قبل البلوغ.

أما لو روى وهو مميز فلايبعد القول بالحجية أيضا[16]، لبناء العقلاء على ذلك، وللسيرة، ولغير ذلك.

أما في أمثال عكسه فلا، كما إذا سمع أو رأى في حال العقل ثم جن أو ما أشبه ذلك.

[1] راجع كتاب (منية المريد) للشهيد الثاني قدس سره.

[2] راجع موسوعة الفقه (من فقه الزهراء عليها السلام) ج1 ص54.

[3] فقد رواها الإمام الحسن والإمام الحسين والإمام السجاد والإمام الباقر (عليهم صلوات الله وسلامه)، راجع عوالم العلوم والمعارف والأحوال ج11 ص   478 مجلد سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام ومستدركاتها، تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدي (عج).

[4] في المقدمة بإيجاز وفي المجلد الأول بتفصيل.

[5] كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، وشمول أمثال: (ولينذروا قومهم..) (التوبة: 22) لها، وهكذا.

[6] فمثلاً: ذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج16 ص 252 الطبعة الثانية 1967م: (... فقال لي (أي زيد بن علي بن الحسين): رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه (أي كلام فاطمة عليها السلام عند منع أبي بكر إياها فدك) عن آبائهم، ويعلمونه أولادهم... وقد حدثني به أبي، عن جدي يبلغ به فاطمة عليها السلام على هذه الحكاية، وقد رواه مشايخ الشيعة وتدارسوه...) انتهى.

[7] قال العلامة المجلسي (قدس سره) في البحار: (اعلم أن هذه الخطبة من الخطب المشهورة التي روتها الخاصة والعامة بأسانيد متظافرة..) (عن الرحماني: 381).

وقال العلامة الإربلي: (وقد أوردها المؤالف والمخالف...) (كشف الغمة ج1 ص 479).

ومن الواضح ان عبارته (قده) وعبارة العلامة المجلسي (قده) وعبارة المرتضى (قده) اللاحقة لا تقل إطلاقاً في الحجية العقلائية عن نقل ثقة عن ثقة.

وقد سبق بعض كلام ابن أبي الحديد عن زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام، كما قد نقل عن السيد المرتضى (قدس سره) قوله: (وقد روي هذا الكلام على هذا الوجه من طرق مختلفة ووجوه كثيرة، فمن أرادها أخذها من مواضعها).

وقال العلامة شرف الدين (قدس سره): السلف من بني علي وفاطمة يروي خطبتها في ذلك اليوم لمن بعده، ومن بعده رواها لمن بعده حتى انتهت إلينا يداً عن يد، فنحن الفاطميون نرويها عن آبائنا، وآباؤنا يروونها عن آبائهم، وهكذا كان الحال في جميع الأجيال إلى زمن الأئمة من أبناء علي وفاطمة.. ( (النص والاجتهاد، المورد 7 هامش ص 106ـ 107).

وقد رواها المسعودي وابن طيفور في (بلاغات النساء) وغيرهم.

وفي (عوالم العلوم ومستدركاته) مجلد فاطمة الزهراء عليها السلام ج2 ص698-700:

 (قال المجلسي ره): ثم اعلم أن هذه الخطبة من الخطب المشهورة التي روتها الخاصة والعامة بأسانيد متظافرة:

قال عبد الحميد ابن أبي الحديد في شرح كتابه عليه السلام إلى عثمان بن حنيف عند ذكر الأخبار الواردة في فدك حيث قال: الفصل الأول فيما ورد من الأخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم، لا من كتب الشيعة ورجالهم، وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في (السقيفة وفدك)، وأبو بكر الجوهري هذا عالم محدث كثير الأدب، ثقة ورع، أثنى عليه المحدثون، ورووا عنه مصنفاته وغير مصنفاته، ثم قال: قال أبوبكر: حدثني محمد بن زكريا، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن الحسن بن صالح، قال: حدثني ابن خالات من بني هاشم، عن زينب بنت علي ابن أبي طالب عليه السلام، قال: وقال جعفر بن محمد بن عمارة: حدثني أبي، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه السلام. قال أبو بكر: وحدثني عثمان بن عمران العجيفي، عن نائل بن نجيح، عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام. قال أبو بكر: وحدثني أحمد بن محمد بن زيد، عن عبد الله ابن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن عبد الله بن الحسن، قالوا جميعاً:

لما بلغ فاطمة عليها السلام إجماع أبي بكر على منعها فدكاً لاثت خمارها وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار، فضربت بينهم وبينها ريطة بيضاء، وقال بعضهم: قبطية، وقالوا: قبطية ـ بالكسر والضم ـ ثم أنت أنة، أجهش لها القوم بالبكاء، ثم أمهلت طويلاً، حتى سكنوا من فورتهم، ثم قالت: أبتدأ بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد، الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر بما ألهم. وذكر خطبة طويلة جداً، قالت في آخرها: فاتقوا الله حق تقاته وأطيعوه فيما أمركم به ـ إلى آخر الخطبة ـ انتهى كلام ابن أبي الحديد.

وقد أورد الخطبة علي بن عيسى الإربلي في كتاب (كشف الغمة) قال: نقلتها من كتاب (السقيفة) تأليف أحمد بن عبد العزيز الجوهري، من نسخة قديمة مقروءة على مؤلفها المذكور قرأت عليه في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة: روى عن رجاله من عدة طرق: أن فاطمة عليها السلام لما بلغها إجماع أبي بكر، إلى آخر الخطبة.

وقد أشار إليها المسعودي في (مروج الذهب).

وقال السيد المرتضى (رض) في (الشافي): أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني، عن محمد ابن محمد الكاتب، عن أحمد بن عبيد الله النحوي، عن الزيادي، عن شرفي بن قطامي، عن محمد ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة. قال المرزباني: وحدثني أحمد بن محمد المكي، عن محمد بن القاسم اليماني، عمن قال: حدثنا ابن عائشة، قالوا: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أقبلت فاطمة عليها السلام في لمة من حفدتها إلى أبي بكر.

وفي الرواية الأولى: قالت عائشة: لما سمعت فاطمة عليها السلام إجماع أبي بكر على منعها فدكاً لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها، ثم اتفقت الروايتان من هاهنا ونساء قومها، وساق الحديث نحو ما مر إلى قوله: افتتحت كلامها بالحمد لله عزوجل والثناء عليه، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قالت: لقد جاءكم رسول من أنفسكم، إلى آخرها.

أقول: وسيأتي أسانيد أخرى سنوردها من كتاب أحمد بن أبي طاهر.

وروى الصدوق (ره) بعض فقراتها المتعلقة بالعلل في الشرائع: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن إسماعيل بن مهران، عن أحمد بن محمد بن جابر، عن زينب بنت علي عليها السلام. قال: وأخبرنا علي بن حاتم، عن محمد بن أسلم، عن عبد الجليل البقاطاني، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن عبد الله بن محمد المعاوي، عن رجال من أهل بيته، عن زينب بنت علي (عليه السلام)، عن فاطمة عليها السلام (بمثله). وأخبرني علي بن حاتم، عن ابن أبي عمير، عن محمد ابن عمارة، عن محمد بن إبراهيم المصري، عن هارون بن يحيى، عن عبيد الله بن موسى العبسي، عن حفص الأحمر، عن زيد بن علي، عن عمته زينب بنت علي، عن فاطمة عليها السلام.

وزاد بعضهم على بعض في اللفظ.

أقول: قد أوردت ما رواه في المجلد الثالث، وإنما أوردت الأسانيد هنا ليعلم أنه روى هذه الخطبة بأسانيد جمة.

روى الشيخ المفيد الأبيات المذكورة فيها بالسند المذكور في أوائل الباب.

وروى السيد ابن طاووس (رض) في كتاب (الطرائف): موضع الشكوى والاحتجاج من هذه الخطبة، عن الشيخ أسعد بن شفروة، في كتاب (الفائق) عن الشيخ المعظم عندهم الحافظ الثقة بينهم: أحمد بن موسى بن مردويه الإصفهاني في كتاب (المناقب)، قال: أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن إبراهيم، عن شرفي بن قطامي، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.

ورواها الشيخ أحمد اين أبي طالب الطبرسي في كتاب (الاحتجاج): مرسلاً.

كما ذكرنا عنه وذكر بعض فقراتها في (مكارم الأخلاق). انتهى.

[8] قد سبق في المجلد الأول: الحديث عن الجهة السندية للكثير من كلماتها (عليها الصلاة والسلام) فليراجع، ومن الواضح أن مجموع ما سبق يوجب اعتبارا عقلائياً أقوى بكثير من الوثاقة الحاصلة من (خبر الواحد).

[9] وقد روى هذه الخطبة أيضاً الإمام الحسن والإمام الحسين والإمام الباقر والإمام الصادق وغيرهم عليهم السلام وكذلك روتـها عائشة أيضاً (شرح نهج البلاغة ج16 ص 249، والعوالم ج11 ص 478).

[10] أي السيدة زينب عليها السلام.

[11] المجلد الأول من كتاب (من فقه الزهراء عليها السلام).

[12] (وقت التحمل) ـ حسب اصطلاح علماء الدراية ـ: هو وقت سماع الإنسان للرواية أو مشاهدته للحدث، و (وقت الرواية): هو وقت نقله لما سمعه أو رآه سابقاً.

[13] راجع عوالم العلوم ومستدركاتها، مجلد فاطمة الزهراء عليها السلام ج2 ص700.

[14] بحار الأنوار: ج 45 ص138 ب 39 ح1. وفي الامالي للشيخ الصدوق ص341 المجلس55: عن علي (عليه السلام): (سلوني قبل ان تفقدوني.. هذا ما زقني رسول الله زقا زقاً).

[15] بحار الأنوار: ج 45 ص164 ب 39 ح7. والاحتجاج ص305 في خطبة زينب بنت علي بن ابي طالب بحضرة أهل الكوفة، وفيه: (فقال علي بن الحسين (عليه السلام): يا عمة.. انت بحمد الله عالمة غير معلمة فهمة غير مفهمة).

[16] في الجملة.