الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

محمد (ص) من تعب هذه الدار في راحة (68)

تحمل الأذى في سبيل الله

مسألة: يستحب وربما يجب تحمل الأذى في سبيل الله جلت عظمته، تأسياً بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وعدم الكلل والملل واليأس، وقد قال (صلى الله عليه وآله): (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت).[1]

وأي أذى أعظم وأشد وأشق من استهزاء المشركين به (صلى الله عليه وآله)، وتكذيبهم له، ورميه بالسحر والجنون وما إلى ذلك.

إضافة إلى إيذائه (صلى الله عليه وآله) جسدياً برمس الحجارة والسلا[2] وما أشبه[3] حتى انه (صلى الله عليه وآله) كان يطوف فشتمه عقبة بن أبي معيط وألقى عمامته في عنقه وجره من المسجد.[4]

ولقد كانت أنواع الازعاجات الايذاءات في حد ذاتها وبما هي هي من أشد الايذاءات وأشقها وأكثرها إيلاماً، فكيف لو قيست بالنسبة إليه (صلـى الله عليـه وآله) بما له من مكانة روحية ومعنوية وإلهية سامية جداً، حيث لا أكمل ولا أشرف منه إلا الله تعالى، فإن الفرد كلما كان أكثر كمالاً كان إتهامه بالتهم البذيئة أشق عليه وأقسى كما لا يخفى، ومع كل ذلك تحمل (صلى الله عليه وآله) وصبر، حتى (قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار...).

وعلينا التأسي به (صلى الله عليه وآله) ففي الحديث الشريف: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل).[5]

وقد قال القرآن الحكيم: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً).[6]

وقال (عليه السلام): (ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه)[7].

وفي الحديث: (أفضل الأعمال أحمزها)[8].

والمراد: الأكثر صعوبة وأتعاباً، فإن كل ما كثر تعبه ـ بطبيعته ـ تكون نتائجه الدنيوية والأخروية أفضل وأكثر، حيث قرر سبحانه وتعالى تزايد المصاعب والمتاعب كماً وكيفاً كلما كان الهدف والمقصد أعلى، مادياً أو معنوياً، فقد (حفت الجنة بالمكاره)[9].

قال الشاعر:

تريدين لقيان المعالي رخيصة***ولابد دون الشهد من ابر النحل

والجود يفقر والأقوام قتال

ثم إنه لا منافاة بين (أفضل الأعمال أحمزها)[10] وبين: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)[11] إذ:

الأول: يفيد تحديد المقياس في قيمة الأعمال، وإن العمل مهما كان أصعب تكون نتائجه أفضل.

والثاني: يفيد عدم عسر الدين وإن الله تعالى قد شرع الأيسر فالأيسر،كما قال (صلى الله عليه وآله): (بعثت بالحنفية السمحة)[12] فهما في موضوعين، لا في موضوع واحد حتى يكون بينهما التنافي.

ومن هنا فإن المؤمن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والمجاهد في سبيل الله والحافظ لحدود الله، كلما ازدادت متاعبه ومصاعبه وكلما تزايد الضغط عليه لينثني عن مسيرته، كلما زاده ذلك يقيناً واطمئناناً وعزماً وثباتاً، قال تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل).[13]

وفي الحديث الشريف: (المؤمن أشد من زبر الحديد، إن الحديد إذا دخل النار لآن وإن المؤمن لو قتل ونشر ثم قتل لم يتغير قلبه).[14]

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (المؤمن أشد من الجبل والجبل يستقل منه بالفأس والمؤمن لايستقل على دينه).[15]

وختاماً:

فإن ما تحمله الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)من المصاعب كان مما تنوء بحمله الجبال الرواسي، إلا إن ذلك كله قد انقضى وأصبح (من تعب هذه الدار في راحة) وفي هذا درس لنا وتعليم بأن نتحمل المشاق والأذى في سبيل الله، فإنها منقضية زائلة ستلحقها راحة دائمة، قال (عليه السلام): (صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة).[16]

[1] كشف الغمة ج2 ص537 الباب الخامس. وبحار الأنوار: ج39 ص56 ب 73 ح 15.

[2] وقد ذكر ابن ابي الحديد في شرح النهج ج6 ص282: (ان النضر بن الحارث وعقبة بن ابي معيط وعمر بن العاص عهدوا الى سلى جمل، فرفعوه بينهم ووضعوه على رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ساجد بفناء الكعبة، فسال عليه، فصبر ولم يرفع رأسه، وبكى في سجوده ودعا عليهم، فجاءت ابنته فاطمة عليها السلام وهي باكية، فاحتضنت ذلك السلا فرفعته عنه فالقته، وقامت على رأسه تبكي، فرفع صلى الله عليه وآله رأسه وقال: اللهم عليك بقريش، قالها ثلاثا، ثم قال رافعاً صوته: اني مظلوم فانتصر، قالها ثلاثا، ثم قام ودخل منزله، وذلك بعد وفاة عمه أبي طالب(عليه السلام) بشهرين).

[3] راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم ج 1-2) للإمام المؤلف.

[4] سفينة البحار: (الطبعة الجديدة) ج1 ص 72 مادة (أذى).

[5] مسكن الفؤاد ص13. وبحار الأنوار: ج78 ص194 ب 1 ح 51 ط بيروت. وفي (الخصال) ص399: (اعظم الناس بلاء الانبياء ثم الامثل فالامثل).

[6] الانشقاق: 6.

[7] علل الشرائع ص150 ح12. الارشاد ج1 ص287. المناقب ج2 ص204 فصل في ظلامة اهل البيت عليهم السلام.

[8] مفتاح الفلاح ص45 عنه (صلى الله عليه وآله). وبحار الأنوار: ج67 ص191 ب53 ح2(بيان).

[9] بحار الأنوار: ج67 ص78 ب46 ح12. وروضة الواعظين ص421 مجلس في الحث على مخالفة النفس والهوى.

[10] بحار الأنوار: 82/332 ب 37 ح 12 (بيان) ط بيروت.

[11] البقرة: 185.

[12] وسائل الشيعة: ج5 ص246 ب14 ح1.

[13] آل عمران: 173.

[14] صفات الشيعة للشيخ الصدوق ص32 ح47. وبحار الأنوار: ج67 ص178 ب52 ح42، عن الصادق(عليه السلام).

[15] تفسير العياشي ج2 ص301 ح111 في تفسير سورة بني اسرائيل. وسفينة البحار: (الطبعة الجديدة) ج1 ص139 مادة (أمن).

[16] أعلام الدين ص138 باب صفة المؤمن. وكنـز الفوائد ج1 ص90 فصل في صفة أهل الإيمان. وبحار الأنوار: ج65 ص193 ب19 ح48.