الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

اختاره وانتجبه قبل أن أرسله (51)

فضائل الرسول (صلى الله عليه وآله)

مسألة: يستحب أو يجب ـ كل في مورده ـ بيان فضائل الرسول (صلى الله عليه وآله)، كما بينت (عليها السلام) في خطبتها.

وكذلك بالنسبة إلى سائر الأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) وبالنسبة إلى العلماء والصالحين أيضاً.

الاختيار الإلهي للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)

مسألة: يجب أن يكون اختيار النبي من قبل الله تعالى وبتعيينه سبحانه، وكذلك الإمام (عليه السلام)، حيث قالت: (اختاره وانتجبه) أي: لأن يكون رسوله الأخير إلى البشر وأفضل الرسل على الإطلاق، وفي حديث عنه (صلى الله عليه وآله): (فلم أزل خياراً من خيار).

قولها (عليها السلام): (وانتجبه) من النجابة، وقد نجب نجابة: إذا كان فاضلاً نفيساً في نوعه، أي اصطفاه، وذلك قبل أن خلقه وفطره، وفي زيارة الجامعة: (خلقكم أنوارا فجعلكم بعرشه محدقين)[1] فإن النور تحول إلى إنسان، كما أن النار تحولت إلى الجان، وكما أن التراب تحول إلى البشر، قال تعالى: (والله خلقكم من تراب).[2]

ومن الواضح إمكان تحول المادة إلى المادة، والمادة إلى الطاقة، وبالعكس، فقد اختاره الله وانتقاه قبل أن يرسله، أي إنه تعالى انتخب من عرف انه خير البشرية على الإطلاق، للرسالة.

والعلم كاشف وليس بعلة، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) كان سيخرج قمة القمم في مختلف الامتحانات الإلهية ـ حسب معرفته سبحانه وتعالى بعلم الغيب ـ لذلك انتخبه هو دون غيره ليحمله أعظم الرسالات والمسؤوليات الكونية على الإطلاق وأعطاه من الامتيازات الاستثنائية ما أعطاه.

وهناك وجه آخر: هو امتحانه جل وعلا للنبي (صلى الله عليه وآله) ولكل من عداه في عوالم سابقة، فأبدى (صلى الله عليه وآله) أهليته على الإطلاق، وقد يشير إلى هذا الوجه ما ورد في زيارة السيدة الزهراء (عليها السلام): (يا ممتحنة امتحنك الذي خلقك قبل أن يخلقك فوجدك لما امتحنك صابرة)[3] وتفصيل البحث في علم الكلام والحديث.

مواصفات خاصة للنبي (صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام)

مسألة: في قولها (عليها السلام): (اختاره وانتجبه) دليل على أن هنالك مواصفات استثنائية، يجب أن تتوفر في النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام).

فقد اختاره صلى الله عليه وآله وسلم وانتقاه الله تعالى بما يحمل من مواصفات تؤهله لكي يكون رسولاً لرب العالمين وحجة على الناس أجمعين.

ففي نفس كلمة (اختاره وانتجبه) دلالة على ذلك، حيث وقع الاختيار من بين الكل عليه وهو سبحانه أحكم الحكماء[4] على أن تفرد الله تعالى بهذا العمل وقيامه به بالذات دليل على ذلك، حيث ان غيره لايمكن أن يكتشف تلك الصفات الإستثنائية.

ومن هنا كان اعتراض الملائكة عليه سبحانه في قضية خلق آدم (عليه السلام)، قال تعالى: (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني اعلم مالا تعلمون)[5].

ومن جملة تلك الصفات: العصمة[6] اللازمة عقلاً وشرعاً في النبي والإمام عليهما السلام[7]والتي لا يعرفها إلا الله سبحانه وتعالى وقد أشار إليه الإمام (عليه الصلاة والسلام) في قصة اختيار موسى (عليه السلام) حيث اختار سبعين رجلاً ومع ذلك كفروا: (واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا)[8].

وليس هذا نقصاً في موسى (عليه السلام) واختياره، وإنما هو بيان لأن الذين كانوا خيرة القوم حسب مختلف الظواهر كانوا هكذا فكيف إذا كانوا غير الخيرة، أو كانوا غير مختارين من قبل النبي (عليه السلام) وهو أدرى الناس بما يمكن للبشر معرفته من خفايا النفس البشرية.

أما بالنسبة إلى الفقهاء أو الوكلاء والرجوع إليهم، فهو بأمر الله سبحانه وتعالى أيضاً، قال تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)[9] فحيث لم تشترط فيهم العصمة ولم تكن فيهم ضرورية ولا واقعة، لذلك أوكل الله تعالى معرفة مصاديقهم إلى الناس أنفسهم أو إلى أهل الخيرة منهم.[10]

فلا يقال: لماذا يلزم في النبي والإمام (عليهما السلام) العصمة دون وكلائهم في حال حياتهم أو بعد غيبتهم، فإن القياس مع الفارق الكبير.

إضافة إلى عدم وجود القابلية لمقام العصمة في غير الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، إذ هو تعالى فياض حكيم يعطي فيضه ولطفه للقابل لاغير.[11]

مواصفات وكلاء المعصومين (ع) وأتباعهم

مسألة: ومما سبق نعرف أن الفقهاء والوكلاء والقضاة وأئمة الجماعة والخطباء ومن أشبههم، بل عموم أتباع المعصومين (عليهم السلام) وإن لم يكونوا معصومين إلا ان من الضروري أن يتحلوا بكثير من الصفات التي توفر درجة من السنخية والتجانس مع موكليهم وأئمتهم وقادتهم، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: (ألا وإن لكل مأموم إمام يقتدي به ويستضيء بنوره ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه ألى وإنكم لاتقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد).[12]

ثم إن من تلك الصفات: ما ذكر في القرآن الكريم وورد في الأحاديث الشريفة حكاية عن حال الأنبياء (عليهم السلام) أو وصفاً للمؤمنين، مثل قوله سبحانه: (إنه كان عبداً شكورا).[13]

وقوله تعالى: (إنه كان صادق الوعد).[14]

وقوله سبحانه: (فبما رحمة من الله لنت لهم).[15]

وقوله تعالى: (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر).[16]

وقوله سبحانه: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود)[17] الآية.

وقوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون)[18] الآية.

وقوله سبحانه: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).[19]

وعنه عليه السلام: (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه).[20]

وعن أبي عبد الله (عليه السلام): (ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقور عند الهزاهز، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لايظلم الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في تعب، والناس منه في راحة، إن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والصبر أمير جنوده، والرفق أخوه، واللين والده).[21]

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): (المؤمن... بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً، وأذل شيء نفساً... يكره الرفعة، ويشنأ السمعة، طويل الغم، بعيد الهم، كثير الصمت، ذكور، صبور، شكور، مغموم بفكره، مسرور بفقره، سهل الخليقة، لين العريكة... أصلب من الصلد، ومكادحته أحلى من الشهد، لا جشع ولا هلع ولا عنف ولا صلف ولا متكلف ولا متعمق...)[22]

وهذه الصفات وإن كانت عامة إلا أن توفرها في الوكلاء آكد، كما لا يخفى.

[1] عيون اخبار الرضا عليه السلام ج2 ص275 ح1 زيارة اخرى جامعة. وراجع أيضاً (مفاتيح الجنان) و (الدعاء والزيارة) زيارة الجامعة الكبيرة.

[2] فاطر: 11.

[3] التهذيب: ج6 ص9 ب 16 ح 12. وراجع ايضا (المزار) ص178 باب زيارتها عليها السلام. ومصباح المتهجد ص711. وجمال الاسبوع ص31 و32 زيارة الزهراء عليها السلام.

[4] إضافة إلى أن (انتجبه) ـ كما سبق ـ من: نجب نجابة، إذا كان فاضلاً نفيساً في نوعه.

[5] البقرة: 30.

[6] العصمة هي ما يمتنع المكلف معه من المعصية متمكناً منها، ولايمتنع منها مع عدمها. راجع (الالفين) ص56 المائة الاولى البحث السابع في عصمة الامام (عليه السلام).

[7] راجع كتاب (الألفين) للعلامة الحلي (قدس سره) ص56 المائة الاولى، البحث السابع في عصمة الامام (عليه السلام)، وكتاب (القول السديد) للمؤلف دام ظله. و (علل الشرائع) ص باب العلة التي من أجلها يجب ان يكون الامام معروف القبيلة.. معصوماً من الذنوب.

[8] الأعراف: 155.

[9] التوبة: 122.

[10] راجع المسائل الاسلامية ص90 احكام التقليد المسألة3 وفيه: (يعرف المجتهد باحدى طرق ثلاث: اولا: ان يتيقن الانسان نفسه بذلك بان يكون الشخص نفسه من اهل العلم ويتمكن من معرفة المجتهد، ثانيا: ان يخبر بذلك عالمان عادلان يمكنهما معرفة المجتهد بشرط ان لا يخالف خبرهما عالمان عادلان آخران، ثالثا: ان يشهد جماعة من اهل العلم والخبرة ممن يقدرون على تشخيص المجتهد ويوثق بهم باجتهاد أحد، والظاهر هو كفاية اخبار شخص واحد اذا كان ثقة بذلك).

[11] بالإضافة إلى ان الدنيا دار امتحان، وكونها دار امتحان يقتضي وجود نبي أو إمام معصوم (عليه السلام) يكون بمثابة المنبع والمصدر الأساسي والرئيسي للتشريع، ووكلاء لهم بمثابة الجداول والفروع، لم يشترط فيهم ذلك ولم يتحقق، فالجمع بين كونها دنيا وبين) حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ( (البقرة: 187) وبين إرادة الامتحان وغيرها يقتضي ذلك فدقق.

[12] مستدرك الوسائل: ج12 ص54 ب 63 ح 13497 عن نهج البلاغة.

[13] الإسراء: 3.

[14] مريم: 54.

[15] آل عمران: 159.

[16] آل عمران: 159.

[17] الفتح: 29.

[18] المؤمنون: 1-5.

[19] آل عمران: 110.

[20] وسائل الشيعة: ج18 ص94 ب 10 ح 20. والاحتجاج ص458 احتجاج ابي محمد الحسن ابن علي العسكري (عليه السلام) في انواع شتى من علوم الدين.

[21] الكافي: ج2 ص230 ح 2. والخصال ص406 باب الثمانية ح1.

[22] الكافي: ج2 ص226 ح 1. واعلام الدين ص115 باب صفة المؤمن.