الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد[1] (109)

صلة الأرحام

مسألة: تجب صلة الأرحام، وتستحب بعض درجاتها، كما تستحب في بعض الأرحام، أصلاً وفصلاً، قال تعالى: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)[2].

وقال (صلى الله عليه وآله): (صلة الرحم تزيد في العمر)[3].

وقال (عليه السلام): (صلة الأرحام تزكي الأعمال)[4].

وقال (عليه السلام): (صلة الأرحام تثمر الأموال وتنسيء في الآجال)[5].

وقال (عليه السلام): (صلة الرحم تزيد في الرزق)[6].

وكل من (الصلة)[7] و(الأرحام)[8]موضوعان عرفيان، بمعنى: أن العرف هـو

المرجع في تشخيص ما هو صلة وما ليس بصلة، ومن هو رحم ومن ليس برحم.

نعم لا يبعد الفرق بين الأرحام القريبة والبعيدة[9] وربما يحتمل أن الرحم البعيدة البعيدة جداً ـ مما يصدق عليها مع ذلك رحم لا كمثل القرابة معه في آدم وحواء (عليهما السلام) ـ يستحب صلتها وليست بواجبة.

قطع الرحم

مسألة: وكما تجب صلة الرحم يحرم قطعها، والكلام في القطع هو الكلام في صلة الرحم، من جهة الخصوصيات موضوعاً وحكماً، مضافاً ومضافاً إليه، وقد ذهب العديد من الفقهاء[10]ـ وهو المختار ـ إلى أن قطع الرحم ليست معصية فحسب ،بل هي من الكبائر أيضاً، قال تعالى: (فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم اولئك الذين لعنهم الله).[11]

وقال الصادق (عليه السلام): (لا يجد ريح الجنة عاق ولا قاطع رحم).[12]

وقال (عليه السلام): (من قطع رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه)[13].

وقال (عليه السلام): (ما آمن بالله من قطع رحمه)[14].

السعي لطول العمر[15]

مسألة: يستحب أن يأتي الإنسان بما يؤدي إلى طول عمره، من الأسباب والعوامل الجسمانية والنفسانية والغيبية، إذ قد ذكرت (عليها السلام) أن الله سبحانه جعل لصلة الرحم ـ الواجبة في الجملة والراجحة مطلقا ـ طول العمر ثواباً وجزاءً، وقد تقدم وجه الاستدلال، وقد ورد: (وان تطيل عمري وتمد في أجلي)[16] و: (وان تجعل فيما تقضي وتقدر ان تطيل عمري)[17] و: (اسألك ان تطيل عمري في طاعتك)[18] و: (وان تصلي على محمد وآل محمد وأن تطيل عمري)[19] و: (وطول العمر وحسن الشكر)[20] وما أشبه ذلك.

ولما سئل (صلى الله عليه وآله) عن السعادة؟ قال: (طول العمر في طاعة الله)[21].

أما سؤال علي (عليه الصلاة والسلام) والزهراء (صلوات الله عليها) من الله تعالى الموت ـ كما هو المشهور[22] فهو للتزاحم من باب قاعدة (الأهم والمهم) ولبيان المظلومية وغير ذلك.

هذا وقد قال تعالى مخاطباً اليهود (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم انكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليهم بالظالمين).[23]

ثم ان تأثير صلة الرحم في طول العمر وزيادة العدد، يمكن أن يكون بالأسباب الغيبية، ويمكن أن يكون بالأسباب الظاهرية، فإن من يصل رحمه يكون مرتاح الوجدان، مطمئن الضمير، واطمئنان الضمير وسكون النفس يوجبان طول العمر، لتأثير كل من الروح والبدن في الآخر، كما ذكرناه في مبحث آخر من هذا الكتاب، إضافـة إلى أن صـلة الرحم يوجب الحيـلولة دون كثير من النزاعات ـ التي تتولد وتتزايد من قطع الرحم واستمراره ـ ومن الواضح تأثير النزاعات على تحطيم الأعصاب وتدمير الصحة، وقد فصلنا البحث في كتاب الآداب والسنن[24]، وربما يشير إلى ذلك قوله (عليه السلام): (صلة الأرحام تحسن الخلق وتسمح الكف وتزيد في الرزق وتنسئ في الأجل).[25]

وكذلك الأمر في تأثير صلة الرحم في تكاثر العدد لما سبق، والظاهر انه لا مانعة من الجمع بين الوجهين السابقين.[26]

التكثير في النسل[27]

مسألة: يستحب التناسل والتكثير من الأولاد، وقد اعتبرته (عليها السلام) النتيجة الثانية لجعله جل وعلا (صلة الرحم) وأمره بها، كما اعتبرته مشوقاً للناس وطريقاً لحضهم على صلة الرحم، فإن كثرة الأولاد مطلوبة للشارع كما هو واضح، وقد قال (صلى الله عليه وآله): تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط.[28]

وقال (صلى الله عليه وآله): (تزوجوا الودود الولود)[29].

وقال (صلى الله عليه وآله): (سوداء ولود خير من حسناء عقيم)[30].

وقال (صلى الله عليه وآله): (وخير النساء الودود الولود)[31].

وقال (عليه السلام): (تناكحوا تناسلوا)[32].

وقال (عليه السلام): (حصير ملفوف في زاوية البيت خير من امرأة لا تلد)[33].

وفي القرآن الكريم: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً)[34].

وقال تعالى: (ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين)[35].

وبالعكس من كل ذلك قطع الرحم فإنه يقصر العمر وينقص العدد، وربما أدي إلى اندثار أسر بكاملها.

قولها (عليها السلام): (منماة) لوضوح ان الأرحام إذا وصل بعضهم بعضاً ازدادوا تعاضداً وتعاوناً، وتنامي حالة التآلف والتعاون والتقارب بين الأرحام وتلك توجب كثرة النسل، إذ توفر الأرضية الطبيعية للزواج وتذلل العقبات التي تحول دونه، كما توجب اطمئنان العوائل والأسر بمستقبل أبنائهم فيحضهم ذلك على زيادة النسل، إلى غير ذلك من أسباب النمو العددي.

اما ما يرى اليوم في بعض البلاد الإسلامية من الحث على قلة النسل فهو من حيل الاستعمار[36].

[1] وفي بعض النسخ: (وصلة الأرحام منماة للعدد وزيادة في العمر) راجع دلائل الإمامة ص33 حديث فدك.

[2] النساء: 1.

[3] غوالي اللئالي ج1 ص46 الفصل الرابع. وكنز الفوائد ص157 فصل في الكلام في الآجال.

[4] تحف العقول ص 229.

[5] غرر الحكم ودرر الكلم ص406 ح9308، الفصل الثاني في الرحم.

[6] معاني الأخبار ص264 ح1 باب معنى تثقل الرحم.

[7] الصلة هنا بمعنى: البر (مجمع البحرين).

[8] الرحم: من يجمع بينك وبينه نسب(مجمع البحرين) فيخرج بذلك الترابط السبـبي كأقارب الزوجة للزوج وبالعكس، وفي (لسان العرب): (الرحم: القرابة، وذو الرحم هم القرابة، وخصها البعض بالقرابة من جهة الأب)، وقيدها بعض بنمط آخر: (المحارم الذين يحرم التناكح بينهم(، والصحيح ما ذهب إليه المؤلف، والذي يبدو أن المعنى العرفي له: هو القرابة النسبية بمعنى كل ذي رحم وإن بعد ولكن إلى الحد الذي يسميه العرف رحماً، راجع سفينة البحار مادة (رحم).

[9] أي في مراتب الاستحباب مثلاً.

[10] ومنهم الشهيد)قدس سره(في القواعد. وراجع أيضاً موسوعة الفقه ج93 كتاب المحرمات ص305، وفيه: (لا اشكال في ان قطع الرحم من الكبائر، وكل واحد من الرحم والقطع موضوعان عرفيان، وفي مورد الشك المرجع الأصول).

[11] محمد: 22و23.

[12] وسائل الشيعة: ج3 ص369 ب23 ح11. ومستطرفات السرائر ص595. ومثله في معاني الأخبار ص330 ح1 باب معنى الحيوف والزنوق والجواض والجعظري. وارشاد القلوب ص179 ب51.

[13] فضائل الأشهر الثلاثة ص77 ح61 كتاب فضائل شهر رمضان. وروضة الواعظين ص345 مجلس في ذكر فضل شهر رمضان.

[14] غرر الحكم ودرر الكلم ص407 ح9327 الفصل الثاني في الرحم.

[15] راجع موسوعة الفقه: كتاب (المسائل المتجددة).

[16] العدد القوية ص381.

[17] المقنعة ص341 باب الدعاء في كل يوم منه وشرحه. والإقبال ص24 دعاء بعد كل فريضة. والبلد الأمين ص226 دعاء السحر لعلي بن الحسين(عليه السلام).

[18] الإقبال ص25.

[19] الإقبال ص26.

[20] المقنعة ص192 باب دعاء الوداع ، وتدعو في آخر ليلة من الشهر.

[21] مجموعة ورام ج1 ص92.

[22] راجع بحار الأنوار ج43 ص177 ب7 ح15 عن فضة ان فاطمة الزهراء عليها السلام كانت تقول: (يا الهي عجل وفاتي سريعا). وفي علل الشرايع ص43 باب38: عن نبي من الأنبياء انه قال: (سيدي قد ترى ضيق مكاني وشدة كربتي، فارحم ضعف ركني وقلة حيلتي وعجل بقبض روحي ولا تؤخر إجابة دعائي).

[23] الجمعة :7و6.

[24] راجع موسوعة الفقه ج94-97 كتاب الآداب والسنن.

[25] الكافي: ج2 ص151 ح6 باب صلة الرحم.

[26] أي القول بأن تأثير صلة الرحم في طول العمر وزيادة العدد لأسباب غيبية أو لأسباب ظاهرية.

[27] راجع تفصيل هذا المبحث في كتاب)الفقه: النكاح(و(الفقه: الآداب والسنن(و)العائلة(للإمام المؤلف.

[28] جامع الأخبار ص101 الفصل58 في التزويج. وسفينة البحار: ج1 ص561، الطبعة القديمة. وفي الخرائج ص940 عنه (صلى الله عليه وآله): (تناكحوا تناسلوا فاني أباهي بكم الأمم) ومثله في غوالي اللئالي ج2 ص125 ح343. والغوالي ج2 ص261 ح1 باب النكاح.

[29] جامع الأخبار ص101 الفصل الثامن والخمسون في التزويج.

[30] جامع الأخبار ص101 الفصل الثامن والخمسون في التزويج. و مثله في (مسكن الفؤاد) ص22و23 الباب الأول.

[31] دعائم الإسلام ج2 ص191 ح689 فصل في ذكر الرغائب في النكاح. وغوالي اللئالي ج3 ص293 باب النكاح.

[32] غوالي اللئالي ج3 ص288 باب النكاح ح38.

[33] غوالي اللئالي ج3 ص288 باب النكاح ح39.

[34] نوح: 10-12.

[35] الإسراء: 6.

[36] راجع كتاب (العائلة) للإمام المؤلف، وفيه تحت عنوان (فكرة تحديد النسل من وراءها): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (تناكحوا تناسلوا تكثروا). وقال أيضاً: (تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط). والحديثان يتضمنان حكماً وإن كان على سبيل الاستحباب لكن خلافه كخلاف كل مستحب ومكروه لا يكون إلا في حالة الضرورة، فإن صلاة الليل مثلاً مستحبة ولا تسقط عن الاستحباب إلا لضرورة، وهكذا بقية المتسحبات، ويدخل إكثار النسل ضمن هذه القاعدة. لكن ما يجري اليوم خلاف هذه الحقيقة تماماً، فقد أصبحت فكرة (إكثار النسل) فكرة غريبة على المسلمين وأحلوا محلها فكرة (تحديد النسل) التي كانت مستهجنة عند المسلمين حتى قبل سنين. فحتى في أشد فترات التأريخ بؤسا من التاريخ الإسلامي لم نشاهد من يدعو إلى هذه الأفكار المخالفة للعقل والفطرة. صحيح إنه كان بعض الحكام يقترفون المنكرات لكن كانت قوانين الإسلام جارية ـ عادة ـ في المجتمع فكان الاقتصاد إسلامياً والمجتمع مسلماً، فلم تظهر في هذا المجتمع بوادر سلبية منحرفة. أما اليوم وبعد أن دخل الاستعمار الغربي بلادنا:

انقلب كل شئ .. انقلب الحرام حلالاً.. اصبح الغناء أمراً شائعاً.. أصبح القمار أمراً مألوفاً.. وأضحت الضرائب والمكوس والحدود الجغرافية ومصادرة الحريات والكبت والإرهاب والمنع عن الحج أموراً جائزة. وفي هذا الجو المنقلب على الإسلام أتتنا دعوة من الغرب تدعو المسلمين إلى تحديد النسل، بحجة تدني المستوى الاقتصادي للأسرة، وهبوط مدخولات الدول التي لا تستطيع أن تفي بتعهداتها، من قبيل فتح المدارس وإنشاء المستشفيات، وما إلى ذلك من الخدمات الاجتماعية. أما هم فيشجعون أبناءهم على الزواج المبكر، ويشجعون التناسل والدعوة إلى الزواج والإنجاب، تبدأ مع تدريس الأولاد في الابتدائية وصاعداً. وهناك مخاوف كبيرة لدى العديد من قادة الغرب مفادها: إن الشعوب الأوربية في طريقها إلى الانقراض إذا بقي العد العكسي في معدلات نمو السكان. وهم يعرفون لماذا تنقرض شعوبهم؟ يعرفون السبب الكامن وراء تناقص السكان في أوربا.. إن أهم سبب يكمن وراء ذلك هو الدعوة إلى تحديد النسل التي راجت أوربا في الستينات، والتي زرعت في الذهنية الأوربية فكرة: إن إنجاب الأولاد هو عمل خاطئ، وظل الأوربيون يحملون هذه الفكرة حتى تضائل نسلهم. واليوم اكتشفوا، إن الخطأ ليس في عملية الإنجاب بل في الدعوة إلى تحديد الإنجاب. واليوم ومع الأسف الشديد صدروا لنا هذه الدعوة بعد أن ذاقوا مساوئها، جاءوا بها إلى العالم الإسلامي ليدعوا المسلمين إلى تحديد النسل. وبعيداً عن الهالة التي أحاطوا بهذه الدعوة نستطيع أن نستقصي أهداف الغربيين منها، أنها من أجل دفع المسلمين إلى التضاؤل، فقد وجدوا في هذه الدعوة السلاح الفتاك القادر على أضعاف المسلمين بعد أن فشلت أسلحتهم الأخرى. نتساءل لماذا لا يطالبون اليهود في فلسطين المغتصبة بتحديد النسل؟ لماذا لا نجد اليهود لا يعيرون أية أذن صاغية لهذه الدعوة؟ لماذا تشجع إسرائيل الإكثار من النسل، حتى أصبح من المناظر المألوفة ـ كما يذكر الصحفيون الذين زاروها ـ منظر النساء الحوامل وهن يجلن في الشوارع أو يعملون في المتاجر أو يدرسن في المدارس أو يشتغلن كشرطيات؟ لماذا تحرم إسرائيل الدعوة إلى تحديد النسل ونحن المسلمون نحلها، حتى البعض منا يعتبرها من الواجبات كالصوم والصلاة والعياذ بالله. إن قضية تحديد النسل دعوة سياسية هدفها تضعيف المسلمين ولا علاقة لها بالأمور الاقتصادية بالرغم مما يقولون. فنحن نتساءل: لماذا تحديد النسل؟ هل أن السنن الإلهية تغيرت في الكون؟ أم أن الطبيعة ومخلوقات الله تبدلت؟ أم أن أحكام الله سبحانه تختص بزمان دون آخر؟ أم لقلة أراضينا ومياهنا؟ أم لقلة مواردنا وإمكاناتنا؟ فالعالم الإسلامي يمتلك أراضي شاسعة صالحة للزراعة والعمارة ويمتلك مخزوناً كبيراً من المياه، ويزخر بالموارد والإمكانات التي لا تعد ولا تحصى. فمن غير الصحيح إطلاق أبواق تحديد النسل، إذ ليس هناك أي موجب لهذا العمل. مثلاً: العراق الذي كان يسمى ببلد السواد كانت نفوسه أكثر من أربعين مليون إنسانا في العهد العباسي حسب تقديرات بعض المؤرخين، واليوم لا يزيد عدد سكانه عن نصف هذا الرقم. وبلد كالسودان ربما كان باستطاعته أن يشبع القارة الإفريقية بأجمعها لما يملكه من أراض صالحة للزراعة وموارد مائية، وهكذا بقية البلاد الإسلامية التي تمتلك ثروة هائلة زراعية ومعدنية ونفطية. لكن إلى أين تذهب هذه الموارد؟ ولماذا تجمد تلك الثروات؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نجيب عنه. هذه هي المشكلة التي يجب حلها. وكل المشاكل هي نابعة من هذه المشكلة. فمشكلة التضخم السكاني، ومشكلة التفاقم الاقتصادي، ومشكلة التخلف الاجتماعي، ومشكلة فقدان الاعتبار السياسي، كل هذه المشاكل مصدرها مشكلة واحدة هي جور الحكام وظلمهم. وتعسفهم ودكتاتوريتهم وسيطرتهم على رقاب المسلمين وتسييرهم لأمور البلاد حسب أهوائهم وليس حسب الخطط السليمة ومصالح الشعوب. إن حاكماً واحداً في بلاد إسلامية هو صدام، سرق ـ حسب بعض الإحصاءات ـ من قوت الشعب 300 مليار دولار، مع قطع النظر عما دمره من ثروات الشعب في حروب عدوانية. فلو أضفنا إليه سرقات الحكام الآخرين على مدى التاريخ الحديث للبلاد الإسلامية فكم من ثروة المسلمين تبددت على أعتاب أهواء ونزوات هؤلاء الحكام؟ إن هناك من يسرق قوت الشعب، فكان لابد أن نقول له الحقيقة، ونواجهه بالمشكلة ونقول له أنت سارق، وأن نطالبه بأن يرد أموال الناس إليهم، وليس أن نطالب الناس بأن يشدوا أحزمة الجوع على بطونهم، ونقول لهم كفوا عن الزواج وكفوا عن التناسل، فليس هناك طعام تملئون به أفواه أبناءكم. إن قسماً كبيراً من ثروات البلاد الإسلامية ذهبت إلى بلاد الغرب، فقد دلت الإحصاءات أن خمس البشر يستهلكون أربعة أخماس ثروات العالم، وهم الذين يعيشون في الدول الصناعية، أما أربعة أخماس البشر وهم الفقيرة الذين يسمونهم بالعالم الثالث فهم لا يستهلكون سوى خمس ثروات الأرض. هنا تكمن الكارثة... فانعدام العدالة في الأرض وعدم تطبيق القوانين الإسلامية في التنمية، كقانون (من سبق) وقانون (الأرض لله ولمن عمرها)، ووجود الحكومات الخانقة وسيطرتها على الأمور، وكثرة الموظفين الكابتين لحريات الناس، وسوء التوزيع في الثروة، وانعدام صوت المعارضة، نسفت الشعوب الفقيرة وديست كرامتها. منعوا عنا الكلام.. ثم منعوا عنا الطعام.. ثم جاءوا اليوم ليقولوا لنا كفى إنجابا للأولاد.. إن مشكلة النسل تعالج في الإسلام ضمن سياق النظام الإسلامي القائم على العدالة والتعددية: فبالعدالة يزيل الإسلام الفقر ويزيل الحواجز بين الغني والفقير والحاكم والمحكوم. وبالتعددية يجعل للشعب صوتاً عالياً قادراً على الكلام بحرية. إن نظرة الإسلام إلى الإنسان تختلف عن نظرة الأنظمة، فبعض الأنظمة ترى في الإنسان عبأً ثقيلاً وترى في كل مولود جديد ضيفاً غير مرغوب فيه، ترى فيه فما جديداً يضاف إلى الأفواه التي تطالب بالطعام، هذا هو الإنسان في ظل بعض الأنظمة.. أما في ظل الإسلام فالإنسان هو قوة حيوية ونشاط متوقد. فالقرآن الكريم يرى في الإنسان أقوى مخلوق على سطح الكرة الأرضية، ويرى فيه سر التقدم في الدنيا: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى). ويرى الإسلام في كل مولود جديد رقماً يضاف إلى التقدم والرقي، وقد نسب إلى الإمام علي (عليه السلام):

أتحسب أنك جرم صغير***وفيك انطوى العالم الأكبر

ويرى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل ولادة رقماً جديداً للتفاخر أمام الأمم وحتى لو كان المولود سقطاً لم تكتب له الحياة، أليس هو القائل: (تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم يوم القيامة ولو بالسقط). فالمولود الجديد قد يكون عالماً أو مخترعاً أو مهندساً أو أي إنسان آخر يضيف إلى الحياة ساعداً جديداً للعمل، ويضيف للتاريخ قيمة وعبقرية جديدة. فالحياة لا تشيدها الأدوات والمكائن بل السواعد الهميمة. والحياة لا تديرها الكمبيوترات المتطورة ولا الأقمار الصناعية بل يديرها العقل الكامن في الإنسان، فكل مولود جديد هو عقل جديد،وهو ساعد جديد، وهو تقدم جديد، فلماذا هذا الخوف..؟ أليس الله سبحانه وعدنا ووعده حق وصدق: (نحن نرزقهم وإياكم)، وقال جل ذكره: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله). فالزواج هو سبب لإزالة الفقر، والأبناء هم سبب للرزق، هذا في منطق الوجدان والقرآن والشريعة. أما الذين يرون عكس ذلك، يرون أن الزواج والأبناء سبب لتقليل الرزق يبتعدون كل البعد عن الله سبحانه والقرآن، وعن منطق العقل والحكمة). انتهى.