الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

الأناة والعجلة

إذا هبت الرياح اضطربت الحشائش أما الأشجار الباسقة فإنها لا تهاب الإعصار فكيف بالريح؟ والنفوس مثلها كمثل غيرها من الأشياء، فيها الرزين المتين وفيها الأجوف الهواء. فمن النفوس ما يحركه أقل شيء فتستعجل بالأمر ومنها ما تعمل بتروي وأناة وذو الأناة في غالب الأحيان يدرك ما لا يدركه ذو العجلة إذ بالتأني يرى الإنسان طريقه ويهتدي لصالحه والمستعجل محروم عن هذه الفائدة فكثيراً ما ينزلق حيث لا ينجيه ولقد أحسن الشاعر حيث قال:

قد يدرك المتأني بعض حاجته          وقد يكون مع المستعجل الزلل

والأناة غير التكاسل، فالمتكاسل بعد معرفة طريق الحركة لا يتحرك، والمتأني إنما لا يقدم حتى يعرف وجه الحركة وكيف ينبغي. والإسلام يحب الأنـــاة ويكــــره العجلة، قـــال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):(العجلة من الشيطان والتأني من الله)(1).

وفي الحديث: انه لما ولد عيسى (عليه السلام) أتت الشياطين إبليس فقالوا:أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها؟ فقال: هذا حادث قد حدث، مكانكم! فطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم وجد عيسى قد ولد، وإذا الملائكة قد حفّت حوله، فرجع إليهم، فقال: إنّ نبيّاً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا رضعت إلا وأنا بحضرتها إلا هذا فايأسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل العجلة والخفة)(2).

فإن من يعجل في الكلام أو الحركة أو العمل ربما أفسد أكثر مما يفسد عبّاد الأصنام وكثيراً ما يقع العجول في أغلاط ومشكلات لا ينجو منها مدى عمره فاللازم أن يجنح الإنسان العاقل إلى الأناة والتأني ويترك الاستعجال والخفة.

الجبن والتهور

قد يجبن الإنسان حتى عن مواجهة مشكلات الحياة وهذا ليس بإنسان يستحق التقدير، كما أن الشخص قد يكون متهوراً يقتحم المهالك لا لمبرر، وهذا شخص أشبه بالسفه منه إلى العقل.

والإسلام حذر منهما جميعاً وإنما يجب الوسط وهو الشجاعة.

يقول الله تعالى: (... ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة...)(3) فإن الإنسان الذي يلقي بنفسه في المخاوف والمهالك، لا لغاية شريفة ـ كالجهاد ونحوه ـ ألقى بنفسه إلى التهلكة لكنه لهواه لا لأمر عقلاني يستحسن في العرف والشرع.

ويقول نبي الإسلام العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدد الجبن: (لا ينبغي للمؤمن أن يكون بخيلاً ولا جباناً)(4) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلام آخر له: (اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن اُرد إلى أرذل العمر)(5) فهو والبخيل بمنزلة واحدة، هذا بخل بماله، وهذا بخل بحركته وكلاهما سبب وقوف الحياة، فبالمال يزدهر العالم ويخطو نحو الأمام، وبالحركة والشجاعة يسحق الظالم ويخلّص المظلوم من براثنه بكافة ألوانه والجبان لا يخاف إلا مما يخافه البخيل، فالثاني يخاف الفقر، والأول يخاف صدمة جاه أو مال أو نفس، وكلاهما وقعا في ما فرّا منه، فالبخيل ـ بغريزته ـ لهم نهم الفقير وأكثر.. والجبان ـ بفطرته ـ في صدمة المال والجاه والنفس...

يقول الله تعالى في وصف المؤمنين: (... أشداء على الكفار...)(6).

ويقول:(يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم...)(7) إن من يجبن عن الحق معين للظالم، وهو يرسم نصف خطة الظلم، إذ الظلم إقدام من الظالم، وإحجام من المظلوم، فالظالم دبر نصف الخطة، والمظلوم رسم النصف الآخر.

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف المؤمنين (نفسه أصلب من الصلد)(8) ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): (المؤمن أصلب من الجبل، إذ الجبل يستفلّ منه، والمؤمن لا يستفلّ من دينه)(9) فالمؤمن يحافظ على إيمانه مهما تبدلت الظروف وتغيرت الأحوال أما الجبل فالزمان والفأس فأنهما يستفلاّن منه ويقطعان بعضه.

إذاً لا جبن ولا تهور بل شجاعة وإقدام.

وكما أن الجبن مذموم، كذلك الخوف الذي لا سبب له ولا مبرر، كخوف كثير من الناس من الدخول في مواقع الظلمة أو ركوب نحو الطائرة أو خوفهم من الجن أو من الميت أو ما إلى ذلك، وإنما يكون هذا الخوف نقيصة لأنه شل لقسم من الحركة بأوهام وخيالات تدل على خفة النفس، فإن النفس الرزينة، لا تحركها الأوهام، كما إن النفس الراسبة، لا تحركها الحقائق وكلا الطرفين تعدّ عن الحق، وتجاوز إلى الباطل.

وهناك قسم من الخوف محبوب، وهو الخوف من الله تعالى إذ بذلك تتوازن قوى الخير وتندحر قوى الشر، إنّ من يخاف الله ويخشى عقابه لا بد وأن يجتنب عما نهى الله عنه، من ظلم وخيانة، وسرقة وغيبة، وفحش وتهمة وأكل أموال الناس بالباطل والجور في الحكم والرشوة والربا والغش والغلول...

فمن يخشى من الحكومة، لا يرتكب ما يخالف القانون، وكذلك من يخشى من الله حق خشيته، والخوف من الله تعالى لا يكون إلا لمن علم أن الله بكل شيء محيط، ولكل شيء رقيب، ولــذا ورد في القرآن الحكيم: (... إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ...)(10) فالعلماء بالله هم الذين يخشونه، أما الجاهل بالله فلا يراه رقيباً حتى يخاف منه فهو كمن لا يعرف الأسد فإنه لا يفر منه.

وقد ورد في مدح الخوف من الله تعالى آيات وأخبار..

قال تعالى: (... هدىً ورحمةً للذين هم لربهم يرهبون)(11).

وقال: (... رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه)(12).

وقال: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم...)(13).

فمن لا يخاف من الله ليس بمؤمن، يعمل ما يشاء، أما من يخاف فهو مؤمن، لا يعمل إلا على طبق أوامر الله، التي هي الصلاح الكامل للدنيا والسعادة الرابحة للآخرة.

ولذا ورد في آية أخرى: (... وخافون إن كنتم مؤمنين)(14).

وقال تعالى: (سيذكّر من يخشى)(15).

والخائفون هم ورثة الجنة لأنهم ـ وحدهم ـ هم المطيعون لأوامر الله وقد ورد في الآية الكريمة: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)(16). خوف من الله ثم صلاح للنفس ثم جنة وهكذا... يكون ترتيب الخير، ومن الطبيعي أن من يخاف الله في الدنيا لا يخافه في الآخرة، لأن خوفه هنا سبب لعمله الصالح فلمَ يخاف هناك؟ وبالعكس من لم يخف الله هنا خافه في الآخرة، لأن أمنه هنا سبب فساده وطغيانه فلا أمن له هناك، والى هذا يشير الحديث القدسي عن الله تعالى: (وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فإذا آمنني في الدنيا، أخفته يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا، آمنته يوم القيامة)(17).

ثم الإنسان لا يحكم أمره ولا يضع الأمور مواضعها، إلا إذا خاف الله. إن الحكومة التي تستعمر البلاد ظلماً لا تخاف عدل الله وإلا لم تكن تستعمر المظلومين، والقاضي الذي يرتشي لا يخاف الله وإلاّ كفّ عن الرشوة، والبنوك التي تخاف الله لا تأخذ الربا ـ الفائض ـ وإلا لم تجمع دماء الفقراء بمحاجم الصكوك... وهكذا الرجل لا يؤذي امرأته لو كان يخاف الله، والمرأة لم تنشز على زوجها لو كانت خائفة من الله.. وهكذا.. وهكذا...

فالخوف يوجد الحكمة في الإنسان، حتى يعطي كل شيء حقه ويضع كل شيء موضعه.

يقول النبي العظيم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): (رأس الحكمة مخافة الله)(18) فالمخافة تورث الحكمة والعدل لكل فرد ولكل مجتمع.

وهنا حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يزعم الغر أنه شطط في الكلام، لكنه عند الذكر في غاية الوضوح، كوضوح الشمس في رابعة النهار، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء)(19) إن الخائف يعمل على الموازين، فلهذا يخافه كل معتد أثيم، وغير الخائف يعمل على خلاف المقاييس فلهذا يخاف من كل أحد، ولذا نرى إن المنافق والغاشم والظالم يخاف حتى من ظله وإذا تصفحت أحوال الحكّام الظالمين رأيتهم في خوف دائم وقلق وانهيار ولهذا يظلمون ويظلمون...

وقد ورد لتأكيد هذه المعاني السالفة أحاديث، نسرد منها:

قال الصادق (عليه السلام): (من عرف الله خاف الله ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا)(20).

وقال (عليه السلام): (إن من العبادة شدّة الخوف من الله تعالى يقول سبحانه وتعالى: (... إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ...)(21) وقال: (... فلا تخشوا الناس واخشون...)(22) وقال:(...ومن يتق الله يجعل له مخرجاً)(23) (24).

وقال (عليه السلام): (إن حب الشرف والذكر لا يكونان في قلب الخائف الراهب)(25).

الحلم والغضب

إذا هبت الرياح طارت الأوراق وما شابهها من الأشياء الرقاق.. أما الثقال فلا تحركها الرياح ولا الأعاصير.. وكذلك النفس منها حليمة لا تتحرك بشتم شاتم أو نهب لص أو إيذاء أحمق.. ومنها خفيفة تزعجها أدق شوكة وأقل كلمة..

والإنسان كالغطاء على مواهبه وكوامنه وربما رأى الشخص غطاء براقاً وقالباً مزخرفاً فإذا بحث تحته أذهله ما انطوى عليه من شيء تافه وأمر لا ثمن له والعكس صحيح وكذلك الإنسان فقد يكون مزوداً بمنظر جميل ولباقة أخّاذة وإذا به عند الشدائد كحشيش في بحر مواج لا يقر له قرار ولا يسكن له هائج وقد يكون على الضد من ذلك فلا منظر له بهيج ولا منطق له خلال وهو في الشدائد والمشكلات كالجبل الراسي، لا يتحرك كأنما فطر من صلد، وكأن فؤاده من زبر الحديد.

والإسلام يريد من الإنسان، تنقية ملكاته، وتقويم ما أعوجّ منها، حتى يكون إنساناً... ولذا يحرص على كل فضيلة وينفر عن كل رذيلة..

وبما أن الحلم من أفضل الفضائل نرى الأحاديث كالقطر تنهال على مسامع البشر من النبي وآله الطاهرين تحريضاً على هذه الفضيلة وتحذيراً عن الغضب، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعاءه: (اللهم أغنني بالعلم وزيني بالحلم) فإنه زينة ونعم الزينة هي إن الإنسان بالحلم يرتقي مستوى اجتماعياً ولهذا زود الله أنبياءه بالحلم فيما زودهم بها من فضائل ومحاسن ولذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (خمس من سنن المرسلين... وعدّ منها الحلم)(26) إن الناس ليفرون من الغضوب فرارهم من الأسد فإنه ينكد عيشهم ويكدر صفوهم ويخرق هدوءهم بأخلاقه الشرسة فكيف يكون مثله نبيّـاً؟ أم كيف يرتفع مثله عند الله منزلة وعند الناس مكانة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ابتغوا الرفعة عند الله! قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحلم عمّن جهل عليك)(27).

إنها جواهر الأخلاق أن يقطعك إنسان وأنت تصله؟! إننا لا نصل من يصلنا فكيف بمن يقطع عنا؟! وإننا لنحرم من يعطينا فكيف بمن يحرمنا؟! وإننا نجهل على من يحلم عنا فكيف بمن يجهل علينا؟! ولكن الإسلام يريدنا على غير ما نكون عليه من صفات ذميمة وانه يريد أن نكون من عباد الله الصالحين والبشر الخيرين.

فهذا هو الذي يحبه الإسلام ويريد أن يكون المسلم هكذا ويحبه الله تعالى قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله يحب الحيي الحليم ويبغض الفاحش البذيء)(28) وهذا ليس لله فقط. بل عامة الناس يحبون الحيي الحليم، ويبغضون الفاحش البذيء، ولو لم يقابلوه سوى مرّة في عمرهم، أرأيت لو قيل لك: فلان حليم، فأنت تحبه لهذه الصفة الحسنة، ولو قيل: فلان فاحش أبغضته ولو لم تعرفه!

والحلم يؤدي بالإنسان إلى درجة العبادة، وأية عبادة أفضل من الحلم؟ قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم)(29) بل العبادة منوطة بالحلم فمن لا حلم له لا يعد عابداً لله تعالى وإن صلّى وصام، قال الإمام الرضا (عليه السلام):(لا يكون الرجل عابداً حتى يكون حليماً)(30) وبهذا المعنى ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ثلاث من لم تكن فيه واحدة منهن فلا تعتدوا بشيء من عمله: تقوى تحجزه عن معاصي الله، وحلم يكفّ به السفيه، وخلق يعيش به في الناس)(31) إن من لا تقوى له يعصى والعاصي لا يقبل منه قال تعالى: (... إنما يتقبل الله من المتقين)(32) وان من لا يحلم، لا بد وأن يقع في سباب وافتراء وباطل، ومن لا خلق له يعيش مع الناس في جو مكفهر من سوء الأخلاق وكل هذه نقص في الإسلام وثلم لتعاليمه.

والناس غالباً يرون أن الخير في كثرة المال والولد، كلا! إن كثير المال والولد ربما يعيش نكداً في الدنيا بسوء خلقه وفي الآخرة بسوء عمله ولذا يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك)(33).

ومن الظريف أن الدنيا حليف الحليم وان تُزوّد ضدّه بكل نشب وسبب وهذا مودع في فطرة الإنسان، فإذا رأيت أحداً يسب صاحبه ويغلظ في الكلام معه، ورأيت صاحبه يحلم، لا بــد وأن تميل إلى جانب الحليم، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (كفى بالحلم ناصراً)(34) وفي الحقيقة انه افضل الناصرين، إنّ من يرد، وإن تشفّى صدره، لكنه في خاتمة المطاف لم يربح، أما من يحلم فإنه لم يتشفّ، لكن له عاقبة الأمر!

وقد ذم الإسلام الغضب وزجر الغاضب ونصحه بترك هذه الصفة الخبيثة.

قال الإمام الباقر (عليه السلام):(إنّ هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم. وان أحدكم إذا غضب احمرّت عيناه، وانتفخت أوداجه، ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض فإنّ رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك)(35).

ولزوم الأرض لئلا يصطدم الطرفان فيحدث من ذلك جرح أو قتل أو ما إليها.

وربما جرّ الغضب أشياء لم يكن بالحسبان حتى انه لو خير الغاضب بين كظم غضبه وبين هذه العواقب السيئة لرأى الأول أهون بكثير، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (كان أبي (عليه السلام) يقول: أي شيء أشدّ من الغضب؟ إن الرجل ليغضب فيقتل النفس التي حرّم الله، ويقذف المحصنة)(36).

والغالب إن القتل لا يقع إلا من جرّاء غضب، وهكذا كل مفسدة ومكروه، ولذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): (الغضب مفتاح كل شر)(37) بمعنى: إنّ الغضب ينتهي إلى كل شر، لا أنّ كل شرّ ينتهي إلى الغضب.

والغضب إذا فسح له المجال سيطر على جميع القوى فشلّها حتى انه لا يبقي معه سلطان للعقل إذ إي عاقل يقدم على ما يقدم عليه الغضبان من سب وقذف وجرح وضرب وقتل وما يظهر في ملامحه من آثار منكرة؟ ولذا يقول الإمام (عليه السلام): (من لم يملك غضبه لم يملك عقله)(38) ويقول في كلام آخر:(الغضب ممحقة لقلب الحكيم) إن قلب الحكيم وعاء للحكمة فإذا طاف به الغضب لم يبق للحكمة مجال.

إنّه يظهر في الدنيا بأبشع منظر ويكون في الآخرة من أصحاب النار، قال (عليه السلام):(إن الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتى يدخل النار)(39) انه لو رضي ورجع وتخلص ممّا اقترفه من آثام لكنه يمتد به الغضب فيرتكب إجرامات أُخر وهكذا.. حتى يرد الجحيم.

هذا حال الغضب للأمور الدنيوية ـ كما هو الغالب ـ أما الغضب لله تعالى ـ حسب حدوده ـ فهو من الفضائل: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ في وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يغضب للدنيا، وإذا أغضبه الحق لم يصرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له)(40) والانتصار يكون ـ طبعاً ـ بإعلاء كلمة الله.

بين الكلام والصمت

من أعجب آيات الله ـ وكل آياته عجيبة ـ اللسان!!

فهذه اللحمة المستدليــة التي لا تبلغ قدر نصف الكف سعة، تصنع العجائب المتضادة فخيرها لا يثمّن، وشرّها لا يقدّر، وزمامها ـ إطلاقاً ـ من أشكل المشكلات ـ أما تعديلها بأن تلزم الجادة، فلا تنحرف يميناً وشمالاً، فيكاد يكون من المستحيل.

أما فوائدها:

فالصدق، وقول الحق، وشهادة الحق، والإرشاد، والهداية، وإنارة الطريق، والذكر، والتسبيح، والتعليم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر و... بل أصل الإيمان إنما يؤتى باللسان. أليس هو قوله: (لا إله إلا الله. محمد رسول الله).

وأما أضرارها:

فأضدادها تقدم.. والهمز واللمز والطعن واللعن والغيبة والنميمة والاستهزاء والخوض في الباطل والتغني و...

والإسلام.. بعد ما يؤكد على فوائدها ويأمر بملازمة كل فرد فرد منها وبعدما يؤكد على أضرارها، ويحث على ترك كل فرد فرد منها يشير إشارة إجمالية مطلقة على إنّ آية اللسان لها فوائد ولها أضرار، ويأمر بحفظها عن كل إثم ومنكر، وإطلاقها في كل معروف وخير.

يقول القرآن العظيم: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)(41).

ويقول: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين الناس...)(42).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من يتكفل لي بما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة)(43).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من وقى شرّ قبقبه، وذبذبه، ولقلقه فقد وقى)(44).

القبقب: البطن. والذبذب: الفرج. واللقلق: اللسان. وذلك لأن هذه الأعضاء الثلاثة هي التي تمضي غالباً، فالبطن: لأكل الحرام، واللسان: لاحتقاب الآثام، والفرج: محط أبشع الإجرام.

وقيل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما النجاة، قال: أملك عليك لسانك)(45).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أكبر ما يدخل الناس النار إلا جوفان... الفم والفرج)(46).

والفم ـ في الحديث ـ يجمع بين الأكل والكلام.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (وهل يكب الناس على مناخرهم في النار، إلا حصائد ألسنتهم)(47).

وقيل له (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما أخوف ما يخاف عليّ؟

فاخذ بلسانه وقال هذا...)(48).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يستقيم إيمان عبد، حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه، حتى يستقيم لسانه)(49).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا أصبح ابن آدم، أصبحت الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: إتقي الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا).

وقال له (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل (أوصني؟

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): اُعبد الله كأنك تراه، وعدّ بنفسك في الموتى، وإن شئت أنبأتك بما هو أملك لك من هذا كله؟ وأشار بيده إلى لسانه)(50).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الله عند لسان كل قائل، فليتق الله امرؤ على ما يقول)(51).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من لم يحسب كلامه من عمله، كثرت خطاياه، وحضر عذابه)(52).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يعذّب الله اللسان بعذاب لا يعذّبه شيئاً من الجوارح.

فيقول: أي رب عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئاً من الجوارح؟ فيقال له: خرجت منك كلمة بلغت مشارق الأرض ومغاربها، فسفك بها الدم الحرام وانتهب بها المال الحرام، وانتهك بها الفرج الحرام، وعزتي وجلالي، لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئاً من جوارحك)(53).

هذا العذاب لمثل هذا اللسان، أما كل لسان فلا، والعذاب في الآخرة كالأمراض في الدنيا قسم منه يعم الجسم كله، وقسم يخص بجارحة من الجوارح، فكما ترمد العين، وتوجع السن وما أشبه. كذلك عذاب الآخرة، فللسان ما اقترف من الإثم، ولليد ما اجترحت من العصيان، وللعين ما احتقبت من الجرم، وهكذا...

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ لرجل كان يتكلّم بفضول الكلام ـ: (يا هذا! انك تملي على حافظيك كتاباً إلى ربك، فتكلم بما يعنيك، ودع ما لا يعنيك)(54).

ما أروع الكلام، وما دهشته!

أليس الإنسان إذا تكلم، كتب الكاتبان ما قال؟ وأليس الكتاب يرفع إلى الله تعالى؟.

وقال (عليه السلام): (المرء مخبوء تحت لسانه)(55).

فإن تكلم تبين إنّه عالم أو جاهل، فصيح أو ألكن.

وقال الامام السجاد (عليه السلام): (إنّ لسان ابن آدم يشرف كل يوم على جوارحه، كل صباح، فيقول: كيف أصبحتم؟ فيقولون: بخير إن تركتنا ويقولون: الله الله الله فينا ويناشدونه، ويقولون: انما نثاب ونعاقب بك)(56).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (ما من يوم إلا وكل عضو من أعضاء الجسد، يفكّر اللسان، يقول: نشدتك الله أن نعذب فيك)(57).

وهل الحوار بين الأعضاء ـ التي منها اللسان ـ حقيقة لا ندركها أم تشبيه؟.

محتمل للأمرين.

وكيف يمكن حقيقة لا ندركها؟.

الى ما لا يحصى.. أنعرف ما في أجسامنا من أجهزة وآلات؟ كلا! وهل نعرف ما فينا من جراثيم؟ وهل نعرف منطق الطير؟ وهل نعرف علائم الأمراض التي تنتابنا؟ وهل؟ وهل؟.

قد يظنّ الظان إنّ السكوت خير من الكلام، إنّ هذا الظن خطأ على قدر خطأ ظن إنّ الكلام ـ إطلاقاً ـ خير من السكوت.

إنّ الإسلام يحب في كل أمر معتدله، فالكلام في نظر الاسلام خير من السكوت إن نفع، والسكوت خير من الكلام إن ضر.

أمّا إنّ الاسلام يختار الصمت والسكوت، أو التكلم والقول، فليس بحسن.

يقول نبي الاسلام (صلى الله عليه وآله وسلم):

(رحم الله عبداً تكلم خيراً فغنم، أو سكت عن سوءٍ فسلم)(58).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إخزن لسانك إلا من خير، فإنك بذلك تغلب الشيطان)(59).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما جاء اليه إعرابي وقال: دلّني على عمل يدخلني الجنة ـ: (أطعم الجائع، واسق الظمآن وأمُر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق فكفّ لسانك إلا من خير)(60).

ولكن حيث إنّ غالب الناس، انما يحتقبون خير الكلام وشره، ويهذرون ليل نهار، ويرمون فارغ القول على عواهله، يؤكد الاسلام الحكم على ترك الكلام ـ إطلاقاً ـ يريد بذلك تقليله على قدر، كما أن من يرى ميلان الحمل الثقيل من جانب، يجر الحمل بقوة إلى الجانب الآخر حتى يعتدل، وإن عمل من القوة ما يكفي ميله إلى الجانب الثاني لو كان معتاداً بالنسبة إلى الجانبين.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من صمت نجا)(61).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الصمت حكم، وقليل فاعله)(62).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من كفّ لسانه، ستر الله عورته)(63).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ألا أخبركم بأيسر العبادة وأهونها على البدن: الصمت، وحسن الخلق)(64).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (اذا رأيتم المؤمن صموتاً وقوراً، فادنوا منه، فإنه يلقن الحكمة)(65).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الناس ثلاثة: غانم، وسالم، وشاحب: فالغانم: الذي يذكر الله، والسالم: الساكت، والشاحب: الذي يخوض في الباطل)(66).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن لسان المؤمن وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه بلسانه، وإنّ لسان المنافق أمام قلبه، فإذا هم بشيء أمضاه بلسانه، ولم يتدبره)(67).

وهاتان ملكتان يكسبهما الانسان بطول الممارسة، فمن اعتاد على أن يتكلم بعد التدبر، اشتدّ عليه ذلك أوّل الأمر، حتى إذا اتّخذه دأباً سهل عليه ثم يصبح ملكة يصعب عليه تركه، فاذا أراد أن يتكلم سبقه التدبر والتفكر والروية عفواً وبلا إعمال جهد بخلاف من ترك الكلام مرسلاً فإنه يصعب عليه التدبّر.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أمسك لسانك، فإنها صدقة تصدّق بها على نفسك، ثم قال: ولا يعرف عبد حقيقة الايمان حتى يخزن من لسانه)(68).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لرجل أتاه ـ: (ألا أدلّك على أمر يدخلك الله به الجنة؟.

قال: بلى يا رسول الله.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): أنل مما أنالك الله.

قال: فإن كنت أحوج ممن أُنيله؟.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فانصر المظلوم.

قال: فإن كنت أضعف ممن أنصره؟.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فاصنع للأخرق، يعني أشر عليه.

قال: فإن كنت أخرق ممن أصنع له؟.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فأصمت لسانك إلاّ من خير، أما يسرّك أن تكون فيك خصلة من هذه الخصال تجرّك إلى الجنة)(69).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (نجاة المؤمن حفظ لسانه)(70).

وجاء رجل اليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: (يا رسول الله أوصني! قال احفظ لسانك. وقال: يا رسول الله أوصني؟ قال: احفظ لسانك، قال: يا رسول الله أوصني، قال: احفظ لسانك. ويحك! وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم؟)(71).

ان اللسان اذا أطلق. اغتاب وخاض في الباطل، وكذب وبهت واستهزأ و.. وكلّها مما يسبّب دخول النار.

و الانسان الساكت يغنم ولا أقل من أنه لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، وهل هذا قليل؟.

أما من اعتاد الحق والذكر فما أحسنه، وكلامه خير من سكوته ألف مرة!

وقيل ـ لعيسى بن مريم (عليهما السلام) ـ: (دلـّنا على عمل ندخل به الجنة؟ قال: لا تنطقوا أبداً، قالوا: لا نستطيع ذلك.. قال: فلا تنطقوا إلا بخير)(72).

وقوله (عليه السلام): مبالغة وجذب للزمام ليعتدل الكلام وإلا فالنطق بخير، دأب عيسى (عليه السلام): (ويكلم الناس في المهد وكهلاً...)(73).

وقال (عليه السلام): (العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت وجزء في الفرار من الناس)(74).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كان المسيح (عليه السلام) يقول: لا تكثروا الكلام غير في ذكر الله فإنّ الذين يكثرون الكلام في غير ذكر الله قاسية قلوبهم ولكن لا يعلمون)(75).

وعن الامام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: (كان أبو ذر (رحمه الله) يقول: يا مبتغي العلم ان هذا اللسان مفتاح خير، ومفتاح شر، فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك وورقك)(76).

فإن الذهب والورق، كما لا ينفعان إلا لخير فعلى الانسان أن لا يتكلم إلا الخير.

وقال (عليه السلام): (إنّما شيعتنا الخرس)(77).

وقال الامـــام الصـــادق (عليه السلام): (في حكمـــة آل داود: على العـــاقل أن يكون عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه)(78).

وفي الحقيقة: إنّ من جمع هذه الخصال الثلاث كان مكتمل العقل.

وقليل ما هم!

وقال (عليه السلام): (لا يزال العبد يكتب محسناً، ما دام ساكتاً، فاذا تكلّم كتب محسناً أو مسيئاً)(79).

وقال (عليه السلام): (النوم راحة للجسد، والنطق راحة للروح، والسكوت راحة للعقل)(80).

إن الروح تريد الإنطلاق، فإنطلاقها الكلام، أما العاقل العارف بمغبّة كثير من الكلام فراحته السكوت.

وقال (عليه السلام): (الصمت كنز وافر، وزين الحليم، وستر الجاهل)(81).

وقال الرضا (عليه السلام): (إحفظ لسانك تعز، ولا تمكّن الناس من قيادك فتذل رقبتك)(82).

وقال (عليه السلام): (من علامات الفقه: الحلم والعقل والصمت. إنّ الصمت باب من أبواب الحكمة، إنّ الصمت يكسب المحبة، إنّه دليل على كلّ خير)(83).

وقال (عليه السلام): (إنّ الرجل من بني اسرائيل إذا أراد العبادة صمت قبل ذلك بعشر سنين)(84).

وللسكوت من الفضيلة أكثر من ذلك وأكثر:

يقال: إنّ أحد النساجين نسج قطيفة ثمينة وأهداها إلى ملك من الملوك، فأستحسنها الملك وأمر بإجازته جائزة كبيرة. ثم سأل وزراءه، عما يصلح له هذه القطيفة، فقال كلّ بما يرتأيه من الصلاح، لكنه استثنى وقال: لا بد وان ناسجها أعرف بما يمكن ان تصلح له فسأله الملك عن ذلك؟. ففكر الناسج طويلاً، ثم قال: انها تصلح لطرحها على جنازة الملك!

غضب الملك من مقاله وأمر بقتله، لكن أحد الحاضرين استمهل الملك قائلاً: كنت الليلة البارحة أترقب النساج كي أتمكن من سرقة قطيفته وكنت أراه طول الليل يقول: اللهم إحفظ رأسي من لساني.. انه غير عامد بل لسانه ليس بأمره ينطلق إلى المهاوي من غير خبث في ذاته.

فعفى الملك عنه.. وأكرمه!

الانتقام والعفو

الإنسان قد ينقصه الغير في عرض أو مال أو ما أشبه، فيهتاج لما فعله ويريد الانتقام منه لكن للانتقام في نظر العقل والعاطفة معياران مختلفان، فالعقل لا يجيزه في كل مورد إذ كثيراً ما يكون دليلاً على صغر النفس ومهانة الذات، مثلاً: الرجل الحكيم لا يقابل السب بالسب، ولا القذف بالقذف، انه أمر سيئ سواء صدر بدءاً أو مقابلة، وهذا بخلاف العاطفة فإنها تميل نحو التنكيل بالبادئ، وإن كان في ذلك حطّـاً من قدر المنتقم نفسه.

والإسلام النظيف لا يحب الانتقام إلا في حدود معقولة انه لا يحب الانتقام حسب العاطفة، وإنما يحبه حسب العقل يقول النبي (صلى الله عليـه وآله وسلّم): (إن امرؤ عيرك بما فيك فلا تعيره بما فيه)(85) وفي حديث آخر قال (صلى الله عليه وآله وسلم):(المتسابّان شيطانان يتهاتران)(86).

نعم لا يريد الإسلام أن يكون الإنسان خنوعاً ذليلاً خصوصاً إذا كان سكوته موجباً لتجري المعتدي ولذا يقرر الله الحكيم رد الاعتداء بالمثل يقول: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم...)(87) (أنّ النفس بالنفس...)(88).

ومع ذلك... فكلما كان مجال للعفو، فهو أفضل في نظر الإسلام وأسمى في نظر الدين يقول الله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)(89) فليعفوا وليصفحوا (... وأن تعفوا أقرب للتقوى...)(90). إن المنتقم ربما يجاوز قدر الاعتداء، فيكون عمله أبعد عن التقوى، أما العافي فإنه في نجوة من الإفراط، فهو أقرب إلى التقوى وأبعد عن نوازع النفس.

وقد حرّض نبي الإنسانية وآله الأطهار، على العفو، مهما وجد الإنسان سبيلاً إليه، يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ثلاث ـ والذي نفسي بيده إن كنت حالفاً لحلفت عليهن ـ ما نقّصت صدقة من مال فتصدقوا، ولا عفا رجل عن مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا زاده الله بها عزاً يوم القيامة، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)(91).

إن أقبلت الدنيا فلا تنقص الصدقة مالاً، وان أدبرت فهو في نقص تصدّق أم لا.

والعفو محبوب لله فهو تعالى يزيد عز الرجل ليس في الآخرة فحسب بل في الدنيا أيضاً ـ وان كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يذكره هنا لعلّه لأمور ـ حتى إن الظالم ليجلّ العافي، ويعلم زنة نفسه ورجاحة عقله، ولذا قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (العفو لا يزيد العبد إلا عزّاً فاعفوا يعزكم الله)(92) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم):(قال موسى: يا رب أيّ عبادك أعزّ عليك؟ قال: الذي إذا قدر عفى).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة؟! العفو عمّن ظلمك وصلة من قطعك، والإحسان إلى من أساء إليك، وإعطاءك من حرمك)(93) أما ما يراه مثل هذا المتخلّق في الدنيا فهو شيء ملموس عزّ ورفعة حتى عند الأعداء والخصماء وعيش هنيء رغد... وأمّا ما يراه في الآخرة فيقول الإمام السجاد (عليه السلام): (إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم ينادي مناد: أين أهل الفضل؟! قال: فيقوم عنق من الناس، فتلقاهم الملائكة فيقولون: وما فضلكم؟ فيقولون: كنا نصل من قطعنا ونعطي من حرمنا ونعفو عمن ظلمنا، قال: فيقال لهم: صدقتم ادخلوا الجنة)(94).

ولذا قال الإمام الصادق: (ثلاث من مكارم الدنيا والآخرة: تعفو عمّن ظلمك، وتصل من قطعك، وتحلم إذا جُهل عليك)(95).

ومهما فعل الإنسان من عفو أو انتقام فإنه كثيراً ما يندم: لماذا ما عفوت؟! أو: لماذا ما عاقبت؟! لكن ندم العفو أيسر، إنّه ندم ولم يجرح عواطف، ولم يؤذ أحداً، بخلاف ندم العقوبة، قال الإمام الباقر (عليه السلام):(الندامة على العفو أفضل وأيسر من الندامة على العقوبة)(96).

والعافي ينتصر أخيراً، وإن كان المنتقم يشفي غيظه، لكن ما فائدة تشفّي لا يعقبه نصر؟ قال أبو الحسن (عليه السلام):(ما التقت فئتان قط إلا نُصر أعظمهما عفواً)(97).

 

1 ـ جامع السعادات: 1/309.

2 ـ جامع السعادات: 1/309.

3 ـ سورة البقرة: آية 195.

4 ـ جامع السعادات: 1/241.

5 ـ جامع السعادات: 1/241.

6 ـ سورة الفتح: آية 29.

7 ـ سورة التوبة: آية 73.

8 ـ جامع السعادات: 1/242.

9 ـ جامع السعادات: 1/242.

10 ـ سورة فاطر: آية 28.

11 ـ سورة الأعراف: آية 154.

12 ـ سورة البينة: آية 8.

13 ـ سورة الأنفال: آية 2.

14 ـ سورة آل عمران: آية 175.

15 ـ سورة الأعلى: آية 10.

16 ـ سورة النازعات: آية 40 و41.

17 ـ جامع السعادات: 1/259.

18 ـ جامع السعادات: 1/259.

19 ـ جامع السعادات: 1/259.

20 ـ جامع السعادات: 1/261.

21 ـ سورة فاطر: آية 28.

22 ـ سورة المائدة: آية 44.

23 ـ سورة الطلاق: آية 2.

24 ـ جامع السعادات: 1/261.

25 ـ جامع السعادات: 1/261.

26 ـ جامع السعادات: 1/331.

27 ـ جامع السعادات: 1/331.

28 ـ جامع السعادات: 1/331.

29 ـ جامع السعادات: 1/331.

30 ـ أصول الكافي: 2/111 ـ جامع السعادات: 1/332.

31 ـ جامع السعادات: 1/331.

32 ـ سورة المائدة: آية 27.

33 ـ جامع السعادات: 1/331.

34 ـ جامع السعادات: 1/331.

35 ـ أصول الكافي: 2/304 ـ جامع السعادات: 1/323.

36 ـ أصول الكافي: 2/302 ـ جامع السعادات: 1/323.

37 ـ أصول الكافي: 2/303 ـ جامع السعادات: 1/323.

38 ـ أصول الكافي: 2/303 ـ جامع السعادات: 1/323.

39 ـ أصول الكافي: 2/302 ـ جامع السعادات: 1/323.

40 ـ جامع السعادات: 1/325.

41 ـ سورة ق: آية 18.

42 ـ سورة النساء: آية 114.

43 ـ جامع السعادات: 2/342.

44 ـ جامع السعادات: 2/342.

45 ـ جامع السعادات: 2/342.

46 ـ جامع السعادات: 2/342.

47 ـ جامع السعادات: 2/342.

48 ـ جامع السعادات: 2/342.

49 ـ جامع السعادات: 2/342.

50 ـ جامع السعادات: 2/342.

51 ـ جامع السعادات: 2/342.

52 ـ أصول الكافي: 2/115 ـ جامع السعادات: 2/342.

53 ـ أصول الكافي: 2/115 ـ جامع السعادات: 2/342.

54 ـ جامع السعادات: 2/343.

55 ـ جامع السعادات: 2/343.

56 ـ أصول الكافي: 2/115 ـ جامع السعادات: 2/343.

57 ـ أصول الكافي: 2/115 ـ جامع السعادات: 2/343.

58 ـ جامع السعادات: 2/344.

59 ـ جامع السعادات: 2/345.

60 ـ جامع السعادات: 2/344.

61 ـ جامع السعادات: 2/344.

62 ـ جامع السعادات: 2/344.

63 ـ جامع السعادات: 2/344.

64 ـ جامع السعادات: 2/344.

65 ـ جامع السعادات: 2/345.

66 ـ جامع السعادات: 2/345.

67 ـ جامع السعادات: 2/345.

68 ـ أصول الكافي: 2/114 ـ جامع السعادات: 2/345.

69 ـ أصول الكافي: 2/113 ـ جامع السعادات: 2/345.

70 ـ أصول الكافي: 2/114 ـ جامع السعادات: 2/345.

71 ـ أصول الكافي: 2/115 ـ جامع السعادات: 2/345.

72 ـ جامع السعادات: 2/345.

73 ـ سورة آل عمران: آية 46.

74 ـ جامع السعادات: 2/346.

75 ـ أصول الكافي: 2/114 ـ جامع السعادات: 2/346.

76 ـ أصول الكافي: 2/114 ـ جامع السعادات: 2/346.

77 ـ أصول الكافي: 2/113 ـ جامع السعادات: 2/346.

78 ـ أصول الكافي: 2/116 ـ جامع السعادات: 2/346.

79 ـ أصول الكافي: 2/116 ـ جامع السعادات: 2/346.

80 ـ جامع السعادات: 2/346.

81 ـ جامع السعادات: 2/346.

82 ـ جامع السعادات: 2/346.

83 ـ أصول الكافي: 2/113 ـ جامع السعادات: 2/346.

84 ـ أصول الكافي: 2/111 ـ جامع السعادات: 2/346.

85 ـ جامع السعادات: 1/334.

86 ـ جامع السعادات: 1/334.

87 ـ سورة البقرة: آية 194.

88 ـ سورة المائدة: آية 45.

89 ـ سورة الأعراف: 199.

90 ـ سورة البقرة: 237.

91 ـ جامع السعادات: 1/336.

92 ـ أصول الكافي: 2/109 ـ جامع السعادات: 1/336.

93 ـ أصول الكافي: 2/107.

94 ـ جامع السعادات: 1/337.

95 ـ أصول الكافي: 2/109 ـ جامع السعادات: 1/337.

96 ـ أصول الكافي: 2/108 ـ جامع السعادات: 1/337.

97 ـ أصول الكافي: 2/108 ـ جامع السعادات: 1/337.