الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

‎والقصاص حقنا للدماء (110)

حق القصاص

مسألة: يجوز القصاص، وليس هو بواجب، فهو (حق) أعطاه الله للمعتدى عليه أو لذويه، له أن يأخذ به وله أن يعفو.

فالمراد بقولها (عليها السلام): (جعل الله القصاص) أي حق القصاص، بل قد يكـون الأرجـح ترك الأخذ بهذا الحق، ولذا قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص .. فمن عفي له عن أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة)[1].

وقال عز وجل: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له)[2].

قال الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسيره للآية الشريفة (فمن تصدق به فهو كفارة له): (يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما عفى عنه من جراح أو غيره).[3]

وجعل الله تعالى حق القصاص، هو الذي (يحقن الدماء)، ولا يلزم جعل (وجوب القصاص) بل جعل الحق أولى بدرجات من جعل الوجوب، لما فيه من رعاية شتى مقتضيات باب التزاحم[4] ولذا عبر تعالى بـ: (تصدق)[5] في الآية الشريفة.

وقد روي: (ان القصاص كان في شرع موسى (عليه السلام) والدية حتماً كان في شرع عيسى (عليه السلام) فجاءت الحنيفية السمحة بتسويغ الأمرين)[6]. ‎وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصيته للمسلمين: (ايها الناس احيوا القصاص)[7].

و(القصاص) أعم من النفس والجوارح والقوة[8] وإن كان في كلامها (عليها السلام) قد يقال بانصرافه للقتل، نظراً لـ (حقناً للدماء) فتأمل.

فلسفة العقوبات الإسلامية

مسألة: من الضروري بيان فلسفة العقوبات في الإسلام للناس، حتى لا يتهموا الإسلام بالغلظة والقساوة، كما أشارت اليها (عليها السلام)، وكما ورد في كثير من الروايات[9].

فإن بعض الناس يتصورون أن بعض العقوبات قاسية من جهة أن الأفضل مثلاً في القاتل أن يسجن أو تؤخذ منه الدية لا أن يقتل، لكن هذه المزاعم غير تامة، فإن الإنسان إذا علم أن جزاء القتل هو السجن والغرامة، لا القصاص بالمثل، فإنه عادة لايعدل عن الجريمة، وخاصة إذا كان قادراً على التحايل والتلاعب بالقانون، من خلال دفع الرشوة، واتخاذ المحامي بالباطل، وتخفيف مدة العقوبة وغير ذلك.

ولذلك قالت (عليها السلام): (والقصاص حقناً للدماء).

وقالوا: (قتل البعض إحياء للجميع).

وقالوا: (القتل أنفى للقتل)[10].

وقال القرآن الكريم: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون)[11].

ومن أوضح الأدلة على ذلك ما نشاهده عن ازدياد الجرائم في العالم الغربي، وهذا بحث طويل نكتفي منه بهذا القدر.[12]

وجوب حقن الدماء

مسألة: حقن الدماء واجب، وإراقتها محرم، ففي الحديث: (زوال الدنيا أهون على الله من إراقة دم مسلم)[13].

وقال (عليه السلام): (من اعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة بين عينيه مكتوب آيس من رحمة الله تعالى)[14].

وقال (عليه السلام): (من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله)[15].

و(القصاص) المذكور في كلامها (عليها السلام) هو إحدى الطرق التي تؤدي إلى حقن الدماء، فكل ما يؤدي ـ ولو تسبيباً ـ إلى إراقة الدم محرم، من غير فرق بين إراقة الدم كلياً كالقتل، أو جزئياً كما في قطع يد أو رجل أو فقأ عين أو جدع أنف أو صلم اذن أو ما أشبه ذلك.

ولا يخفى أن وجوب (حقن الدم) وحرمة إراقته من باب المثال، وإلا فمطلق إزهاق النفس حرام ولو بحرق أو غرق أو سم أو ما أشبه ذلك، وهكذا بالنسبة إلى إسقاط عضو عن الفعالية وإذهاب قوة.

نعم لا يجوز القصاص بالمثل في بعض الموارد، مثلاً من أحرق إنساناً فإنه لا يحرق في قباله، كما أن من أغرق شخصاً فإنه لا يغرق كما اغرق، وهكذا، وقد ثبت هذا الاستثناء بالأدلة الخاصة المخصصة لقوله سبحانه:

(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)[16].

وقوله سبحانه: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)[17] وما أشبه ذلك من العمومات التي لولا التخصيص لكانت شاملة لكل الأقسام.[18]

[1] البقرة: 178. وجاء في بعض التفاسير سبب ذكر كلمة (اخيه) راجع التبيان ج2 ص100. ثم ان التعبير بالأخ يوجب إثارة المحبة والرأفة وقد يدل على أن العفو أحب.

[2] المائدة : 45.

[3] وسائل الشيعة: ج19 ص88 ب57 ح2. ودعائم الإسلام ج2 ص413 ح1441 فصل ذكر الديات. وتفسير العياشي ج1 ص325 ح129 من سورة المائدة.

[4] إذ كثيراً ما يرى أولياء الدم المصلحة ـ لأنفسهم أو لغيرهم ـ في العفو عن الجاني، وكثيراً ما يرون الأصلح بحالهم أخذ الدية، ولذا خيروا بين القصاص والدية والعفو.

[5] المائدة: 45.

[6] غوالي اللئالي ج1 ص387 ح18 المسلك الثالث في احاديث رواها الشيخ العالم.. محمد بن مكي في بعض مصنفاته.

[7] مشكاة الأنوار ص146 الفصل العاشر في قول الخير وفعله.

[8] كمن أفقد شخصاً قوة الإنجاب أو الفكر أو ما أشبه.

[9] راجع مثلاً (علل الشرايع) ص538 باب326 باب علل نوادر الحدود، وص543 ب331 باب العلة التي من أجلها يجلد الزاني مائة جلدة وشارب الخمر ثمانين، وص534 ب321 باب العلة التي من أجلها يجلد قاذف المستكرهة، وص545 ب335 باب العلة التي من أجلها صار حد القاذف وشارب الخمر ثمانين.

[10] فقه القرآن ج2 ص402 باب قتل العمد وأحكامه.

[11] البقرة: 179.

[12] للتفصيل حول فلسفة العقوبات في الإسلام راجع (العقوبات في الإسلام(لآية الله العظمى السيد صادق الشيرازي، وراجع للمؤلف (موسوعة الفقه ج87-88 كتاب الحدود والتعزيرات(و)موسوعة الفقه ج89 كتاب القصاص).

[13] مجموعة ورام ج1 ص85 باب العتاب.

[14] ثواب الأعمال ص276 عقاب من أعان على قتل مؤمن. وأعلام الدين ص410 باب ما جاء من عقاب الأعمال.

[15] غوالي اللئالي ج2 ص333 ح48 باب الصيد وما يتبعه.

[16] البقرة: 194.

[17] الشورى: 40.

[18] راجع حول هذا المبحث (الفقه: القصاص(و(الفقه: الحدود(و(الفقه: الديات(و(الفقه: القواعد الفقهية) للامام المؤلف.