الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون[1] (118)

الموت على الإسلام

مسألة: الموت بما هو هو أمر غير اختياري، إلا أن الموت على صفة وحالة اختيارية اختياري، ولذلك يمكن أن يؤمر به أو ينهى عنه بهذا اللحاظ، فـ (الموت على الإسلام) مأمور به، قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه)[2] يعني وجوب الاستمرار في الاعتقاد الحق إلى آخر لحظة من لحظات العمر. فالجملة السابقة[3] تشير إلى الجانب الكيفي، وهذه الجملة[4] إلى الامتداد الزمني، أي: اتقوا الله حق تقاته واستمروا على ذلك إلى حين الموت، والمسلم الحقيقي هو الذي يطيع الله في كل شئ وفي كل لحظة من لحظات العمر، فلا يموت الإنسان إلا وهو في طاعة الله سبحانه.

وفي الحديث: (وأعوذ بالله من شر عاقبة الأمور)[5]. وقال (عليه السلام): (اشد الناس ندماً عند الموت العلماء غير العاملين)[6]. وقال (عليه السلام): (اياك ان ينزل بك الموت وأنت آبق عن ربك في طلب الدنيا)[7].

حسن العاقبة

مسألة: كل ما يؤدي إلى حسن العاقبة للإنسان فهو راجح ومطلوب، فان كان في مرتبة المنع من النقيض كان واجباً، وإلا كان مستحباً، وذلك عقلي قبل أن يكون شرعياً، وإنما المصاديق غالباً مما يؤخذ من الشارع، لقصور العقل عن التوصل إلى كثير من جهاتها أو تزاحماتها.

وقد قال سبحانه: (والى الله عاقبة الأمور)[8].

وقال تعالى: (فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)[9].

وقد ورد في الدعاء: (واجعل عاقبة أمري الى غفرانك ورحمتك)[10].

و: (فاجعل عاقبة أمري الى خير)[11].

و: (واختم لنا بالتي هي أحسن وأحمد عاقبة وأكرم مصيرا)[12] .

و: (اللهم اني اسألك حسن العاقبة)[13].

الاقتباس من الكتاب

مسألة: يستحب الاقتباس من الكتاب العزيز في الحوار والخطاب، وقد اكثر المعصومون (صلوات الله عليهم أجمعين) من إدراج آيات القرآن في كلماتهم كما اقتدى بهم اتباعهم، لان القرآن شفاء ونور وبلاغ، ولأنه جامع لعلوم الأولين والآخرين ولعلوم الدنيا والآخرة في مختلف المجالات و الأبعاد.

قال تعالى: (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)[14].

وقال سبحانه: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)[15].

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من لم يستشف بالقرآن فلا شفاء الله)[16].

وفي الحديث الشريف: (في القرآن شفاء من كل داء)[17].

وقال(عليه السلام): (داووا مرضاكم بالصدقة واستشفوا له بالقرآن، فمن لم يشفه القرآن فلا شفاء له)[18].

وفي الدعاء: (وان تجعل القرآن نور صدري وتيسر به أمري)[19].

لذلك فقد استند إليه اتباعهم في شتى المنطلقات وفي شتى الابعاد، كل حسب قابليته وفي دائرة أبعاده ومدار اهتمامه أو تخصصه وتوجهه.

وليس ثمة كتاب سماوي أو ارضي اعتنى به أهل ملته واتباعه مثل القرآن الحكيم، فان علماء الإسلام ـ تبعا لقادة الإسلام ـ أعطوه من الأهمية والعناية ما لم يعط لكتاب قبله ولا ولن يعطى لكتاب بعده، حسب معتقدنا من كونه الكتاب الوحيد المتفرد والمتميز بهذه الكيفية.

فقامت كل طائفة بدراسة فن من فنونه:

فقد اهتم جمع بمعرفة مخارج حروفه وعدد الآيات والكلمات والحروف والسكنات والحركات من الضمة والفتحة والكسرة وغير ذلك.

كما أن ألوف المسلمين ـ في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ كانوا يحفظون القرآن كله من أوله إلى آخره، وإلى يومنا هذا.

واعتنى اللغويون: بمفرد مفرد من مفرداته.

ويعتني النحاة: بالمعرب والمبني والأسماء والأفعال والحروف منه، بل كان اصل تكونه وتأسيسه[20] بتوجيه وإرشاد الإمام علي بن أبى طالب (عليه السلام) على أبي الأسود الدؤلي لأجل التحفظ على صحة قراءة القرآن الكريم وإعرابه[21].

واعتنى أهل الرسم والخط: برسوم كلماته وما يتعلق به من هذا النحو من الخطوط، والتي انهاها بعضهم إلى اكثر من عشرين، بما هو الدارج عند العرب والعجم، وأما سائر الخطوط في اللغات الأخرى فهي كثيرة.

واعتنى المفسرون: بألفاظه، مفردات وجمل[22]، سواء منها الألفاظ المشتركة التي تدل على اكثر من معنى، أم الألفاظ ذات المعنى الواحد، وكذلك الكلي والجزئي، وذكروا المحكم والمتشابه، وان المتشابه له احتمالان او احتمالات، ورجحوا المحتمل على المحتمل استنادا الى تفسير القرآن بالقرآن، او تفسير القرآن بالأحاديث الشريفة، أو حسب القرائن المقامية والسياق والانصراف العرفي وما أشبه.

واعتنى علماء الكلام: بما في القرآن من الأدلة العقلية والشواهد البرهانية والفطرية مما هو كثير.

كما إن المنطقيين: ذكروا الأدلة المستفادة من القرآن في الصناعات الخمس[23].

وكلتا الطائفتين ذكروا ما يستفاد من القرآن الحكيم من الأدلة على وحدانيته تعالى ووجوده وقدرته وعلمه وتنزيهه عما لا يليق به وما أشبه ذلك من صفاته الجمالية والجلالية.

اما المتكلمون فقد ذكروا ذلك في باب أصول الدين، وأما المناطقة فقد ذكروا ذلك[24] في باب الحجة وما هو من شأن المنطق.

والأصوليون: تكلموا في العام والخاص، والنص والظاهر، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي منه، وغير ذلك من الشؤون المرتبطة بأصول الفقه.

والفقهاء: استفادوا من القرآن: الحلال والحرام والواجب والمستحب والمباح، والملاكات اصولا وفروعا.

كما أن جمعا من الفقهاء ذكروا آيات الميراث وخصوصياتها وسموا ذلك بعلم الفرائض مما يرتبط بمختلف طبقات الوراث وانصبتهم، وقد ألف جمع منهم كتباً خاصة بـ (آيات الأحكام) وهي خمسمائة آية بل اكثر.

وعلماء الأدعية: ذكروا أدعية القرآن الحكيم، وهي كثيرة، مع الشؤون المرتبطة بهذه الأدعية الواردة في الكتاب العزيز.

وجماعة: تخصصوا بذكر قصص القرآن عن القرون السابقة والأمم البالية ونقل أخبارهم، وذكروا ما يتعلق بابتداء الكون والدنيا وبدايات الأشياء.

واستفاد المؤرخون منه: مباحث كثيرة في كتاباتهم، واستفاد منه البعض في علم فلسفة التاريخ.

وقامت جماعة: باقتباس الأمثال والحكم والمواعظ والعبر والترغيب والترهيب من القرآن الحكيم، وتطرقوا للوعد والوعيد، والتشويق والتحذير، والموت والنشر، والمعاد والحشر، والحساب والعقاب، والجنة والنار، والميزان والبرزخ وما أشبه ذلك من الروادع والزواجر، مما يفيد أهل الوعظ والإرشاد والخطباء لتوجيه الناس إلى الله والدين والخير والآخرة.

كما أن جماعة من المعبرين للرؤيا: استفادوا من القرآن الحكيم إشارات وعلامات، بالتأمل في أغوار قصة يوسف (عليه السلام) والبقرات السمان[25] ورؤيا صاحبي السجن[26]، ورؤيـا إبراهيـم (عليه السلام)[27]، ورؤيا النبي (صلى الله عليه وآله)[28]، ورؤيا المسلمين في قصة بدر[29] وما أشبه ذلك.

وعلماء الفلك: استخرجوا من القرآن الحكيم ما يرتبط بعلمهم من المواقيت، والليل والنهار، والشمس والقمر، والبروج ونحوها، كما يشاهد ذلك في المراصد والاسطرلابات والكتب المعنية بهذا الشأن.

والشعراء والكتّاب: استفادوا من القرآن الحكيم في جمال اللفظ وبديع النظم وحسن السياق، والمبادئ والمقاطع، والمطالع والمخارج، والتلون في الخطاب، والإسناد والإيجاز، وغير ذلك مما يرتبط بعلوم البلاغة من المعاني والبيان والبديع على مختلف شؤونها وشجونها.[30]

وعلماء المناظرة: استفادوا من القرآن الحكيم أسلوب الحوار والجدال، وذلك من مخاطبة الله سبحانه وتعالى مع الناس أو الملائكة أو الجن، وكذلك في حوار الأنبياء (عليهم السلام) مع الأمم وغير ذلك مما يعلم أسلوب البيان والمحاورات للمنصف والمجادل وغير ذلك.

هذا بالإضافة إلى انه يمكن الاستفادة من كثير من آيات القرآن الحكيم في علم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والحقوق والإدارة وغيرها، وقد استفاد عدد من العلماء من بعضها في تلك العلوم[31].

إضافة إلى علوم أخرى كعلم طبقات الأرض، وعلم وظائف الأعضاء والعلوم التي ترتبط بشتى الصناعات وغيرها، وفيه بحوث وإشارات إلى شتى أصناف المخلوقات المادية والمجردة، وقد قال سبحانه: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)[32] فانه تعالى لم يفرط في الكتاب التكويني شيئا قابلا للخلق، كما انه لم يفرط في الكتاب التشريعي شيئاً مرتبطا بشؤون الإنسان، وإنا لم نقصد مما ذكرنا ههنا إلا الإلماع، لأن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ذكرت هنا آية قرآنية كريمة كشاهد على كلامها، وإلا فالتفصيل يحتاج الى مجلد ضخم مما هو خارج عن مبحث هذا الكتاب.

[1] البقرة: 132.

[2] آل عمران: 85.

[3] أي: (اتقوا الله حق تقاته).

[4] أي: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).

[5] الأمالي للشيخ الصدوق ص487 المجلس74.

[6] غرر الحكم ودرر الكلم ص45 ح173 الفصل الثاني في العلم.

[7] غرر الحكم ودرر الكلم ص163 ح3148 الفصل السادس في الموت.

[8] لقمان: 22.

[9] آل عمران: 137.

[10] المقنعة ص339. ومصباح الكفعمي ص622.

[11] الاقبال ص197.

[12] الصحيفة السجادية ص176 وكان من دعائه(عليه السلام) في الاستخارة. وفتح الابواب ص197 في دعاء الاستخارة عن الامام زين العابدين(عليه السلام). ومصباح المتهجد ص614. والبلد الامين ص148.

[13] فقه الرضا(عليه السلام)6 باب الدعاء في الوتر.

[14] الانعام: 59.

[15] النحل: 89.

[16] مكارم الأخلاق ص363 الفصل الثاني في الاستشفاء. وفقه الرضا(عليه السلام) ص342 باب الادوية الجامعة بالقرآن.

[17] مكارم الاخلاق ص363 الفصل الثاني في الاستشفاء. وفقه الرضا(عليه السلام) ص342 باب الادوية الجامعة بالقرآن.

[18] فقه الرضا(عليه السلام) ص342 باب الادوية الجامعة بالقرآن.

[19] مصباح المتهجد ص335 صلاة اخرى للحاجة.

[20] أي علم النحو.

[21] ففي كتاب (الصراط المستقيم) ج1 ص220-221: (واما النحاة فظاهر، وصفه(عليه السلام) لابي أسود الدؤلي، فانه دخل عليه فرآه متفكرا، فقال له: فيما انت تفكر، قال: سمعت في بلدكم لحنا، واردت ان اصع في اللغة كتابا، قال: فأتيته بعد أيام فألقى الي صحيفة فيها: الكلام كله ثلاثة: اسم وفعل وحرف، والاشياء ثلاثة: ظاهر ومضمر وغيرهما، فانح هذا النحو..).

وفي شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص19-20: (ومن العلوم علم النحو والعربية، وقد علم الناس كافة انه (علي (عليه السلام)) هو الذي ابتدعه وأنشأه وأملى على ابي الاسود الدؤلي جوامعه واصوله، من جملتها: (الكلام كله ثلاثة اشياء: اسم وفعل وحرف) ومن جملتها: (تقسيم الكلمة الى معرفة ونكرة، وتقسيم وجوه الاعراب الى الرفع والنصب والجر والجزم).

وفي كتاب (كشف اليقين) ص58: (واما النحو فهو (علي(عليه السلام)) واضعه، قال لابي الاسود الدؤلي: الكلام كله ثلاثة اشياء: اسم وفعل وحرف، وبين له وجوه الاعراب).

وفي (كشف الغمة) ج1 ص133: (واما النحو فقد عرف الناس قاطبة ان عليا(عليه السلام) هو الواضع الاول الذي اخترعه وابتدعه ونصبه علما لابي الاسود ووضعه).

[22] فقد ورد عن ابن عباس قال: (حدثني امير المؤمنين(عليه السلام) في تفسير الباء من بسم الله الرحمن الرحيم من اول الليل الى آخره). كشف اليقين ص59.

[23] وهي: البرهان، الجدل، الخطابة، الشعر، المغالطة.

[24] أي الأدلة والحجج والبراهين المستفادة من القرآن.

[25] يوسف/ 43: (وقال الملك اني ارى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ افتوني في رؤياي ان كنتم للرؤيا تعبرون).

وفي سورة يوسف/ 46: (يوسف أيها الصديق افتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي ارجع الى الناس لعلهم يعلمون).

[26] يوسف/ 36: (ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما اني أراني اعصر خمرا وقال الآخر اني أراني احمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله انا نراك من المحسنين). وفي سورة يوسف/ 41 : (يا صاحبي السجن، اما أحدكما فيسقي ربه خمرا واما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الامر الذي في تستفتيان).

[27] الصافات/ 102: (فلما بلغ معه السعي قال يا بني اني ارى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين).

[28] الفتح/ 27: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تحافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً).

[29] الأنفال/ 43: (اذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم انه عليم بذات الصدور).

[30] راجع كتاب (البلاغة) للإمام المؤلف دام ظله.

[31] راجع من موسوعة الفقه هذه الكتب: (الفقه: علم النفس) و(الفقه: الاجتماع) و(الفقه: الاقتصاد) و(الفقه: السياسة) و(الفقه: القانون) و(الفقه: الحقوق) و(الفقه: الإدارة) للإمام المؤلف دام ظله.

[32] الأنعام: 38.