الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

الغنى والفقر بين المدح والذم

الإسلام لا يبغض الغنى، ولا يحب الفقر بذاتهما.. وإنما يبغض ويحب ما يقارنهما فالغني ـ أكثريّاً ـ بعيد عن المثل الإسلامية يبخل بمعروفه ويمنع رفده ويؤذي الناس بثروته، إنه بما اُوتي من ثروة، يزعم أنّ له وزناً، فيتعالى ويتكبر، ويجثم على الدنيا والدرهم، كالأفعى فوق الكنز. وهكذا غنى عدمه خير من وجوده، وأي عاقل يرجح لنفسه المثل السفلى، ولعامة الناس الإيذاء والإهانة؟ مما يصاحب الغنى دائماً.

وهناك الفقر، يصهر في الإنسان غالب الصفات الذميمة: كالكبر والنخوة والغرور... كما يمنع الإنسان عن كثير من الموبقات: كالفساد والرياء والاعتلاء بالإضافة إلى أنّه لا يؤذي المجتمع.

إن هاتين لما كانت ملازمتين ـ في الأغلب ـ للغنى والفقر وردت الأحاديث بذم الغنى ومدح الفقر. لا لذاتهما بل لعوارضهما يقول القرآن الحكيم: (... إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)(1) فالطغيان علة ذم الغنى لا بذاته، بل الغنى محبوب في نظر الإسلام بذاته، والفقر مذموم بذاته، إذ الغنى بنفسه سبب لكل بر وخير، والفقر سبب للحرمان من كثير من المثوبات.

فالصدقة، والضيافة، وعمارة المساجد، وبناء المدارس، والخمس، والزكاة، والصلة، والبر، وتشييد الملاجئ والمستشفيات، وإعلاء شعائر المشاهد والحج والزيارات، وما إليها لا تكون إلا بالمال. والفقير محروم من غالبها ولذا يقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): (نعم العون على الدين الغنى) وفي الحديث (كاد الفقر إن يكون كفراً)(2).

أما حيث ان طبيعة الغنى والفقر يتلازمان ـ في الأغلب ـ صفات ذميمة بالنسبة إلى الأول، وخصال حسنة بالنسبة إلى الثاني، كما يشهد بذلك أقل نظرة إلى المجتمعات، قورن الغنى في كثير من الأحاديث بالضعة، والفقر بالرفعة.

وهاك جملة من الأحاديث التي ترى في كثير منها الإلماح إلى ما ذكر:

قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أي أمّتك أشرّ؟ قال (صلى الله عليه واله وسلم) الأغنياء)(3).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لبلال: (إلق الله فقيراً ولا تلقه غنيّاً)(4).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يدخل فقراء أمّتي الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام)(5).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إطّلعت على الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، وإطّلعت على النار، فرأيت أكثر أهلها الأغنياء)(6).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (خير هذه الأمة فقراؤها، وأسرعها تصعّداً في الجنة ضعفاؤها)(7).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين)(8).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ لي حرفتين اثنتين، فمن أحبّهما فقد أحبّني ومن أبغضهما فقد أبغضني: الفقر والجهاد)(9).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الفقر أزين للمؤمنين من العذار الحسن على خد الفرس)(10).

وسئل (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الفقر؟ فقال: (خزانة من خزائن الله)(11).

وسئل ثانياً؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (كرامة من الله)(12).

وسئل ثالثاً؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (شيء لا يعطيه الله إلاّ نبياً مرسلاً أو مؤمناً كريماً على الله)(13).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ في الجنة غرفة من ياقوتة حمراء ينظر إليها أهل الجنة، كما ينظر أهل الأرض إلى نجوم السماء، لا يدخل فيها إلا نبي فقير أو مؤمن فقير)(14).

وقال (عليه السلام): (الناس كلهم مشتاقون إلى الجنة، والجنة مشتاقة إلى الفقراء)(15).

وقال (عليه السلام): (الفقر فخري)(16).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (تحفة المؤمن في الدنيا الفقر)(17).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيعتذر الله تعالى إليه كما يعتذر الأخ إلى أخيه في الدنيا، فيقول: وعزّتي وجلالي، ما زويت الدنيا عنك لهوانك علي، ولكن لما أعددت لك من الكرامة والفضيلة اُخرج يا عبدي إلى هذه الصفوف، فمن أطعمك فيّ أو كساك فيّ، يريد بذلك وجهي، فخذ بيده فهو لك، والناس يومئذ قد ألجمهم العرق، فيتخلّل الصفوف، وينظر من فعل ذلك به ويدخله الجنة)(18).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أكثروا معرفة الفقراء، واتخذوا عندهم الأيادي فإن لهم دولة، وقالوا: يا رسول الله، وما دولتهم؟ قال: إذا كان يوم القيامة فقيل لهم: انظروا إلى من أطعمكم كسرة. أو سقاكم شربة أو كساكم ثوباً، فخذوا بيده، ثم امضوا به إلى الجنة)(19).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ألا أخبركم بملوك أهل الجنة؟)(20) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (كل ضعيف مستضعف، أغبر أشعث ذي طمرين،، لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبرّه)(21).

ودخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على رجل فقير، ولم ير له شيئاً فقال: (لو قسّم نور هذا على أهل الأرض لوسعهم)(22).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا أبغض الناس فقراءهم، وأظهروا عمارة الدنيا، وتكالبوا على جمع الدراهم والدنانير، رماهم الله بأربع خصال: بالقحط من الزمان، والجور من السلطان، والجناية من ولاة الحكام، والشوكة من الأعداء)(23).

وروي: إنّه ما من يوم إلا وملك ينادي من تحت العرش: يا ابن آدم قليل يكفيك خير من كثير يطغيك.

وروي عن عيسى المسيح (عليه السلام) أنّه قال: (بشدّة يدخل الغني الجنة)(24).

وقال (عليه السلام): (إنّ أحب الأسامي إليّ: أن يقال: يا مسكين)(25).

وقال لقمان لابنه: (لا تحقرن أحداً لخرقان ثيابه، فإن ربك وربه واحد).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى منادياً ينادي بين يديه(26) أين الفقراء؟ فيقوم عنق من الناس كثير فيقول: عبادي فيقولون: لبيك ربنا، فيقول: إني لم أفقركم لهونٍ بكم عليّ ولكن إنما اخترتكم لمثل هذا اليوم، تصفـّحوا وجوه الناس فمن صنع إليكم معروفاً لم يصنعه إلا فيّ، فكافوه عني بالجنة)(27).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (لولا إلحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها)(28).

وقال (عليه السلام): (إن فقراء المؤمنين يتقلبون في رياض الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً. ثم قال (عليه السلام): سأضرب لك مثل ذلك. إنما مثل ذلك مثل سفينتين مُرّ بهما على عاشر، فنظر في أحدهما فلم ير فيها شيئاً، فقال: إسربوها ونظر في الأخرى، فإذا هي موقرة، فقال: احبسوها)(29).

وقال (عليه السلام): (إن الله جل ثناؤه ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في الدنيا، كما يعتذر الأخ من أخيه فيقول: وعزتي وجلالي، ما أحوجتك في الدنيا من هون كان بك علي، فأرفع هذا السجف فانظر إلى ما عوضتك من الدنيا قال: فيرفع فيقول: ما ضرني ما منعتني مع ما عوضتني؟!)(30).

وقال (عليه السلام): (إذا كان يوم القيامة قام عنق من الناس حتى يأتوا باب الجنة، فيضربوا باب الجنة، فيقال لهم: من انتم؟ فيقولون: نحن الفقراء، فيقال لهم: أقبلوا الحساب، فيقولون: ما أعطيتمونا شيئاً حتى تحاسبونا عليه فيقول الله عز وجل: صدقوا. ادخلوا الجنة)(31).

وقال (عليه السلام) ـ لبعض أصحابه ـ: (أما تدخل السوق؟ أما ترى الفاكهة تباع والشيء مما تشتهيه؟ فقلت: بلى، فقال: أما إنّ لك بكلّ ما تراه فلا تقدر على شرائه، حسنة)(32).

وقال الإمام الكاظم (عليه السلام): (إن الله عز وجل يقول: اني لم أعن الغني لكرامة به علي ولم أفقر الفقير لهوان به علي، وهو مما ابتليت به الأغنياء بالفقراء ولولا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنة)(33).

وقال الإمام الرضا (عليه السلام): (من لقي فقيراً مسلماً وسلّم عليه خلاف سلامه على الغني لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان)(34).

ولكن اللازم على الفقير أن يكون صابراً راضياً بقسم الله تعالى ولا يكسل عن التحصيل. وإلا فليس الفقر بمجرده ممدوحاً، وإنما مدحه لما يلازمه من رقة القلب وصفاء الروح، والتواضع وما إليها أما إذا كان الفقير ناقماً على الله أو جزوعاً أو يكسل عن الطلب، ويلقي كلّه على الناس فهو من مصداق ما ورد (الفقر سواد الوجه في الدارين).

ولذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا معشر الفقراء أعطوا الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم فإن لم تفعلوا فلا ثواب لكم)(35).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ أحبّ العباد إلى الله الفقير القانع برزقه الراضي عن الله تعالى)(36).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا أحد أفضل من الفقير إذا كان راضياً)(37).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يقول الله تعالى ـ يوم القيامة ـ أين صفوتي من خلقي؟ فيقول الملائكة: من هم يا ربنا؟ فيقول: فقراء المسلمين القانعين بعطائي الراضين بقدري أدخلوهم الجنة فيدخلونها ويأكلون ويشربون والناس في الحساب يتردّدون)(38).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (طوبى للمساكين بالصبر، وهم الذين يرون ملكوت السموات والأرض)(39).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من جاع أو احتاج فكتمه عن الناس، أفشاه إلى الله تعالى، كان حقّاً على الله: أن يرزقه رزق السنة من الحلال)(40).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ لكلّ شيء مفتاحاً ومفتاح الجنة حبّ المساكين والفقراء والصابرين وهم جلساء الله يوم القيامة)(41) بمعنى أنهم كالجليس الذي يقدّر حقّ قدره.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ: (يا عليّ إنّ الله جعل الفقر أمانة عند خلقه، فمن ستره أعطاه الله تعالى مثل أجر الصائم القائم، ومن أفشاه إلى من يقدر على قضاء حاجته، فلم يفعل فقد قتله! أما أنه ما قتله بسيف ولا برمح ولكنه قتله بما نكى من قلبه)(42).

وروي: (إن الله أوحى إلى إسماعيل (عليه السلام): اطلبني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، قال: ومن هم؟ قال: الفقراء الصادقون)(43).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (إن لله عقوبات بالفقر ومثوبات بالفقر فمن علامات الفقر إذا كان مثوبة: أن يحسن عليه خلقه ويطيع به ربه، ولا يشكو حاله ويشكر الله تعالى على فقره، ومن علاماته إذا كان عقوبة أن يسوء عليه خلقه، ويعصى ربه بترك طاعته ويكثر الشكاية ويتسخّط بالقضاء)(44).

الثروة

يرى الإسلام المال مال الله، جعل عباده مستخلفين فيه، ليمتحنهم أيّهم أحسن عملاً؟.

وقد جعل سبحانه ـ حسب حكمته البالغة ـ المال موزعاً بين الناس توزيعاً متفاضلاً. فمنهم من لا يملك ومنهم من يملك قليلاً ومنهم من يملك كثيراً، ذلك ليتسبب النظام ويصلح المجتمع، فلو كان الكل أغنياء بقيت كثرة من الأعمال بلا عامل، فمن يكنس ومن يغسل ومن يرحض ومن يسهر ليله كله لدراهم قليلة؟؟ ومن؟ ومن؟ ولو كان الكل فقراء فمن يجلب الطعام؟ ومن يستورد البضائع؟ ومن يصدر الفائض من الأموال؟ ومن؟ ومن؟.

وبمثل هذه النسبة تتعطل الأعمال لو كان الكل متوسطين، فإن ذلك يوجب وقوف بعض الأعمال المتطلبة لطائل الثروة وبعض الأعمال التي لا يأتيها إلا من اشتدت فاقته وبأي حال يقف رحى الكون ودولاب الاجتماع عن الدوران.

وهكذا جعل الله وهكذا تقتضي الحكمة.

ولكن قد علم الله سبحانه إن هذا التوزيع ينجم عنه أمران يسببان انهيار المجتمع:

1 ـ ترف الأغنياء.

2 ـ مسكنة الفقراء.

فإن الغني إذا رأى ثروته الطائلة لا بد وأن يطغى ويصرف فاضل ماله في اللهو واللعب، والخمور والفجور وأحضان الترف وأعطاف السرف.

والفقير إذا لم يحصل على عمل أو مرض أو عطب لا بــد وأن يبقى بلا غذاء وكساء ومسكن ومصح ومن جراء هذين العاملين يتوزع المجتمع إلى طبقتين دانية وقاصية، لا بد وأن ينجم عن ذلك حزازات وشحناء وعداء وبغضاء بالإضافة إلى أن بقاء الفقير يكابد المسكنة تعدً وظلم، وإطلاق سراح الغني يعمل ما يشاء جور وإجحاف بالمجتمع.

فما هو العلاج؟.

إن الله كان قد عرف الأمرين وحل المشكلتين من يوم أن خلق العالم. وكيف الحل؟.

انه تعالى ـ أولاً ـ حرم السرف والترف، والخمور والفجور، وصب كل لعنته ونقمته على من يتعاطى هذه الأمور، وذلك ليس لأجل الفقير والمجتمع فحسب، بل لأجل الغني نفسه، إن الترف والسرف يوجبان الترهل، والبطالة مفتاح الآفات.. والخمور والفجور توجبان الأمراض والأسقام والأدواء والآلام، فتحريمها وجعل العقوبات الصادقة لمتعاطيها وقاية للغني والفقير والمجتمع على حد سواء عن كل انحراف ومرض.

و ـ ثانياً ـ أوجب للفقراء والمساكين والمصالح العامة حقوقاً، في أموال الأغنياء تتكافأ وحوائجهم، فلا يبقى، في المجتمع فقير ولا مصلحة معطلة.

وبهذه الخطة الحكيمة، جمع الإسلام بين:

1 ـ حرية العمل والتجارة وجمع الثروة.

2 ـ والمسايرة مع الرغبة الأصلية في النفس من حب المال.

3 ـ وحفظ الأغنياء من الإفراط في الترف والترهل.

4 ـ وضمان الطبقة الضعيفة فقيراً كان أم مريضاً أم عاجزاً.

5 ـ سد فراغ المصالح العامة حتى لا تبقى مصلحة من غير رصيد فيا لها من خطة حكيمة، وشريعة عادلة وقانون عظيم!!!.

الشك واليقين

الإيمان بالله أوّل الفضائل وهل فضيلة أرقى من الإيمان بالخالق الرازق الحي المميت المعطي الوهاب..؟ لكن النفوس الضعيفة ربما يخالجها الشك كالأبدان الضعيفة التي تمرضها الإسقام، فعلى الشخص أن يتعاهد نفسه كما يتعاهد جسمه كي لا تقع في أحابيل الأوهام حتى تنجر إلى الشك ثم الإنكار، فإنه من أقبح الرذائل، وهل أقبح من نكران الله العظيم الذي بيده أزمّة الخلق والأمور، والى هذا التدّرج: وسوسة، فشك، فجحود يشير الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث يقول: (لا ترتابوا، فتشكّوا، ولا تشكّوا، فتكفروا)(45).

ومن كفر أو شك لا ينفعه عمله، إذ العمل بلا يقين كالبناء من دون أساس ومتى استقام البناء بدون الأساس استقام العمل بدون اليقين، قال الإمام الباقر (عليه السلام): (لا ينفع مع الشك والجحود عمل)(46) وقال ولده الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الشك والمعصية في النار، ليس منّا ولا إلينا)(47) لم يخرج هذان الأمران الخبيثان، من الأئمّة الطيبين، ولا يعودان إليهم (... الخبيثات للخبيثين... والطيبات للطيبين...)(48).

والثالث لا يرجى منه خير، كيف وقد أوصد باب الخير على نفسه؟ وابتلى بمرض لا يرجى له البرء قال (عليه السلام): (من شك في الله تعالى بعد مولده على الفطرة لم يفيء إلى خير أبداً)(49) لكن المحذور ليس هو مجرد الشك إذ ربما يوسوس الشيطان في نفس الإنسان بما لا يريد، وإنما المحذور البقاء على الشك ولذا قال (عليه السلام): (من شك أو ظن فأقام على أحدهما أحبط الله عمله إنّ حجة الله هي الحجة الواضحة)(50).

وأية حجة أوضح من احتياج هذا الخلق الوسيع العظيم، إلى خالق ومدّبر؟!.

وكلما يكون الشك موغلاً في الدناءة والخسّة فاليقين بعكسه فضيلة لا أفضل منها إذ الفضائل كلها من فروعه، يقول النبي العظيم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): (اليقين الإيمان كله)(51) فالمتيقن لا بد وأن يعمل إذ لا يجتمع اليقين والعطالة، فهل سمعت بمن يتيقن أن خلفه الأسد ولا يفر منه؟ أو هل تعلم أحداً علم دواءه ثم أحجم عن شربه؟ كلا! لا يكون ذلك إلا في السفهاء، والكلام في العاقل. إذاً فاليقين هو الإيمان ولو أخذنا أنّه لم يعمل بمقتضى اليقين فهو عرض زائل ومثله لا يضر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما آدمي إلاّ وله ذنوب، ولكن من كانت غريزته العقل وسجيته اليقين، لم تضره الذنوب، لأنه كلما أذنب ذنباً، ندم واستغفر، فتكّفر ذنوبه، ويبقى له فضل يدخل به الجنة)(52).

واليقين بالإضافة إلى ذلك يوجب الهدوء والسكينة إنّه يعلم أنّ مقادير الأمور بيد الله تعالى وأنّه لو أصابته مصيبة في مال أو ولد أو نفس فإنما هي بأمر الله تعالى وسيجزيه على ذلك، فلم يحزن؟ قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الله تعالى بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط)(53).

لكن هذا اليقين بما له من فضل ليس كثير الوجود وإن كثرت دعاوي الناس بأنهم اُوتوه بل هو قليل وقليل جدّاً، وقليله أيضاً نافع فهو كالماء قليله يمنع الهلاك وإن كان كثيره أفضل يروي ويوجب النشاط والحياة، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أوتي حظه منهما لم يبال ما فاته من صيام النهار وقيام الليل)(54) إنّ هذين مستحبان ففوتهما غير مضر أما فوت اليقين فمعناه فوت الإيمان كله، وليست قلة اليقين وعزيمة الصبر لجور القسمة وإنما هي لكون هذين بالاكتساب وقلّ من يطلبهما.

وأخيراً فالعمل ناشئ عن اليقين فكلما ازداد اليقين ازداد العمل وبالعكس فهو كالضوء كلما ازداد، ازداد المضيء، وكيف لا والعمل ناشئ عنه ومن ثمراته؟ قال لقمان لابنه: (يا بني لا يستطاع العمل إلا باليقين، ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه، ولا يقصر عامل إلا حتى ينقص يقينه) ومع ذلك فالعمل القليل باليقين أفضل من العمل الكثير مع الشك إذ العمل لا يقاس حجمه وإنما يقاس روحه، فالأول كالماس والثاني كالحجر وقليل من الماس خير من كثير من الحجر، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله تعالى، من العمل الكثير على غير يقين)(55).

اللسان

لسانك لا تبدي به سوأة امرئ          فكـــلّك سوآت وللـــناس ألسن

وفي الحقيقة إن اللسان عضو عجيب يفسد ويصلح، فإذا أفسد لم يقم شيء بإصلاح ما فسد، وإذا أصلح لم يقدر شيء على إفساد ما صلح.

وعلى الإنسان أن يخزن لسانه كما يخزن جوهره بل أكثر... فإن الجوهر لا يناط به عزّ الإنسان وسعادته بينما اللسان يعز ويذل ويسعد ويشقي.

ومن اللسان يأتي كثير من الخيرات.، كما يأتي منه كثير من الشرور فالهداية والإرشاد والإصلاح والتعلم، والذكر والتسبيح والأمر بالخير والنهي عن الشر... وغيرها كلها من ثمرات اللسان، كما أن الإضلال والكفر والإفساد والسب والغيبة والنميمة والكذب والقذف وغيرها من آفات اللسان.

وكثير من آفات اللسان متفرق في غضون هذا الكتاب. والمقصود هنا ذكر رذيلتين من رذائله: التكلم بالفضول والخوض في الباطل، فهما من أضرار اللسان ويفسدان على المرء دنياه وأُخراه.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضاً في الباطل)(56).

وبهذا يجيب أهل النار حين يسألون: (ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين)(57) انه في عداد ترك الصلاة والزكاة والتكذيب بالمعاد!

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإنّ الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة)(58).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)(59)

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله)(60) أشار إلى ذلك بعض الحكماء حيث يقول:

طوبى لمن كفّ فكّه، وفكّ كفـّه، وويل لمن كفّ كفـّه، وفكّ فكّه

وروي: إنه استشهد يوم أُحد غلام من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووجد على بطنه حجر مربوط من الجوع فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت: هنيئا لك الجنة يا بني! فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (وما يدريك؟ لعلّه كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضرّه!)(61).

ويروى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لبعض أصحابه ـ وهو مريض –: (أبشر فقالت أمه: هنيئاً لك الجنة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وما يدريك؟ لعلّه قال ما لا يعنيه أو منع ما يعنيه)(62). فإن الجنة لايتهنأ بها إلا من لا يحاسب بما كَلمه ممّا لا يعنيه.

وروي انه تكلم رجل عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأكثر، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (كم دون لسانك من حجاب؟ فقال: شفتاي وأسناني، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أفما كان في ذلك ما يرد كلامك؟!)(63).

وروي أنّ رجلاً أثنى على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستهتر في الكلام، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (كم دون لسانك من حجاب؟ فقال: شفتاي وأسناني. فقال: أفما كان في ذلك ما يرد كلامك؟! ثم قال: ما أُوتي رجل شرّاً من فضلٍ في لسانه)(64).

وروي أنّه قدم رهط من بني عامر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فشرعوا بالمدح والثناء عليه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (قولوا قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان)(65).

وروي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذات يوم: (إن أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة، فلمّا دخل هذا الرجل قالوا له: أخبرنا بأوثق عملك في نفسك ترجو به؟ فقال: إني رجل ضعيف العمل، وأوثق ما أرجو الله به سلامة الصدر وترك ما لا يعنيني)(66).

وقد جمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي ذر مفاتيح أبواب الخير في كلمات قصار

قال (صلى الله عليه وآله وسلم) له: (ألا أعلمك بعمل خفيف على البدن ثقيل في الميزان؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: هو الصمت، وحسن الخلق وترك ما لا يعنيك)(67).

والشخص بادئ الأمر يحب الكلام وكثرته والخوض فيما لا يعنيه فإذا تجشم مرات عديدة السكوت وأشغل نفسه عوض الكلام بالذكر والتسبيح وما إليهما اُطفئت الشهوة تدريجيّاً وانقلبت إلى حب السكوت فإذا هو ملكة يلتذ منه الشخص أكثر من التذاذ المهذار بالكلام، فيجمع بذلك بين خير الدنيا وسعادة العقبى.

الخواطر والأفكار

الإنسان مركب عجيب تتسع فيه الآفاق وتستحكم فيه الأجهزة فهو ذو أدوات وآلات لا يعرف كنهها، وإنما القدر المعروف هو ظواهرها فله جسم وصفات جسم، وروح وصفات روح، ولكلّ ميدان وسيع وأطراف مترامية رحبة ولا يكاد يعلم من هذه كلها إلا القليل النادر، وان كان ربما يدّعي أدعياء العلم أنهم وصلوا الكنه، إلاّ أنّه كلام فارغ تشهد بذلك قرارة أنفسهم، وخذ مثلاً: هذا الذي نسميه خواطر ـ في اليقظة ـ وأحلاماً ـ في النوم ـ مجهول الكنه إلى يوم الناس هذا، وإن كان (فرويد) ومن حذا حذوه، من المجازفين يرون انهم وصلوا العمق!.

وهناك حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يفسر الخواطر نقبله لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعلم ما وراء الظواهر وان كنا نحن لا نلمس ذلك لضيق حدود مداركنا وانحصارها في المحسوسات وما إليها، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (في القلب لمّتان: لمّة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمّة من الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق)(68) وقريب منه قوله الآخر (صلى الله عليه وآله وسلم): (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن)(69) فكما إن الشيء المحاط بإصبعين يقلب كيف يشاء صاحبها كذلك يقلب قلب المؤمن حسب مشيئة الرحمن وإلقاء الملك المتمركز هناك.

وعلى أي، فالخواطر يلزم أن تهذب وإلا طالت السلسلة حتى تؤدي إلى الوسوسة، وتوجيه الخواطر إلى الخير، هو الذي يسمى بالتفكير، وقد ندب إليه الإسلام لأنه مجلي العلوم، وكاشف الرموز والداعي إلى العمل الصالح، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (التفكر حياة قلب البصير)(70) وقال: (فكرة ساعة خير من عبادة سنة)(71) إن فكرة ساعة ربما أدت إلى خير الدنيا والآخرة، كما نرى ذلك في شهيد الطف (حر الرياحي) فهي إذاً أفضل من عبادة سنوات.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام):(إن التفكر يدعو إلى البر والعمل به)(72).

وقال (عليه السلام):(نبه بالتفكر قلبك، وجاف عن الليل جنبك واتـّق الله ربّك)(73).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام):(باجالة الفكر، يستدر الرأي المعشب)(74).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (الفكر مرآة الحسنات وكفارة السيئات، وضياء للقلوب، وفسحة للخلق، وإصابة في صلاح المعاد، وإطلاع على العواقب، واستزادة في العلم، وهي خصلة لا يعبد الله بمثلها)(75).

وقال الإمام الرضا (عليه السلام):(ليس العبادة كثرة في الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله عزّ وجل)(76) إذ بالتفكر ترسى دعائم الإيمان، وإلا فكم من صام وصلّى يتزعزع بعاصفة واحدة تهشم إيمانه كما تهشم الريح اليابس من الأعشاب.

أما الخواطر المذمومة فعلى الإنسان أن يجتنبها مهما هجمت عليه وإلا أودت بجسمه ونفسه، تحطم صحته البدنية والعقلية بالإضافة إلى أنّه ربما أوجبت الكفر والإلحاد. وقد أشفق من هذا الأخير أحد الصحابة فعن (الكافي) أنّه جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:(يا رسول الله هلكت، فقال له (صلى الله عليه وآله وسلم): هل أتاك الخبيث، فقال لك: من خلقك؟

فقلت: الله تعالى خلقني. فقال لك: الله من خلقه؟ فقال له: إي والذي بعثك بالحق لكان كذا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ذاك والله محض الإيمان)(77).

لأنه قطع سلسلة الوساوس، بلجوئه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لدفع ما دهمه، وكون هذا محض الإيمان واضح إذ لو لم يكن مؤمناً بالله لما اعتقد أن الآتي إبليس يريد أن يخدعه عن دينه.

ثم إن هذه الشبهة، أعني شبهة: من خلق الله؟ سخيفة جداً إذ كل ما بالغير لا بد وأن يستند إلى ما بالذات فهو بنفسه، واليك مثلاً: نور كل شيء وضياءه مستفاد من الشمس ـ كما أثبت ذلك العلم ـ أما نور الشمس فهو بنفسه لم تأخذه عن شيء آخر، أي في سلسلة النور هي المصدر دون سواها ـ أما الخلق فهي مخلوقة كما لا يخفى ـ وكذا دهونة كل شيء من الدهن، أما الدهن فهو دسم بنفسه لا عن غيره.

وهذا القدر من الخواطر المذمومة معفو عنه إذ لا يخلو عنه أحد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (وضع عن أمتي تسع خصال: الخطأ، والنسيان، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، وما استكرهوا عليه، والطيرة، (والوسوسة في التفكر في الخلق)، (والحسد ما لم يظهر بلسان أو يد)(78) وكتب رجل إلى الإمام الباقر (عليه السلام) يشكو إليه لمما؟ فأجابه (عليه السلام): (إن الله تعالى ـ إن شاء ثبتك، فلا يجعل لإبليس عليك طريقاً ـ قد شكى قوم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمماً يعرض لهم، لأن تهوي بهم الريح، أو يقطعوا أحبّ إليهم من أن يتكلموا به فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أتجدون ذلك؟ قالوا: نعم، قال: والذي نفسي بيده إن ذلك لصريح الإيمان فإذا وجدتموه قولوا: آمنا بالله ورسوله ولا حول ولا قوّة إلا بالله)(79).

والوسوسة معفو عنها حتى عن الكثير منها، لكونها من دون اختيار الشخص، والله أعدل من أن يعاقب أحداً على ما صدر منه كرها، سئل الإمام الصـادق (عليه السلام) عـن الوسوسة، وإن كـثرت؟ فقـال: (لا شيء فيها تقول:لا إله إلا الله)(80) وقال جميل بن دراج: قلت للصادق (عليه السلام): إنّه يقع في قلبي أمر عظيم! فقال: قل: لا إله إلا الله، قال جميل: فكلّما وقع في قلبي، قلت: لا إله إلا الله، فيذهب عني)(81).

اليأس والرجاء

الرجاء هو توقع الشيء المطلوب، مع تهيئة الشخص كل مقدمة يتمكن من الحصول عليها: الزارع، يزرع الأرض، ثم يسقي البذر ثم يحفظ الزرع من الآفات ويأتي بكل ما لديه من حول وطول، للحفاظ على الثمار... وبعد ذلك يرجو لطف الله في بلوغ الثمرة كمالها المنشود. وإنما ذلك: لأن عوامل الطبيعة التي سخرها الله تعالى ليست تحت قدرة الإنسان وطوع إرادته فهناك إعصار يتلف الزروع، وحشرات تفسد البذور، وبرد ينزل أحياناً فيقصف الأشجار، ودود يأكل الثمار... وهكذا.

أما من لا يزرع ثم يرجو الحاصل، فهو أحمق، أو من يزرع ثم لا يهيئ المقدمات المقدورة ومع ذلك يقول: إنّي أرجو، فهو كاذب أو مخدوع.

إن الكون يبدره الله تعالى بقدرته الكاملة، ولكن جعل لكل شيء سبباً والأسباب منها ما في متناول الشخص، ومنها ما هو خارج عن إرادته، فالراجي هو الذي يعمل ما في متناوله، ثم يرجو جريان المقادير على الإلفة والعادة، حتى يؤتي كل شيء حاصله، ويصل كل سبب إلى نتيجته.

وهكذا الرجاء بالنسبة إلى المقامات العليا، والدرجات الرفيعة في الآخرة والأولى مثلاً: لو بعد الشخص عن طلب العلم، ثم رجا أن يصبح عالماً فهذا حمق كما أنّ تهاونه في العمل ورجاءه التقدم جهل.. والعبادة هكذا فمن لم يطع الله ثم يقول: أرجو أن أكون من أصحاب الدرجات الرفيعة، أو ذوي المراتب السامية لدى الله تعالى جاهل أو مغرور.

كما إنّ من يعمل قدر المقدور، ثم لا يرجو بعيد عن العادة والعقل.

وكلاهما خارج عن الحد المقرر لدى العقل والشريعة: من يرجو ولا يعمل، ومن يعمل ثم ييأس.

وقد وردت طائفتان من الآثار لتقويم هذين الرجلين من لا يرجو ومن لا يعمل.

قال تعالى:(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله...)(82).

وقال علي (عليه السلام) ـ لرجـــل أخرجه الخـــوف إلى القنوط، لـــكثرة ذنوبه ـ: (أيا هذا! يأسك من رحمة الله أعظم من ذنوبك)(83).

ورأى (عليه السلام) رجلاً عند النزع كان يقول: أجدني أخاف ذنوبي، وأرجو رحمة ربي، فقال (عليه السلام): (ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجاه وآمنه مما يخاف)(84).

وقال الباقر (عليه السلام): وجدنا في كتاب علي (عليه السلام): أن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قال وهو على منبره: (والذي لا إله إلا هو ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة إلا بحسن ظنه بالله ورجاءه له وحسن خلقه، والكف عن اغتياب المؤمنين. والذي لا إله إلا هو لا يعذب الله مؤمناً بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء ظنه بالله وتقصيره من رجاءه وسوء خلقه واغتيابه للمؤمنين والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن لأن الله كريم بيده الـــخيرات يستحـــي أن يكون عبده الــمؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنه ورجاءه فأحسنوا بالله الظن وارغبوا إليه)(85).

هذا وأضرابه إنما ورد لتثبيت الرجاء في القلوب الواهنة والنفوس الضعيفة التي لم تذق حلاوة رجاء رحمة ربها.

وأما ما ورد لزجر النفوس المتكاسلة التي لا تعمل وترجو نهياً عن غيّها وإرشاداً لها إلى الصراط المستقيم فكثيرة وقد حصر الله الرجاء الصحيح في قوله: (إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله...)(86) وذمّ أقوامـــاً يرجون بـــلا عمل بقوله تعالى: (فخلف من بــعــــدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا...)(87) ومثل هذا في لسان نبي الإسلام يسمي بـ(الأحمق) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الجنة)(88) وكيف لا يكون أحمق ويريد الثمرة بدون غرس الشجرة؟.

قيل للإمام الصادق (عليه السلام): (قوم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجوا فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت؟ فقال (عليه السلام): هؤلاء قوم يترجّحون في الأماني كذبوا ليس براجين إنّ من رجا شيئاً طلبه ومن خاف من شيء هرب منه)(89).

ولقد صدق الإمام (عليه السلام) إنّ من يرجو منصباً إنما يصح أن يقال له: راج إذا طلبه، أما من يقصد ويتمنى فهو كاذب غير راج، ومن يخاف من الأسد يهرب منه أما من يقول: أخاف، وهو يعترضه فهو كاذب، فمن يقول: أخاف الذنوب ثم يعملها، فهو كاذب ومن يقول: أرجو الرحمة، ثم يعمل ضدّها فهو مخدوع.

وقد بين الإمام (عليه السلام) مقياس الخوف والرجاء حيث قال: (لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون خائفاً راجياً ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو)(90).

كبر النفس وصغرها

النفس كالوعاء، منها واسعة، ومنها ضيقة، فالواسعة لا يملأها شيء قليل، من مال أو علم أو منصب أو ما إليها. والضيقة تفيض منها مقادير قليلة، حتى تبدو على أطرافها، مثلاً: إذا تعلم بعض العلم، يقوم بإظهاره في كل مجتمع ومنتدى، وإذا رزقه الله قليلاً من المال، أعرض وتكبّر، وحسب لنفسه ألف حساب، وإذا تسلم رتبة متواضعة، رأيته وكأنه يمشي على الهواء، يصعّر خده للناس وهكذا يكون صغير النفس وبالعكس من ذلك من كبرت نفسه، واتسع آفاق فكره، فإنه كلما نال من خير، رأى بعده اُفقاً، وفوقه متسعاً فتتضاءل لديه نفسه، ويزدري بما حصل، لا ازدراء الكافر للنعم، الجاحد للفضل، بل ازدراء الفطن الحكيم، فلا يقيم لما أوتي وزناً، كي تبطره النعمة، انه يطلب المزيد من العلم، والزيادة من الفضل... فكيف يجتمع هذا مع كونه يرى ما عنده عظيماً كثيراً؟.

إن كل أحد رأى في حياته، رجلاً ازداد مالاً، فلم يزده ذلك إلا تواضعاً واُلفةً، كما رأى من ازداد علماً، فلم يزده ذلك إلا طلباً واجتهاداً، كما رأى من ارتفع منصبه، ووصل إلى مقام عال، فلم يزده ذلك إلا عملاً بالخير وحلاً للمشاكل، وبشاشةً وابتسامةً.

وبالعكس رأى آخرين كافرين على طرفي نقيض مع هؤلاء...!

فالأولون كبراء النفس، والآخرون صغراءها.

والإسلام يحب ألاولين، يقول الإمام الباقر (عليه السلام): (المؤمن أصلب من الجبل)(91) لا ينهار بمصيبته، ولا تبطره نعمة، كالجبل الذي لا يتحرك بالعواصف، فكيف بالرياح الاعتيادية؟ وفي حديث آخر عنه (عليه السلام) قال:(إن الله تعالى أعطى المؤمن ثلاث خصال: العز في الدنيا والآخرة، والفلاح في الدنيا والآخرة، والمهابة في صدور الظالمين)(92).

فلولا كبر نفسه لم يكن عزيزاً مهاباً.

إن صغير النفس ذليل مهان.

وكما يحث الإسلام على العزة وكـــبر النفس، فهو يزجر عن صغر النفس والمهانة، فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الله عز وجل فوّض إلى المؤمن أموره كلّها. ولم يفوّض إليه أن يكون ذليلاً، أما تسمع الله تعالى يقول: (... ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين...)(93) (94).

والإنسان وان خلق مختلفاً في جميع شؤونه، إلا إن صغير النفس يتمكن من استبدال ملكته، فيجبر نفسه على الكبر، والاتزان، حتى لا تحركه كل ريح، والعزة وكبر النفس متلازمان، كما أن الذلة وصغر النفس قرينان.

الظرافة بين المدح والذم

ينقص الإنسان ـ مهما كان مرحاً ـ لطوارئ خارجية، أو نفسية، وتنشيط النفس انما يكون بعوامل ميسّرة، كالسياحة، والنظر إلى الخضرة، والاستماع إلى صوت محبوب. أو ما أشبه! ومن العوامل المؤثرة: الظرافة والمطايبة.. ولكن بقدر.

إنّه إن كان مزاحاً، خالياً عن الكذب، فهو ممدوح غايته.

وإن كان مزاحاً يخالف الواقع، فإنّه وإن لم يكن له إثم الكذب لكنه مذموم في نظر الإسلام.

أما إذا خرج عن حدّه، فهو سخرية واستهزاء، وقدح حرّمه الإسلام، ووعد عليه عذاباً شديداً.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إني لأمزح، ولا أقول إلا حقّاً)(95).

ويروى: (أنّه، قيل للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله، إنّك تداعبنا! فقال: (إنّي وإن داعبتكم، فلا أقول إلاّ حقّاً)(96).

وروي: أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم): كسا ـ ذات يوم ـ واحدة من نسائه ثوباً واسعاً؟ وقال لها: إلبسيه واحمدي، وجرى منه ذيلاً كذيل العروس)(97)

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً لعجوز: (لا تدخل الجنة عجوز! فبكت العجوز... فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنك لست يومئذ بعجوز)(98).

وجاءت إليه امرأة وقالت: (إنّ زوجي يدعوك..

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): زوجك هو الذي بعينه بياض؟.

قالت: والله ما بعينه بياض؟.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): بلى إنّ بعينه بياضاً.

فقالت: لا والله...

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من أحد إلاّ بعينه بياض)(99) وأراد به البياض المحيط بسواد العين.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ ذات يوم ـ لصهيب، وكان يأكل التمر وبه رمد: (أتأكل التمر وأنت أرمد..

فقال: أنا آكل بالشقَّ الآخر؟.

فتبسّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى بدت نواجذه)(100).

(وجاءته (صلى الله عليه وآله وسلم) إمرأة، وقالت: احملني يا رسول الله على بعير!

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): بل نحملك على ابن البعير فقالت: ما أصنع به، انه لا يحملني..

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): هل من بعير إلا وهو ابن بعير)(101).

وروي: (أنّ خوات بن جبير، كان جالساً إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة وكان ذلك قبل إسلامه، فطلع عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: مالك مع النسوة؟ قال: يفتلن ضفيراً لجمل لي شرود.. فمضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لحاجته، ثم عاد، فقال: يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد؟ فقال: فسكت واستحييت، وكنت بعد ذلك أستخفي منه حياءً، حتى أسلمت، وقدمت المدينة، فاطّلع علي يوماً وأنا أصلي في المسجد، فجلس إلي فطوّلت الصلاة، فقال: لا تطوّل، فإني بانتظارك فلما فرغت.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد؟.

قلت: والذي بعثك بالحق نبيّاً، ما شرد منذ أسلمت.

فقال (صلى الله عليه واله وسلم): الله أكبر، الله أكبر، اللهم اهد أبا عبد الله، فحسن إسلامه...)(102).

وكان نعيمان الأنصاري رجلاً مزاحاً...

فإذا دخل المدينة شيء نفيس، من اللباس والمطاعم، اشترى منه، وجاء به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقول: هذا هدية لك؟!

فإذا جاء صاحبه يطالبه بثمنه، جاء به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

وقال: يا رسول الله، أعطه ثمن متاعه.

فيقول له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أو لم تهده لنا؟.

فيقول: لم يكن عندي والله ثمنه وأحببت أن تأكل منه.

فيبتسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويأمر لصاحبه بثمنه(103).

وفي عنوان ذمّ الاستهزاء تأتي الآية الكريمة: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن...)(104).

ولم يستهزأ الإنسان بأخيه؟ إلا لخبث انطوت عليه نفسه، فهل هو أفضل منه حتى ينتقصه؟... أم هل لا ينطوي المستهزىء على نقائص؟.

ثم أليست الدنيا دار جزاء ومكافأة، يوم للمستهزىء، ويوم عليه ولو تصفح الإنسان أحوال المستهزئين، لرأى كيف يقليهم الداني والقاصي، ويكرههم القريب والبعيد.. وبعد ذلك، ليس من مستهزىء، إلا وتدور به الفلك، وإذا به رمية كل سهم من سهام الأقدار.

هذا في الدنيا، أما في الآخرة، فاستمع إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:

(إنّ المستهزئين بالناس، يفتح لأحدهم باب من الجنة، فيقال: هلم هلم فيجيء بكربه وغمه، فإذا أتى أُغلق دونه، فما يزال كذلك حتى يفتح له الباب، فيقال له: هلم هلم.. فما يأتيه)(105).

ثم.. ان بعض النفوس قد انطبعت على الاستهزاء فلا تتمكّن من تركه إلا بالمجاهدة، ومهما جاهد الإنسان، لقلع رذيلة، وغرس فضيلة، كان حريّاً وإن أوجب ذلك سنين طوالاً.

والإنسان لا يعرف ما للفضيلة من قيمة، وللرذيلة من ضعة، إلا إذا رأى المتحلي بهذين، قارن بينهما، يقال:

إنّ رجلين كانا يعاشران المرد من الولدان وكانا مشغفين بأن يدخل الماء معهم للتمتع بملامستهم، فاتفق ان أحد الرجلين خرج من الماء لبعض شؤونه، فاخذ ينظر إلى صاحبه، وهو يلعب مع الولدان بهيئة منكرة، فاستبشع المنظر، وقال لصاحبه: اخرج من الماء، وانظر لعبي مع هؤلاء، فلما خرج، ورأى الصورة البشعة من لعب رجل كبير مع صبيان مراهقين، كره نفسه وما كان يفعله.

فتابا عما كانا فيه، وتركا ما كانا يقترفان من العمل.

وليس القبح خاصّاً برذيلة فكل صفة بشعة، مكروهة ومنفرة وإن كان المرتكب لا يراها إلا من زاوية نفسه، فالجبن والبخل والرياء وصغر النفس، وما أشبه.. كلها رذائل بشعة تؤتي ثماراً فجّة لا يزدردها إلا ذو ذائقة مريضة.

اتفق ذات يوم أن جاءني رجل كنت أقدره لعلمه وورعه فاشتكى شكاية عميقة من كتاب بغير إمضاء أرسل إليه، يقول فيه: أنه لا يليق بك كذا.. لا أكثر من هذا ولا أقل.. ولكن صديقنا ذاك، كاد أن ينفجر أسى وحزناً، وكان يقول: أريد ترك المجتمع! فقد أثبت بهذا العمل ضيق نفسه، وصغر روحه وإنّه بهذه المثابة من العمل والورع، لا يتحمل أقل كلمة نقدية توجه إليه، وإن كانت من كاتب مجهول.

ورأيت رجلاً حفي حداداً على الإمام الحسين (عليه السلام) ليوم عاشوراء لكنه كان يصر على أن يري نفسه كذلك حافياً! فكم ترى لهذا الشخص من إخلاص في عمله..! وكم يكبر في نفسك لو رأيته، وهو يرائي في هذا العمل الطفيف؟.

ورأيت رجلاً كان يبدي ضجره من المجتمع، ويتأفف و.. ولماذا؟ لأنه اشتغل أياما قلائل لإصلاح شأن من الشؤون.

إنّ الإنسان مهما أوتي من أدب ونزاهة، وفضيلة وخلق لا تزال فيه جوانب من النقص الروحي، تحتاج إلى العلاج، كما يحتاج المريض إلى العقاقير.

ولربما.. بل إنّما: أنا بنفسي الذي اُسطّر ما رأيت من المعايب، مشحن بالنواقص الخلقية، لكني لا أرى أو بالأحرى لا أريد أن أرى نواقصي.. وهذا غير مبرر بالنسبة إليّ والى غيري، فكل إنسان مأمور بقلع نواقصه، مهما أُوتي من علم وورع، ومكانة وجاه وثروة ومال.

وكلما تقدم الإنسان، في هذا المضمار، كانت إنسانيته أكثر ومقامه أسمى وإن صغرت يده من الحطام، وقلّت وجاهته لدى الحكام وهؤلاء هم الذين يفتخر بهم التأريخ إلى أبد الدهر، سواء كانوا من الأنبياء والمرسلين، أم الأئمة والقديسين، أم الحكماء والمصلحين.

 

1 ـ سورة العلق: الآيتان 6 ـ 7.

2 ـ أصول الكافي: 2/307 ـ جامع السعادات: 2/82.

3 ـ جامع السعادات: 2/78.

4 ـ جامع السعادات: 2/78.

5 ـ جامع السعادات: 2/78.

6 ـ جامع السعادات: 2/78.

7 ـ جامع السعادات: 2/83.

8 ـ جامع السعادات: 2/83.

9 ـ جامع السعادات: 2/83.

10 ـ أصول الكافي: 2/265 ـ جامع السعادات: 2/84.

11 ـ جامع السعادات: 2/84.

12 ـ جامع السعادات: 2/84.

13 ـ جامع السعادات: 2/84.

14 ـ جامع السعادات: 2/84.

15 ـ جامع السعادات: 2/84.

16 ـ جامع السعادات: 2/84.

17 ـ جامع السعادات: 2/84.

18 ـ جامع السعادات: 2/84.

19 ـ جامع السعادات: 2/85.

20 ـ جامع السعادات: 2/85.

21 ـ جامع السعادات: 2/85.

22 ـ جامع السعادات: 2/85.

23 ـ جامع السعادات: 2/85.

24 ـ جامع السعادات: 2/78.

25 ـ جامع السعادات: 2/88.

26 ـ أي من الناحية التي يتوجه الأمر منها.

27 ـ أصول الكافي: 2/263 ـ جامع السعادات: 2/85.

28 ـ أصول الكافي: 2/261 ـ جامع السعادات: 2/86.

29 ـ أصول الكافي: 2/260 ـ جامع السعادات: 2/86.

30 ـ أصول الكافي: 2/265 ـ جامع السعادات: 2/87.

31 ـ أصول الكافي: 2/264 ـ جامع السعادات: 2/87.

32 ـ أصول الكافي: 2/265 ـ جامع السعادات: 2/87.

33 ـ أصول الكافي: 2/264 ـ جامع السعادات: 2/87.

34 ـ جامع السعادات: 2/87.

35 ـ جامع السعادات: 2/88.

36 ـ جامع السعادات: 2/88.

37 ـ جامع السعادات: 2/88.

38 ـ جامع السعادات: 2/88.

39 ـ جامع السعادات: 2/88.

40 ـ جامع السعادات: 2/88.

41 ـ جامع السعادات: 2/88.

42 ـ أصول الكافي: 2/260 ـ جامع السعادات: 2/89.

43 ـ جامع السعادات: 2/88.

44 ـ جامع السعادات: 2/94.

45 ـ أصول الكافي: 2/399 ـ جامع السعادات: 1/152.

46 ـ أصول الكافي: 2/400 ـ جامع السعادات: 1/152.

47 ـ أصول الكافي: 2/400 ـ جامع السعادات: 1/152.

48 ـ سورة النور: آية 26.

49 ـ أصول الكافي: 2/400 ـ جامع السعادات: 1/152.

50 ـ أصول الكافي: 2/400 ـ جامع السعادات: 1/152.

51 ـ جامع السعادات: 1/154.

52 ـ جامع السعادات: 1/154.

53 ـ جامع السعادات: 10/154.

54 ـ جامع السعادات: 1/154.

55 ـ جامع السعادات: 1/154.0

56 ـ جامع السعادات: 2/184.

57 ـ سورة المدثر: الآيات 42 ـ 46.

58 ـ جامع السعادات: 2/184.

59 ـ جامع السعادات: 2/189.

60 ـ جامع السعادات: 2/189.

61 ـ جامع السعادات: 2/186.

62 ـ جامع السعادات: 2/186.

63 ـ جامع السعادات: 2/186.

64 ـ جامع السعادات: 2/186.

65 ـ جامع السعادات: 2/190.

66 ـ جامع السعادات: 2/190.

67 ـ جامع السعادات: 2/190

68 ـ جامع السعادات: 1/178.

69 ـ جامع السعادات: 1/179.

70 ـ جامع السعادات: 1/201.

71 ـ جامع السعادات: 1/201.

72 ـ أصول الكافي: 2/55 ـ جامع السعادات: 1/202.

73 ـ أصول الكافي: 2/54 ـ جامع السعادات: 1/202.

74 ـ جامع السعادات: 1/202.

75 ـ جامع السعادات: 1/202.

76 ـ أصول الكافي: 2/55 ـ جامع السعادات: 1/202.

77 ـ أصول الكافي: 2/425 ـ جامع السعادات: 1/195.

78 ـ جامع السعادات: 1/196.

79 ـ أصول الكافي: 2/425 ـ جامع السعادات: 1/195.

80 ـ أصول الكافي: 2/424 ـ جامع السعادات: 1/195.

81 ـ أصول الكافي: 2/424 ـ جامع السعادات: 1/196.

82 ـ سورة الزمر: آية 53.

83 ـ جامع السعادات: 1/282.

84 ـ جامع السعادات: 1/282.

85 ـ أصول الكافي: 2/71 ـ جامع السعادات: 1/283.

86 ـ سورة البقرة: آية 218.

87 ـ سورة الأعراف: آية 169.

88 ـ جامع السعادات: 1/288.

89 ـ أصول الكافي: 2/68 ـ جامع السعادات: 1/288.

90 ـ أصول الكافي: 2/71 ـ جامع السعادات: 1/288.

91 ـ جامع السعادات: 1/296.

92 ـ جامع السعادات: 1/296.

93 ـ سورة المنافقون: آية 8.

94 ـ جامع السعادات: 1/295.

95 ـ جامع السعادات: 2/291.

96 ـ جامع السعادات: 2/291.

97 ـ جامع السعادات: 2/292.

98 ـ جامع السعادات: 2/292.

99 ـ جامع السعادات: 2/292.

100 ـ جامع السعادات: 2/292.

101 ـ جامع السعادات: 2/292.

102 ـ جامع السعادات: 2/292.

103 ـ جامع السعادات: 2/292.

104 ـ سورة الحجرات: آية 11.

105 ـ جامع السعادات: 2/288.