الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

ونأى عن الجزاء أمدها (29)

عدم إمكان الجزاء على النعم

مسألة: يستحب تذكير الناس دوماً بأن نعم الله سبحانه وما أفاضه على الخلق لايمكن ولايعقل جزاؤها.

لأنه لو فرض إمكان أصل الجزاء منا له تعالى ـ وهو فرض محال، لأن الجزاء لايكون إلا بما هو خارج عن ملك المجازي وحيطة قدرته، والحال ان كل موجود داخل في ملك الله سبحانه وحيطته ـ فهو أيضاً بنعمة اخرى، لأن كل ما للإنسان من جسم وروح وعقل وعاطفة وقدرة وإيمان، وكل ما في الكون بأجمعها، نعم الله سبحانه وتعالى، فكل حركة وكل شكر يستدعي شكراً جديداً إلى ما لانهاية.

قال السيد الطباطبائي في قصيدته:

شكراً وأنا لي بلوغ ما وجب***من شكره والشكر للشكر سبب

وبهذا المعنى ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في مناجات الشاكرين حيث يقول (عليه الصلاة والسلام):

 (الهي أذهلني عن إقامة شكرك تتابع طولك، وأعجزني عن إحصاء ثنائك فيض فضلك، وشغلني عن ذكر محامدك ترادف عوائدك، وأعياني عن نشر عوارفك توالي أياديك... فآلاؤك جمة ضعف لساني عن إحصائها، ونعماؤك كثيرة قصر فهمي عن إداراكها، فضلاً عن إستقصائها، فكيف لي بتحصيل الشكر وشكري إياك يفتقر إلى شكر، وكلما قلت لك الحمد، وجب علي لذلك أن أقول لك الحمد..).[1]

وتفاوت عن الإدراك أبدها

قولها (عليها السلام): و (نأى) أي بعد، فحياة الإنسان لاتسع لجزاء نعمه سبحانه، فأمد النعم قد أبعدها عن إمكان الجزاء، حيث ان نعم الله تواترت على الإنسان قبل خلقته في هذا العالم ـ مثلاً عالم الذر ـ وحين كان تراباً، ثم نطفة، فإنساناً كاملاً، ثم وهو في عالم الآخرة في الجنة.

العجز عن إدراك النعم[2]

مسألة: يستحب ذكر الله سبحانه بهذا النحو الذي يشير إلى محدودية إدراك الإنسان من جهة، وإلى دوام نعم الله تعالى من جهة اخرى.

ببيان: ان (ابد)[3]نعم الله سبحانه لاتدرك، إذ ان النعم لامتناهية حيث انها موصولة بجنة لامحدودة ـ لايقفياً ـ من حيث الزمن (الكم المتصل غير القار) ومن حيث العدد[4] (الكم المنفصل) كما سبق، بل وربما حتى من حيث المسافة، إذ يحتمل توسع الجنة باستمرار من هذا الحيث أيضاً، ونظيره ما في الحياة الدنيا قال سبحانه: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون)[5].

ومن المعلوم ان الإدراك محدود خصوصاً في الدنيا، ولذا لايتمكن من إدراك ابد النعم، فقد (تفاوت) أي تباعد تباعداً كبيراً[6] (عن الإدراك أبدها) أي أبـد النعم ودوامها.

فلا يتمكن الإنسان من إدراكها، فإن القوة المدركة محدودة، وذلك غير محدود بالقياس لتلك، والمحدود لايستوعب غير المحدود استحالة عقلية كما أشرنا إلى ذلك.

وقد يكون السبب في محدودية القوة المدركة في الدنيا: سجنها في حيز الجسم، فلربما توسعت المدارك الإنسانية في الآخرة بحيث تحيط بالنعم وشبهها، وهذا الأمر على مبنى تجرد الروح أظهر، فتأمل.

[1] بحار الأنوار ج91 ص146 ب32 ح21. وعنه في مفاتيح الجنان المعرب ص 122، المناجاة السادسة، مناجاة الشاكرين.

[2] حول هذا المبحث ونظائره راجع الكتب الكلامية للإمام المؤلف، ومنها: (القول السديد في شرح التجريد) و) شرح المنظومة).

[3] الأبد: الدوام والخلود، وبمعنى الدهر الطويل الذي ليس بمحدود.

[4] أي عدد مصاديق النعم.

[5] الذاريات: 47.

[6] تفاوت الشيئان تفاوتاً: أكثر تباعد ما بينهما (مجمع البحرين للشيخ الطريحي مادة (فوت).