الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

علماً من الله تعالى بمآئل الأمور[1] وإحاطة بحوادث الدهور ومعرفة بمواقع المقدور[2] (54)

علمه تعالى

مسألة: يجب الاعتقاد بعلمه تعالى و: (إن الله قد أحاط بكل شئ علماً)[3] (وهو بكل شئ عليم)[4]والتفصيل في علم الكلام،.

كما يجب الاعتقاد بأنه عزوجل يعلم الغيب: (ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمركله)[5].

ولا يخفى ان علمه سبحانه من صفات الذات، كما هو مفصل في علم الكلام، قال الامام موسى بن جعفر (عليه السلام): (علم الله لا يوصف منه بأين ولا يوصف العلم من الله بكيف ولا يفرد العلم من الله ولا يبان الله منه وليس بين الله وبين علمه حد)[6].

ما وصف الله به نفسه

مسألة: ينبغي أن يصف المرء ربه بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسله وأوصيائهم، ويحرم أن يصفه بغير صفاته، وقد قال (عليه السلام): (فمن وصف الله فقد حده ومن حده فقد عده ومن عده فقد أبطل أزله)[7].

والمراد توصيفه سبحانه بصفات الجسم ولوازم الجسم وما أشبه من صفات الممكنات[8] بل مطلق غير ما يصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسله، وخطبتها (عليها السلام) هي مما يرجع إليه في معرفة أوصافه وأسمائه جل وعلا.

و (مائل) جمع مآل: ما يؤول ويرجع إليه الأمر[9]، أي إنما بعثه (صلى الله عليه وآله) لعلمه بعواقب الامور، كعلمه بعاقبة كل فعل من أفعال البشر ومناهجهم وعلمه بعاقبة بعثته للرسول (صلى الله عليه وآله) وعاقبة عدم بعثته وغير ذلك، كمن يعلم عاقبة من يمشي في غابة خطرة جاهلاً بمسالكها وأخطارها، وهو تعالى يعلم أيضاً المستجدات والمتغيرات التي تحدث للبشرية ولغيرها على مر الأعصار.[10]

فهو سبحانه، يضع منهجاً متكاملاً لشتى أبعاد الحياة البشرية وهو عالم بالعواقب، محيط بالمستجدات، عارف بموقع كل شيء، وقدره فهو يعلم الزمان والمكان والجهات والشرائط المكتنفة بكل حدث وحكم، فمن الطبيعي وجوب اتباع مناهجه ورسله عقلاً.

أما البشر فليس بمقدوره وضع القوانين والمناهج، إذ هم يجهلون كل ذلك، فهم يجهلون خفايا النفس البشرية ويجهلون خفايا الطبيعة ويجهلون المستجدات الطارئة ويجهلون تأثيرات القوانين على الأجيال القادمة ويجهلون التزاحمات والتعارضات ويجهلون ويجهلون[11].

قال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً).[12]

فمن يريد حياة سعيدة بهيجة في الدنيا والآخرة لابد له من الإذعان لاختيار الله ومن اتباع مناهج من اصطفاه الله في كل رطب ويابس، قال تعالى: (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)[13].

وقال سبحانه: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم)[14].

وقال تعالى: (يبين الله لكم أن تضلوا)[15].

وقال سبحانه: (كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم).[16]

استحضار إحاطته تعالى

مسألة: يستحب أن يستحضر الإنسان في ذهنه دوماً إحاطة الله سبحانه بكافة أفعاله وأقواله بل حتى خواطره، وقد ورد: (يا عالم الجهر والخفيات ويا من لا يخفى عليه خواطر الأوهام وتصرف الخطرات)[17]، وأن يتذكر أن أزمة الأمور كلها بيده[18]، وإن المقادير جميعاً تعود إليه، كما قال (صلى الله عليه وآله): (ان الله عزوجل قدر المقادير ودبر التدابير)[19].

وقد يجب ذلك..

وبإخطار ذلك دوماً في القلب وتأمله في العقل وتكراره باللسان سيحدث للإنسان حاله روحانية وملكة تقربه إلى مراتب الكمال وتجنبه مواطن الزلل والضلال.

التعبد المطلق

مسألة: يجب التعبد المطلق في قباله تعالى، وكذلك بالنسبة الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم (والائمة الطاهرين (عليهم افضل الصلاة والسلام) حتى فيما جهل وجه الحكمة فيه، فلقد أصبح البعض ينكر ـ فوراً ودون روية وبلا رجوع لأهل الذكر ـ أي حديث يبلغ مسامعه مما لايفهم وجه العلة فيـه، أو مما عـارض مرتكزاته الذهنية، فكان مثله كمثل من يرفض نصائح الطبيب الحاذق لأنه لايفهم وجه العلة، أو لأنه عارض مفهوماً ذهنياً لديه.

فإذا كان الله العالم بمآل الأمور والمحيط الحوادث والعارف بالمقدرات.. قد اصطفاهم (عليهم السلام) ليكونوا الأدلاء عليه والمرشدين إلى سعادة البشرية والعالمين بما كان وما يكون وما هو كائن، فكيف ينكر الإنسان حديثاً لمجرد معارضته لما توصل هو إليه، مع ضيق أفقه وقلة علمه وكثرة اشتباهه... ؟!.[20]

ومما يوضح هذا المعنى أكثر: ما ذكره الإمام الصادق (عليه السلام) في بيان ان دية قطع أربع أصابع المرأة تساوي دية إصبعين منها واستنكار ذلك الرجل قائلاً: ان هذا كان يبلغنا فنبرء ممن قاله ونقول الذي جاء به شيطان.[21]

وقد قال (عليه السلام): (انما الأمور ثلاثة: امر بين رشده فيتبع، وامر بين غيه فيجتنب، وامر مشكل يرد علمه الى الله والى رسوله)[22].

 

ابتعثه الله إتماماً لأمره

إتمام الأمر

مسألة: ينبغي للإنسان أن يتم كل أمر بدأ وإن يتقنه، تخلقاً بأخلاقه تعالى[23]، ولقوله (صلى الله عليه وآله): (رحم الله إمرء عمل عملاً فأتقنه)[24].

والإتمام والإتقان شامل للكم المنفصل والمتصل، ومنه الاستمرار زمناً، وللكيف ولسائر الجهات، فتأمل.

و (ابتعثه إتماماً لأمره) حيث ان أمره تعالى ابتداءً هو التكوين: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)[25]ومنه تكوين الإنسان وغيره ممن وضع عليهم قلم التكليف.[26]

و (إتمام الأمر) هو هدايته.

و (الابتعاث) من البعث، لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.

وببيان آخر: أمره تعالى هو ما سبق من العلل الخمسة المذكورة في كلامها (عليها السلام): (تثبيتاً لحكمته وتنبيهاً على طاعته و...) فببعثه النبي (صلى الله عليه وآله) يتم التثبيت للحكمة والتنبيه على الطاعة وإظهار القدرة وتعبد البرية وإعزاز الدعوة وإتمام الأمر وهو مقتضى الحكمة، وعدمه نقض للغرض ولو في الجملة.

وبمعرفة ذلك يتضح السر في قوله تعالى في الحديث القدسي: (يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك ولو لا علي لما خلقتك ولولا فاطمة لما خلقتكما)[27].

وقولها (عليها السلام): (إتماماً لأمره) يصلح للاستدلال به على ضرورة الإمامة والوصاية، نظراً لأن بعثته (صلى الله عليه وآله) لايكمل الغرض منها ولايتم الأمر إلا بذلك، ولذلك قال تعالى في يوم الغدير، يوم نصب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) خليفة من بعده: (أليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)[28].

ويمكن الإستناد للجملتين اللاحقتين بضميمة.

[1] وفي نسخة: (بما يلي الأمور).

[2] وفي نسخة: (بمواقع الأمور).

[3] الطلاق: 12.

[4] البقرة: 29.

[5] هود: 123.

[6] التوحيد ص138 باب العلم ح16.

[7] الكافي: ج1 ص140 ح 6. والتوحيد ص57 باب التوحيد ونفي الشبيه ح14.

[8] ولذا علل (عليه السلام) قوله بـ (لشهادة كل صفة انها غير الموصوف وشهادة الموصوف انه غير الصفة وشهادتهما جميعاً بالتثنية الممتنع منه الأزل) (الكافي: ج1 ص140 ح 6) وهذه حال صفات الممكن.

[9] راجع لسان العرب مادة (أول) وفيه: (الاول: الرجوع. آل الشيء يؤول اولا ومآلا: رجع. واول اليه الشيء: رجعه. وألت عن الشيء: ارتددت).

[10] كمن يـخطط المعركة وهو على علم تام بكافة الطواري والمستجدات التي ستواجه أفراد الجيش، فهو يرسم مختلف الحلول والبدائل لجيشه.

[11] راجع موسوعة الفقه كتاب القانون للإمام المؤلف دام ظله.

[12] النساء: 115.

[13] الأنعام: 59.

[14] النساء: 26.

[15] النساء: 176.

[16] النور: 59.

[17] الاقبال ص969 فصل فيما نذكره من تسبيح وتحميد و.. في ليلة النصف من شعبان.

[18] راجع مصباح المتهجد ص378 صلاة في طلب الولد وفيه: (علما بأن ازمة الأمور بيدك). وفي البلد الامين ص386 دعاء اويس القرني: (وازمة الأمور كلها بيدك).

[19] التوحيد ص376 ح22 باب القضاء والقدر. وفي (الاقبال) ص661 فصل فيما نذكره من دعاء يوم النصف من رجب: (يا من اليه التدبير وله المقادير).

[20] ونرى العلامة المجلسي (قدس سره) عند ما ذكر رواية في كتاب (السماء والعالم) عن الإمام الصادق (عليه السلام) تنفي ما أجمع عليه الفلكيون منذ زمن بطلميوس: من كون الأرض هي المركز، وكون الأفلاك محيطة بالأرض كقشور البصل، فلم يرد المجلسي (قدس سره) الرواية رغم مخالفتها لعلم الهيئة ذلك الزمن، بل أرجع علمها إلى أهلها عليهم السلام، والآن قد ثبت صحة الرواية وخطأ علم الهيئة السابقة المتسالم عليه بين كافة علماء تلك الأعصار ولألوف السنين، وقد اعتبر السيد هبة الدين الشهرستاني (قدس سره) في كتابه القيم (الهيئة والإسلام) هذا الموقف من العلامة المجلسي (قدس سره) دليلاً على عظمته وسمو روحه...

[21] اللمعة الدمشقية ج10 ص41 كتاب القصاص، صحيحة ابان بن تغلب عن أبي عبد الله (عليه السلام). ووسائل الشيعة ج19 ص268 ب44 ح1: (عن ابان بن تغلب قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع اصبعاً من اصابع المرأة، كم فيها، قال: عشرة من الابل، قلت: قطع اثنتين، قال: عشرون، قلت: قطع ثلاثة، قال: ثلاثون، قلت: قطع اربعة، قال: عشرون، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع اربعاً ويكون عليه عشرون، ان هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرء ممن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال: مهلاً يا ابان، هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ان المرأة تعاقل الرجل الى ثلث الدية، فاذا بلغت الثلث رجعت الى النصف، يا ابان انك اخذتني بالقياس، والسنة اذا قيست محق الدين).

[22] وسائل الشيعة ج18 ص114 ب12 ح9.

[23] اشارة الى قوله (عليه السلام): (تخلقوا بأخلاق الله) بحار الانوار ج58 ص129 ب42.

[24] راجع الامالي للشيخ الصدوق ص384 المجلس 61 ح2 وفيه: (ولكن الله يجب عبدا اذا عمل عملا أحكمه).

[25] يس: 82.

[26] كالجن قال سبحانه: (إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا ( (الجن: 2) ومخلوقات اخرى لانعرفها، قال تعالى: (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ( (الإسراء: 70).

[27] عوالم العلوم ومستدركاته مجلد فاطمة الزهراء عليها السلام ج1 ص44 عن مستدرك سفينة البحار ج3 ص334، عن مجمع النورين ص14.

[28] المائدة: 5.