الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

وطاعتنا نظاماً للملة (103)

وجوب إطاعة أهل البيت (ع)

مسألة: يجب إطاعة أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام) وإعلام الناس بذلك، فإن الله سبحانه وتعالى جعلهم (عليهم السلام) هداة للخلق بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كما جعل الأنبياء والمرسلين(عليهم السلام) هداة للناس، وكذلك الأمر في أوصياء الأنبياء (عليهم السلام)، وفي الأحاديث انه: (كان لكل نبي وصي)[1].

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أيها الناس، ان علياً إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم، وهو وصيي ووزيري وأخي وناصري، وزوج ابنتي وأبو ولدي، وصاحب شفاعتي وحوضي ولوائي، من أنكره فقد أنكرني ومن انكرني فقد أنكر الله، ومن أقر بإمامته فقد أقر بنبوتي ومن أقر بنبوتي فقد أقر بوحدانية الله عز وجل، ايها الناس من عصى علياً فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله)[2].

ولا يخفى أن الإيمان بوجوب إطاعة أهل البيت(عليهم السلام) إنما يكون بعد الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى نصبهم حججاً على خلقه وأدلة لعباده.

و(أهل البيت) يشمل فاطمة الزهراء (عليها السلام) ـ بالإضافة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) ـ وقد دلت على ذلـك

آية التطهير[3] وروايات متواتـرة[4]، فهـي (صلوات الله عليها) واجبة الطاعة، كوجوب طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله) والأئمة الاثني عشر (عليهم الصلاة والسلام).[5]

و(الملة): الطريقة والدين والشريعة[6]، أي: ما شرعه الله سبحانه لعباده بواسطة أنبيائه لإيصالهم للسعادة الدنيوية والأخروية، قال تعالى‎: (ملة أبيكم إبراهيم)[7] أي: دينه.وقد استعملت في مطلق الشرائع والملل حتى الباطلة، قال تعالى: (حتى تتبع ملتهم)[8] أي سنتهم وطريقتهم.

وقد تأتي بمعنى (الأمة) أيضاً[9].

و(النظام): بمعنى القوام، وبمعنى التأليف والجمع[10] وكـلا المعنيـين محتمـل هنا، ولكل منهما مرجحات، ويمكن أن يكون المراد به الجامع.

إطاعتهم (ع) سبب للنظام

مسألة: من الضروري التنبيه على أن طاعتهم (عليهم السلام) هو الذي يوجب إيجاد وحفظ واستقرار النظام، ودعوة الناس لذلك، فإن الملة والشريعة تحتاج إلى النظام بكلا معنييه، وطاعتهم (عليهم السلام) توجب جمع الملة وتأليفها وصونها عن التشتت والتناثر، كما توجب إقامة الملة والشريعة واستقامتها.

قال علي (عليه السلام): (والإمامة نظاماً للملة)[11].

ومن المحتم بالبرهان أن نظام ملة الإسلام وشريعته هو أفضل الأنظمة على الإطلاق، بل لا قياس بينه وبين غيره[12].

وأما ما يكون بإطاعة غيرهم من (النظام) فإنما هو ظاهري ومحدود وموقت[13] بل قد يكون أكثر إضراراً، ثم إنه (نظام) لمفردات ومصاديق وقوانين خاطئة في حد ذاتها غالباً، وقد قال الشاعر:

ولو قلدوا الموصى إليه أمورها لذمت بمأمون على العثـرات[14]

وقال: (ولو قدموا حظهم قدموكا).

وقال الرسول(صلى الله عليه وآله): (إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن تضلوا ما تمسكتم بهما وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)[15].

وقد ورد في تفسير قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)[16] أي ولاية علي وذريته (عليهم السلام)[17]. وقال (صلى الله عليه وآله): (وطاعتنا طاعة الله ومعصيتنا معصية الله عز وجل)[18].

وقال (عليه السلام): (نحن قوم فرض الله طاعتنا في القرآن)[19].

وقال (عليه السلام): (ان الله تبارك وتعالى اوجب عليكم حبنا وموالاتنا وفرض عليكم طاعتنا)[20].

وقال (عليه السلام): (طاعتنا فريضة وحبنا إيمان وبغضنا كفر)[21].

حماية حماة الشريعة

مسألة: يجب إيجاد الشروط والظروف الموضوعية التي توفر الدعم والحماية لمن هم (عليهم السلام) بأقوالهم وسيرتهم السبب في نظام الشريعة، فإن حمايتهم حماية للشريعة نفسها، قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى)[22].

فإنه يستفاد من كلامها (عليها السلام) أمران:

الأول: لزوم النظام للملة أولاً وبالذات، وهذا أمر عقلي قبل أن يكون شرعياً[23].

الثاني: إن هؤلاء المعصومين(عليهم السلام) هم الذين ينظمون الملة، وهذا شرعي من باب الأدلة النقلية الوفيرة، وعقلي من باب انطباق المواصفات اللازمة (عليهم السلام) دون غيرهم[24].

فإن ملة الإسلام تنتظم أمورها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية والعسكرية والعائلية والمعاملية وغيرها بطاعة المعصومين (عليهم السلام) وذلك لأن التشريعات الإلهية والأحكام النبوية التي يتولونها توجب النظم وعدم الفوضى والخلل والاضمحلال.

و(الملة) بملاحظة مادتها قد تفيد معنى مل[25] بمعنى الملل لأن الطريقة الوحيدة المتبعة توجب التكرار المسبب للملال غالباً، هذا من جهة اللفظ.

أما الواقع فإن الصحيح والمستقيم والحق هو الذي لا يمل وإن تكرر، ولذا لايمل ضوء النهار وجريان الأنهار وغير ذلك من الأمور التكوينية على تكررها، وكذا الحال في الأمور التشريعية، فإنه لا يحيد أي عاقل عن الصحيح إلى غير الصحيح، وإن تكرر الصحيح، نعم من كان منحرفاً في ذاته ربما رجح الباطل.

[1] مستدرك الوسائل: ج14 ص206 ب33 ح16512.

[2] معاني الأخبار ص372 ح1 باب معنى وفاء العباد بعهد الله.

[3] الأحزاب: 33.

[4] راجع (عوالم العلوم ومستدركاته) و(بحار الأنوار) و(دلائل الصدق) و(الغدير) و(احقاق الحق) و..

[5] راجع (من فقه الزهراء عليها السلام) المجلد الأول، المقدمة. وراجع أيضاَ المقدمة وهوامشها من هذا الكتاب.

[6] وفي (لسان العرب) مادة (ملل): (والملة: الشريعة والدين.. وقيل: هي معظم الدين.. وملتهم: ..سنتهم وطريقتهم).

[7] الحج: 78.

[8] البقرة: 120.

[9] وفي لسان العرب مادة (ملل): (وفي الحديث: لا يتوارث أهل ملتين، الملة : الدين، كملة الاسلام والنصرانية واليهودية).

[10] قال في مجمع البحرين: (النظام، بالكسر: الخيط الذي ينظم به اللؤلؤ). وقال في لسان العرب: (النظم: التأليف.. وكل شئ قرنته بآخر أو ضممت بعضه إلى بعض فقد نظمته). وفي القاموس المحيط: (النظم(التأليف وضم شئ إلى شئ آخر... ونظم اللؤلؤ: ألفه وجمعه في سلك فانتظم). وفي المنجد: (ومنه نظم الشعر لتأليفه كلاماً موزوناً ومقفى).

فعلى هذا يكون المراد بقولها عليها السلام: (وطاعتنا نظاماً للملة) تشبيه الملة، أي: الشريعة باللآلي المنتثرة التي تكون إطاعتهم عليهم السلام سبباً لتأليف الدرر وجمعها على نظام بديع.

هذا بالنسبة للمعنى الثاني الذي ذكره الإمام المؤلف (دام ظله) وأما بالنسبة للمعنى الأول فقد جاء في مجمع البحرين: (نظمت الأمر فانتظم أي أقمته فاستقام(وفي المنجد: (نظام الأمر قوامه) وفي لسان العرب: (نظام كل أمر ملاكه ... وليس لأمرهم نظام أي ليس له هدى ولا متعلق ولا استقامة(فعلى هذا يكون المراد بقولها عليها السلام : (نظاماً للملة) ان بإطاعتهم عليهم السلام يستقيم الدين ويستحكم، ولولا إطاعتهم لضعف واضمحل، قال : (اني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)(وسائل الشيعة: 18/19 ب 5 ح 9).

[11] غرر الحكم ودرر الكلم ص176 ح3376، الفصل الثالث أهمية الفرائض وبعض فلسفتها.

[12] راجع موسوعة الفقه، كتاب القانون.

[13] أشار دام ظله بقوله (ظاهري(إلى عدم تجذر هذا النظام بل هو كـ (الخشب المسندة)، وبقوله (محدود(إلى عدم شموليته لشتى أبعاد الحياة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية... ، وبقوله (مؤقت(إلى عدم استمرار هذا النظام على مر الأعصار، أي أشار إلى العمق والسعة والامتداد الزمني، وقد أوضح الإمام المؤلف (دام ظله) الثغرات الهيبة في الحضارة الغربية وفي عدة كتب، منها: كتاب)الغرب يتغير(كما تطرق إلى ذلك في مواطن شتى من)الفقه: السياسة(و(الفقه : القانون(و (الفقه الحقوق(و(الفقه: الاقتصاد(و)الفقه : الدولة الإسلامية(وغيرها.

[14] من قصيدة دعبل الخزاعي التي قرأها عند الإمام الرضا(عليه السلام). راجع بحار الأنوار: ج49 ص245 ب17 ح13. وكتاب (العدد القوية) ص281 نبذة من احوال الامام الرضا(عليه السلام) وكيفية شهادته.

[15] هذه الرواية من الأخبار المتواترة، وقد رواها الفريقان في مختلف كتبهم، راجع (الغدير) للعلامة الأميني رحمه الله، و(المراجعات) للمرحوم شرف الدين، وبحار الأنوار للمجلسي (قدس سره): ج5 ص68 ب2 ح1. والأمالي للشيخ الصدوق ص522 ح1 المجلس79. ومعاني الأخبار ص90 و91 ح2و4و5 باب معنى الثقلين والعترة. وعيون أخبار الرضا(عليه السلام) ص228 ح1 باب ذكر مجلس الرضا(عليه السلام) مع المأمون في الفرق بين العترة والأمة. وكمال الدين ص234ح44 باب اتصال الوصية من لدن آدم(عليه السلام) وان الارض لا تخلو من حجة الله عز وجل على خلقه الى يوم القيامة. وكمال الدين ص235 ح46، وص239 ح58، وص240 ح64، وص244 و247. والفصول المختارة ص221. والمسائل الجارودية ص42. والمناقب ج1 ص235. وكشف الغمة ج1 ص43 وص256. وكشف الغمة ج2 ص509. وتفسير القمي ج2 ص345 سورة الرحمن. والصراط المستقيم ج2 ص101. ودعائم الاسلام ج1 ص27. ومتشابه القرآن ج2 ص45 وص57. وروضة الواعظين ص273. وبصائر الدرجات ص412و414. والطرائف ص115 و116 و121 و190. واعلام الورى ص396. والعمدة ص71 ح88، وص83 و338. وتحف العقول ص425و458. وبشارة المصطفى ص136و228. وسعد السعود ص64و130و149و227.و دلائل الامامة ص43. ونهج الحق ص394. وقصص الأنبياء للراوندي ص360. وكشف اليقين ص335و425. وكتاب سليم بن قيس ص207. وغيبة النعماني ص29و54. وتقريب المعارف ص125. وكفاية الأثر ص87و136و162و210. ومثير الأحزان ص19. والحجة على إيمان ابي طالب(عليه السلام) ص65. ومائة منقبة ص161 المنقبة86.

[16] آل عمران: 103.

[17] راجع تفسير العياشي ج1 ص194 ح122 و123 من سورة آل عمران، وفيه: (قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوله (واعتصموا بحبل الله جميعاً) قال: علي بن أبي طالب حبل الله المتين). وعن جابر عن ابي جعفر(عليه السلام) قال: (آل محمد هم حبل الله).

[18] الأمالي للشيخ الصدوق ص558 المجلس82 ح16.

[19] المقنعة ص278 باب الأنفال عن الصادق(عليه السلام). وشبهه في المناقب ج4 ص215. وبصائر الدرجات ص204 ح6 باب في ان الائمة عليهم السلام اوتوا العلم واثبت ذلك في صدورهم.

[20] الاختصاص: ص241.

[21] المناقب ج4 ص206 فصل في معالي أموره، عن الباقر(عليه السلام)، وفي صدر الحديث: (نحن ولاة أمر الله وخزان علم الله وورثة وحي الله وحملة كتاب الله..).

[22] المائدة: 2.

[23] راجع موسوعة الفقه، كتاب القانون.

[24] راجع كتاب (الألفين) للعلامة الحلي قدس سره.

[25] على القول بأن المصدر مشتق من الفعل، الأمر واضح، وأما على العكس فليس المقصود ـ كما هو واضح ـ الاشتقاق، إذ هذا بلحاظ الصورة، بل الجامع، وقد أشار الإمام المؤلف إلى ذلك بكلمة (مادتها).