الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

ثم قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار ورغبة وإيثار (67)

إنك ميت[1]

مسألة: لا يجوز القول بأنه (صلى الله عليه وآله) لم يمت، كما قال بعض عند ارتحاله[2]، قال تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون)[3].

وقال سبحانه: (كل نفس ذائقة الموت)[4].

نعم إنه لافرق بين حياتهم وموتهم (عليهم السلام) كما ورد: (أشهد انك حي شهيد ترزق عند ربك)[5].

رأفة الله برسوله (ص) واختياره

(قبض رأفة) ربما يكون المراد منه: القبض لإرادة الرأفة به (صلى الله عليه وآله) في تلك الدار، وربما يكون المراد به قبضاً رؤوفياً، أي قبضاً سهلاً مقترناً برأفته ولطفه تعالى في قبال قبض أرواح العصاة والمردة وأشباههم حيث يقبضهم قبض غضب[6].

أو المراد قبضاً عن رأفة، أي قبضاً ناشئاً من رأفته سبحانه به (صلى الله عليه وآله)، ويكون في قبال القبض برأفة أو عن رأفة: القبض بغضب أو عن غضب.

مسألة: ومن الواجب على الإنسان عقلاً وشرعاً أن يتجنب الابتلاء بذلك[7] ولو تذكر الإنسان دوماً مدى شدة أهوال النزع لما حام حول المعاصي، ولكان دائم الحزن والهم، بل مبتعداً عما يحتمل ان يوجب سخط الخالق جل وعلا، قال علي (عليه السلام): (من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير)[8].

وقال (عليه السلام): (اكثروا ذكر الموت، فانه ما اكثر ذكر الموت انسان الا زهد في الدنيا)[9].

(واختيار): أي منه (صلى الله عليه وآله) كما في الروايات إنه اختار لقاء الله سبحانه[10].

أو اختيار منه تعالى له (صلى الله عليه وآله)، أي اصطفاء منه له.

أو اختيار من الله بين القبض وعدمه، لا أن أخذه كان من المحتوم عليه سبحانه وتعالى[11] وعلى هذا فهو كناية عن لطفه تعالى به (صلى الله عليه وآله).

رغبته (ص) في لقاء الله تعالى

(ورغبة) أي منه (صلى الله عليه وآله) أو من الله تعالى، حيث رغب في لقاء حبيبه، والمراد برغبته تعالى الغاية، كما قالوا: (خذ الغايات واترك المبادي).

(وإيثار) أي آثر (صلى الله عليه وآله)لقاءه، أو آثر الله سبحانه لقاءه.

الرغبة في ذلك

مسألة: ومن المستحب أن يربي الإنسان المؤمن نفسه بحيث يكون راغباً في لقائه تعالى، مؤثراً لقاءه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الموت ريحانة المؤمن)[12].

ولا يتيسر ذلك إلا بإطاعته تعالى وتجنب معاصيه، وكذلك بتلقين النفس والتوسل بالرسول (صلى الله عليه وآله) وآل بيته الأطهار (عليهم السلام) كي يكون مستعداً للموت. قال (عليه السلام): (استعد لسفرك وحصل زادك قبل حلول أجلك)[13].

وقيل لأمير المؤمنين(عليه السلام)(ما الاستعداد للموت؟ قال: أداء الفرائض واجتناب المحارم والاشتمال على المكارم، ثم لايبالـي أوقع علـى الـموت أم وقـع المـوت عليه).[14]

وإذا أوجد الإنسان في نفسه الرغبة في لقائه تعالى: كان ذلك من أسباب احترازه الأكثر عن معاصيه سبحانه، وجديته الأكثر لإطاعته، وسعيه الأكثر لاكتساب مرضاته، ومزيد من القرب منه، فيحس عندئذ بلذة كبرى من مناجاته وبفرحة عظمى عند امتثال أوامره، وقد ينال نوعاً من الاطمئنان بأنه تعالى سيقبضه قبض رأفة ورحمة، بدرجة أو بأخرى، قال تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)[15] وقال سبحانه: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي)[16].

التذكير بمناقبه (ص)

مسألة: كما ان من المستحب أيضاً تذكير الناس بمناقبه (صلى الله عليه وآله) هذه، وان الله تعالى قبضه قبض رأفة واختيار ورغبة وإيثار.

ولعل من علل إشارتها (عليها السلام) إلى كيفية قبضه تعالى كمدحه (صلى الله عليه وآله): ان ذلك يشجع الناس على التأسي به (صلى الله عليه وآله) في أعماله ومناهجه.

إضافة إلى إن ذكر هذه المنقبة للرسول(صلى الله عليه وآله) يوجب التفاف الناس حوله أكثر فأكثر، فإن الإنسان إذا عرف ـ مثلاً ـ إن فلاناً مقرب إلى الملك الفلاني، يلتف حوله أكثر كي يقضي حاجته عند الملك بأحسن وجه، فكيف بالرسول الذي هو سفير (الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر)[17] وقد قال سبحانه وتعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة)[18].

وقد يستفاد أيضاً من كلامها (عليها السلام): استحباب الرأفة والرغبة والإيثار، فتأمل.

[1] الزمر: 30.

[2] راجع شرح نهج البلاغة، لابن ابي الحديد ج10 ص184، وفيه: (وقد اختلف الرواية في موته (صلى الله عليه وآله) فأنكر عمر ذلك وقال انه لم يمت وانه غاب وسيعود، فثناه ابوبكر عن هذا القول وتلا عليه الآيات المتضمنة انه سيموت، فرجع الى قوله).

[3] الزمر: 30.

[4] آل عمران: 185.

[5] كامل الزيارات ص220 ح13 ب79 زيارات الحسين بن علي عليه السلام.

[6] فالمراد: قبضه قبضاً يؤول إلى الرأفة، أو قبضاً مع رأفة، أو قبضاً هو عين الرأفة.

[7] أي قبض غضب، على ما فسر.

[8] سفنية البحار (الطبعة الجديدة) ج8 ص125 مادة (موت).

[9] دعائم الاسلام ج1 ص221 فصل ذكر الامر بذكر الموت.

[10] راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) ج2 ص297 للإمام المؤلف دام ظله.

[11] ربما يكون قولها عليها السلام: (اختيار) لدفع شبهة الجبر، وقد يكون دفعاً للوجوب العقلي عليه تعالى، فدقق.

[12] نوادر الرواندي ص10. ودعائم الاسلام ج1 ص221 فصل ذكر الامر بذكر الموت.

[13] بحار الأنوار: ج44 ص139 ب 22 ح 6.

[14] سفينة البحار (الطبعة الجديدة) ج8 ص124 (مادة موت). و(الأمالي) للشيخ الصدوق ص110 المجلس23 ح8، وفي تتمة الحديث: (والله ما يبالي ابن ابي طالب اوقع على الموت، ام وقع الموت عليه).

[15] الرعد: 28.

[16] الفجر: 27ـ30.

[17] الحشر: 23.

[18] المائدة: 35.