الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

والعدل تنسيقاً للقلوب[1] (102)

أنواع العدل والظلم[2]

مسألة: يجب العدل في موارده، كما هو مستحب في موارده مثل: تقسيم اللحظة والنظرة والبسمة والسلام والتكلم مع الجلساء، وتقسيم ما عدا الحقوق المقررة تقسيماً مستحباً بين الأولاد أو الزوجات أو ما أشبه، إلى غير ذلك من النظائر، كما يدل عليه جملة من الروايات، وكما حققه علماء الأخلاق والكلام والفقه.

وقد ورد في عهده (عليه السلام) الى محمد بن أبي بكر حين قلده مصر: (وآس بينهم في اللحظة والنظرة)[3].

وفي الحديث: (العدل أحلى من الشهد وألين من الزبد وأطيب ريحاً من المسك)[4].

ومن البين أن العدل غير المساواة، وأن النسبة بينهما العموم من وجه، وكما يجب العدل يحرم الظلم، وهو يشتمل: ظلـم النفـس ـ روحـاً وجسمـاً ـ وظلـم العائلة، وظلم المجتمع، وظلم الحكومة[5] وظلم الحيوان والنبات والطبيعة، وظلم الأجيال القادمة أيضاً، والظلم الاقتصادي والاجتماعي وغيرها.

قال تعالى: (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).[6]

وقال سبحانه: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق)[7].

وقال تعالى: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم).[8]

وقال سبحانه: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها).[9]

وقال تعالى: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا).[10]

وقال سبحانه: (فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون).[11]

وقال تعالى: (يأكلون أموال اليتامى ظلماً...).[12]

وبكلمة جامعة: فإن (من يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون)[13] ولكل من تلك الأنواع مباحث مفصلة في مظانها[14].

قولها (عليها السلام): (تنسيقاً للقلوب)، فإن من أهم ثمار العدل تنظيم قلوب الناس، حيث يرى الناس أن الحاكم يساوي بين الناس ولا يقدم بعضاً على بعض، عبثاً واعتباطاً، ولذلك فهم يتعاطفون مع الحاكم ويلتفون حوله، كما تتوثق به أواصر العلاقة بينهم أنفسهم، وبعضهم مع بعض، والمجتمع الذي تسود فيه روح التعاطف والتحابب، وتتصافى فيه القلوب يكون مجتمعاً مستقراً متكاتفاً متقدماً إلى الأمام.

من مصاديق العدل ومظاهره

مسألة: قد جعل الإسلام العدل من قواعده الأساسية، قال سبحانه: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)[15].

وقال تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)[16].

وقال علي (عليه السلام): (العدل أقوى اساس)[17].

وقال (عليه السلام): (العدل زينة الامارة)[18].

ولذا لم يكن في الإسلام حدود جغرافية، ولا تمايز بالألوان واللغات والعشائر وما أشبه، بل (إن أكرمكم عند الله أتقيكم).[19]

ولهذا السبب التف الناس حول الإسلام أيما التفاف، بعد أن رأوا العدالة في مختلف شؤون:

العبادية..

والاقتصادية: كالإرث والضرائب الأربعة فقط وحق حيازة المباحات والتجارة الحرة..

والسياسية: فلكل من جمع الشرائط أن يكون والياً مثلاً، من أية لغة أو قومية أو ما أشبه، وكذلك (يسعى بذمتهم أدناهم)[20] وغير ذلك..

والجزائية... وغيرها.

فكل الناس في ذلك (شرع سواء)[21] إلا فيما خرج بالدليل كبعض الأمور النابعة من مقتضى واقع الحال والعدل، مثل (تعدد الزوجات) وأن (للذكر مثل حظ الأنثيين)[22]وما أشبه، حيث أن هذا الاختلاف ـ على ما بين في الشرع ـ

هو مقتضى العدالة، والمساواة في أمثال هذه الموارد هو على خلاف العدالة، وذلك كالمساواة بين البقال والمهندس، أو الجاهل والعالم، في الاحترام وفي العطاء، أو بين الطفل الصغير وأخيه الأكبر في كمية الأكل، أو ما أشبه ذلك، وقد ذكرت فلسفة كل تلك الموارد في الكتب المعنية بهذا الشأن.[23]

تأليف القلوب

مسألة: يستحب وقد يجب السعي لتنسيق القلوب وتأليفها وجمعها وتصافيها، قال تعالى: (لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف)[24].

وقال عز وجل: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).[25]

وذلك عبر تكريس التقوى في النفوس وعبر تربية النفس والناس على الإغضاء عن السيئة، والعفو والصفح، وعلى سعة الصدر، وفي الحديث: (المؤمن مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف)[26].

هـذا وفي الأحـاديـث: انـه بهم (عليهم افضل الصلاة والسلام) يؤلـف الله بـين القلوب، قال (عليه السلام): (بنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عدواة الفتنة)[27].

وعبر عدم فسح المجال لرواج الغيبة والتهمة والنميمة، وعبر سلسلة من البرامج العملية التي تقضي على التدابر والتحارب بين المؤمنين، كما فعل الإمام الصادق (عليه السلام) ذلك حيث دفع كمية من الأموال للبعض من أتباعه كي يصلح به أي نزاع مالي يحدث بين مؤمنين.

ومن الواضح أن أحكام الله تعالى تابعة لمصالح ومفاسد في المتعلقات، إلا نادراً[28] وهي (صلوات الله وسلامه عليها) تشير ههنا إلى أن المصلحة في إيجاب العدل ـ أو جزءها ـ هي تنسيق القلوب، وإذا كان كذلك كان الراجح، بل اللازم في بعض الأحيان: السعي لتنسيقها عبر ما يزيد على العدل كالإحسان مثلاً وكما فيما سبق.

[1] وفي بعض النسخ: (والعدل تسكيناً للقلوب) راجع علل الشرايع ص248 ح2 ب182 باب علل الشرايع وأصول الأحكام. وفي بعضها: (والحق تسكيناً للقلوب وتمكيناً للدين) راجع دلائل الامامة ص33 حديث فدك. وفي بعضها (والعدل تنسكاً للقلوب) راجع بلاغات النساء ص28 كلام فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله).

[2] راجع كتاب (العدل أساس الملك) للإمام المؤلف (دام ظله).

[3] راجع تحف العقول ص176. وشرح النهج ج15 ص163، ومن عهد له عليه السلام الى محمد بن أبي بكر حين قلده مصر.

[4] الاختصاص: ص262.

[5] قد يكون هذا من الإضافة للفاعل، وقد يكون من الإضافة للمفعول، أي: ظلم الحكومة للناس أو ظلم الناس للحكومة.

[6] النحل: 118.

[7] العنكبوت: 68.

[8] لقمان: 13.

[9] الإسراء: 59.

[10] النحل: 41.

[11] البقرة: 279.

[12] النساء: 10.

[13] البقرة: 229.

[14] راجع للإمام المؤلف (الفقه: الاجتماع) و(الفقه: الحقوق) و(الفقه: الدولة الإسلامية) و(الفقه: المحرمات) وغيرها.

[15] النحل: 90

[16] النساء: 58.

[17] غرر الحكم ودرر الكلم ص446 ح10203 الفصل الخامس في العدالة.

[18] اعلام الدين ص311.

[19] الحجرات: 13.

[20] وسائل الشيعة: ج6 ص366 ب1 ح4، عن الرسول (صلى الله عليه وآله).

[21] علل الشرايع ص96 ح6 باب علة النسيان والذكر.

[22] النساء: 11.

[23] راجع للإمام المؤلف: (الفقه: الاقتصاد(و)الفقه: الحقوق(و(القول السديد في شرح التجريد(و(شرح المنظومة(وغيرها.

[24] الأنفال: 63.

[25] الأنفال: 46.

[26] تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ج2 ص25.

[27] كشف الغمة ج2 ص483 ب11. والأمالي للشيخ المفيد ص251 المجلس29، والامالي ص288 المجلس34.

[28] كما لو كانت المصلحة في نفس الأمر أو النهي، كما في قصة أمره تعالى بذبح إسماعيل(عليه السلام). راجع التفاسير في تفسير قوله تعالى: (فلما بلغ معه السعي قال يا بني اني ارى في المنام أني اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني انشاء الله من الصابرين)(الصافات: 102).