الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

وبلغاؤه إلى الأمم (77)

4: تبليغ وهداية الأمم

مسألة: يجب تبليغ رسالات الله إلى الناس، وهو أكبر مسؤولية تحمل أعباءها الأنبياء والرسل عليهم السلام.

قال تعالى: (أبلغكم رسالات ربي)[1].

وقال سبحانه: (وما على الرسول إلا البلاغ المبين)[2].

وقال تعالى: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله)[3].

وهو واجب كفاية على كل مكلف قادر على إرشاد الجاهل وتنبيه الغافل وبيان مسؤوليات الناس لهم، في الجملة.[4]

قال سبحانه بالنسبة إلى نبيه: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك)[5] وهو (صلى الله عليه وآله) أسوة فيجب إتباعه.

وفي الصحيفة السجادية، قالعليه السلام في وصفه (صلى الله عليه وآله): (واداب نفسه في تبليغ رسالتك، وأتعبها بالدعاء الى ملتك، وشغلها بالنصح لأهل دعوتك)[6].

هذا بالإضافة إلى ما دل على وجوب تبليغ الدين، اصوله وفروعه، فـقد سبق ان: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)[7] كما قاله الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله).

نعم تختلف الرعية، فالحاكم مثلاً رعيته كل الشعب، بينما الرجل رعيته عائلته.

وإذا اجتمعت شرائط التبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أكثر ممن هو في دائرته فهو مكلف بذلك أيضاً، وفي القرآن الحكيم: (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)[8].

وقال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله).[9]

وقال جل وعلا: (ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون).[10]

ويحتمل كون (من) في الآية نشوية[11] لا بمعنى البعض وان قال به جمع[12]، بقرينة قوله سبحانه في آخرها: (واولئك هم المفلحون) الظاهر في أن غيرهم لايكون مفلحاً، فتأمل.

ولقد كان من أسرار الانتشار السريع الهائل للإسلام، هو إن عامة المسلمين[13] اضطلعوا بمهمة تبليغ الإسلام في أقصى البلاد، وتحملوا في ذلك شتى الصعاب، حتى اجتنوا أفضل الثمار.

عكس ما عليه الآن الكثير من المسلمين حيث يتوهمون ان مهمة التبليغ هي مسؤولية فئة خاصة فحسب.

قولها عليها السلام: (وبلغاؤه): أي أنتم مبلغون أحكام الله إلى سائر الامم، لأنهم تحملوا الدين وعاصروا الرسول (صلى الله عليه وآله) وعرفوا سنته، وقد أمرهم الله بذلك، قال تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).[14]

وفي كلامها عليها السلام هذا، إشارة إلى: انكم إذا انحرفتم وأقررتم غصب الخلافة ستحملون وزر الانحراف الذاتي ووزر إضاعة أمانة الله التي كلفكم بإبلاغها إلى سائر الأمم، قال سبحانه: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون).[15]

قولها عليها السلام: (الأمم).. فإن كل جماعة لها لون خاص من قومية أو لغة أولون أو ما أشبه ذلك تعد أمة من الأمم، وإن كان البشر مجموعاً أمة واحدة في قبال الملك والجن وأقسام الحيوانات، قال سبحانه: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم)[16].

وقال تعالى: (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمما).[17]

وهل يشمل وجوب البلاغ الأمم المتعقلة غير البشر ـ لدى الإمكان ـ سواء من الجن، لأنهم مكلفون أيضاً، أو من الأمم الأخرى الساكنة في سائر الكرات والعوالم؟

احتمالان.

ففي الحديث عن الرضا عليه السلام قال: (ولله عز وجل وراء ذلك سبعون ألف عالم أكثر من عدد الجن والإنس)[18] الحديث.

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: (..لعلك ترى أن الله عز وجل إنما خلق هذا العالم الواحد، أو ترى أن الله عز وجل لم يخلق بشراً غيركم؟ بلى والله، لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم...)[19] الحديث.

وعنه عليه السلام: (هل أدلك على رجل قد مر منذ دخلت علينا في أربعة آلاف عالم؟).[20] وفي بعض الروايات: (اربعة عشر ألف عالم)[21].

الأجيال القادمة

مسألة: يجب بلاغ الأجيال القادمة أيضاً، للإطلاق الأزماني في قولها عليها السلام: (الأمم)، وشمول سائر الأدلة له، عموماً أو إطلاقاً أو ملاكاً.

فمن كان بمقدوره هداية الأجيال القادمة[22] وجب عليه ذلك وجوباً كفائياً.

فعن أبي جعفر عليه السلام قال: (أيما عبد من عباد الله سن سنة هدى كان له‎ أجر مثل أجر من عمل بذلك من غير أن ينقص من أجرهم شيء).[23]كما يجب بلاغ الامم المعاصرة من غير المسلمين ومن المخالفين، ولذا أرسل النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ملوك العجم والروم كما أرسل إلى مختلف العشائر والقبائل[24]

فإنه (صلى الله عليه وآله) أرسل في السنة السادسة: حاطب بن بلتعة إلى المقوقس[25]، ودحية بن خليقة الكلبي إلى قيصر، وعبدالله بن حذافة إلى كسرى، وعمرو بن امية الضميري إلى النجاشي، وشجاع بن وهب إلى الحارث الغساني، وسليط بن عمرو العامري إلى هودة بن النخعي...[26].

كما تجب معرفة طرق وأساليب أعداء الإسلام في صدهم عن انتشار الدعوة، فإن معرفة الداء نصف الدواء، وعليه يتوقف التبليغ والبلاغ في الجملة، قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة).[27]

وكذلك تجب ـ في الجملة ـ معرفة لغات وعادات وتقاليد وخصوصيات الأمم الاخرى، بالقدر الذي يتوقف عليه التبليغ، فإن الحديث (بلسان كل قوم) يتوقف على ذلك إجمالاً، قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)[28].

ولذا ترى أنهم عليهم السلام يعلمون جميع الألسن واللغات ويتكلمون بها، كما ورد عن علي أمير المؤمنين عليه السلام والإمام الصادق عليه السلام والإمام الكاظم عليه السلام والإمام الرضا عليه السلام وغيرهم.[29]

[1] الأعراف: 62.

[2] النور: 54، العنكبوت: 18.

[3] الأحزاب: 39.

[4] قد يكون المراد بـ (في الجملة): ان الإرشاد إلى المستحبات والأخلاقيات وشبهها مستحب إلا ما خرج من باب المقدمية أو شبهها، أما الإرشاد في شؤون أصول الدين وفروعه الواجبة وما أشبه، فواجب.

[5] المائدة: 67.

[6] الصحيفة السجادية ص31، وكان من دعائه عليه السلام بعد هذا التحميد في الصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله).

[7] غوالي اللئالي ج1 ص129 الفصل الثامن. وإرشاد القلوب ص184 الباب 51 في أخبار عن النبي والائمة الاطهار عليهم السلام. وبحار الأنوار ج72 ص38 ب35 ح36 ط بيروت. ومجموعة ورام ج1 ص6 وفيه: (ألا كلكم راع..).

[8] العصر: 3.

[9] التوبة: 71.

[10] آل عمران: 104.

[11] أي ولتكن امة ناشئة منكم، أي مصدرها أنتم، كما في قوله تعالى: ,والله خلقكم من تراب ثم من نطفة- (فاطر 11).

[12] راجع (التبيان) في تفسير الآية الكريمة، وفيه: (من ههنا للتبعيض على قول اكثر المفسرين). وفي تفسير (جوامع الجامع): (قيل ان من هنا للتبعيض.. وقيل ان من للتبيين). وفي تفسير (تقريب القرآن الى الأذهان) ج4 ص19: (أي يجب ان تكون منكم جماعة).

[13] لافرق في ذلك بين التاجر والعامل ورجل الدين والمزارع والجندي وغيره، راجع كتاب (كيف انتشر الإسلام) للإمام المؤلف.

[14] التوبة: 122.

[15] النحل: 25.

[16] الأنعام: 38

[17] الأعراف: 160.

[18] التوحيد ص277 ح2 باب ذكر عظمة الله جل جلاله. وسفينة البحار (الطبعة الجديدة): ج6 ص375 مادة (علم). وراجع ايضا: كتاب الخصال ص652 ح54 الصفحة الاخيرة في خلق الله عز وجل الف الف عالم والف الف آدم.

[19] فرج المهموم ص111 عن علي بن الحسين عليه السلام. وسفينة البحار (الطبعة الجديدة): ج6 ص375 مادة (علم).

[20] سفينة البحار (الطبعة الجديدة): ج6 ص375 مادة (علم).

[21] دلائل الامامة ص91 في ذكر شيء من معجزاته. أي الإمام علي بن الحسين عليه السلام.

[22] عبر حفظ كتب الأحاديث والتفاسير وغيرها، أو عبر تربية ثلة تقوم بتربية ثلة من جيل لاحق، أو عبر إستخدام الأجهزة الحديثة حالياً أو ما أشبه.

[23] سفينة البحار (الطبعة الجديدة): ج4 ص306 مادة (سنن)، عن ثواب الأعمال.

[24] راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) ج2 ص20 تحت عنوان (النبي يتفرغ لإبلاغ الرسالة) و ج2 ص195 تحت عنوان (عام الرسل والوفود) للإمام المؤلف.

[25] راجع (المناقب) ج4 ص164 وفيه: (رسله: بعث خاطب بن ابي بلتعة الى المقوقس، وشجاع بن وهب الأسدي الى الحارث بن شمر، ودحية الكلبي الى قيصر، وسليد بن عمرو العامري الى هوذة بن على الحنفي، وعبد الله بن حذاقة السهمي الى كسرى، وعمر بن امية الضمري الى النجاشي).

[26] سفينة البحار (الطبعة الجديدة): ج3 ص 355 مادة (رسل).

[27] الأنفال: 60.

[28] ابراهيم: 4.

[29] راجع سفينة البحار (الطبعة الجديدة) 7/605 مادة (لغا).