الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

وأشهد أن لا إله إلا الله (32)

بحث حول كلمة التوحيد

مسألة: التعبير بـ (أشهد) دون (أقر) أو (أعترف) أو ما أشبه ذلك، نظراً لأن (الشهادة) و (الشهود) هو أعلى مراحل الإدراك، ووجوده تعالى ووحدانيته من الوجدانيات والفطريات، فهو معلومة للإنسان بأجلى أنحاء المعرفة، وكذلك فيما هو بمنزلة ذلك.[1]

وكلمة التوحيد[2] مركبة من عقد سلب وعقد إيجاب، فنفي الباطل والغير أولاً، ثم إثبات الحق المحض المطلق.

هذا ونفى الشريك يستلزم ـ لدى الدقة ـ نفى الجزء أيضاً[3] إضافة إلى أن التركيز على نفي الشريك لأنه الشائع في المعتقدات دون قسيمه.[4]

ثم إن وجوب الإيمان بالله تعالى فطري وعقلي، وما ورد من إيجاب ذلك إرشاد وإلفات.

وإن منكر وجوده تعالى كافر، فإن كان معتقداً به سبحانه فيما سبق ثم أنكر كان مرتداً، والمرتد فطري وملي، والبحث في ذلك كله موكول إلى مظانه[5].

والحكمة في ذكر ذلك كله ـ من: أصول الدين ولواحقها والفروع وشطر وافر من الأخلاقيات ـ في خطبتها (عليها السلام)، هي: التعليم والتزكية والتأكيد والتركيز والتذكير وإتمام الحجة.

فإن بأمثال هذه الخطبة منها ومن أبيها وبعلها وبنيها (عليهم صلوات المصلين) أثاروا عن الناس دفائن العقول[6] وعلموهم وزكوهم[7].

وبأمثالها تركزت هذه المباني وثبتت وترسخت رغم كل الطوارئ والموانع والتشكيكات والشبهات.

وبأمثالها تمت الحجة على الناس: (لئلا يكون للناس على الله حجة).[8]

وقد يكون لذلك أيضاً ما نجد من الشارع المقدس حيث قد سن واجبات ومستحبات تمتد بامتداد حياة الإنسان كلها، من الولادة حتى الوفاة[9] بل من قبلهما ومن بعدهما أيضا ً[10] وهي تتضمن الحديث عن الأصول والفروع والأخلاقيات وشبه ذلك.

فلذلك نجدها عليها السلام تحدثت عن ذلك كله في خطبتها، تزكيةً وتعليماً وتذكيراً وإتماماً للحجة، ويتضمن ذلك أيضاً بعد الأسوة.

وحده لاشريك له

وحدانية الله وأحديته

مسألة: يجب، وجوباً فطرياً وعقليا ً[11] الاعتقاد بوحدانيته تعالى، وبأحديته أيضاً فـ: (كما هو الواحد إنه الأحد ليس له الاجزاء لا اجزاء حد)[12]

فإن اللازم أن يعتقد الإنسان بالإله الواحد، الفرد، الذي لاشريك له ولاجزء له، ومن اعتقد بشريك لله سبحانه كان مشركاً، أي: أشرك بالله غيره.

سواء جعل له من البشر ولداً أو والدا أو زوجة: (لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد).[13]

أو إلهاً آخر، كما في الثنوية الذين يعتقدون بإلهين اثنين: إله الخير وإله الشر، أو إله النور والظلمة، أو أكثر من ذلك، فإن هذا أيضاً مشرك، عليه أحكام الكفار كما هو مذكور في (الفقه)[14].

و (وحده) و (لاشريك له) تأكيد في تأكيد لمضمون (لاإله إلا الله) وكان التأكيد محبذاً، لشيوع الشرك وشدة تمسك طوائف عديدة به ولغيرذلك[15].

استحباب التلفظ بالشهادة

مسألة: يستحب التلفظ بالشهادة بوجوده ووحدانيته سبحانه وتعالى.

فإن المستحب استخدام مادة الشهادة مثل: (أشهد) أو (شهادتي) او ما أشبه ذلك، وان لم يكن هذا اللفظ بما هو هذا اللفظ ـ مادة وصيغة ـ واجباً، ولذا لو قال: (أعتقد باله واحد) أو تلفظ بنظائر ذلك كان كافياً.

فأصل الإيمان بالله تعالى وبوحدانيته واجب، أما النطق بلفظ الشهادة فهو مستحب، إلا في مثل التشهد في الصلاة حيث دل الدليل على الوجوب، وكذلك الشهادة بسائر صفاته الثبوتية والسلبية، فإن أصل الاعتقاد بها واجب والتلفظ مستحب.

حيث ان (التلفظ) له أثر تكويني ووضعي ونفسي وخارجي في كثير من الأحيان، وفي العديد من الأمور، إذ انه نوع من (الإيحاء) و (التلقين) إضافة إلى مدخليته في تلوين المحيط وإعطاء صبغة معينة: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة).[16]

وهو (المظهر) الذي يبني عليه[17] العقلاء الكثير من شؤون حياتهم، غير مكتفين بـ (المضمر والمخبر) فحسب. كما في العقود والإيقاعات التي قـد يعـد الكلام أحد المبرزات والأركان لها، وحده فقط أو لا.[18]

التأكيد في الاعتقاديات

مسألة: يستحب التأكيد في القضايا الاعتقادية، تأكيداً لفظياً أو معنوياً، كما قالت (سلام الله عليها): (لا إله إلا الله).. (وحده).. (لاشريك له).

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حينما وقف قائماً على باب الكعبة: (لاإله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده)[19] وكما نشاهد ذلك في كلمات كثيرة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وكلمات المعصومين (عليهم السلام).

والظاهر ان الضمير أيضاً كاف، كما ورد في القرآن الحكيم: (فاعلم انه لا إله إلا هو).[20] وما أشبه ذلك.

استحباب الابتداء بالشهادة

مسألة: يستحب تضمين بداية الخطبة أو الكلام ـ بل والعمل أيضاً ـ بالشهادة لله بالوحدانية.

فإن الابتداء في كـل خطبـة وكـل كلام وكل عمل ـ تجارة كـان أم زراعـة أم سفراً أم غير ذلك ـ بالشهادة، سواء كان بنفس لفظ الشهادة أم بغيرها، مثل أن يقول: (لا إله إلا الله) مستحب وموجب للمباركية ونزول الخيرات الإلهية وتوجه العنايات الربانية، وفي الحديث: (فإن ذكر الله سبحانه حسن على كل حال فلا تسأم من ذكر الله)[21] فتشمله الإطلاقات ودليل الأسوة.

ويمتاز ابتداء الكلام بالعناية الأكثر، إذ هو من أجلى المصاديق.

وكذلك الأمر في آخر الكلام أو العمل، في كثير من الأحيان، كما ورد: (فإن من كان آخر كلامه لا إله لله إلا الله دخل الجنة).[22]

وقال (عليه السلام): (كفارات المجالس أن تقول عند قيامك سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين).[23]

وقال (صلى الله عليه وآله): (إن كفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت رب تب علي واغفر لي).[24]

‎صبغة الله

مسألة: يستحب (تطعيم) و (ملأ) كافة جوانب الحياة ببيان الأمور الإعتقادية، وتحويل ذلك إلى سنة شاملة بحيث تتحول إلى جزء لايتجزأ من حيـاة الناس، في المسجد والمدرسة والمعمل والمتجر والبيت وغيرها، فذكر وبيان وكتابة القضايا الإعتقادية ينبغي أن يملأ الخطب والكتب والصحف وحتى الجدران عبر لوحات صغيرة تتضمن كلمات منتخبة تذكر بأصول العقائد.

ولذلك نرى الصديقة الطاهرة (عليها السلام) تتطرق بدءً ووسطاً وختماً لتلك القضايا العقائدية، ونرى آل البيت (عليهم السلام) والعلماء الأبرار من بعد قد أدخلوها حتى في خطبة عقد النكاح: (الحمد لله الذي أحل العقد والنكاح وحرم الزنا والسفاح، والصلاة والسلام على محمد وآل بيته سادات أهل الخير والفلاح...).

فإن هنالك مرحلتين:

الأولى: أن يملأ الإنسان ذهنه وضميره بكلمة التوحيد ـ لفظاً ومضموناً ـ ونظائرها من الأمور الإعتقادية، وأن يطفح ذلك على لسانه دوماً بينه وبين نفسه، قال تعالى: (الذين يذكرون الله قياماً وقعودا وعلى جنوبهم).[25]

الثانية: مرحلة تعامل الإنسان مع الآخرين في هذا البعد: عبر بيان ذلك للناس قولاً وكتابة وغيرذلك، بحيث يصبح مظهر المجتمع مظهراً لكلمات التوحيد والشهادة بها وبالنبوة وما أشبه ذلك.

ويشير إلى هذا بأوفى بيان إعجازي، قوله تعالى: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة)[26] فاللازم أن تتحول الشهادتان بل الشهادات الثلاث ونظائرها إلى (صبغة) عامة للمجتمع وشاملة لشتى ميادين الحياة.

[1] قد يكون المراد الشهادة برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الثابتة بالبراهين الجلية.

[2] أي (لا إله الا الله).

[3] قد يكون هذا دفع دخل مقدر، وإجابة عن انه لماذا لم تتضمن كلمة التوحيد نفى الاجزاء لله تعالى؟.. حيث ان إثبات الواحدية يستلزم إثبات الأحدية أيضاً، إذ المركب لايخلو إما أن يكون كلا جزئيه واجباً فلم يكن واحداً وهذا خلف، أو يكون كلاهما ممكناً فلا يعقل أن يكون المركب منهما واجباً، وهذا خلف، أو يكون أحدهما واجباً فعندئذ لايكون المجموع واجباً ـ إذ النتيجة تتبع أخس المقدمتين ـ بل كان هذا الجزء واجباً وذاك كضم الحجر بجنب الإنسان ويكون التعبـير بالجزئية باطلاً.

[4] وهو نفي الجزء والتركب.

[5] راجع موسوعة الفقه ج4 ص182-274 كتاب الطهارة، الثامن في نجاسة الكافر.

[6] إشارة للحديث الوارد في بيان حكمة بعثة الأنبياء عليهم السلام: (ويثيروا لهم دفائن العقول) (بحار الأنوار ج11 ص60 ب1 ح70).

[7] إشارة إلى قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبـين) (الجمعة: 2).

[8] النساء: 165.

[9] فمثلاً يستحب الأذان والإقامة في أذن الوليد.

[10] كالأدعية الواردة قبل وحين الحمل، وكالأدعية التي تقرأ للميت والصلاة عليه وتلقينه.

[11] ذهب الإمام المؤلف في (الأصول) إلى أن العقل حاكم أيضاً لا مدرك فقط، على ان العبارة هنا أعم من الإدراك والحكم.

[12] أجزاء الحد: هي أجزاء المهية، أي الجنس والفصل، فليس له حتى التجزؤ العقلي.

[13] الإخلاص: 3 ـ4.

[14] راجع موسوعة الفقه ج4 ص182-274 كتاب الطهارة، الثامن في نجاسة الكافر.

[15] كأهمية الموضوع.

[16] البقرة: 138.

[17] أي على المظهر.

[18] أي مع غيره، فـ (لا) نفي لـ (فقط) والمقصود: ان العقلاء في العقود والإيقاعات يشترطون المبرز وهو اما اللفظ فحسب ـ على مبنى البعض أو في بعض الموارد ـ أو اللفظ وغيره من سائر المبرزات كالإشارة والفعل مثلاً على سبيل البدل.

[19] بحار الأنوار: ج21 ص105 ح26.

[20] محمد: 19.

[21] وسائل الشيعة: ج1 ص219 ب7 ح2.

[22] من لايحضره الفقيه: ج1 ص132 ح345. والأمالي للشيخ الصدوق ص540 المجلس الثمانون. وثواب الأعمال ص 195 ثواب تلقين الميت. ودعوات الراوندي ص250 فصل في تلقين المحتضر عند الموت وتغسيله وتشييعه.

[23] وسائل الشيعة: ج15 ص585 ب37 ح1، والآيات المباركة في سورة الصافات: 180- 182.

[24] مستدرك الوسائل: ج5 ص290 ب4 ح5884.

[25] آل عمران: 191.

[26] البقرة: 138.