الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها (37)

استحباب التفكير في أفعال الله تعالى

مسألة: يستحب التفكير في أفعال الخالق جل وعلا ومخلوقاته، وكذلك في شؤونه سبحانه في الجملة، ضمن الإطار الذي بينته الآيات والروايات، وعلى ضوء المنهج الذي رسمه القرآن والعترة عليهم السلام، وبنفس المقدار والحد الذي حددوه لنا.

قال تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب).[1]

وقال سبحانه: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر).[2]

وكذلك الآيات والروايات الأخرى، قال الإمام الباقر (عليه السلام): (إياكم والتفكر في الله ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه).[3]

ومنها كلماتها (عليها الصلاة والسلام) في هذه الخطبة (ابتدع..) وما سبق وسيلحق.

ومن الواضح انهم (عليهم السلام) (الدعاة إلى الله والأدلاء على مرضاة الله... والمظهرين لأمر الله ونهيه).[4]

وهذا أمر عقلي عقلائي في كل محدود جاهل يبحث عن مجهول، فعليه أن لايتعدى الحدود التي رسمها له العالم، وأن يمشي على ضوء إرشاداته ووفق علاماته وهدايته، وإلا فالهلاك مصيره، كما ورد: (فالراغب عنكم مارق واللازم لكم لاحق والمقصر في حقكم زاهق، والحق معكم وفيكم ومنكم وإليكم وأنتم أهله ومعدنه).[5]

والتفكير في ذلك[6] يعد مصداقاً لقوله تعالى: (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)[7] وقوله سبحانه: (فاذكروني أذكركم)[8] والذكر أعم من الذكر باللسان أو الجنان أو الذكر العملي، وذكره تعالى أعم من ذكر وحدانيته وصفاته وأفعاله.

وقد ألمعنا سابقاً إلى معنى الابتداع، إذ لم يكن هناك مثال سابق قد أخذ من ذلك المثال، كما هو الأكثر أو الدائم في الناس، حيث إنهم يرون ويسمعون وما أشبه ذلك أشياء سابقة، متخيلة أو متوهمة أو محسوسة أو معقولة، ثم يعملون ـ والمراد بالعمل: الأعم من العمل الذهني والخارجي ـ أشياء جديدة، كالمصور يصور شيئاً رآه أو سمعه، أو من يقوم برسم ما يشابه ذلك الشيء أو ينتزع صورة إبداعية في الظاهر، ولكن في الحقيقة ليس ذلك ابتداعاً، وإنما هو جمع وتفريق وما أشبه ذلك، أو إنه يستمد مما هو مخزون في فطرته أو عقلـه أو وعيه الباطن.[9]

هذا ولا يخفى ان التفكر في الكون وعظمته وعظمة خالقه بالإضافة إلى دلالة جملة من الآيات والروايات عليه ـ كما سبق ـ يوجب توثيق الارتباط بالله سبحانه وتعالى، والاتصال بالله يسبب استقامة التفكير وسموه وصقل الروح واستحكام النفس الملهمة بالتقوى وغلبتها على النفس الأمارة، وإيجاد معان متعالية أخرى في الإنسان، كالتوكل على الله والرضا بقضائه والتسليم لأمره، وما أشبه ذلك، وهذا من علل الدعوة للتفكر في مخلوقاته تعالى.

قال جل وعلا: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت، فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر).[10]

فإنه تعالى أحدث (الأشياء) كلها وابتدأ خلقها لا عن مادة موجودة سابقاً، إذ لايعقل أن تكون المادة أزلية، لأن كل متغير حادث، فإن المتغير لا يكون قديماً، كما أن القديم لايكون متغيراً، على ما فصل في علم الكلام.[11] فالعلة المادية والعلة الصورية للشيء كلاهما مخلوقان له تعالى، ويمكن الاستناد ـ في جملة الأدلة النقلية ـ إلى كلامها (عليها السلام) هذا: (ابتدع الأشياء) في إبطـال أزليـة العالم والعقول العشرة وما أشبه.[12]

ولم يكن هناك مثال سابق حتى يخلق الله تعالى الأشياء على تلك الأمثلة مقتدياً بها، وربما يستشم ان الجملة الأولى[13] إشارة للعلة المادية، وهذه الجملة[14] إشارة للعلة الصورية.

قدرته تعالى

مسألة: يجب الاعتقاد بقدرته تعالى، والتفصيل مذكور في علم الكلام.

قال تعالى: (إن الله على كل شيء قدير)[15].

وقال سبحانه: (وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديرا).[16]

فإن التكوين كان بالقدرة لا بآلة حتى يكون من قبيل قطع الحطب بالمنشار، وإلا لعاد الكلام إلى خلق تلك الآلة، وهكذا، فيتسلسل والتفصيل في محله.

[1] آل عمران: 190.

[2] الحشر: 23.

[3] الكافي: ج1 ص93 ح 7.

[4] البلد الامين ص297-298. ومفاتيح الجنان: الزيارة الجامعة الكبيرة.

[5] البلد الامين ص299. والدعاء والزيارة: الزيارة الجامعة الكبيرة.

[6] أي في أفعاله ومخلوقاته سبحانه.

[7] الرعد: 3/ النحل: 11/ الزمر: 42/ الجاثية: 13.

[8] البقرة: 152.

[9] إضافة إلى إن كل شخص قد مر بعوالم سابقة كعالم الذر ـ مثلاً ـ ولا يعرف ما الذي شاهده أو سمعه هناك، بالإضافة إلى أن العالم ملئ بالأصوات والذبذبات والأمواج وما أشبه، ولعل ما خطر بباله مما تصوره إبداعاً هو مما التقطه من تلك الذبذبات ونحوها.

[10] الغاشية: 17ـ 22.

[11] ومن الأدلة على ذلك برهان الدور والتسلسل، راجع (القول السديد في شرح التجريد) للإمام المؤلف دام ظله.

[12] فان الأشياء جمع محلى بأل فيفيد العموم.

[13] أي: (ابتدع الأشياء...).

[14] أي: (وأنشأها...).

[15] البقرة: 20.

[16] الفاطر: 44.