الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

وبلغها ذلك (3)

المطالبة بالحق وفضح الطغاة[1]

مسألتان:

1: من الضروري فضح سياسة السلطات الجائرة ورجالاتها وتربية الناس على ذلك، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).[2]

2: يجوز ـ بالمعنى الأعم ـ المطالبة بالحق، فيشمل المستحب والواجب أيضاً، كل في مورده، ولو كان الحق مادياً ودنيوياً.

ولا يخفى إن فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) كانت تهدف من موقفها وخطبتها ـ بالدرجة الأولى ـ هدفين، هما أهم من الجانب المادي:

أحدهما: كشف القناع عن الحقيقة، وإثبات أن الحق في أمر الخلافة مع علي (عليه الصلاة والسلام) عبر الاستدلال والمطالبة بحقه (عليه السلام).

ثانيهما: نتائج معنوية وتاريخية عبر فضح الغاصبين إلى يوم القيامة، ورسم المقياس لمعرفة الحق عن الباطل، وتربية الأمة على التصدي للجور، وعدم السكوت عن الحق، والتضحية بكل غال ونفيس في سبيل ذلك.

وقد حققت (عليها السلام) كلا الهدفين، بالإضافة إلى تحقق الجانب المادي بعد حين، كما يدل على ذلك رد جماعة مـن الحكـام فدك وإن اغتصبها جمـاعـة آخرون.[3]

وقد كشفت (عليها السلام) القناع عن وجه الحقيقة، وأثبتت أن الحق لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفضحت الغاصبين، ورسمت ميزان الحقيقة للأجيال، وأعطت خير نموذج للتصدي للجور والظلم.

وإضافة إلى ذلك، فقد كان لدفاعها عن حق الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أثر عمق التاريخ، حيث أن جماعة من ذرية علي (عليه الصلاة والسلام) وشيعته وصلوا إلى الحكم طول التاريخ الإسلامي، وإلى يومنا هذا، في قضايا مفصلة، مذكورة في التواريخ.[4]

الانتصار للحق

مسألة: يستحب نصرة الحق والانتصار له، إذا أمكن.

وإنما يستحب الانتصار له إذا كان الأمر مستحبا، وإلا وجب، وفي الدعاء: (ووفقنا لـ.. نصرة الحق واعزازه)[5] وقال علي (عليه السلام): (لو لم تتخاذلوا عن نصرة الحق لم تهنوا عن توهين الباطل)[6].

والظاهر أن فاطمة الزهراء (عليها الصلاة والسلام) كان عليها جانب الوجوب، لأن نصرة علي أمير المؤمنين (عليه السلام) خاصة في المواطن الخطيرة من الواجبات المؤكدة، وقد قال الرسول: (وانصر من نصره واخذل من خذله).[7]

هذا بالإضافة إلى أن استرجاع فدك وفضح الذين غصبوها كان من أهم الواجبات. وكانت هي عليها السلام ـ لمكانتها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين المسلمين ـ أقدر من غيرها على ذلك.

مطالبة المرأة بحقها

مسألة: يجوز للمرأة المطالبة بحقها، جوازاً بالمعنى الأعم الشامل للوجوب والاستحباب والإباحة، ولا فرق بين الرجل والمرأة، في هذا الباب.

قال علي (عليه السلام): (طلب التعاون على إقامة الحق ديانة وأمانة)[8].

وفي الحديث: (ثلاث لا يستحيى منهن: .. وطلب الحق وإن قل)[9].

وقال (عليه السلام): (اخسر الناس من قدر على ان يقول الحق ولم يقل)[10].

ولها أن تحضر مجلس القضاء، وترفع الشكوى، إلى غير ذلك مما هو مذكور في أبواب الفقه، وإن لم ينفع ذلك فلها أن ترفع ظلامتها على رؤوس الأشهاد، كما قامت السيدة الزهراء (صلوات الله عليها) بذلك.

التصدي للطغاة مطلقاً

مسألة: يستحب ـ وقد يجب ـ المطالبة بالحق وإن كان يعلم بعدم نجاحه في التوصل للحق وإحقاقه.

وذلك لما فيه من فضح الظالم وأداء الواجب وإتمام الحجة، كما طالبت (صلوات الله عليها) بحقها وهي تعلم بأن القوم لا يعطونها حقها.

إضافة إلى أن إزعاج الظالم ومضايقته بالمطالبة بالحق والإلحاح عليه ولو ممن يعلم انه لا يعطيه حقه ـ وما أكثرهم ـ سوف يردعه عن كثير من ظلمه، فإن الظالم لو رأى أنه غصب حق زيد ثم عمرو ثم بكر و... ولم يقم أحد بشيء، تجرأ على الغصب أكثر فأكثر، أما لو ضايقه بالمطالبة زيد وعمرو وبكر... فإنه سوف لا يقدم عادة ـ على مراتب جديدة من الظلم، أو سيكون إقدامه أضعف كيفياً وأقل كمياً مما لو ترك على هواه.

فورية المطالبة بالحق

مسألة: يستحب المطالبة بالحق فوراً ـ وقد يجب ـ كما يستفاد ذلك من (وبلغها) و (لاثت خمارها).

وإنما يلزم التعجيل، لأن ترك الظالم وظلمه بحاله لحظة واحدة حرام، فإذا تمكن الإنسان من مطالبة الحق والانتصار له وجب فوراً ففوراً، فان خير البر عاجله، قال تعالى: (وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض اعدت للمتقين)[11].

لاثت

وجوب الستر على المرأة[12]

مسألة: يجب على المرأة أن تستر رأسها وجسمها، ولذلك (لاثت)[13] عليها السلام خمارها[14]واشتملت بجلبابها.

فإن أعمالها ومواقفها (صلوات الله عليها) كلها معلولة لأوامر الله سبحانه ونواهيه ـ بالمعنى الأعم ـ كما ثبت ذلك بقائم البرهان.

والفعل ـ في أشباه المقام ـ دليل الرجحان، وخصوص المنع من النقيض يستفاد من القرائن والأدلة العامة.

حرمة إظهار الزينة

مسألة: يحرم على المرأة أن تظهر زينتها للأجانب من الرجال.

وإنما أفردنا هذه المسألة، باعتبار إمكان الحجاب وإظهار الزينة[15] لعدم التلازم بين الأمرين، وقد قال سبحانه: (ولا يبدين زينتهن)[16].

والمراد بـ: (ولا يبدين زينتهن)[17] إما مواضع الزينة كالمعصم والساق وغيرها، أو الزينة وهي على تلك المواضع، والمآل واحد، وربما يعمم للملابس الزاهية التي تعد زينة عرفاً وشبهها.[18]

والظاهر ان المنصرف من الزينة في قوله سبحانه: (ولا يبدين زينتهن)[19] غير الشعر، فإن الشعر وإن كان زينة ويحرم إظهاره على المرأة، لكن المنصرف من الآية المباركة الزينة المتعارفة كالذهب ونحوه، فتأمل.

نعم لا بأس بالقول بان ملاك الآية المباركة موجود في الشعر أيضا، ومن الواضح ان لوث الخمار يوجب التحفظ الأكثر.

[1] حول جوانب هذا المبحث والبحوث اللاحقة راجع كتاب: (ممارسة التغيير لإنهاض المسلمين) و (الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام) و (السبيل إلى إنهاض المسلمين) و) الفقه: طريق النجاة) و (الفقه: الاجتماع) و (الفقه: الواجبات والمحرمات) للإمام المؤلف.

[2] غوالي اللئالي ج1 ص432 المسلك الثالث ح131.

[3] راجع بحار الانوار ج22 ص295 ب7 ح1. والبحار ج46 ص326 ب8 ح3. والبحار ج75 ص181 ب22 ح6.

[4] راجع: (جهاد الشيعة)، (العراق بين الماضي والحاضر والمستقبل)، (الدول الشيعية في التاريخ) وغيرها.

[5] الصحيفة السجادية ص51 وكان من دعائه (عليه السلام) لنفسه ولأهل ولايته.

[6] غرر الحكم ودرر الكلم ص70 ح983 الفصل الرابع عشر في الحق والباطل.

[7] بحار الأنوار: ج23 ص145 ب 7 ح 103.

[8] غرر الحكم ودرر الكلم ص69 ح977 الفصل الرابع عشر في الحق والباطل.

[9] غرر الحكم ودرر الكلم ص69 ح978 الفصل الرابع عشر في الحق والباطل.

[10] غرر الحكم ودرر الكلم ص70 ح985 الفصل الرابع عشر في الحق والباطل.

[11] آل عمران: 133.

[12] حول هذا المبحث والبحوث اللاحقة عن الحجاب والمرأة راجع: (الفقه: النكاح) و (الفقه: الصلاة ج18 ص63) و (الحجاب الدرع الواقي) للإمام المؤلف.

[13] (اللوث): الطي، (ولاث الشيء لوثا): أداره مرتين، كما تدار العمامة والإزار (لسان العرب مادة لوث).

[14] (الخمار): ما تغطي به المرأة رأسها (لسان العرب مادة خمر)، و (ليضربن بخمرهن) (النور: 31) أي مقانعهن، جمع خمار، وهي المقنعة (مجمع البحرين مادة خمر).

[15] كما لو كانت ملابسها ـ التي بها تتحجب ـ جذابة زاهية، وكما لو زوقت وجهها بالاكتحال وغيره ـ بناء على عدم وجوب ستر الوجه ـ فهي حينئذ محجبة قد أظهرت الزينة.

[16] النور: 31.

[17] النور: 31.

[18] وفي تفسير (تقريب القرآن الى الأذهان) للامام المؤلف ج18 ص96: (ولايبدين) أي لا يظهرن عن عمد (زينتهن) المراد اما مواضع الزينة كالمعصم والاذن والرقبة والرجل، او الزينة نفسها، واذا صار اللفظ محتملا وجب الاجتناب عن الامرين، تحصيلا للبرائة عما علم اجمالا تحريمه (الا ما ظهر منها) أي من الزينة، والذي أراه ظاهرا من الآية انه استثناء من الابداء، يعني ان ما ظهر بغير اختيارهن ليس عليه بأس كما اذا هبت الريح فرفع العباءة وابدت الزينة.

[19] النور: 31.