الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

فعاد القوم في بكائهم (22)

تجدد البكاء عند تجدد ذكر الفقيد

مسألة: المستفاد من إطلاق أو ملاك[1] قولهم (عليهم الصلاة والسلام): (يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا)[2] وجملة من الروايات الأخر، مثل ما في دعاء الندبة وغيره، بالإضافة إلى ما تقدم من حديث الرحمة والرأفة والحنان، وكلها مستحب بالأدلة العامة: استحباب تجدد البكاء عند تجدد ذكر الفقيد، خاصة إذا كان معصوماً.

وتجدد الذكر لايلزم أن يكون بمحضر الناس، كما لايلزم أن يكون باللفظ، بل يشمل حتى التوجه القلبي.

وتجدد البكاء قد يكون:

1: أشبه باللاختياري، لتفجر العاطفة كما في هذا المورد (فعاد القوم في بكائهم) نظراً لعظمة المصاب وقرب وقوعه وسماع صوت ابنته (عليها السلام) بما تضمنه من رنة الأسى المرير وبما كان يعكسه من لواعج الحزن الشديد.

2: وقد يكون اختياريا بالتفكر في المصاب والسعي لإثارة العاطفة، وكلاهما مما يثاب عليه الإنسان.

فلما أمسكوا عادت في كلامها

عدم قطع بكاء المفجوع

مسألة: ينبغي أن لايقطع الإنسان بكاء الباكي، بل يمهله حتى يمسك لما سبق، بالإضافة إلى أنه نوع من التأدب.

كما ورد مثل ذلك في استحباب الإصغاء إلى المتكلم وعدم قطع كلامه، على عكس ما هو المتداول عند الكثيرين، خاصة أثناء الجدل، حيث يقطع البعض حديث الآخر دون رعاية لحرمته وحتى دون فهم كلامه ومراده.

بل يمكن جريان هذا الاستحباب في الفعل أيضاً ـ بالملاك ـ بأن لايقطع الإنسان فعل انسان آخر بشيء من عمل أو قول، فإنه نوع من التأدب واحترام الآخرين، ومن مصاديق ذلك ما ورد من كراهة أن يدخل الإنسان في سوم أخيه المؤمن.[3]

مراعاة حال المستمع

مسألة: ينبغي مراعاة حال المستمع، ومن المراعاة ترك الخطاب فيما إذا لم يكن المستمع في وضع يتمكن فيه، او يسهل عليه الاستماع، لبكاء أو شبهه.

وقد سبـق نظير ذلك[4] ولا يبعـد أن يكون سكوتها (صلوات الله عليها) لذلك

ولما سبق جميعاً.

كما ينبغي مراعاة ما يحف بالكلام من الأمور الخارجية، ومن ذلك ان يسكت الإنسان لقراءة غيره القرآن الكريم مثلا، حيث ورد قوله سبحانه: (فاستمعوا له وأنصتوا).[5]

وقد ورد إن ابن الكوا قرأ القرآن وكان علي (عليه الصلاة والسلام) في القراءة في الصلاة، فسكت علي (عليه السلام) حتى إذا سكت فأتم (عليه الصلاة والسلام) قراءته، مع ان قراءته للقرآن كانت في مقام التعريض بالإمام (عليه السلام)، حيث قرأ ـ والإمام في سورة الحمد أثناء امامته للجماعة أبان خلافته الظاهرية ـ: (ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك)[6]فسكت الإمام (عليه السلام)، فلما سكت ابن الكوا عاد الإمام (عليه السلام)، فلما عاد ابن الكوا سكت الإمام (عليه السلام)، فلما سكت اكتفى الإمام (عليه السلام) في الجواب بـ: قوله تعالى) فاصبر إن وعد الله حق ولايستخفنك الذين لايوقنون)[7] ثم أتم (عليه السلام) قراءته وصلاته ولم يعاقبه أدنى عقوبـة على ذلك.[8]

[1] الإطلاق على تقدير كون المراد بـ (يحزنون) الأعم من الحزن وإظهاره كما هو المستفاد عرفاً في أمثال المورد، والملاك على تقدير العدم.

[2] بحار الأنوار: ج44 ص 287 ب 34 ح 56. الخصال ص635. تأويل الآيات ص641. غرر الحكم ص117 ح2049 الباب الخامس في الامامة، الفصل الأول في الائمة. كامل الزيارت ص101 باب 32 ثواب من بكى على الحسين بن علي (عليه السلام). جامع الاخبار ص179 فصل141 في النوادر.

[3] راجع وسائل الشيعة: ج12 ص338 ب 49 ح 3، وفيه: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أن يدخل الرجل في سوم أخيه المسلم).

[4] الفرق بين هذا وما سبق (الكلام في أفضل الأحوال) ان هذا لوحظ فيه جانب القابل، وذاك كان الملاحظ فيه جانب الفاعل، وبعبارة اخرى: ذاك كان بلحاظ تأثير الكلام، وهذا بلحاظ الجانب الإنساني من حيث مراعاة وضع المستمع، وفرق هذا عما سبقه مباشرة: إن هذا أعم مطلقاً أو من وجه، فليدقق.

[5] الأعراف: 204.

[6] الزمر: 65.

[7] الروم: 60.

[8] بحار الأنوار: ج89 ص221 ب28 ح2. وفي البحار ايضاً ج33 ص343 ب23 ج587 عن شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد.