الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

والصبر معونة على استيجاب الأجر[1] (106)

الصبر[2]

مسألة: يجب الصبر في موارد، ويستحب في موارد أخرى، كما سيأتي.

وحيث أطلقت (عليها السلام)(الصبر) شمل الصبر على أداء الواجبات والصبر عن المحرمات والصبر في النوازل والمصائب والمشاكل الشخصية والعائلية والاجتماعية بمختلف أبعادها، كما ورد في الحديث: (الصبر على ثلاثة أوجه، فصبر على المصيبة وصبر عن المعصية وصبر على الطاعة)[3].

ومن الواضح أن الصبر في هذه المواطن المذكورة بين واجب ومستحب، كالكثير من الأحكام الجوارحية والجوانحية الأخرى.

وإلى الأقسام الثلاثة من الصبر أشارت الآيات الكريمة: قال تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها).[4] وقال سبحانه: (فاصبر لحكم ربك).[5] وقال تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم).[6]

وقال سبحانه: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل).[7]

وقال تعالى: (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس).[8]

إلى غير ذلك من الآيات الشريفة.

وحيث إنها (عليها السلام) كانت في صدد بيان بعض الفروع المهمة التي لها مدخلية في قوة المجتمع واستقامته وتقدمه ذكرت الصبر، إذ (الصبر مفتاح الفرج)[9] وسبب التقدم ويدفع الإنسان على تحمل ما يوجب له الأجر في الدنيا والآخرة، قال سبحانه: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور).[10]

فإنه لا يتقدم متقدم في أي بعد من أبعاد الحياة ـ سواء كان فرداً أم أمة أم جماعة ـ إلا بالصبر، وقال تعالى: (وإن منكم عشرون صابرون يغلبوا مأتين)[11].ولذا قال علي (عليه السلام): (اعلموا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا خير في جسد لا رأس له)[12].

وفي الحديث: (ولا ايمان لمن لا صبر له)[13].

وقال (عليه السلام): (نعم عون الدين الصبر)[14].

وقال (عليه السلام): (افضل العبادة الصبر)[15].

وقال (عليه السلام): (الزم الصبر فان الصبر حلو العاقبة ميمون المغبة)[16].

ومن الواضح ـ بعد ذلك ـ أن الصبر حالة إيجابية، ولذا قال تعالى: (استعينوا بالصبر والصلاة)[17] وليس حالة سلبية، فإنه يعني الصبر على مشاق الطاعات كالصلاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر عن إتيان المحرمات، أما الصبر في مشاق الحياة فهو يعني تحملها بجلد دون الانهيار تحت وطأتها (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات)[18] فيما لا قدرة للإنسان على الخلاص منها ـ دائماً أو لفترة ـ كمرض ميؤوس منه أو سجن لا مخلص للإنسان منه.

أما إذا كان له طريق للخلاص من المرض أو الفقر أو سجن الحاكـم الجائر أو ما أشبه ذلك من مشاكل الحياة، فعليه أن يسعى للخلاص منه.

فـ: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)[19] وقال تعالى: (ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)[20].

لا أن يبقى الإنسان على الوضع الذي هو فيه ـ مما لا يريده الله سبحانه ـ مدعياً الصبر[21]، قال تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها).[22]

السعي لاستحقاق الأجر والثواب

مسألة: يجب ـ في الجملة ـ القيام بما يوجب استحقاق الأجر والثواب، وهو الذي اعتبرته (عليها السلام) العلة لجعله جل وعلا (الصبر).

و(استيجاب الأجر) أي استحقاقه[23] كما ورد في الدعاء: (من غير استحقاق لاستماعك مني ولا استيجاب لعفوك عني)[24].

و: (وباعدتني عن استيجاب مغفرتك)[25].

وفي الصحيفة السجادية: (ولا يبرئ نفسه من استيجاب نقمتك)[26].

وقد يجيء باب الاستفعال بمعنى الفعل المجرد[27] فيكون الصبر ـ على هذا ـ معونة على ثبوت الأحر ولزومه، فان العمل الصالح يحتاج الى لزوم اجره وثبوته بنحو العلة المبقية، وكثير من الناس من يجبط عمله بـ (الجزع) مثلاً، فالصبر هو المعين على دوام الأجر وعدم حبطه، قال (عليه السلام): (من اعطي الصبر لم يحرم الأجر)[28]. وحيث أن (الأجر) بين ما يجب عقلاً تحصيله أو المحافظة عليه، وبين ما يستحب، كان إتيان وإنجاز ما يوجبه بين واجب ومستحب، فمثلاً: الفقير الذي يكتسب لقوت يومه وقوت عياله، يجب عليه العمل لاستيجاب الأجر الذي يوفر لهم المأكل والملبس، أما الزائد منه على قدر الضرورة فهو مستحب[29]. و(الأجر) قد ينصرف للأجر الإلهي، ولكنه لغة وعرفاً يطلق على الأجر الدنيوي منه والأخروي، وربما يستظهر من كلامها (عليها السلام) إرادة الأعم، وقد يؤيد ذلك بقرينة السياق، فتأمل.

[1] وفي بعض النسخ: (والصبر معونة على الاستجابة).

[2] راجع)الفضيلة الإسلامية(للمؤلف و)جامع السعادات(للمولى النراقي (قده).

[3] الارشاد ج1 ص302 ومن كلامه عليه السلام في وصف الانسان. ومثله في تحف العقول ص206.

[4] طه: 132.

[5] القلم: 48. والإنسان: 24.

[6] الكهف: 28.

[7] الأحقاف: 35.

[8] البقرة: 177.

[9] بحار الأنوار: ج68 ص74 ب72 ح7)بيان). وشرح النهج ج20 ص307 ح514. وفي تحف العقول ص207: (الصبر مفتاح الدرك).

[10] الشورى: 43.

[11] الأنفال: 65.

[12] الخصال ص315 ح96. وبحار الأنوار: ج2 ص115 ب16 ح10.

[13] عيون اخبار الرضا(عليه السلام) ص44 ح155.

[14] دعائم الاسلام ص534 ح1899 كتاب آداب القضاة.

[15] تحف العقول ص201.

[16] غرر الحكم ص284 ح6353، الفصل السابع في الصبر والحلم والاستقامة.

[17] البقرة: 153.

[18] هود: 11.

[19] الرعد: 11.

[20] البقرة: 250.

[21] راجع (الفضيلة الاسلامية) للإمام المؤلف (دام ظله).

[22] النساء: 97.

[23] استوجب الشيء استيجاباً: استحقه : راجع (لسان العرب) وغيره.

[24] مصباح المتهجد ص582 دعاء السحر في شهر رمضان. والبلد الأمين ص205 دعاء السحر لعلي بن الحسين(عليه السلام).

[25] البلد الأمين ص387 دعاء الاعتقاد. ومهج الدعوات: ص253 ومن ذلك دعاء الرضا(عليه السلام)..

[26] الصحيفة السجادية ص194 وكان من دعائه(عليه السلام) في طلب العفو والرحمة.

[27] راجع (البلاغة(للإمام المؤلف، فيكون الإستيجاب بمعنى الوجوب، واستيجاب الأجر أي: وجوبه، والوجوب هو الثبوت واللزوم.

[28] الخصال ص202 ح16، من اعطي اربعاً لم يحرم اربعاً، عن الصادق(عليه السلام).

[29] راجع (المسائل الإسلامية) ص 494.