الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

ومن الأوهام كيفيته (36)

حرمة التفكر في ذات الله

مسألة: يكره التفكر في ذات الله وكيفيته، وقد يحرم كما ورد في الروايات[1]، قال الصادق (عليه السلام): (إياكم والتفكر في الله، فإن التفكر في الله لا يزيد إلا تيهاً، إن الله عزوجل لا تدركه الأبصار ولا يوصف بمقدار).[2]

وقال (عليه السلام): (تكلموا في خلق الله ولا تكلموا في الله، فان الكلام في الله لا يزيد الا تحيراً)[3].

والحرمة نظراً لأن ذلك كثيراً ما يسوق الإنسان إلى الافتراء على الله وإلى أنواع من الانحراف العقائدي.[4]

ومع قطع النظر عن ذلك فإن من الواضح إنه لايصل فكر الإنسان ـ مهما أعمله ـ إلى إدراك كنه ذات الله سبحانه وكيفيته، وقد ذكرنا في بعض مباحث هذا الكتاب وغيره ما ذكره العلماء في كتبهم الكلامية: من أن الإنسان مهما كان ومهما تعالى وتكامل فإنه محدود، والمحدود لا يعقل أن يستوعب غير المحدود، بل إن المحدود الأصغر أو الأضيق لا يستوعب المحدود الأكبر أو الأوسع فكيف بغير المحدود؟!

فلا يصل إلى (كنه) الله سبحانه وتعالى علم ولا ظن ولا وهم إطلاقاً على نحو الاستحالة، وإذا كان الإنسان عاجزاً عن معرفة كنه الروح ـ وهي إحدى مخلوقات الله تعالى ـ بل عن معرفة كنه (النور)[5] وكنه (الكهرباء) وما أشبه، فإنه عن معرفة الواجب جل وعلا أعجز. وإنما تعرف بآثار الله سبحانه وتعالى أنه موجود وأن له الصفات الثبوتية و أنه منزه عن الصفات السلبية، مما يعبر عنه بالبرهان الإني...

ولتقريب[6] ذلك نقول: إن الوهم والتصور إنما يتمكن أن يعرف الأشياء بالمشابهات، وحيث أنه لا مشابه لله تعالى فلا يعقل أن يعرف الوهم كيفيته سبحانه.

وههنا نكتة لطيفة وهي تدرجها (عليها السلام) من الأدنى للأعلى، فـ (رؤيته) تعالى ممتنعة على (الأبصار) بل (وصفه) ممتنع على (الألسنة) رغم قدرة الإنسان الأوسع على وصف ما يرى وبعض ما لايرى[7] بل ان (الأوهام) يمتنع عليها أيضاً أن تنال (كيفيته) رغم ما للوهم من القدرة الهائلة.

[1] راجع مستدرك الوسائل ج12 ص247 باب عدم جواز الكلام في ذات الله والتفكر في ذلك والخصومة في الدين.

[2] بحار الأنوار: ج3 ص295 ب9 ح4. و روضة الواعظين ص36. والتوحيد ص457 ح13 و14 باب النهي عن الكلام والجدال والمراء في الله عزوجل. والامالي للشيخ الصدوق ص417 المجلس 65 ح3.

[3] التوحيد ص454 ب67 ح1 باب النهي عن الكلام والجدال والمراء في الله عزوجل.

[4] كالقول بوحدة الوجود أو الموجود، والعقول العشرة، وأزلية المخلوقات، وما أشبه.

[5] كل ما قيل في تعريف النور وأشباهه فإنه (شرح الاسم) وليس بـ (الحد) ولا بـ (الرسم) فالنور عبارة عن فوتونات و... لكن ما هو كنه الفوتون؟ و (الذرة) مركبة من الكترون وبروتون وشحنة سالبة وموجبة و... ولكن ما هو كنه ذلك؟ وهكذا.

[6] قوله دام ظله: (لتقريب...) قد يكون إشارة إلى ان هذا بيان عرفي للمطلب، إذ لو فرض ـ وفرض المحال ليس بمحال ـ وجود شريك ومشابه له، تعالى عن ذلك علواً وكبيراً، لما أمكن للوهم أيضاً إدراكه تعالى لما أسلفه دام ظله من قاعدة المحدود واللامحدود فدقق.

[7] كما يصف ما يدركه بالحواس الخمس وغيرها أحياناً.