الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

مؤد إلى النجاة استماعه (87)

الاستماع للقرآن الكريم

مسألة: يستحب الاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم، قال سبحانه: (وإذا قرء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا)[1]، وفي دعاء ختم القرآن عن الامام زين العابدين(عليه السلام): (جعلته نوراً نهتدي به من ظلم الضلالة والجهالة باتباعه، وشفاءً لمن أنصت بفهم التصديق الى استماعه)[2].

وفي الحديث عن الامام الصادق(عليه السلام) : (يجب الانصات للقرآن في الصلاة وغيرها، واذا قرء عندك القرآن وجب عليك الانصات والاستماع)[3].

وإنما جاء تعالى بلفظين[4]، لإمكان أن يستمع الإنسان وهو يتكلم بلا إنصات[5] فاللازم الاستماع والإنصات معاً.

ولذا ورد عنه (صلى الله عليه وآله): (العلم الإنصات، ثم الاستماع له، ثم الحفظ له، ثم العمل به، ثم نشره)[6].

أما وجوب الاستماع: فهو عند قراءة الإمام في الصلاة الجهرية حسب المسألة الفقهية المشهورة والتي ورد عليها الدليل، فتأمل.

و(استماعه): مصدر (استمع)، فإن أريد به المعنى المعهود من الاستماع، فقولها (عليها السلام): (مؤد إلى النجاة استماعه) بنحو المقتضي، إذ استماع الحق يسوق الإنسان نحو الالتزام به كثيراً ما.

ولكن قد يراد به المعنى الكنائي، وهو العمل، بأن يكون الاستماع كناية عن العمل، فمن عمل بالقرآن ينجو في الدنيا من المشاكل، وفي الآخرة من العذاب والعقاب، ويؤيد هذا المعنى موارد الاستعمال المتكثرة والآيات الشريفة.[7]

التزاحم بين الاستماع والقراءة

مسألة: إذا تزاحم الاستماع للقرآن مع تلاوة الإنسان نفسه، فقد يكون المقدم هو الأول في الجملة، بأن يترك القراءة ويستمع، لما فيه من الاحترام الأكثر والتأثر الأكثر أيضاً، فتأمل.

وقد سبق ان ذلك المنافق (ابن الكوا) لما قرأ القرآن وأمير المؤمنين علي(عليه السلام) في الصلاة، توقف الإمام (عليه السلام) عن القراءة حتى إذا انتهى عاد (عليه السلام) إلى القراءة، فلما قرأ ذلك المنافق القرآن مرة أخرى سكت الإمام (عليه السلام) ثم عاد إلى القراءة[8].

توجيه الآخرين نحو الاستماع

مسألة: يستحب تنبيه الآخرين على مطلوبية الاستماع إلى القرآن، خاصة إذا تلي في المجالس العامة كالفواتح وغيرها، هذا من الأمر المستحب، وقد قرر في باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: أن المعروف إذا كان مستحباً والمنكر إذا كان مكروهاً استحب الأمر بالأول والنهى عن الثاني[9]، وقد قالت (عليها السلام): (مؤد إلى النجاة استماعه).

هذا والاستماع بما هو هو ينقسم الى الأحكام الخمسة:

فالواجب: كالاستماع الى الحق في موارد وجوبه.

والمستحب: كالاستماع الى القرآن الكريم، وكقوله (عليه السلام): (من ترك الاستماع من ذوي العقول مات عقله)[10] فتأمل. وقال (عليه السلام): (عود أذنك حسن الاستماع)[11].

والمكروه: كالاستماع الى اللغو غير المحرم منه، قال تعالى: (والذين هم عن اللغو معرضون)[12].

وقال سبحانه: (واذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه)[13].

وقال علي (عليه السلام): (ولا تصغ الى ما لايزيد في صلاحك استماعه فان ذلك يصدي القلوب ويوجب المذام)[14].

والحرام: كالاستماع للغناء والغيبة، فقد (نهى (صلى الله عليه وآله) عن الغيبة والاستماع اليها.. ونهى عن النميمة والاستماع اليها)[15].

والمباح: غير ذلك.

وهل هناك فرق بين السماع والاستماع حكماً؟ ذكرنا تفصيله في الفقه[16].

كراهة الانشغال عن الاستماع

مسألة: يكره التكلم وكذا الانشغال بسائر الأعمال عن الاستماع للقرآن عند قراءته، اللهم إلا لضرورة أو أمر أهم[17].

والكراهة إنما تستفاد بمعونة الخارج، وإلا فلا تلازم بين كراهة الفعل واستحباب الترك، أو العكس، كما ذكروا في مبحث المستحبات والمكروهات، وإن قيل بين الواجب والحرام نحو هذا التلازم[18]، فإذا وجب شيء حرم تركه، وإذا حرم شيء وجب تركه، وهذا ليس بمعنى حكمين في موضوع واحـد، و إنما الحكم واحد فعلاً، وجوباً أو تحريماً، والآخر منتزع منه أو ظل له.

التدبر في القرآن الحكيم[19]

مسألة: يستحب التدبر في الآيات القرآنية، حين وإثر استماعها، بل مطلقا، قال تعالى: (افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب أقفالها)[20].

وقال علي (عليه السلام): (تدبروا آيات القرآن واعتبروا به فإنه ابلغ العبر)[21].

ولعل هذا من علل الحث على الاستماع ـ في الروايات ـ إذ بالتدبر في الكتاب ينال الإنسان العديد من حجج الله تعالى مما لا يكتشف في بادي النظر، وبالتدبر تنال مجموعة كبيرة من (عزائمه) وما لحقها مما ذكر في كلامها (عليها السلام) إلى قولها: (شرائعه المكتوبة).

ويتضح ذلك أكثر بملاحظة قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل بملاحظة الموارد الكثيرة التي استند فيها المعصومون (عليهم السلام) إلى القرآن الكريم[22].

وهناك الكثير ممن الأحكام الفقهية التي استند الفقهاء في استكشافها إلى التدبر في القرآن الكريم، كما يظهر ذلك من مراجعة كتب الفقه وآيات الأحكام[23] كما أن هناك الكثير من البحوث الكلامية والأصولية بل والاجتماعية والاقتصادية[24] وغيرها التي استنبطت من كتاب الله عبر التدبر والتأمل والتفكر.

هذا وقد ورد في روايات كثيرة الحض على ذلك، فمنها:

قوله (عليه السلام)(آيات القرآن خزائن فكلما فتحت خزانة ينبغي لك أن تنظر ما فيها).[25]

بل ربما أمكن القول باستفادة رجحان التدبر واستحبابه من هذه الجملة من خطبتها: (مؤد إلى النجاة استماعه) فإن الأمر بالإستماع يفيد ذلك عرفاً، مع لحاظ الفرق بين السماع والاستماع ولحاظ المقدمية.

بل قد يقال: بكون التدبر أكمل أفراد الاستماع، فتأمل.

هذا بالإضافة إلى ما ورد من قوله سبحانه: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)[26] فتكون هذه الآية وشبهها مؤيدة لهذه الاستفادة العرفية.

القراءة بصوت حسن مؤثر

مسألة: يستحب قراءة القرآن بأحسن الأصوات، وأشدها تأثيراً، فإنها أدعى للاتعاظ والاعتبار والخشوع.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا)[27].

وقال(صلى الله عليه وآله): (ان لكل شيء حليـة وحليـة القـرآن الصـوت الحسن)[28].

وقال (صلى الله عليه وآله): (ان حسن الصوت زينة القرآن)[29].

وهذا كالبحث الآنف أيضاً مما يستفاد من كلماتها (عليها السلام) عرفاً أو مقدمية، مؤيداً بما ورد من (قراءة القرآن بألحان العرب)[30] وما أشبه ذلك[31] من قراءتهم (عليهم الصلاة والسلام) القرآن بأصوات حسنة، فقد ورد:

(ان علي بن الحسين(عليه السلام) كان أحسن الناس صوتاً وكان يرفع صوته حتى يسمعه اهل الدار)[32].

و: (ان علي بن الحسين(عليه السلام) كان يقرأ فربما مر به المار فصعق من حسن صوته)[33].

و: (ان ابا جعفر (عليه السلام) كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وكان اذا قام في الليل وقرأ رفع صوته فيمر به مار الطريق من الساقين وغيرهــم فيقومـون فيستمعون الى قراءته)[34].

و: (كان (عليه السلام) أحسن الناس صوتاً بالقرآن فكان اذا قرأ يحزن وبكى السامعون لتلاوته)[35].

ومنه يعرف أرجحية كل شيء، من زمان أو مكان أو خصوصيات، أوجب الاستماع الأكثر أو مهد الأرضية لذلك.

[1] الأعراف: 204.

[2] الإقبال: ص268 الباب35 فيما نذكره من عمل آخر يوم من شهر رمضان.

[3] تفسير العياشي: ج2 ص44 ح132 من سورة الأعراف.

[4] في قوله سبحانه: (وإذا قرء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) الأعراف: 204. وفي تفسير (تقريب القرآن الى الأذهان): الانصات هو السكوت، ومن المعلوم ان الإنصات أخص من الاستماع، فان الإنسان ربما يستمع الى الكلام وهو يتكلم، ولذا نص عليه، فان الأدب ان يستمع الإنسان ولا يتكلم، وهذا الأمر للاستحباب ككثير من أوامر القرآن الكريم، كقوله: (وكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا) كما دلت على ذلك الأحاديث. انتهى.

[5] الإنصات هو: الاستماع مع سكوت أو توطين النفس على السماع مع السكوت، راجع التفاسير في تفسير الآية الشريفة، مثلاً: في تفسير مجمع البيان: (الإنصات: السكوت مع استماع، قال ابن الأعرابي: نصت وأنصت وانتصت: استمع الحديث وسكت)، وراجع أيضا مجمع البحرين مادة (نصت) وغير ذلك. وفي (لسان العرب) مادة (نصت): (الإنصات: هو السكوت والاستماع للحديث.. أنصت ينصت إنصاتا: اذا سكت سكوت المستمع).

[6] راجع الخصال: ص278 ح43 درجات العلم خمسة، وفيه: (عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهم السلام، قال: جاء رجل الى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله ما العلم؟ قال (صلى الله عليه وآله): الإنصات، قال: ثم مه؟ قال (صلى الله عليه وآله): الاستماع له، قال: ثم مه؟ قال (صلى الله عليه وآله): الحفظ له، قال: ثم مه؟ قال (صلى الله عليه وآله): العمل به، قال: ثم مه؟ قال (صلى الله عليه وآله): ثم نشره). ومنية المريد ص147. وشبهه في مجموعة ورام ج2 ص17.

[7] فمثلاً: فسرت (سماعون لهم)(التوبة: 47) أي: مطيعون، و(غير مسمع)(النساء: 46) أي: غير مجاب إلى ما تدعو إليه، و(فإنك لا تسمع الموتى)(الروم: 52) أي : لا تقدر أن توفق الكفار لقبول الحق، و(أعوذ بك من دعاء لا يسمع) أي : لا يستجاب ولا يعتد.. وهكذا، راجع (مجمع البيان) و(تقريب القرآن الى الأذهان) وغيرهما من التفاسير. وفي الكلام العربي: (استمع إلى فلان) أي: أطعه. وفي (لسان العرب) مادة (سمع): (قوله تعالى: (ان تسمع الا من يؤمن بآياتنا) أي ما تسمع الا من يؤمن بها، واراد بالاسماع ههنا: القبول والعمل بما يسمع، لانه اذا لم يقبل ولم يعمل فهو بمنزلة من لم يسمع.. ومنه قولهم (سمع الله لمن حمده) أي أجاب حمده وتقبله، يقال: اسمع دعائي: أي أجب، لان غرض السائل الاجابة والقبول).

[8] راجع تفسير القمي: ج2 ص160 سورة الروم. وبحار الأنوار: ج33 ص343 ب23 ح587 عن الصادق(عليه السلام): (كان علي بن أبي طالب(عليه السلام) يصلي وابن الكوا خلفه وأمير المؤمنين(عليه السلام) يقرأ، فقال ابن الكوا: (ولقد أوحي اليك والى الذين من قبلك لأن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) فسكت أمير المؤمنين(عليه السلام) حتى سكت ابن الكوا، ثم عاد في قراءته، حتى فعل ابن الكوا ثلاث مرات، فلما كان في الثالثة قال أمير المؤمنين(عليه السلام): (فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذي لا يوقنون).

[9] راجع موسوعة الفقه ج48 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 173 المسألة2.

[10] كنـز الفوائد: ج1 ص199 فصل من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) في العقل.

[11] غرر الحكم ودرر الكلم: ص215 الفصل الأول، القول واللسان، ح4211.

[12] المؤمنون: 3.

[13] القصص: 55.

[14] غرر الحكم ودرر الكلم: ص215 الفصل الأول، القول واللسان، ضمن الحديث 4211.

[15] مكارم الأخلاق: ص424 الفصل الثاني في ذكر جمل من مناهي النبي (صلى الله عليه وآله). والأمالي للشيخ الصدوق ص424 المجلس 66 عنه (صلى الله عليه وآله).

[16] راجع موسوعة الفقه كتاب المكاسب المحرمة ج1 ص254.

[17] ان صح التعبير.

[18] العقلي، فدقق.

[19] حول هذا المبحث وكثير من المباحث السابقة واللاحقة يراجع (الفقه: حول القرآن الحكيم) وكتب التفاسير للإمام المؤلف، وكتاب (خواطري عن القرآن) لآية الله المعظم الشهيد السيد حسن الشيرازي)قده(وكتاب (كيف نفهم القرآن؟) و(التدبر في القرآن) لآية الله السيد محمد رضا الشيرازي، وغير ذلك.

[20] محمد (صلى الله عليه و آله): 24.

[21] غرر الحكم ودرر الحكم ص111 ح1985 الفصل الرابع في القرآن.

[22] مثلاً في قصة قطع يد السارق حيث استند الإمام الجواد(عليه السلام) إلى قوله تعالى في سورة الجن:18 (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً)(راجع مستدرك الوسائل: ج4 ص454 ب4 ح5143. وتفسير العياشي ج1 ص319 ح109).

وكذلك تحديد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) أدنى مدة الحمل عبر الرجوع إلى آيتين من آيات القرآن، الآية الاولى هي: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين)(البقرة: 233) والآية الثانية: (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً)(الأحقاف: 15) حيث ان عمر أمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فنبهه علي(عليه السلام)، راجع الطرائف ص516 في وصف6 علي بن أبي طالب(عليه السلام) وعجيب آيات الله فيه.

وكذلك إجابة الإمام الصادق(عليه السلام) لمن سأله وقال: عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال(عليه السلام)؟: (يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله قال عز وجل: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج)(المائدة: 6) امسح عليه)(راجع الكافي: ج3 ص33 ح4، والتهذيب: ج1 ص363 ب16 ح27. والاستبصار: ج1 ص77 ب46 ح3. وبحار الأنوار ج2 ص277 ب33 ح32).

[23] مثلاً قوله تعالى: (أحل الله البيع)(البقرة: 275) وقوله سبحانه: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)(النساء: 29) وغيرهما حيث تدبروا في (البيع) وغيره، راجع للتفاصيل (المكاسب) للشيخ الأنصاري (قدس سره) و(الفقه: البيع) للإمام المؤلف (دام ظله).

[24] مثلاً : قوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)(الأنبياء: 22) و(إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)(المائدة: 55) و(ليذهب عنكم الرجس أهل البيت)(الأحزاب: 33) و(فلكم رؤوس أموالكم)(البقرة: 279) و(تلك الأيام نداولها بين الناس)(آل عمران: 140) و(وحسبوا ألا تكون فتنة)(المائدة: 714) و(لا إكراه في الدين)(البقرة: 256).

[25] الكافي: ج2 ص609 ح2.

[26] محمد: 24.

[27] عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ج2 ص69 باب فيما جاء عن الرضا(عليه السلام) من الأخبار المجموعة ح322.

[28] جامع الأخبار ص49 الفصل الثالث والعشرون.

[29] جامع الأخبار ص49 الفصل الثالث والعشرون.

[30] راجع مستدرك الوسائل: ج4 ص272 ب20 ح4675، وفيه: عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (اقرءوا القرآن بألحان العرب). وفي جامع الأخبار ص48 الفصل23 عنه (ص): (اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون اهل الفسق والكبائر..).

[31] كـ (اقرأ كما يقرأ الناس)(مستدرك الوسائل: ج4 ص226 ب56 ح4559 عن الصادق(عليه السلام)).

[32] وسائل الشيعة ج4 ص858 ب23 ح2.

[33] وسائل الشيعة ج4 ص858 ب23 ح2.

[34] وسائل الشيعة ج4 ص859 ب24 ح2. ومستدرك الوسائل ج4 ص274 ب20 ح4685، عن الشيخ الطبرسي في الاحتجاج.

[35] المناقب ج4 ص218 فصل في معالي أموره، (أي موسى بن جعفر(عليه السلام)).