الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

وعهد قدمه إليكم (79)

القرآن عهد إلهي

مسألة: يجب الاعتقاد بأن القرآن الحكيم من الله تعالى، وانه عهده، قال تعالى: (تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم)[1].

وقال سبحانه: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم)[2].

كما يلزم التأكيد على ذلك، فإن جماعة من الكفار ـ منذ ذلك اليوم وإلى اليوم ـ يقولون إن القرآن من صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل (قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة و أصيلاً)[3].

وفي آية أخرى: (إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين).[4]

و(العهد) هو الأمر المؤكد الذي يلقى في عهدة الإنسان، فإن هناك فرقاً بين العهد والوعد، فالعهد هو ما يكون القلب مؤكداً عليه كل تأكيد أما الوعد فليس كذلك[5].

وكذلك هناك فرق بين العقد والعهد[6]، ولذا يقال: (المعاهدات الدولية) دون (المعاقدات الدولية) ويقال: (عقد البيع) دون (عهد البيع)، قال سبحانه: (أوفوا بالعقود)[7] ولم يقل: ‎(أوفوا بالعهود)[8] وإن فسره بعض المفسرين بذلك[9].قولها عليها السلام: (وعهد) لأن الله عهد إليهم بالقرآن، قال تعالى: (لتبيننه للناس)[10] أي: فكيف لا تبينونه؟.

عدم تحريف القرآن

مسألة: يجب الاعتقاد بكون القرآن لم يزد فيه ولم ينقص منه شيئاً، ولم ينله يد التحريف إطلاقاً، وربما يستفاد ذلك من قولها عليها السلام: (عهد قدمه إليكم وبقية...) والا لم يكن (عهداً قدمه إلينا) و(لا بقية استخلفه علينا).

وقد صرح بعدم تحريف القرآن كبار علماء الشيعة.[11]

[1] غافر: 2.

[2] الجاثية: 2. والاحقاف: 2.

[3] الفرقان: 5.

[4] النحل: 103.

[5] وفي (لسان العرب) مادة (عهد): (العهد: الموثق).

[6] وفي مجمع البيان ج2 ص150: (والفرق بين العقد والعهد: ان العقد فيه معنى الاستيثاق والشد، ولا يكون الا بين متعاقدين، والعهد قد ينفرد به الواحد، فكل عهد عقد، ولا يكون كل عقد عهداً.

وفي (تقريب القرآن الى الأذهان) في تفسير الآية المباركة: (اوفوا بالعقود، الجمع المحلى يفيد العموم، أي كل الكعقود، وعقود جمع عقد، وهو كل التزام وميثاق بين جانبين، فتشمل عقود الناس بعضهم مع بعض، والمعاهدات الدولية، والمواثيق التي بين الله وبين خلقه).

[7] المائدة: 1.

[8] راجع للتفصيل كتاب موسوعة الفقه، كتاب البيع المجلد الاول ص 79ـ 82، قسم المعاطاة، تحت عنوان (آية العقود).

[9] راجع تفسير القمي، ج1 ص160 سورة المائدة. وتفسير العياشي ج1 ص289، والتبيان ج3 ص413.

[10] آل عمران: 187.

[11] راجع كتاب: (ولأول مرة في تاريخ العالم ج2 ص243-249) و(الفقه: حول القرآن الحكيم) للإمام المؤلف (دام ظله) وسيأتي البحث عن ذلك بعد قليل. ومن المناسب ان نذكر هنا نص ما كتبه الإمام الشيرازي (دام ظله) في كتابه (ولاول مرة في تاريخ العالم) لاهميته وتتميما للفائدة:

الوحي وآخر آية من القرآن:

في المناقب عن ابن عباس انه قال: لما نزل قوله تعالى:(انك ميت وانهم ميتون)(الزمر: 30) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ليتني أعلم متى يكون ذلك! ـ هذا وهو (صلى الله عليه وآله) يعلم الغيب بإذنه تعالى ووحيه ـ فنـزلت سورة النصر، فكان بعد نزولها يسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين التكبير والقراءة ثم يقول: (سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه)، فقيل له في ذلك، فقال: (أما أن نفسي نعيت إلي) ثم بكى بكاءاً شديداً، فقيل: يا رسول الله أو تبكي من الموت وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال (صلى الله عليه وآله): فأين هول المطلع؟ وأين ضيقة القبر، وظلمة اللحد؟ وأين القيامة والأهوال؟ ـ أراد النبي (صلى الله عليه وآله) الإلماع إلى الأهوال لا انه (صلى الله عليه وآله) يبتلى بها ـ ثم قال: فعاش (صلى الله عليه وآله) بعد نزول هذه السورة عاماً).(راجع بحار الأنوار: ج22 ص471 ب 1 ح 20).

ثم نزلت آيات وآيات حتى إذا لم يبق على ارتحال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هذه الدنيا سوى سبعة أيام نزلت:(واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)(البقرة: 280) فكانت هذه الآية ـ على بعض الروايات ـ هي آخر آية من القرآن الكريم نزل بها جبرائيل عليه السلام على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال له: ضعها في رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة (تفسير الشبر "قدس سره": ص 83) كما ان أول آية من القرآن كان قد نزل بها جبرئيل عليه السلام على رسول الله (صلى الله عليه وآله) هي قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم، اقرأ باسم ربك الذي خلق)(العلق: 1) الآيات.

فأول آية من القرآن ابتدأ بأول يوم من البعثة النبوية الشريفة، وآخر آية من آيات القرآن اختتم الأيام الأخيرة لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما بينهما من فترة كان نزول ما بين هاتين الآيتين، وتلك الفترة استغرقت مدة ثلاث وعشرين سنة.

 

من جمع القرآن؟

وهنا ما يلفت النظر ويجلب الانتباه، وهو قول جبرئيل للنبي (صلى الله عليه وآله) عند نزوله بالآية الأخيرة ـ كما في الرواية ـ: (ضعها في رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة)، فإنه صريح في ان الله تعالى أمر نبيه بجمع القرآن وبترتيبه ترتيباً دقيقاً حتى في مثل ترقيم الآيات، وقد فعل النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك في حياته (صلى الله عليه وآله) كما أمره الله تعالى، ولم يكن (صلى الله عليه وآله) يترك القرآن متفرقاً حتى يجمع من بعده.

وهل يمكن للرسول (صلى الله عليه وآله) مع كبير اهتمامه وكثير حرصه على القرآن الكريم أن لا يقوم بجمع القرآن وترتيبه! وأن يتركه مبعثراً في أيدي المسلمين ويوكل جمعه إليهم، مع أن الوحي أخبره بقوله: (انك ميت وانهم ميتون).(الزمر: 30).

فهل يصح أن يكون (صلى الله عليه وآله) حريصاً على القرآن من جهة ـ حتى انه (صلى الله عليه وآله) كان يأمر بحفظ القرآن والإهتمام به والتحريض على تلاوته والعمل به، وخاصة في أيامه الأخيرة، حيث كان يقول مراراً: إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ـ وأن لا يجمع القرآن ويتركه مبعثراً من جهة أخرى؟.

بل أليس القرآن هو دستور الإسلام الخالد، ومعجزته الباقية على مر القرون والأعصار إلى يوم القيامة؟ ومعه هل يصح أن يتركه النبي (صلى الله عليه وآله) مبعثراً من دون أن يجمعه؟!

أم كيف بأذن الله تعالى لنبيه بأن لا يقوم بجمعه مع انه تعالى يقول: (ان علينا جمعه وقرآنه)(القيامة: 17) ويقول تعالى أيضاً: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(الحجر: 9) فعلى النبي (صلى الله عليه وآله) ابلاغ القرآن مجموعاً ومرتباً إلى الناس كافة، كما جمعه الله تعالى ورتبه.

إذن: فهذا القرآن الذي هو بأيدينا على ترتيبه وجمعه، وترقيم آياته، وترتيب سوره وأجزائه، هو بعينه القرآن الذي رتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجمعه للمسلمين في حياته (صلى الله عليه وآله) بأمر من الله تعالى، لم يطرأ عليه أي تغيير وتحريف، أو تبديل وتعديل، أو زيادة ونقصان.

ويؤيده: ما روي عن تفسير علي بن إبراهيم عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه أمر علياً عليه السلام بجمع القرآن وقال (صلى الله عليه وآله): (يا علي، القرآن خلف فراشي في المصحف والحرير والقراطيس فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة، فانطلق علي عليه السلام فجمعه في ثوب أصفر ثم ختم عليه)(بحار الأنوار: ج 89 ص 48 ب 7 ح 7 ط بيروت).

وفي مجمع البيان نقلاً عن السيد المرتضى انه قال: إن القرآن جمع في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالشكل الذي هو اليوم بأيدينا.

وقال بمقالته قبله الشيخ الصدوق "قده" والشيخ المفيد: "قده".

وقال بمقالته بعده شيخ الطائفة الشيخ الطوسي "قده" والمفسر الكبير الشيخ الطبري "قده" المتوفي سنة 548 وباقي علماءنا الأبرار إلى يومنا هذا.

وعن زيد بن ثابت انه قال: (كنا نجمع القطع المتفرقة من آيات القرآن ونجعلها بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكانها المناسب، ولكن مع ذلك كانت الآيات متفرقة، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً عليه السلام أن يجمعها في مكان واحد، وحذرنا من تضييعها).

وعن الشعبي انه قال: جمع القرآن في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قبل ستة نفر من الأنصار.

وعن قتادة انه قال: سالت أنساً عن انه من جمع القرآن في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: أربعة نفر من الأنصار ثم ذكر أسماؤهم.

وعن علي بن رباح: ان علي بن أبي طالب عليه السلام جمع القرآن هو وابي بن كعب في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

الشواهد الأخرى:

هذا بالإضافة إلى شواهد ومؤيدات أخرى تدل على انا لقرآن الذي هو بأيدينا هو نفسه الذي جمع ورتب في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غير زيادة ولا نقيصة.

منها: تسمية سورة الحمد بسورة الفاتحة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعني انها فاتحة القرآن مع انها لم تكن السورة ولا الآيات الأولى التي نزل بها الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتسميتها بفاتحة الكتاب في عهده (صلى الله عليه وآله) يشير إلى ان الكتاب كان مجموعاً بهذا الشكل الموجود بأيدينا اليوم، وسورة الحمد فاتحته كما هو اليوم فاتحته أيضاً.

ومنها: ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يقول في حديث الثقلين المروي عن الفريقين متواتراً: (إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً). فالكتاب المجموع والمرتب يخلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في امته، لا الآيات المتفرقة، إذ لا يطلق عليها الكتاب، وقد سبق الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وآله) في هذا التعبير حيث أطلق مراراً وفي آيات متعددة كلمة (الكتاب) على القرآن، إشارة إلى انه مجموع ومرتب عنده تعالى في اللوح المحفوظ ـ كما قال به بعض المفسرين ـ وانه تعالى أطلع رسوله (صلى الله عليه وآله) على جمعه وترتيبه لديه وأمره بأن يجمع القرآن على ما هو مجموع في اللوح المحفوظ، ويرتبه وفق ترتيبه، وفعل النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك.

ومنها: ما ورد من أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بختم القرآن في شهر رمضان وفي غيره من سائر الأيام، وبيان ما لختمه من الفضيلة والثواب، حتى أن عبد الله بن مسعود، وابي بن كعب وغيرهما قد ختموا القرآن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) عدة مرات، ولولا إن القرآن مجموع ومرتب، لم يكن لختم القرآن معنى، لأن الختم يقال لما يبدأ من أوله وينتهي بآخره.

ومنها: روايات تأمر بعرض الأحاديث المروية عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وعن أهل بيته عليهم السلام لمعرفة غثها من سمينها على القرآن الكريم وتقول: ما وافق كتاب الله فقد قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقاله أهل البيت عليهم السلام، وما خالف الكتاب فهو زخرف وباطل، وانهم لم يقولوه، فقد أحالتنا هذه الروايات إلى هذا القرآن الذي هو بأيدينا لمعرفة الحق من الباطل مما يدل على سلامته من كل زيادة ونقيصة، وتبديل وتحريف، وإلا لم يصلح أن يكون مرجعاً لمعرفة الحق من الباطل.

ومنها: ما ورد من ان القرآن كله كان مكتوباً موضوعاً بين المحراب والمنبر، وكان المسلمون يكتبون منه.

ومنها: ما ورد من ان جبرئيل عليه السلام كان يعرض القرآن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل عام مرة، وعرضه عليه (صلى الله عليه وآله) في عامه الأخير مرتين.

ومنها: ما روي من ان جماعة من الصحابة كانوا قد حفظوا القرآن كله في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله). ولا يخفى ذلك على من راجع تفسير القرآن للعلامة البلاغي (قدس سره)، ولوالدي رحمه الله (آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي قدس سره) كلمة حول ذلك طبعت في إحدى أعداد (أجوبة المسائل الدينية) في كربلاء المقدسة.

هذا بالإضافة إلى ان هناك آيات وروايات تشير إلى أن القرآن نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرتين: مرة نزل بمجموعه على قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما قال تعالى: (إنا أنزلنا في ليلة القدر)(القدر: 1) ومرة نزل عليه نجوماً ومتفرقاً عبر ثلاث وعشرين سنة في المناسبات والقضايا المتفرقة، والنبي (صلى الله عليه وآله) قد وعى قلبه القرآن الذي نزل عليه أولاً مجموعاً ومرتباً، فجمع القرآن الذي نزل عليه ثانياً نجوماً ومتفرقاً حسب جمع القرآن الأول، ورتبه وفق ترتيبه، وهو بعينه القرآن الذي هو اليوم بأيدينا.

إلى غير ذلك مما يشير بمجموعه إلى أن هذا القرآن الذي هو اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جمع بأمر من الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يزدد حرفاً ولم ينقص حرفاً، ولم يتغير شيء منه ولم يتبدل أبداً، كيف وقد قال تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)(فصلت: 42). انتهى.