الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة[1] (114)

حرمة القذف والسب

مسألة: يحرم القذف، وفيه الحد، وتفصيل الكلام في الفقه[2].

والقذف هنا: يعم السب والفحش واللعن وما أشبه ذلك[3].

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (واعلموا ان القذف والغيبة يهدمان عمل ألف سنة)[4].

وقال (صلى الله عليه وآله): (القذف من الكفر والكفر في النار)[5].

وقال (عليه السلام): (ان الكبائر احد عشر.. الشرك بالله عز وجل وقذف المحصنة..)[6].

وهل يراد بالقذف ما ارتبط بالعرض أو مطلقاً؟ فإن أصل القذف الرمي[7] ثم استعمـل فيمـا يرتبـط بالعـرض، لكـن هل غلب على ما يرتبط بالعرض

بالمعنى الأخص بحيث أصبح حقيقة تعينية فيه أم لا؟.

احتمالان، وإن كان المنصرف الأول[8] والإطلاق يقتضي الثاني، قال الشاعر:

ولست بقائل قذفاً ولكن***لأمر ما تعبدك العبيد

وفي بعض النسخ[9](قذعاً) مكان (قذفاً)، والقذع هو القذف والرمي بالفحش وسوء القول[10]، فإن الخليفة كان يجمع من الغلمان الخناثى ثم يبيت معهم من أول الليل إلى الصباح يتعاطون الفاحشة، وإلى ذلك أشار الشاعر في هذا البيت.

وقال شاعر آخر:

ولا يبيت لهم خنثى تنادمهم***ولا يرى لهم قرد له حشم

وذكرنا بعض التفصيل في كتاب (ممارسة التغيير)[11].

ثم إن هناك آثاراً وضعية للقذف خصوصاً الرمي بالفاحشة، وذلك لأن من قذف قذف، فترجع اللعنة اليه كأثر وضعي تكويني لذلك، فمن الحكمة في فرض اجتناب القذف هي الحيلولة عن رجوع ضرره ولعنه إلى نفس القاذف، قال سبحانه: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم)[12].

وقال علي (عليه السلام): (اني أكره لكم أن تكونوا سبابين).[13]

وقال (صلى الله عليه وآله): (سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر واكل لحمه من معصية الله وحرمة ماله كحرمة دمه)[14].

وقال (صلى الله عليه وآله): (من سب علياً فقد سبني ومن سبني فقد سب الله عز وجل)[15].

ولعل قولها (عليها السلام): (حجاباً عن اللعنة) إشارة إلى قوله سبحانه: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة)[16].

لا يقال: فلماذا نرى كلمات اللعن والسب أو ما أشبه في القرآن الحكيم، مثل قوله سبحانه: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)[17] وكذلك سب الأشخاص مثل : (عتل بعد ذلك زنيم)[18].

قال تعالى: (اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)[19].

وقال سبحانه: (اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)[20].

وقال عز وجل: (وان عليك اللعنة الى يوم الدين)[21].

وقال جل ثناؤه: (ولهم اللعنة ولهم سوء الدار)[22].

لأنه يقال: إذا كان النقص واقعياً ورجع الأمر إلى إرشاد الطرف أو إرشاد أهله وعشيرته أو الآخرين لزم، وهذا ليس من السباب في شيء بل داخل في إرشاد الجاهل وتنبيه الغافل وإراءة الطريق للضال، فالمنع والجواز لهما موردان وهذان عقليان قبل أن يكونا شرعيين.

هذا بالإضافة إلى أن كلمات اللعن وشبهه الموجودة في القرآن الكريـم كثيراً منها لا توجه إلى أسماء معينة مذكورة، بل الى من يحمل تلك الصفات الرذيلة[23] أو الامم السابقة، فالتركيز يكون على الصفات والأفكار والعقائد وأنواع السلوك والعمل، لا الأفراد بأنفسهم، أما ما توجه الى أسماء معينة كقوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب)[24] فإنه يدخل في باب التزاحم والأهم وما أشبه كما لا يخفى.

الاجتناب عن اللعنة

مسألة: يجب أن يبتعد الإنسان عن المواطن التي توجب له (اللعنة)[25] في الجملة، قال تعالى: (ان الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً)[26].

واستظهار ذلك من كلامها (عليها السلام) نظراً للتلازم المتقدم الذي ذكرناه بين العلة والمعلول، والسبب والمسبب ونحوهما، لكن لا يخفى أن اللعن ينصرف إلى معنى: الإبعاد والطرد من الرحمة أو الخير، والبعد كما يكون في أصول الدين والفروع الواجبة، كذلك يكون في الأحكام والفروع المستحبة تركاً، والمكروهة فعلاً، ولذا ورد اللعن بمختلف معانيه في جملة من الروايات:

كقوله (عليه السلام): (ملعون ملعون من نكح بهيمة)[27].

وقال (عليه السلام): (المنجم ملعون، والكاهن ملعون، والساحر ملعون، والمغنية ملعونة)[28].

وقال (عليه السلام): (ملعون من ظلم أجيراً أجرته)[29].

وقال (عليه السلام): (ملعون من سب والديه)[30].

وقال (عليه السلام): (من آذى الله فهو ملعون)[31].

وقال (صلى الله عليه وآله): (ناكح الكف ملعون)[32].

وقال (صلى الله عليه وآله): (من لعب بالشطرنج ملعون)[33].

وقال (عليه السلام): (المحتكر ملعون)[34].

وقال (صلى الله عليه وآله): (ملعون ملعون من ضيع من يعول)[35].

وقال (عليه السلام): (معلون من جلس على مائدة يشرب عليها الخمر)[36].

وقال (صلى الله عليه وآله) : (ملعون ملعون مبغض علي بن أبي طالب(عليه السلام))[37].

وقال (صلى الله عليه وآله) : (ملعون ملعون من يظلم ابنتي فاطمة (عليها السلام))[38].

وقال (صلى الله عليه وآله): (من أبغض عترتي فهو ملعون)[39].

وقال (عليه السلام): (ملعون ملعون من آذى جاره)[40].

وقال (عليه السلام): (ملعون ملعون قاطع رحمه)[41].

وقال (عليه السلام): (شارب الخمر ملعون)[42].

كما ورد[43] عنه (عليه السلام): (من كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون)[44].

وقال (عليه السلام): (ملعون من القى كله على الناس)[45].

وقال (عليه السلام): (الجالس في وسط القوم ملعون)[46].

وقال (عليه السلام): (معلون من أخر العشاء الى ان تشتبك النجوم)[47].

وقال (عليه السلام): (المنان على الفقراء ملعون في الدنيا والآخرة)[48].

وقال (عليه السلام): (ملعون من لم ينصح أخاه)[49].

ومثل ما ورد من اللعن لمن أكل زاده وحده أو نام في بيت وحده أو ركب الفلاة وحده[50]، أو ما أشبه ذلك.

والمراد من (اللعنة) في قولها (عليها السلام): اللعنة التي تسببها المحرمات، وأما اللعن في أصول الدين أو في المكروهات فقولها (عليها الصلاة والسلام) قد تكون منصرفة عنهما.[51]

[1] وفي بعض النسخ: (اجتناب قذف المحصنة حجاباً عن اللعنة) راجع دلائل الامامة ص33 حديث فدك. وفي بعض النسخ: (واجتناب قذف المحصنات حجباً عن اللعنة) راجع علل الشرايع ص248 ح2 باب علل الشرايع واصول الاسلام.

[2] راجع موسوعة الفقه ج87-88 كتاب الحدود والتعزيرات ص321-383.

[3] القذف: السب، وقذف المحصون أي سبها، (لسان العرب)، قذف الرجل: رماه واتهمه بريبة، وقاذفة: راماه وشاتمة(المنجد)، والمقذف: الملعن(القاموس).

[4] جامع الأخبار ص158 الفصل العشرون والمائة في قذف النساء.

[5] جامع الأخبار ص158 الفصل العشرون والمائة في قذف النساء.

[6] غوالي اللئالي ج1 ص88 الفصل الخامس.

[7] راجع (لسان العرب) مادة (قذف).

[8] في (مجمع البحرين): قذف المحصنة رماها بفاحشة. وفي (القاموس): قذف المحصنة رماها بزنية. وفي (لسان العرب): القذف رمي المرأة بالزنا أو ما كان في معناه، ويؤيد هذا المعنى النسخة الاخرى لكلامها عليها السلام (واجتناب قذف المحصنات(على ما نقله آية الله السيد محمد كاظم القزويني)رحمه الله) في كتابه: (فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد).

[9] أي بعض نسخ الشعر.

[10] وفي (لسان العرب) مادة (قذع): (القذع:.. الفحش.. قذعه:.. رماه بالفحش وأساء القول فيه.. واقذع القول: اساءه.. الهجاع المقذع: الذي فيه فحش وقذف وسب يقبح نشره.. اقذع له: أفحش في شتمه).

[11] راجع كتاب (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين) ص329-438.

[12] الأنعام: 108.

[13] بحار الأنوار: ج32 ص561 ب12 ح466.

[14] جامع الأخبار ص160 الفصل الخامس والعشرون والمائة، في السب.

[15] جامع الأخبار ص161 الفصل الخامس والعشرون والمائة، في السب. والأمالي للشيخ الصدوق ص97 المجلس21. وعيون أخبار الرضا(عليه السلام) ج2 ص67 ح308. والمناقب ج3 ص221. وغوالي اللئالي ج4 ص87 ح109.

[16] النور: 23.

[17] الأنبياء: 98.

[18] القلم: 13.

[19] البقرة: 159.

[20] الرعد: 25.

[21] الحجر: 35.

[22] غافر: 52.

[23] مثلا قوله تعالى: (ولا تطع كل حلاف مهين، هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم)(القلم: 8-13) وقوله سبحانه: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار)(ابراهيم: 28-29) وقوله تعالى: (وخاب كل جبار عنيد)(ابراهيم: 15) وقوله سبحانه: و(وعلى الثلاثة الذين خلفوا)(التوبة: 118) وقوله تعالى: و(والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين...والله يشهد انهم لكاذبون)(التوبة: 107) وقوله سبحانه: (فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم... وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون... فخلف من بعدهم خلف..)(الأعراف: 162ـ 169) وقوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة)(الأحزاب: 57).

[24] المسد : 1.

[25] (اللعنة) لغة: تكون لمعاني مختلفة، لعنه: أخزاه، وسبه، وأبعده، وطرده عن الخير، وعذبه، وأهلكه، ودعى عليه، وغيرها، راجع (لسان العرب، المنجد، المجمع وغيرها).

[26] الأحزاب: 64.

[27] الخصال ص129 ح132 ثلاثة ملعونون. ومعاني الأخبار ص402 ح67 باب نوادر المعاني.

[28] الخصال ص297 ح67 خمسة ملعونون.

[29] دعائم الاسلام ج2 ص74 فصل في ذكر الاجارات.

[30] مجموعة ورام ج1 ص111.

[31] روضة الواعظين ص293. وجامع الأخبار ص147 الفصل العاشر والمائة.

[32] غوالي اللئالي ج1 ص260 الفصل العاشر ح38.

[33] غوالي اللئالي ج1 ص260 الفصل العاشر ح40.

[34] غوالي اللئالي ج2 ص242 باب المتاجر ح3.

[35] غوالي اللئالي ج3 ص193 باب التجارة ح1.

[36] المحاسن ص585 ح77 باب موائد الخمر.

[37] كنـز الفوائد ج1 ص149.

[38] العدد القوية ص225 نبذة من احوال الصديقة الطاهرة. وكنـز الفوائد ج1 ص149.

[39] جامع الأخبار ص84 الفصل الأربعون.

[40] كنـز الفوائد ج1 ص149.

[41] كنـز الفوائد ج1 ص149.

[42] فقه الرضا (عليه السلام) ص254.

[43] ما سبق من الروايات كانت تدل على الحرمة وما سيأتي على الكراهة.

[44] معاني الأخبار ص342 ح3 باب معنى المغبون. وكشف الغمة ج2 ص252.

[45] فقه القرآن ج2 ص31 باب المكاسب المباحة. وتحف العقول ص37.

[46] الخرائج ص1049. وشبهه في (مجموعة ورام) ج1 ص30.

[47] الاحتجاج ص479.

[48] ارشاد القلوب ص194 ب52.

[49] كنـز الفوائد ج1 ص149.

[50] راجع مكارم الأخلاق ص437 الفصل الثالث في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي(عليه السلام). قال (صلى الله عليه وآله): (يا علي لعن الله ثلاثة: آكل زاده وحده وراكب الفلاة وحده والنائم في بيت وحده).

[51] فاللعن في أصول الدين رتبة ودرجة أعلى، وفي المكروهات رتبة أدنى.