الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

وإعزازاً لدعوته (45)

5: إعزاز الدعوة

مسألة: (إعزازاً) أي: لأجل تقوية الدعوة وغلبتها[1] ومنه يعلم رجحان ما يوجب إعزاز دعوته تعالى، ودعوته هي للإيمان به وتوحيده وعدله وللإيمان برسله وكتبه، إلى آخر أصول الدين وما يتفرع عنها، وفي الصحيفة السجادية في وصفه (صلى الله عليه وآله): (إرادة منه لإعزاز دينك)[2].

وهذه الجملة والجمل السابقة يحتمل أن تكون تعليلاً لأصل الخلقة وتكوين الأشياء، ويحتمل أن تكون تعليلاً لنحوها وكيفيتها وخصوصيتها، أي لكون الخلقة لا من شيء كان قبلها وبلا احتذاء أمثلة، وكونها بالقدرة لا بالآلة... ففي هذا، الإظهار الأتم للقدرة والإعزاز الأكبر للدعوة، وهو ادعى لتعبد البرية والتنبية على الطاعة، وقد يكون الاحتمال الأول أقرب وأسرع تبادراً.

وإذا كان من علل الخلقة إرادته جل وعلى (إعزاز الدعوة) كان (إعزازها) عنواناً مستقلاً مصرحاً به[3] يدور مداره كثير من الأحكام سلباً وإيجاباً.

وذكر (إعزاز الدعوة) تعليلاً للخلقة، من باب ما يؤول إليه الشيء.[4]

وفي بعض النسخ: (إعزازا لأهل دعوته)[5] فيدل على رجحان إعزاز حملة الدين كما هو واضح.

بيان العلل والأهداف

مسألة: ينبغي للإنسان بيان العلل والأهداف والغايات المترتبة على كل قرار يصدره، أو موقف يتخذه، أو منهج يرسمه.

سواء كان لعائلته أم لأصدقائه أم للتجمعات المحيطة به أم المتعاملة معه أم لمجتمعه.

وسواء كان في الشؤون الدينية أم الدنيوية، الاقتصادية أم السياسية، الاجتماعية أم غيرها.

إذ ان ذلك يوجب مزيداً من اعتماد الآخرين على الإنسان، إضافة على أنه تربية للناس على التفكر والتعقل والتدبر، وتقييم كل شئ بمنظار المنطق والدليل والحكمة، كما دعى إليه القرآن الكريم، وعدم الإتباع الأعمى كما كان دأب المشركين: (إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون).[6]

ثم إنه يوجب تصحيح الخطأ في قرار أو مسيرة الإنسان والحيلولة دون الإستبداد، إذ تعويد الناس على ذكر العلل يوجب نموهم فكرياً وتصديهم لإسداء النصح والمشورة ولذا كانت: (المشورة مباركة)[7].

و: (أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله)[8].

و: (من استبد برأيه هلك)[9].

و: (الاستشارة عين الهداية)[10].

و: (ما عطب من استشار)[11] وما أشبه.

إضافة إلى إنه تأس وإقتداء بالمعصومين (عليهم السلام) في ذكرهم العلل التشريعية والتكوينية[12] كما ذكرت (عليها السلام) ههنا العلة في خلق العالم ومن قبله العلة في حمده تعالى وشكره، وستذكر العلة في بعثة النبي (صلى الله عليه وآله) واختياره، والعلة في استخلاف القرآن عليهم، والعلة في اختيار علي (عليه السلام) دون غيره، ثم تطرقت لعلل جعل العديد من فروع الدين وأحكامه وغيرها.

وكما تطرق القرآن الكريم من قبل لبيان علل أو حكم الكثير من الأمور التكوينية أو التشريعية وقد أشرنا إليه في مواطن من هذا الكتاب وغيره.

الهدف: تكامل الإنسان

وأخيراً: فإن العلل الخمسة المذكورة في كلامها (عليها السلام) كلها مما يصب في طريق تكاملية الإنسان[13] واقترابه الأكثر إلى مصدر الكمال المطلق والحق المطلق، فهي تعود إلى الإنسان نفسه أولاً وأخيراً، قال تعالى: (إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)[14].

فقد خلقهم لرحمته[15] كما ورد في الحديث عن ابي عبد الله (عليه السلام): (فان الله تعالى خلق خلقاً لرحمته)[16].

[1] العزة: هي القوة والغلبة.

[2] الصحيفة السجادية ص32 وكان من دعائه عليه السلام بعد هذا التحميد في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله.

[3] كشف الغمة ج1 ص481 خطبة فاطمة الزهراء عليها السلام.

[4] هذا دفع وحل مقدر فليدقق.

[5] كشف الغمة ج1 ص480 في خطبتها عليها السلام.

[6] الزخرف: 23.

[7] تفسير العياشي ج1 ص204 ح147 من سورة آل عمران. بحار الأنوار: ج72 ص103 ب 48 ح 34.

[8] وفي غرر الحكم ص 442 الفصل الاول في المشاورة ح10078: (من شاور ذوي العقول استضاء بانوار العقول). وح 10060: (المشورة تجلب لك صواب غيرك). وح 10057: (من شاور الرجال شاركها في عقولها) ؟.

[9] غرر الحكم ودرر الكلم ص443 الفصل الاول في المشاورة ح 10111. بحار الأنوار: ج72 ص104 ب 48 ح 38 عن نهج البلاغة.

[10] بحار الأنوار: ج72 ص104 ب 48 ح 38. وغرر الحكم ص442 الفصل الاول في المشاورة ح10066.

[11] كنـز الفوائد ج1 ص367 فصل من كلام امير المؤمنين (عليه السلام) وآدابه وحكمه.

[12] راجع مثلاً كتاب (علل الشرائع).

[13] فمعرفة حكمة الله وقدرته وإطاعة أوامره والتعبد بها وإعزاز دعوته كلها تزيد الإنسان تكاملية، مادية ومعنوية، دنيوية وأخروية.

[14] هود: 119.

[15] فإذا كان الناس يركضون وراء المال أو الشهرة أو الرئاسة أو حتى العلم ـ بما هو علم ـ فإنها جميعاً كمالات مجازية محدودة فانية) كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ( (الرحمن: 26و27). أما معرفة الله وإطاعته فهو الكمال الحقيقي للإنسان، والعلم ـ كالعلوم الطبيعية والإنسانية، وما أشبه ـ يكتسب قيمته الحقيقة الخالدة إذا كان في هذا الإطار كجسر للاقتراب من الحقيقة الخالدة وكطريق لاكتساب رضى الله تعالى، بما تقدمه العلوم من خدمة الإنسان الذي أمر الله سبحانه فطرة وعقلاً وشرعاً بإعطائه حقه والتعاون معه والإحسان إليه، وإلا لكانت له قيمته مجازية محدودة يثيبه الله عليها دنيوياً و... والعلوم مع ذلك تكشف جانباً من عظمة الله وقدرته وحكمته في مخلوقاته.

[16] قرب الاسناد ص35.