الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة[1] (111)

وجوب الوفاء بالنذر

مسألة: يجب الوفاء بالنذر[2] اذا اجتمعت فيه شروطه، وفي مخالفته الكفارة، كما فصلناه في الفقه[3]، بخلاف النذر المنهي كما ورد: (ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن النذر لغير الله ونهى عن النذر في معصية او قطيعة رحم)[4].

قال تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً)[5].

وهذا مما يشير إلى أن عدم الوفاء بالنذر يعرض الإنسان لشر ذلك اليوم.

وقال سبحانه: (واوفوا بعهد الله اذا عاهدتم)[6].

وقال جل وعلا: (ليوفوا نذورهم)[7].

وقال (عليه السلام): (كن منجزاً للوعد موفياً بالنذر)[8].

ولا يبعد أن يراد بالنذر في قولها (عليها السلام) الأعم من النذر واليمين[9] الاصطلاحيين، فإن (نذر) بمعنى الفرض والإيجاب[10] واليمين: القسم وفيه الغرض، وهو ـ على قول ـ[11] مأخوذ من اليد اليمني حيث أن المتحالفين كانا ـ غالباً ـ يضرب كل واحد منهما يمينه بيمين صاحبه فيتحالفان[12].

ومنه يعلم حال العهد ايضا، فهو قسم من النذر بالمعنى الأعم...

وكان اهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) المصداق الأجلى لمن يوفون بالنذر، قال تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً)[13].

وكان وفائهم به في المرتبة العليا، وكانوا هم الأولى بصدق هذه الصفة عليهم، كما في قصة نزول سورة (هل أتي)[14] وغيرها.

قولها (عليها السلام): (والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة) فان الله سبحانه تفضل على من وفي بنذره بغفران ذنبه، ومن الممكن أن يكون ذلك عقلياً أيضاً، يراد به المغفـرة الدنيويـة والأثر الوضعي التكويني، فالنذر معناه الإيجاب، فمن أوجب على نفسه شيئاً اذا وفى به ستر في المجتمع ما سلف من أخطائه، فيكون نظير معنى قوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)[15].

ومما يؤيده قوله(صلى الله عليه وآله): (...واذا نقضوا العهد سلط الله عليهم عدوهم)[16].

ولكن قد يقال: بان الظاهر ارادة المعنى الأول في قولها (عليها السلام): (تعريضاً للمغفرة) ويمكن القول بإرادة كلا المعنيين، فتكون اللام للجنس، ولا يلزم منه استعمال اللفظ في أكثر من معنى، كما لا يخفى.

هذا وقد ورد في بعض التفاسير: (يوفون بالنذر: الذي اخذ عليهم من ولايتنا)[17].

وعنه (عليه السلام): (يوفون لله بالنذر الذي أخذ عليهم في الميثاق من ولايتنا)[18].

التعريض لمغفرة الله

مسألة: من اللازم ان يجعل الإنسان نفسه في معرض مغفرة الله سبحانه، وان يتجنب المواطن التي تجعله في معرض غضبه تعالى[19].

فمصاحبة الأخيار والجلوس في مجالسهم والنية الصالحة وان لم يمكنه تحقيقها خارجاً وشبه ذلك، مما يجعل الإنسان في معرض مغفرته جل وعلا، وفي الحديث الشريف: (ان لربكم في ايام دهركم نفحات الا فتعرضوا لها)[20].

وقال تعالى: (وسارعوا الى مغفرة من ربكم)[21]. وقال سبحانه: (والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً)[22]. ومن البين ان ما يوجب التعرض لمغفرة الله الواجبة واجب، وما يوجبه من المستحبات مستحب. و(الوفاء بالنذر) من الواجبات التي جعلها الله سبحانه (تعريضاً لمغفرته) فهو بيان منها (سلام الله عليها) لإحدى الطرق التي تقود الى ذلك.

[1] وفي بعض النسخ: (والوفاء بالنذور) راجع كشف الغمة ج1 ص484 فاطمة عليها السلام. وفي بعضها: (والوفاء بالعهود تعرضاً للمغفرة) راجع دلائل الإمامة ص33 حديث فدك.

[2] راجع موسوعة الفقه ج74و75 (كتاب النذر).

[3] راجع (المسائل الإسلامية) ص687-689 احكام النذر والعهد المسألة (2949-2978).

[4] دعائم الإسلام ج2 ص100ح319 فصل في ذكر النذور.

[5] الإنسان: 7. وقد صرح المفسرون من الفريقين بأن هذه الآيات نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.

[6] النحل: 91.

[7] الحج: 29. واضح أن المورد لا يخصص الوارد.

[8] غرر الحكم ودرر الكلم ص252 ح5284 الفصل الثاني موجبات عزة النفس.

[9] قال في مجمع البحرين: (النذر لغة الوعد، وشرعاً: التزام المكلف بفعل أو ترك متقرباً).

[10] قال في لسان العرب: (نذرت، أنذر وأنذر نذراً: إذا أوجبت على نفسك شيئاً من عبادة أو صدقة أو غير ذلك).

[11] والقول الثاني: ان اليمين مأخوذ من اليمن بمعنى البركة، والقول الثالث: من اليمين بمعنى القوة. راجع مجمع البيان ج10 ص496.

[12] ومن معاني اليمين: (القوة والقدرة.. والحلف والقسم) راجع لسان العرب مادة (يمن).

[13] الانسان: 7.

[14] وتسمى هذه السورة بسورة الإنسان، وهي مدنية، رقمها76، وعدد آياتها: 31.

[15] الفتح: 2، وفي (عيون أخبار الرضا(عليه السلام)) ج1 ص202: قال (عليه السلام): (لم يكن أحد عند مشركي اهل مكة اعظم ذنباً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنماً فلما جاءهم بالدعوة الى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا: أجعل الالهة الها واحدا ان هذا لشيء عجاب.. فلما فتح الله عز وجل على نبيه (صلى الله عليه وآله) مكة، قال لمحمد (انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) عند مشركي أهل مكة بدعائك الى التوحيد فيما تقدم وما تأخر، لان مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على انكار التوحيد عليه اذا دعا الناس اليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفوراً بظهوره عليهم). وراجع أيضاَ (قصص الانبياء) للجزائري ص17 خاتمة في بيان عصمة الأنبياء وتأويل ما يوهم خلافه.

[16] وسائل الشيعة ج11 ص513 ب41 ح2، وفيه: (عن الباقر(عليه السلام) قال: وجدنا في كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)...) وسفينة البحار مادة (كيل).

[17] تفسير (نور الثقلين) ج5 ص477 ح26.

[18] تفسير (نور الثقلين) ج5 ص477 ح27.

[19] فمثلاً قال الإمام الصادق(عليه السلام): (لا تجالسوا شراب الخمر، فان اللعنة اذا نزلت عمت من في المجلس) سفينة البحار مادة (خمر). وقال(عليه السلام): (لا تجالسوا لنا عائباً) الخصال ص614 علم امير المؤمنين (عليه السلام) أصحابه في مجلس واحد اربعمائة باب..

[20] بحار الأنوار ج80 ص352 ب8 ح48.

[21] آل عمران: 133.

[22] البقرة: 268.