الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين.

وبعد: فإن الدفاع كالهجوم ـ حقاً كان، كما في الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) والعلماء والصالحين من المؤمنين والمؤمنات، أم باطلاً، كما في الطغاة والمجرمين ـ على سبعة أقسام، وإن أمكن التكثير أو التقليل منها بالاعتبارات المختلفة.

الأول: السياسي، بالتحرك وتوجيه الضغوط عبر محاور ومراكز ومؤسسات متخصصة لذلك، وما أشبه كجعل الشخص المناسب في المكان المناسب، أو التحرك لأجله، في الحق، وبالعكس في الباطل.

والثاني: الاقتصادي، عبر الدعم المادي ـ بمختلف صوره ـ لجبهة الحق أو الباطل، في الجانبين، أو الحظر الاقتصادي سواء على جبهة الحق، كما في محاصرة أهل مكة لأهل المدينة اقتصادياً، وكما في اغتصاب فدك، وفي عكسه على جبهة الباطل، كما قام به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنسبة إلى بعض القوافل التجارية لقريش، مقابلة لهم بالمثل.[1]

والثالث: الاجتماعي، بالمقاطعة الاجتماعية، كما فعله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)[2]: ((مع الثلاثة الذين خلفوا))‎[3] وكما فعله بنو العباس ـ بالباطل ـ مع الأئمة الطاهرين (عليهم السلام). والرابع: العسكري، بالسلاح، كما في حروب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الدفاعية ـ في جانب الحق ـ وعكسه في القوى المعادية لأهل الحق.

والخامس: العاطفي، عبر الندبة والنوح والبكاء، كما قام به أهل البيت والأئمة عليهم السلام ـ في العديد من المواطن ـ خاصة الإمام السجاد (عليه السلام) بعد شهادة الإمام الحسين (عليه السلام)[4]، وبذلك تمكنوا من إحقاق الحق وإزهاق الباطل.

والسادس: الثقافي، وذلك عبر القيام بنشر الوعي والعلم والثقافة بمختلف الوسائل، فأهل الحق ينشرون الفضيلة والتقوى والصدق ويقومون بإرشاد الناس للحقائق، وأهل الباطل ينشرون الفساد والكذب والخداع، قال تعالى: ((كل يعمل على شاكلته)).[5]

والسابع: الأجوائي[6]، بتهيئة الأجواء الصالحة.. بتزويج الشباب والشابات، ومنع المخامر والمقامر والمباغي والملاهي والمراقص، واستبدالها بالبدائل الصالحة والسليمة، أو الأجواء الفاسدة، كما يفعله المبطلون في كل زمان ومكان.

والصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها الصلاة والسلام) اتخذت أسلوب الدفاع والهجوم، لإحقاق الحق وإبطال الباطل، عبر:

1: العاطفة، كالبكاء ونحوه.

2: الثقافة، كما في خطبتها (عليها السلام) في المسجد، وفي مجمع النساء اللاتي جئن لعيادتها في البيت.

3: المقاطعة الاجتماعية: في حياتها، حيث لم تأذن للشيخين في زيارتها[7]، وقالت (عليها السلام): (إليكم عني..)[8].

وبعد الوفاة، بالوصية بإخفاء مراسم التشييع والصلاة والدفن، وإخفاء القبر الشريف[9].

4: التحرك لأجل إرجاع الحق لأهله عبر الخطبة وتوجيه الضغوط[10] وغيرها[11].

وفيما يلي نذكر خطبة الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بأكملها، مع بعض ما يستنبط منها من الفروع والأحكام على النحو الذي فصلناه في مقدمة حديث الكساء[12].

هذا وقد أشرنا إلى بعض أدلة حجية الخطبة في المجلد الأول[13].

كما ذكرنا بعض ما يدل على كونها صلوات الله عليها مفروضة الطاعة على جميع الخلائق حتى الانبياء عليهم السلام[14].

والله الموفق وهو المستعان.

                                                                                                          قم المقدسة

                                                                                                          محمد الشيرازي

                                                                                                          1414 هـ

[1] راجع حول هذه المباحث كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم ج1ـ2) للإمام المؤلف دام ظله.

[2] راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم ج2 ص169-175) غزوة تبوك، تحت عنوان (المتخلفون عن تبوك).

[3] التوبة: 118.

[4] راجع بحار الأنوار ج45 ص149 ب39 ح1 وفيه: (قال السيد روي عن الصادق (عليه السلام) انه قال: ان زين العابدين (عليه السلام) بكى على أبيه الحسين (عليه السلام) أربعين سنة، صائماً نهاره قائماً ليله، فإذا حضر الإفطار جاءه غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه فيقول: كل يا مولاي، فيقول: قتل ابن رسول الله جائعاً، قتل ابن رسول الله عطشاناً، فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبل طعامه من دموعه، ثم يمزج شرابه بدموعه، فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عزوجل).

وفي كتاب (مثير الأحزان) ص115 تحت عنوان حزن زين العابدين عليه السلام: (ان زين العابدين (عليه السلام) كان مع حلمه الذي لا توصف به الرواسي وصبره الذي لا يبلغه الخل المواسي، شديد الجزع والشكوى لهذه المصيبة والبلوى، بكى اربعين سنة بدمع مسفوح وقلب مقروح).

[5] الإسراء: 84.

[6] قد يكون هذا القسم داخلاً في الدفاع السياسي، أو غيره، ولكن ذكره من باب ذكر الخاص بعد العام، لأهميته، أو لغير ذلك مما هو مذكور في علم البلاغة.

[7] راجع عوالم العلوم ومستدركاته، مجلد فاطمة الزهراء عليها السلام ج2 ص829 ط مؤسسة الإمام المهدي عج قم المقدسة. وفيه عن (الامامة والسياسية): (.. فقال عمر لابي بكر: انطلق بنا الى فاطمة، فانا قد أغضبناها، فانطلقا جميعاً، فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا علياً فكلماه، فأدخلهما عليها، فلما قعدا عندها، حولت وجهها الى الحائط، فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام). وبحار الانوار ج28 ص303 ب4 ح48 وفيه: (قالت[فاطمة لعلي عندما استأذن عليها الشيخان]: البيت بيتك والحرة زوجتك.. فسدت قناعها وحولت وجهها الى الحائط.. قالت: نشدتكما بالله هل سمعتما رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني؟ قالا: نعم، فرفعت يدها الى السماء فقالت: اللهم انهما قد آذياني فانا اشكوهما اليك والى رسولك، لا والله لا ارضى عنكما ابداً حتى القى ابي رسول الله فأخبره بما صنعتما فيكون هو الحاكم فيكما).

[8] عوالم العلوم: ج11 ص 467 ب20 ح1 ط2. وبحار الانوار ج43 ص160 ب7 ح9.

[9] راجع بحار الأنوار ج78 ص390 ب10ح56 وفيه عن فاطمة الزهراء عليها السلام: (انا اوصيك في نفسي.. اذا انا مت فغسلني بيدك وحنطني وكفني وادفني ليلا ولايشهدني فلان وفلان) الحديث. وفي البحار ج43 ص214 ب7 ح44: (يا علي حنطني وغسلني وكفني بالليل وصل علي وادفني بالليل ولاتعلم احداً). وراجع أيضا علل الشرايع ج1 ص185 باب العلة التي من اجلها دفنت فاطمة عليها السلام بالليل ولم تدفن بالنهار.

[10] كما في طوافها عليها السلام على الأربعين من الصحابة.

[11] وهذا من الدفاع السياسي والأجوائي حسب التقسيم المذكور، وقد يكون اقتصاديا أيضاً بالنسبة إلى مطالبتها عليها السلام بفدك، أما الدفاع العسكري فلم يكن ذلك بصالح الإسلام والمسلمين كما وصى بذلك الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

[12] راجع موسوعة الفقه (من فقه الزهراء عليها السلام) المجلد الأول.

[13] وسيأتي الكلام عن ذلك أيضاً في هامش ص56-59.

[14] راجع (من فقه الزهراء عليها السلام) المجلد الاول ص10 – 17، فعن ابي جعفر عليه السلام: (لقد كانت عليها السلام مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله، من الجن والانس والطير والوحش والأنبياء والملائكة) الحديث. وعنه (عليه السلام): (ان الله تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة سلام الله عليهم اجميعن، فمكثوا الف دهر، ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمورها اليهم، فهم يحلون ما يشاؤون، ويحرمون ما يشاؤون، ولن يشاؤوا الا ان يشاء الله تبارك وتعالى، ثم قال: هذه هي الديانة التي من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق) [راجع عوالم العلوم ومستدركاتها مجلد فاطمة الزهراء عليها السلام ج1 ص172و173 ب13 ح1و2، باب انها صلوات الله عليها مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله تعالى].