الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

والنور الساطع والضياء اللامع (83)

النور الإلهي

مسألة: القرآن الكريم نور ساطع وضياء لامع بنفسه، إلا أن الأعمال والأقوال والمناهج غير السليمة لأتباعه تكون كالحجاب الساتر والغمام المتكاثر الذي يحجب أشعة الشمس، كما أن أقوالهم وأعمالهم لو كانت قويمة مستقيمة فإنها ستسمح لنوره بالسطوع.

فكان من الواجب الحفاظ ـ قولياً وعملياً ـ على هذا النور الساطع والضياء اللامع، كي يتجلى على البشرية بأبهى الصور وأكمل الأنحاء، وأي ظلم ـ بل جريمة ـ أكبر وأقسى عن إسدال الستائر على هذا النور الساطع الإلهي والضياء اللامع الرباني؟ وقد ورد: (ان القرآن حق ونور)[1].

كما ورد عنه عليه السلام: (انا اهل بيت عندنا معاقل العلم وضياء الأمر)[2].

القرآن نور وضياء[3]

مسألة: يجب الاستنارة والاستضاءة بالقرآن الحكيم في ظلمات الحياة ومشاكلها، قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً)[4].

وقال علي عليه السلام: (الله الله في القرآن، فلا يسبقنكم بالعمل به غيركم)[5].

ولعل الجمع بين النور والضياء ـ مع لحاظ أن الضياء عادة يكون نابعاً من الذات، والنور عادة[6] يكون مكتسباً من الغير[7] ـ هو أن القرآن يضيء القلوب والأرواح والحياة، وأنه قد اكتسب نوره من الله سبحانه، وفي الأوصاف يكفي وجود نسبة ما، فلا يقال: إن الضياء في النفس والنور في الغير (لاغير)، كما قال سبحانه: (هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورا)[8] وألمعنا إلى ذلك فيما سبق.

وقد يقال: إن (الضياء) بلحاظ ان النورانية ذاتية له كما هي الشمس[9] فهو نور بنفسه.

و(النور) بلحاظ اكتسابها، ولو بجعل منشأ الانتزاع[10] من الغير، وهو البارئ جل وعلا.

وكلاهما لوحظ فيه كونه منيراً ومضيئاً للقلوب والأرواح والحياة، لمكان الوصف بـ (الساطع) و)اللامع)[11] فالقرآن نور لأنه ينير سبيل العقيدة والشريعة والدنيا والآخرة، وليس متحدداً في بقعة صغيرة بل هو ساطع يشرق على العالم.

وأما (اللامع) فإنه يفهم من معنى التحرك أيضاً، فإن النور يأتي لمعه لمعة وموجاً موجاً.[12]

وههنا نقطة يجدر الإشارة إليها وهي:

إن لكل شيء خلقه الله تعالى نوراً، بمعنى ان له ـ من داخله ـ دليلاً يرشد إليه، وقد جعله الله بحيث يكون بنفسه كاشفاً عن نفسه[13] وبتجلياته مرشداً إلى حقيقة ذاته..

والقرآن الكريم (نور ساطع وضياء لامع) فكاشفيته لذاته في أجلى درجات الوضوح، ودلالته على حقانيته وعلى استخلاف الله تعالى له و... بأشد وأكمل أنحاء الدلالة..

فهو الفرد الأكمل لما ورد في الحديث الشريف: (ان على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نوراً).[14]

هداية الناس وإرشادهم

مسألة: ينبغي أن يكون الإنسان هادياً ومرشداً وسراجاً مضيئاً للمجتمع، فإن وصف القرآن الكريم بالنور والضياء إلماع إلى فضيلة هذين الأمرين وقيمتهما الكبيرة، وإلى فضيلة من وما يتحلى بهما[15] خاصة مع ملاحظة وصف النبي (صلى الله عليه وآله) بـ : (كان خلقه القرآن).[16]

وقال سبحانه: (وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس).[17]

وقال تعالى: (وسراجاً منيرا).[18]

وبالنسبة إلى الكفار ونحوهم يقول الله سبحانه وتعالى حكاية عنهم في المحشر: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً).[19]

فإن محل اكتساب النور الرباني هو الدنيا. أما الآخرة فإن الإنسان يحصد فيها ما كان قد زرعه في دنياه من نور وظلمة، كما ورد في الروايات:

(اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة)[20].

وقال عليه السلام: (الدنيا مزرعة الآخرة)[21].

فالنور والظلمة المعنويان[22] يصبحان في يوم القيامة نوراً وظلمة ماديين أيضاً، بمعنى أنهما يتجليان ـ فيما يتجليان ـ بهذا النحو من التجلي أيضاً.

[1] كتاب سليم بن قيس ص195 في كتابه عليه السلام الى معاوية.

[2] الاختصاص ص308.

[3] وفي كتاب التوحيد للشيخ الصدوق ص214: (وعلى سبيل التوسع قيل ان القرآن نور، لان الناس يهتدون به في دينهم كما يهتدون بالضياء في مسالكهم، ولهذا المعنى كان النبي (صلى الله عليه وآله) منيرا). فتأمل.

[4] طه: 124.

[5] بحار الأنوار: ج75 ص99 ب18 ح2 في وصيته عليه السلام عند وفاته. وفي نهج البلاغة الكتاب 47/5 ومن وصية له عليه السلام للحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنة الله عليه، وفيه: (والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم).

[6] قيد (عادة) لقوله تعالى: (الله نور السماوات والارض)(النور: 35) فدقق.

[7] راجع مجمع البحرين مادة (ضوء).

[8] يونس: 5.

[9] وكما أن الزوجية ذاتية للأربعة، والدسومة ذاتية للدهن.

[10] كما في ذاتي باب البرهان وذاتي باب إيساغوجي (الكليات الخمس).

[11] (الساطع): اللامع المرتفع، و(اللامع): المضيء، (لمع) أي: أضاء، مجمع البحرين مادة (سطع) و(لمع).

[12] قد تكون استفادة هذا المعنى بالنظر لموارد الاستعمال المختلفة التي يفيد بعضها ذلك، راجع (لسان العرب) مادة (لمع) وقد تكون للقرينة المقامية أو المتفاهم العرفي.

[13] فمثلاً الأمواج الصوتية والتموجات الفكرية والإشعاعات والأشعة والإفرازات الكيماوية وغيرها كلها تكشف عن الشيء وتوضح خصوصياته ومواصفاته بل وأحيانا حتى كنهه، فتأمل.

[14] وسائل الشيعة: ج 18 ص 86 ب 9 ح 35، والوسائل: ج 18 ص 78 ب 9 ح 10. والامالي للشيخ الصدوق ص367 ح16 المجلس 58. وتفسير العياشي ج1 ص8 ح2 باب ترك الرواية التي بخلاف القرآن. وغيبة النعماني ص141 ح2 باب ما روي في غيبة الإمام المنتظر (عج).

[15] التعدية بلحاظ إلغاء الخصوصية وفهم المناط عقلاً وعرفاً، وربما يقال: بأن كل إخبار من هذا القبيل يتضمن، أو يستلزم إنشاء من ذلك القبيل.

[16] مجموعة ورام ج1 ص89 باب العتاب، وفيه : (كان رسول الله صلى الله عليه وآله خلقه القرآن) وراجع أيضا شرح النهج: ج6 ص340 ب83.

[17] الأنعام: 122.

[18] الأحزاب: 46.

[19] الحديد: 13.

[20] وسائل الشيعة: ج11 ص338 ب77 ح2، عن رسول الله (ص). ومجموعة ورام ج1 ص56 باب الظلم.

[21] ارشاد القلوب ص89 الباب الثاني والعشرون. ومجموعة ورام ج1 ص92 في بيان السببب الذي ينال به حسن الخلق على الجملة.

[22] أي الفضائل والرذائل.