الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

واستحمد إلى الخلائق باجزالها وثنى بالندب إلى أمثالها (31)

حمد الله واجب أم مستحب

مسألة: ينبغي حمد الله تعالى على نعمه وعلى غيرها أيضاً.

ولولا القرينة لدل قولها: (استحمد) على الوجوب، إذ (استحمد) بمعنى: طلب منهم ـ جل شأنه ـ أن يحمدوه، لأنه أجزل عليهم النعم، والأصل في طلب العالي من الداني وجوب التلبية، خاصة إذا كان مشفوعاً بتعليل كتعليلها (عليها السلام)[1] إذ ذلك ملزم للحمد عقلاً.

ويمكن الالتزام بدلالته[2] على وجوب الطبيعة[3] المنطبقة على الواجب من الحمد[4] فيتحقق امتثالها بالإتيان بتلك المصاديق وتكون القرائن صارفة عن إرادة العموم[5] فتأمل.

ونظيره قوله تعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)[6]

و (الإجزال): عبارة عن الإكمال كما سيأتي، فهذه الجملة بالنسبة إلى الكيف، وإن أمكن غير ذلك، والجملة السابقة[7] بالنسبة إلى الكم، فشكره على حمده[8] يزيدها كما ويعطيها الديمومة زمناً.

وقد يفرق بين الحمد والشكر:

بأن (الحمد) أعم، إذ ليس فيه دلالة على نعمة واصلة إلى الحامد، لأنه ربما يحمد لكون المحمود له صفة حميدة، بينما (الشكر) له هذه الدلالة، وقد سبق ذلك.

ثم لا يخفى ان الشكر والحمد مطلوبان لله تعالى لأجل الإنسان نفسه، لالفائدة تعود إليه سبحانه، إذ هو تبارك وتعالى الغني المطلق، فهما كعبادته جل وعلا تزيد الإنسان تكاملاً وسمواً واقترابا منه سبحانه، فطلبه ذلك مناً للطفه وكرمه وفضله وحكمته.

ويشير إلى ذلك ما ورد من قوله تعالى في الحديث القدسي: (عبدي أطعني تكن مثلي أقول للشيء كن فيكون، وتقول للشيء كن فيكون)[9].

وقوله سبحانه: (وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم).[10]

وقوله تعالى: (أتعبدون من دون الله ما لايملك لكم ضراً ولانفعاً).[11]

ونظائرها كثيرة، مما يدل على أن النفع والضرر يعود للإنسان نفسه.

و) الإجزال) معناه: الإكمال والإتمام والإكثار[12] يقال: (أجزلت له من العطاء) أي: أكثرت، فإن أصل النعمة يوجب الحمد والشكر والإكثار من النعمة يستدعي مزيداً من الحمد والشكر.

فاللازم وجوباً أو استحبابا إيقاف الناس على ذلك، حتى يحمدوه ويشكروه سبحانه وتعالى أكثر وبذلك يستجلبون خيراً أكثر بلطف الله سبحانه وتعالى.

وكما أنه سبحانه ندبهم للاستزادة منها في دار الدنيا، كذلك ندبهم إلى الحصول على أمثال نعم الدنيا في الآخرة عبر الشكر والحمد، قال تعالى: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً).[13]

فالشكر والحمد أولاً يزيد نعم الدنيا، وثانياً يسبب نعم الآخرة، فهو تعالى قد ثنى دعوته وطلبه[14] بـ (الدعوة إلى أمثالها) أي: أمثال تلك النعم والآلاء والمنن[15]، فالراجح ـ وجوباً أو استحبابا ـ ندب العباد ودعوتهـم إلى الاستـزادة منها.

وهذه هي نوع من التجارة مع الله سبحانه، نظير قوله تعالى:

) إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)[16].

ومن الواضح: انها تجارة رمزية، إذ لا نسبة بين الثمن والمثمن، إضافة إلى أن الكل ملك له تعالى.[17]

[1] في قولها عليها السلام: (باجزالها).

[2] أي دلالة (استحمد).

[3] وهي الكلي الطبيعي.

[4] المراد: ان هناك مصاديق واجبة شرعاً تتضمن الحمد له تعالى، كالصلاة المتضمنة لسورة الحمد ـ مثلاً ـ فينطبق كلي (الحمد) المطلوب على هذه المصاديق ويتحقق بها.

[5] أي ارادة: ايجاب مطلق الحمد وكل أفراده، فعلى هذا تكون سائر أفراد الحمد المتحققة في غير الواجبات المعهودة مستحبة.

[6] قريش: 3-4.

[7] (وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها).

[8] أي معه.

[9] راجع عدة الداعي ص310 وفيه: (يابن آدم انا اقول للشيء كن فيكون اطعني فيما أمرتك اجعلك تقول للشيء كن فيكون). وفي الصراط المستقيم ج1 ص169 عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (ان لله عباداً أطاعوا الله فأطاعهم الله يقولون للشيء بأمره كن فيكون).

[10] يس: 61.

[11] المائدة: 76.

[12] تستفاد هذه المعاني مما ذكره اللغويون لتوضيح معنى (جزل) أو موارد استعماله، فمثلا: (جزل) ككرم: صار ذا رأي جيد، و (الجزل): العاقل الأصيل الرأي (القاموس المحيط) ـ (جزل) و (حطباً جزلاً) أي: غليظاً قوياً، و (رجل جزل) أي: جيد الرأي، و (امرأة جزلة) أي: تامة الخلق و (اللفظ الجزل): خلاف الركيك و) الجزيل): العظيم، و (عطاء جزل وجزيل) أي: كثير ـ (راجع لسان العرب مادة جزل).

[13] البقرة: 25.

[14] أي أضاف لطلبه الأول (وهو طلب الحمد في (استحمد) وطلب الشكر في الجملة السابقة) طلباً ثانياً هو (الدعوة إلى الأمثال).

[15] في قولها عليها السلام: (من عموم نعم ابتداها وسبوغ آلاء أولاها وتمام منن والاها).

[16] التوبة: 111.

[17] أي: إن الثمن والمثمن، والمشتري والمشترى كلها ملك لله تعالى، ولذلك كانت المعاملة رمزية مجازية.