الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

فاتقوا الله حق تقاته[1] (117)

مراتب التقوى

مسألة: التقوى لها معان ومراتب، وهي على ذلك تنقسم إلى ما هو واجب وما هو مستحب، ومنها ما يكون من درجات المقربين.[2]

فإن التقوى قد تطلق ويراد بها (الخشية من الله تعالى وهيبته) وعلى هذا فهي حالة نفسانية وملكة روحانية، وقد يراد بها معنى أدق من هذا.[3]

وقد تطلق ويراد بها الإطاعة والعبادة[4] وهو الغالب، وهي على هذا ليست شيئاً وراء إتيان الواجبات وترك المحرمات فقوله سبحانه: (فاتقوا الله ما استطعتم)[5] وقوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته)[6] وما أشبه ذلك، مثل قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)[7] حيث أن الطاعة ليست شيئاً وراء الإتيان بالواجبـات وترك المحرمـات بل هـذه مصاديقهـا، وكذلك ههنا فليست التقوى

على هذا المعنى أمراً وراء أداء الواجبات وترك المحرمات لوضوح إنه ليس هناك أمران ونهيان، كما أنه ليس هناك واجبان ومحرمان وثوابان وعقابان، على ما ذكر مفصلاً في علمي الكلام والأصول[8].

وفي الحديث عن ابي بصير قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: (فاتقوا الله حق تقاته) قال (عليه السلام): يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر)[9].

وقال (صلى الله عليه وآله) في خطبة الغدير: (معاشر الناس اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وأنتم مسلمون)[10].

نعم للإطاعة والتقوى مراتب[11] بحسب الأمر والمتعلق وما أشبه، وقد تكون في المستحب والمكروه، لكن لا على سبيل اللزوم والمنع من النقيض وإنما على سبيل الرجحان، بل من التقوى والإطاعة أيضاً ما يرتبط بالمباحات[12] لـ :

(ان الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه)[13].

و:(ان الله يغضب على من لا يقبل رخصته)[14] وذلك في قبال من يوجب أو يحرم على نفسه بعض المباحات، قال سبحانه: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق).[15]

الاستزادة من التقوى

مسألة: حق التقوى هو العبودية المطلقة لله سبحانه وتعالى، أي العبودية التي لاتشوبها شائبة رياء أو سمعة أو عجب، او أي نوع من أنواع الأنانية، بل كما قال علي (عليه السلام): (ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك).[16]

وهي التي تتحقق بالرضا بقضاء الله على النحو الأتم، وبتذكره سبحانه وتعالى دوماً بحيث لا يغيب عن القلب والفكر أبداً، بل يجده الإنسان حاضراً ناظراً أبداً، كما نجد ذلك متجلياً في حياة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وآله الأطهار (عليهم السلام)[17] فهـم معصومون من الغفلة عن ذكر الله إضافة إلى عصمتهم من مجرد التفكير في الذنب، بل في المكروه أيضاً.

ومن المستحب أن يسعى الإنسان للاستزادة من التقوى يوماً بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، نظراً إلى قوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته).[18]

وحق التقوى، له مراتب متصاعدة غير محدودة بحد، مما قد يعبر عنه باللامتناهي اللايقفي، وحيث أن كثيراً من مراتبها مما يتعسر ـ بل مما يتعذر ـ على غالب الناس، قال تعالى في آية أخرى: (فاتقوا الله ما استطعتم)[19] فقوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته)[20] تشير إلى ما هو المبتغى، والمراد الأسمى و)ما استطعتم) تشير إلى ما على الإنسان أن يحققه،فلا يصح على هذا، ما قيل من أن (ما استطعتم) ناسخة للآية الاخرى: (حق تقاته) بل أحداهما مكملة للاخرى.[21]

ومن الواضح أن الله سبحانه وتعالى جعل للأشياء حدوداً، فالصلاة في كل يوم خمس مرات، والصوم في كل سنة شهراً، والحج في العمر مرة واحدة، وهكذا مما هو محدد في جانب الكم، وكذلك الكثير مما هو محدد في جانب الكيف، أما التقوى فإنه سبحانه لم يجعل لها حداً بل قال تعالى: (اتقوا الله حق تقاته)[22] لأنه في كل حصة حصة من الحياة تقوى أو لا تقوى.

ثم التقوى أيضاً كما سبق على درجات، فهي ممتدة كماً إلى آخر نفس من أنفاس الحياة ـ وعدم الحد هنا نسبي ـ كما أنها في الكيف غير محدودة بنحو اللايقفي كما سبق.

قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى)[23].

وقال (عليه السلام): (ان خير الزاد التقوى)[24].

وقال (عليه السلام): (ان التقوى حق الله سبحانه عليكم)[25].

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (نحن كلمة التقوى)[26].

[1] اشارة الى قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) آل عمران: 102.

[2] قد يكون هذا عطفاً للخاص على العام نظراً لأهميته.

[3] قد يكون المراد: تنـزيه القلب عن التفكير في الذنب وهي درجة سامية جداً، وقد يكون المراد: التوقي عن كل ما يشغل القلب عن الله تعالى، بأن يكون القلب معموراً بذكر الله دوماً، وهي درجة أسمى وأعلى كما لا يخفى، وسيأتي بيانه من الإمام المؤلف بعد قليل.

[4] قال الإمام الصادق(عليه السلام) عندما سئل عن تفسير التقوى: (أن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك).(الوسائل: ج11 ص189 ب19 ح14 ، في جواب من قال له : أوصني).

[5] التغابن: 16.

[6] آل عمران: 102.

[7] المائدة: 92.

[8] من مواطن هذا البحث : مبحث (الأوامر) و(التجري والانقياد) و(هل أن الأمر يقتضي النهي عن الضد؟) و(مقدمة الواجب) في علمي الاصول، يراجع (الوصائل إلى الرسائل) و(الأصول)‎ للإمام المؤلف دام ظله.

[9] معاني الأخبار ص240 باب معنى اتقاء الله حق تقاته ح1

[10] العدد القوية ص176 خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم.

[11] الظاهر أن المراد: إن لها مراتب من حيث درجات الوجوب أو الرجحان وأشدية الطلب.

[12] وعلى هذا فيكون المراد من التقوى ههنا: التوقي عن تحريم أو إيجاب ما أحله الله تشريعاً، لا الترقي عن مجرد ترك المباح أو فعله، ولو إستمراراً، كيف والفرض انه مباح.

[13] تفسير القمي ج1 ص16.

[14] سفينة البحار: ج1 ص517 (الطبعة القديمة). والمناقب ج4 ص414 فصل في آياته(عليه السلام).

[15] الأعراف: 32.

[16] قصص الانبياء للجزائري ص211 ب11. وغوالي اللئالي ج1 ص404. والغوالي ج2 ص11. والالفين ص128 المائة الثانية. ونهج الحق ص248 الاول في العبادة. وبحار الأنوار: ج69 ص278 ب116 ح1.

[17] ومنه لم يترك أمير المؤمنين(عليه السلام) ذكر الله حتى حين أراد الحلاق قص شارب وطلب منه إطباق شفتيه.

[18] آل عمران: 102.

[19] التغابن: 16.

[20] آل عمران : 102.

[21] راجع (مجمع البيان) ج5 ص301، وفيه: (ولا تنافي بين هذا وبين قوله (اتقوا الله حق تقاته) لان كل واحد منهما الزام لترك جميع المعاصي، فمن فعل ذلك فقد اتقى عقاب الله، لان من لم يفعل قبيحاً ولا أخل بواجب فلا عقاب عليه، الا ان في احد الكلامين تبيينا ان التكليف لا يلزم العبد الا فيما يطيق، وكل امر أمر الله به فلابد أن يكون مشروطاً بالاستطاعة، وقال قتادة: قوله (فاتقوا الله ما استطعتم) ناسخ لقوله (اتقوا الله حق تقاته) وكأنه يذهب الى ان فيه رخصة لحال التقية وما جرى مجراها مما يعظم فيه المشقة، وان كانت القدرة حاصلة معه.. وقال غيره ليس هذا بناسخ، وانما هو مبين لامكان العمل بهما جميعاً وهو الصحيح). انتهى

[22] آل عمران: 102.

[23] المائدة: 2.

[24] الأمالي للشيخ الصدوق ص107 المجلس 23 ح1.

[25] غرر الحكم ودرر الكلم ص269 ح5855 الفصل الخامس في التقوى.

[26] الخصال ص432 ح14. وتفسير فرات الكوفي ص305 ح412 من سورة الشعراء.