الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

العصيان

من الناس من يواظب على أمره، حتى لا يخرج عن المنهاج المستقيم، والجادة التي عبدت له، والدستور المقرر، فيكون ذلك ملكة له، لا يصدر إلا عنها، ولا يواظب إلا عليها، ولا يزيغ قيد شعرة وإن مالت به نفسه ذات مرة، أو غلبت هواه حتى تنكّب، رجع وتاب، ولزم الشارع مرة ثانية.

ومن الناس من كان أمره فرطاً، إن أطاع فلا عن ملكة واستقامة وإن عصي فلا يبالي بالمعصية.

وهاتان الحالتان توجدان عند كل فئة من الناس الذين لهم منهج خاص، وأمامه طريق مسلوك.

وإنما الكلام هنا حول إطاعة الله ومعصيته.

فالإطاعة: جمال واستراحة ونجاح، والعصيان: تنكب وانحراف وفشل..فإنّ الله سبحانه الذي خلق الانسان والكون هو الذي وضع الدستور والمنهاج على طبق الفطرة، وعلى وفق الحكمة والمصلحة، فكل زيغ عن منهاجه سبحانه خبال وخسارة، خسارة في الدنيا، وفي الدين، ولذا قال تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصبر)(1).

قسَماً بالعصر والزمان، الذي هو سبب خسر الانسان أو ربحه لأنه إذا مرّ والانسان مشغول بالطاعة كان في ربح، وإن مرّ والانسان لاه أو مشغول بالمعصية كان في خسارة: كل إنسان في خسارة، إلا المؤمن العامل بما أمر الله سبحانه، وحيث يمل الانسان كان محتاجاً إلى التواصي بكل من الحق والصبر، حتى يلزم الجادة فلا ينحرف، وحتى يستمر في العمل فلا يقف.

فمن الضروري على الانسان أن يهيّئ نفسه للطاعة، ويجنّب نفسه عن العصيان.

والإسلام قد حذر من المعصية غاية الحذر، في نتف متفرقة من الأدلة، وبين لكل عصيان عقاباً ـ كما يظهر ـ من الآيات والأحاديث.

كما حذر عن العصيان والذنب، جملة وإجمالاً.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في حديث طويل ـ: (إنّ العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام، وإنّه لينظر إلى أزواجه في الجنة يتنعمن)(2).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا تبدين عن واضحة وقد عمتك الأعمال الفاضحة ولا تأمنن البيات، وقد عَمِلت السيئات)(3).

فعلى الانسان أن لا يظهر سوأة غيره، وإن كانت واضحة بادية للعيان، وإلا انكشفت عورته، وهل هنالك أحد لا جريرة له، ولا ذنب عليه.

لسانك لا تبدي به سوأة امريئ          فكلك سوءات وللنــــاس ألسن

أما البيات فهو العقاب الذي يأخذ الانسان بليل. إنّ المسيء يجب أن لا يأمن العذاب الذي ينزل به ليلاً، وإلا فليقلع عن الذنب أو يمحوه بالندم والاستغفار.

ومن أعجب الأحاديث ما قاله الإمام الباقر (عليه السلام): فليتنبه الإنسان لذلك، قال (عليه السلام): (إنّ الله قضى قضاءً حتماً إلا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنباً يستحق بذلك النقمة)(4) وقد أخذ هذا الكلام الشاعر، فقال:

اذا كنت في نعمة فارعها             فإن المعاصي تزيل النــعم

وحافظ عليها بشكر الإله          فإنّ الإله شديـــد النقــــــم

وقال (عليه السلام): (ما من شيء أفسد للقلب من خطيئته، إنّ القلب ليواقع الخطيئة، فما يزال به حتى يغلب عليه فيصير أعلاه أسفله)(5).

إنّ الخطيئة قد تكون عملاً عابراً، وقد تكون عن ملكة قلبية باعثة على الذنب فإذا صارت الخطيئة حالة للقلب، انقلب القلب عن صفائه ونظافته إلى كدرة نجسة، ويكون حينذاك مبعث كل شر وإثم.

وقال (عليه السلام): (إن العبد ليذنب الذنب فيزوى عنه الرزق)(6).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (يقول الله تعالى إنّ أدنى ما أصنع بالعبد إذا آثر شهوته على طاعتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي)(7) أرأيت كيف يلتذ الإنسان بالتكلم مع الملوك والكبراء، أو العلماء والصلحاء ـ حسب مجانسة الإنسان وإلفته مع كبير أو صالح ـ؟! إنّ لذّة مناجاة الله تعالى، أكبر وأكبر، كيف والإنسان في ذاك الحال يناجي أعظم الملوك وأكبر الكبراء؟ فإذا عصى الإنسان الإله، حرم هذه اللذة حتى انه يكون كالمريض الذي لا يعرف طعم الأكلة الشهيّة.

وقال (عليه السلام): (من همّ بسيّئة فلا يعملها، فإنه ربّما عمل العبد السيئة فيراه الرب تعالى، فيقول: وعزتي وجلالي لا أغفر لك بعد ذلك أبداً)(8).

وقال (عليه السلام): (أما إنّه ليس من عرق يضرب، ولا نكبة ولا صداع، ولا مرض إلاّ بذنب، وذلك قول الله عز وجل في كتابه: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)(9) (10).

وقال (عليه السلام): (وما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به)(11).

إنّ المعصية لا بد لها في الدنيا من جزاء، فكيف بالآخرة؟ ولذا يجب على الانسان العاقل أن يتجنّب العصيان مهما كلّف الأمر، وانظر إلى هذا الحديث المروي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) قال: (حقّ على الله أن لا يعصى في دار إلا أضحاها للشمس حتى يطهرها)(12).

فالعاصي منقوص الرزق، معرّض للنكبات، وداره معرّضة للخراب، وهل يبطئ به الجزاء؟ كلا، فاسمع إلى هذا الحديث الشريف: (إنّ العمل السيء أسرع في صاحبه من السكين في اللحم)(13) فأي عاقل يقدم على مثل هذا العمل الذي يسيء إليه في دنياه وآخرته.

وقد يغتر العاصي بما يرى من تأخير العقوبة، ألا فلا يغترر لذلك.

فلربّ معصيــــةٍ أتاك عقابها          من بعد لأي حيــــن تلهو غافلاً

فاحذر عقاب الذنب حين أتيته         واقلع عن العصيان إن تك عاقلاً

هذي ديار الظالمــين بلاقعــــاً          مـن بعد ما كانت ثوىً معــــاقلا

و الانسان مهما كان نظيفا نزيهاً، لا بدّ وأن تصدر منه المعصية ـ ما خلا المعصومين ومن يتلو تلوهم ـ فإن دواعي الشهوات، ونوازع النفس، ومغريات الحياة، تجذب الانسان مهما كان قويّاً، ولذا يقول الشاعر:

نفسي وشيطاني ودنيا والهوى          كيف الخلاص وكلهم أعدائي

وانما الفرق بين النزيه وغيره: إنّ النزيه بطيء الخطأ نحو العصيان، سريع الاستغفار والإنابة، وغيره: سريع الخطأ نحو الإثم بطيء الإنابة والرجوع، قال سبحانه: (إنّ الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدّونهم في الغيّ ثم لا يقصرون)(14).

ولذا يلزم على الانسان مراقبة نفسه، فإذا زلّ، تدارك الزلّة بالتوبة، وقد أرصد الإسلام رصيداً كبيراً للتوبة والتجسيد اليها.

قال الله تعالى: (... إنّ الله يحبّ التوابين ويحب المتطهرين)(15) وقال عزّ اسمه: (... توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون...)(16). وقال رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم): (التائـــب حبيب الـــله والتائب مـــن الذنــب كمن لا ذنب له)(17).

وانظر إلى هذا الحديث الذي يقطر عطراً وندى، قال الإمام الباقر (عليه السلام): (إنّ الله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده من رجل أضلَّ راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها، فالله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده من ذاك الرجل براحلته حين وجدها)(18).

إنّ الله سبحانه لا يفرح مثل فرحنا، ولا يحزن مثل حزننا، وإنما المراد بهذا الحديث، وأمثاله، فعله، تعالى بالعبد فعل الفرح أو الحزين، أو الغاضب أو ما أشبه، ولذا قيل بالنسبة إليه تعالى (خذ الغايات، واترك المبادئ) فما هي الغاية التي ينتهي إليها الفرح؟ إنّها الإحسان إلى من أفرحه... وغاية الغضبان عقاب من أغضبه وهكذا، والله يفعل الإحسان، أو العقاب، بالنسبة إلى من أطاع أو عصى.

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (التائب مـــن الذنب كمـــن لا ذنـــب له، والمقيم على الذنب، وهو مستغفر منه كالمستهزئ)(19) أرأيت من قال لك: إنّي نادم من إساءتي إليك. ثم أساء ثانياً وثالثاً فإنّ كلامه هراء واستهزاء، وكذلك من يذنب ويستغفر انه ـ وإن لم يقصد الاستهزاء ـ لكنه كالمستهزئ، فليقلع الانسان من الذنب حتى لا يكون عاصياً ولا كالمستهزئ... نعم تكرّر الذنب الذي يعقبه الندم حقيقة لا يضر، فإن الانسان ضعيف، وكيد الشيطان مغرٍ فربما أذنب الانسان ثم ندم حقيقة، ثم وقع في إحبولة الشيطان ثانياً، وثالثاً وهكذا، ولذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): (ان الله يحب من عباده المفتن التواب)(20) يعني كثير الذنب كثير التوبة فكلما أصابته فتنة ندم وتاب توبة حقيقية.

وقال (عليه السلام): (إذا تاب العبد توبةً نصوحاً، أحبه الله فستر عليه) قال الراوي: وكيف يستر عليه؟ قال (عليه السلام): (ينسي ملكيه، ما كانا يكتبان عليه، ويوحي إلى جوارحه والى بقاع الأرض أن اكتمي عليه ذنوبه، فيلقى الله عزّ وجل حين يلقاه، وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب)(21).

إنّه غاية الفضل أن ينسي الله الملكين وما أشبه حتى ذنب عبده حتى لا يكون مهاناً لديهم، أرأيت إنّ الانسان قد يذنب إلى أحد ذنباً ثم يغفر ذلك له ذنبه، لكن الانسان يبقى خجلاً لديه، لأنه اقترف إساءةً في حقّه في زمان؟.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث: إنّ الله أعطى التائبين ثلاث خصال، ثمّ قرأ الآيات الكريمات:

1 ـ (... إنّ الله يحبّ التوّابين...)(22).

2 ـ (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم...فاغفر للذين تابوا.... وذلك هو الفوز العظيم)(23).

3 ـ (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر.. ـ.. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب وآمن... وكان الله غفوراً رحيماً)(24).

وقال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): (أحبّ العباد إلى الله المفتـّنون التوّابون)(25).

ثم ان الانسان اذا أساء إلى شخص أو حكومة أو ما أشبه، كان الغالب عدم غفران المسيء إليه، اذا ندم المسيء وأظهر الندم لكن الله سبحانه بفضله وكرمه، يقبل التوبة ويعفو عن السيئات. ولو كانت كثيرة، فعن القرآن الحكيم: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده)(26). وفي آية أخرى: (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً)(27).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء، ثم ندمتم لتاب الله عليكم)(28).

لو كانت الخطايا أجساماً، فكم من هذه الأجسام تتكدّس حتى تبلغ السماء؟ انها لو كانت بهذا المقدار الهائل تكفيه التوبة الصادقة في نسفها ومحوها، بل يبدّل الله سبحانه سيئاتهم حسنات ـ في بعض الأحيان ـ فهل رأيت أكرم من الله سبحانه، إنه أوّلاً: تفضل بدون استحقاق، ثم إذا أذنب الانسان لم يقطع لطفه عنه، ولم يعاجله بالعقوبة وبعد ذلك لو ندم أو اتاب عفى عنه وستر عليه وأعطاه حسنات... إنّ الأم والأب وهما أرأف الناس بالولد، ثم عصاهما الولد، قطعا لطفهما عنه، ولو خالفهما ثم جاء معتذراً لم يقبلا عذره في كثير من الأحيان، لكن الله هو وحده أرحم الراحمين الذي من صفاته الأبديّة اللطف والإحسان، حتى بالنسبة إلى أعظم المذنبين.

اسمع إلى هذا الحديث الذي قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ العبد ليذنب الذنب، فيدخل في الجنة. قيل: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يكون نصب عينيه تائبا منه فارّاً حتى يدخل الجنة)(29).

ومثله ما قاله الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ الرجل ليذنب الذنب فيدخله الله به الجنة، قيل: يدخله الله بالذنب الجنة؟ قال (عليه السلام): نعم إنّه ليذنب فلا يزل منه خائفاً ماقتاً لنفسه فيرحمه الله، فيدخله الجنة)(30).

أما بالنسبة إلى كتابة الذنب، فإنه لا يسجل بمجرد إن أذنب الانسان بل يؤجل لعلّه يتوب ويؤدّب. قال الإمام الصادق (عليه السلام): (العبد المؤمن إذا أذنب أجّله الله سبع ساعات، فإن استغفر الله لم يكتب عليه شيء، وإن مضت الساعات ولم يستغفر كتبت عليه سيئة، وإنّ المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتى يستغفر ربه فيغفر له، وإنّ الكافر لينسى من ساعته)(31) إنّ الكافر لا يعدّ الذنب معصية حتى تخزّ ضميره وتبقى في ذاكرته ويخاف منها، ولذا ينسى الذنب من ساعته.

وقد روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث يدل على كثرة فضل الله سبحانه بالتائب، وإنّه يقبل توبته إلى آخر لحظة من حياته، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته، ثم قال: إنّ السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته؟ ثم قال: إنّ الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة قبل الله توبته، ثم قال: إنّ الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بيوم قبل توبته، ثم قال: إنّ يوماً لكثير، من تاب قبل أن يعاين ملك الموت قبل الله توبته)(32).

فهل بعد هذا من مفزع والتوبة عبارة عن الندامة، فلا حاجة حتى إلى الاستغفار اللفظي، ولذا قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (كفارة الذنب الندامة) لكن للندامة آثار، فإن من يندم على نهب مال زيد، من آثار ندامته أن يردّ المال إلى صاحبه، ومن ندم على ترك الصلاة أو الخمس، من أثار ندمه القضاء والإعطاء، وهكذا.

واسمع إلى هذا الحديث لترى كثرة فضل الله سبحانه، قال الإمام الباقر (عليه السلام) لمحمد بن مسلم: (ذنوب المؤمن اذا تاب منها مغفورة له، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة، أما والله إنّها ليست إلاّ لأهل الإيمان، قال محمد بن مسلم: فقلت له: فإن عاد بعد التوبة والاستغفار من الذنوب، وعاد في التوبة؟ قال: يا محمد بن مسلم! أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر منه ويتوب ثم لا يقبل الله توبته، قال: فإن فعل ذلك مراراً يذنب ثم يتوب ويستغفر؟ فقال (عليه السلام): كلما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة، عاد الله عليه بالمغفرة، وإنّ الله غفور رحيم، يقبل التوبة ويعفو عن السيئات فإياك أن تُقنط المؤمن من رحمة الله)(33).

وقد كان من فضل الله سبحانه على الانسان أن تفضّل عليه بقبول التوبة ووسع له في ذلك أكبر توسعة، فاسمع إلى هذا الحديث المروي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (إنّ آدم (عليه السلام) قال: يا رب سلطت علي الشيطان وأجريته مني مجرى الدم، فاجعل لي شيئاً! فقال تعالى: يا آدم جعلت لك إنّ من همّ من ذريتك بسيّئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة، ومن همّ منهم بحسنة، فإن لم يعملها كتبت له حسنة، فإن هو عملها كتبت له عشراً: قال: يا رب زدني، قال: جعلت لك إن من عمل منهم سيئة ثم استغفر غفرت له، قال: يا رب زدني، قال: جعلت لهم التوبة وبسطت لهم التوبة حتى تبلغ النفس هذه، قال: يا رب حسبي)(34).

وأعجب من هذا الحديث أكثر فأكثر، وإن لم يكن فضل الله عجباً.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (ما من مؤمن يقارف في يوم وليلته أربعين كبيرة، فيقول وهو نادم: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام وأسأله أن يصلى على محمد وآل محمد وأن يتوب علي، إلا غفرها الله له، ولا خير فيمن يقارف في يومه أكثر من أربعين كبيرة)(35) ولا عجب من فضل الله سبحانه، أن يغفر للمذنب ولو تكرّرت منه الخطايا أربعين مرة، في يوم وليلة، أليس الله غفار الذنوب؟ أو أليس يتوب على المذنب، ولو انقلع بعد سبعين سنة من الذنب؟ لكن العجب أن يفوت الانسان مثل هذا الغفران الذي وسع كل شيء.

ولقد عجبت لهالكٍ ونجاته          موجودة ولقد عجبت لمن نجى

إنّ كل واحد منهما يورث العجب، فكيف يهلك الانسان مع هذه السعة في المغفرة والرحمة؟ وكيف ينجو الانسان مع هذه المغريات والمهلكات؟.

فعلى الانسان أن يهتم كل اهتمام حتى لا يذنب، فإذا أذنب ـ والعياذ بالله ـ فعليه أن يهتم في أن يتوب ولا يعود، فإن زلّت قدمه، فلا ييأس من روح الله، وإنّما على الانسان أن يجدد التصميم، ويبدأ الدور من جديد، ويتوب توبة نصوحاً.

حب الجاه

أي منا لا يحب مقاماً مرموقاً، ومنصباً خطيراً ومكانةً إجتماعيةً رفيعةً؟.

كلنا يحب ذلك. ولكن الاسلام يحدّد ذلك تحديداً في صالح الفرد والمجتمع. تحديداً يضر هذا الحب ـ لولاه ـ بنفس الشخص أوّلاً وبسائر الناس ثانياً.

وما تحديده؟.

تحديده: أن لا يحصل الجاه بالحرام، ولا يحافظ عليه بالحرام ويكون مقصده من الجاه خدمة الإسلام المنطوي على خير الدنيا والآخرة وفي القرآن الكريم: (... واجعلنا للمتقين إماما)(36).

لكن لما كان الانسان ـ غالباً ـ يحصل الجاه بالحرام، أو يحافظ عليه بالحرام، أو يطلبه لأجل غايات مادية بحتة التي بدورها تؤدي إلى عدم خدمة الناس والدين ذمّ الاسلام حبّه ذماً قارصاً أورصد لمحبيه أكبر القدح والازدراء.

قال سبحانه: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فسادا...)(37).

وقال سبحانه: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفَّ اليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يُبخسون اُولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون)(38).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل)(39).

إنّ الشخص يريد أن يتحفّظ على جاهه أو ماله، فلا بد أن يرضي الناس بما هو خلاف الواقع، يقول: لا مال لي ـ إبقاءً على ماله ـ وهو نفاق وتملّق بما لا يستحق الممدوح وهو يعلم انه ليس يستحق، وهو نفاق... وهكذا...

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما ذئبان ضاريان في زريبة غنم، قد تفرّق رعاتها بأضرّ في دين الرجل المسلم من الرئاسة)(40).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (حسب امرىء من الشر ـ إلا من عصم الله ـ أن يشير الناس اليه بالأصابع)(41).

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (تبذل ولا تشتهر ولا ترفع شخصك لتُذكر وتُعلم، واكتم واصمت تسلم، تسرّ الأبرار، وتغيظ الفجار)(42).

وقال الامام الباقر (عليه السلام): (لا تطلبن الرياسة، ولا تكن ذنباً، ولا تأكل الناس بنا، فيفقرك الله)(43).

وقال الامام الصادق (عليه السلام): (إياكم وهؤلاء الرؤساء، الذين يترأسون، فوالله ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلك وأهلك)(44).

هذا اذا كان يحب ذلك رئاسة للدنيا.

أما ما كان يصنعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من إلتفاف أصحابه حوله أينما توجه فقد كان للآخرة ـ والآخرة فقط ـ وقد كان يرسل أُناساً من المحتفين به إلى أعماله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولذا كانوا حوله لنشر الدعوة حتى في الطريق والسفر لا للكبر والرياسة.

وقال (عليه السلام): (ملعون من ترأس، ملعون من هم بها، ملعون من حدّث بها نفسه)(45).

وقال: (من طلب الرياسة هلك)(46).

وقال (عليه السلام): (أترى لا أعرف خياركم من شراركم؟! بلى والله إنّ شراركم من أحبّ أن يوطأ عقبه إنّه لا بد من كذّاب أو عاجز الرأي)(47).

وكم تقدر نزاهة الرؤساء لو اتّبع ميزان الاسلام فتجنب الرئاسة كل رئيس حتى ألقت بأزمّتها ـ على كره منه ـ إليه؟.

وفي الحقيقة إنّ المنهج الاسلامي في الرياسة أفضل المناهج التي عرفها العقل البشري.. إنه الاسلام الحكم من عند إله عليم فهل يماثله شيء؟ كلا! وألف كلا!! جعلنا الله ممّن فقه الاسلام وعمل به، ونشره بين المجتمع وأسعده بالاسلام في الدنيا والآخرة وهو المستعان.

الخمول

إنتهى بنا المطاف إلى ما للشهرة وحبّها من آفات...

فهل معنى ذلك إن الإسلام يأمر بالخمول، والإنزواء؟

كلا! انه لا رهبانية في الاسلام.

وقد اختلط الأمر على كثير:

إنهم يرون ذم الغني والشهرة والرئاسة وما أشبه.. فيظنون أنّ الذمّ منصب على ذات هذه الأمور.

وقد تقدم ـ في بعض الأجزاء ـ إنّ النفس حيث تنقاد إلى الرذائل بسهولة ويسر إحتاط الاسلام في جذب الزمام، حتى يعتدل الأمر، ويستقيم الطبع.

فالغنى حسن، لكن حيث يلازمه الاعتلاء والكبر والاحتكار ونحوها يذمه الاسلام.

والشهرة حسنة، ولكن حيث كان الغالب مقارنتها لصفات رديئة ورذائل خلقية يكرهها الاسلام.

والرئاسة التي تُقضى بها الحوائج حسنة، لكنها تلازم ـ في غالب النفوس ـ التعدي عن الحق والتجاوز عن الحدود، ولذا يمقتها الاسلام.

وهل غير الشهير الرئيس الثري.. يتمكن من قضاء الحوائج وإفراج المضيقات؟.

ولذا نرى أنبياء الله تعالى وأوصياءهم.. حازوا شهرة كاملة ورئاسة مطلقة... ولم؟ لأن هذه فقط تشق الطريق أمام الرسالات والفضائل الفردية والاجتماعية.. أرأيت: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث لم تعضده الشهرة والرئاسة والقوة والمال.. لم يدخل في دينه الإسلامي إلاّ أنفار قلائل.

أمّا حيث أتته الشهرة والمنعة، والقوة والثروة، نزلت: بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توّاباً)(48).

وهناك فرق بين من يجعل هذه الأمور وسائل لنشر الفضيلة، وإعلاء كلمة الحق، والعمل بالعدل.. وبين من يجعلها غاية، يكد ويجهد، ويتعب ويسهر للاغتراف من أكبر قدر ممكن منها.

وعلى أي فالإسلام انما يمدح الخمول، جذبا للزمام، وتعديلا للسير، لا أنه يمدحه بذاته، وبهذه النظرة الواقعية على المرء أن ينظر إلى أخبار ذم الشهرة والمال وما أشبه.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ اليسير من الرياء شرك، وانّ الله يحب الأتقياء الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفقدوا، واذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يتحوّل من كلّ غبراء مظلمة)(49).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ربّ ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره، لو قال: اللهم أسألك الجنة لأعطاه الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئاً)(50).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ألا أدلّكم على أهل الجنة؟ كل ضعيف مستضعف، لو أقسم على الله لأبرّه)(51).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ أهل الجنة: كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء، لا يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا: لم ينصت لهم، حوائج أحدهم تتخلخل في صدره، لو قسّم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم)(52).

ثم.. أليس تسلّي هذه الأحاديث الأتقياء الأخفياء، الذين لم يسعهم الجري في مجاري الحياة، خوفاً من جائر، أو تجنّباً عن آثم؟...

و أليس من حق الإسلام أن يشمل الغني والفقير، والشهير والخامل..

بعطفه ولطفه، حتى لا يقتل الفقير والخامل اليأس، ولا يُطغي الغني والشهير المال والجاه؟.

حتى إنّ الإسلام يسلّي من بُهت أو قُذف بخير الدنيا والآخرة.

أليس في الآية الكريمة، في قصة القذف الشائنة، قوله تعالى: (إنّ الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرّاً لكم بل هو خير لكم...)(53).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ من أُمّتي من لو أتى أحدكم يسأله ديناراً، لم يعطه إياه، أو يسأله درهماً لم يعطه إياه، ولو سأل الله تعالى الجنة لأعطاها إياه، ولو سأله الدنيا لم يعطها إياه، وما منعها إياه لهوانه عليه). بل منعهما إياه لأنه علم: (... إنّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)(54) (55).

وفي الحديث: (إنّ من الناس من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لطغى).

وكم رأينا خاملاً اشتهر، فتتجاوز الحدود!. أو فقيراً أثرى فطغى وكذّب وتولّى.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (قال الله عز وجل: إنّ من أغبط أوليائي عندي رجلاً خفيف الحال، ذا حظًّ من صلاة، أحسن عبادة ربّه بالغيب، وكان غامضاً في الناس، جعل رزقه كفافاً فصبر عليه، عُجّلت منيته، فقل تراثه، وقل بواكيه)(56).

ثم: بعد ذلك، لا يبقى مجال للتساؤل: فهل يحق لنا أن نطلب الخمول؟.

فإن الإجابة على هذا السؤال، كالإجابة على سؤال: هل يحق لنا أن نطلب من يقذف أعراضنا؟.

انه لا يحق لنا ذلك، ولو طلبناه كنا معاقبين، وليس معنى الآية: (... بل هو خير لكم...)(57) إنّه خير مطلوب، بل معناه: إنّ هذا، الأمر المكروه، يطهر نفوسكم ويجزل ثوابكم، كما نقول لمن قتل ظالم بعض ذويه: انه خير لك، فلا تغتم.

وكما لا يحق لنا أن نطلب القذف... لا يحق لنا أن نطلب الخمول. نعم.. لو خملنا بظروف قاسية، يلزم علينا أن لا نحسبه شرّاً بل هو خير لنا!!

النفاق

هل رأيت أحداً يحبّ النفاق والمنافقين؟.

كلا! إنّك لم تره، ولم يره بشر، ولن يراه.

فلم كلنا ينافق؟ ولم ترى الظاهر في الناس على خلاف الباطن فكل يشرب حسواً في ارتغاء؟.

إنه النفاق: هو أن يظهر الإنسان للناس بمظهر حسن جميل وينطوي على باطن سيء قبيح، أما أن يخفي عن الناس صلاته وصلاته، تقرّباً وزلفى، أو يمدحك خلف ظهرك، ثم يتورّع عن الرياء فيصمت أمامك.. فليس هذا من النفاق، بل من أحسن الخصال الذي لا يتحصّل عليه الشخص إلا بمجاهدات نفسية شاقة، لا يحصل عليها إلا ذو حظ عظيم.

أما النفاق، سواء كان في الإيمان والدين، أم في العبادة والطاعة، أم في العشرة والاجتماع... وسواء كان لطلب ثروة أو صيت أو زوجة أو منصب.. فهو من أرذل الصفات، وأقبح الأعمال! والملكات.

وفي كل إنسان ـ إلا من عصم ـ بذرة من النفاق، فإن سقاها وربّاها، وعنى بها ورعاها.. أتت أكلها المرة، وأصبح صاحبها منافقاً.. أما من راقب نفسه، حتى أخرجها من قلبه، ثم حصّن نفسه بالإخلاص والصراحة.. لم تمض مدّة إلا ونقى قلبه نقاء اللجين وصارت الفضيلة المتمثلة: في الصدق والإخلاص والصراحة ـ ملكة ـ له.

وهناك ينهال عليه المدح والثناء، من الأقرباء والبعداء، يوضع موضع العز والاحترام والإجلال والإعظام.. بخلاف المنافق، فإنه مهان مرذول، يجتنب عنه اجتناب الإنسان عن الحية الملساء، التي ظاهرها مليح، وباطنها سمّ نقيع.

ومن هنا نرى الإسلام العظيم، يذم النفاق، ويلعن المنافقين ويجعل مكانهم أسفل السافلين: (إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار...)(58). (... والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون)(59) (... ولكن المنافقين لا يفقهون)(60). وغيرها وغيرها.

يروى (إنّ الله تعالى أوحى إلى عيسى المسيح (عليه السلام): يا عيسى، ليكن لسانك في السر والعلانية، لساناً واحداً، وكذلك قلبك، إني أحذرك نفسك، وكفى بي خبيراً، لا يصلح لسانان في فم واحد، ولا سيفان في غمد واحد، ولا قلبان في صدر واحد وكذلك الأذهان)(61).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من كان له وجهان في الدنيا، كان له لسانان من نار يوم القيامة)(62).

وجه يطريك، ووجه يزريك، فإذا شهدت مدحك وأثنى عليك، وإذا غبت انتقصك وأهانك... ومن المعلوم إنّ لسانه المادح، أو لسانه الذام ليس إثماً بذاته ـ لأن من يستحق المدح، لا إثم في مدحه، ومن يستحق الذم لا إثم في ذمه ـ وإنما صار له لسانان من نار، لأن هذا العمل بذاته، يجعل الحسن قبيح ألا ترى أنّ الناس يكرهون حتى مدح من يذمهم، وقد ورد(من مدح وذم كذب مرتين).

واليك المشهد الهائل المخزي الذي يتقزز منه الإنسان، ويقف شعر جلده، ولو لم يكن للمنافق عقوبة إلا هذه لكفت هولا وتنفّراً وهذا هو المشهد:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يجيء يوم القيامة ذو الوجهين، دالعاً لسانه في قفاه، وآخر من قدامه يلتهبان ناراً، حتى يلهبان خده، ثم يقال: هذا الذي كان في الدنيا ذا وجهين وذا لسانين، يعرف بذلك يوم القيامة)(63).

وماذا يريد ذو الوجهين: هل خير الدنيا؟ والحال أنّه في الدنيا ممقوت منفور لا يؤبه له، وما حال من يرى مدحه قدحاً وثناءه ذمّاً، وإطراءه نفاقاً وكذباً؟ أو خير الآخرة؟ وقد رأيت مشهده الفظيع المخزي من ثنايا كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم).

وقد أردف الإمام الباقر (عليه السلام) هذه الصفة المخزية، بما يلازمها غالباً وهو الحسد فإنّ المنافق لا بد وأن يكون حسوداً إذ النفاق لا يكون إلا عن صغير النفس، وكل صغير النفس حسود، لا يتمكن أن يرى النعمة لغيره، فهو دائماً يريد زوال النعمة.

قال الامام (عليه السلام): (لبئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه شاهداً ويأكله غائباً، إن أُعطي حسده، وإن ابتلى خذله)(64).

والمنافق بطبعه النفاقي ليس أميناً، ولو كان أميناً لكان أميناً في لسانه ولذا ورد في التوراة: (بطلت الأمانة، والرجل مع صاحبه بشفتين مختلفتين يهلك الله يوم القيامة كل شفتين مختلفتين)(65). فلا يأمن الانسان المنافق، ولا يودعه مالاً أو عرضاً أو ما أشبه، فإنه يخون فيه.

إنّ الصفات الذميمة حلقات متسلسلة، آخذة بعضها برقاب بعض، فالنفاق، والحسد والخيانة كلها مقترنة في سلسلة واحدة.

ولذا يلزم على الإنسان أن يجاهد ويجاهد لإزالة هذه الصفات من نفسه، بقلع جذور النفاق، فليتكلمه شاهداً أو غائباً بحق، وإلا فإن كان جباناً لا يقدر على المجاهرة بالحق، أو كان هناك مصلحة تقتضي الرفق والمداراة فليسكت، لا يطري شاهداً، ولا يذمّ غائباً.

ومن غريب الصفات (عكس النفاق).

فإن من الناس من يذم حاضراً، ويطري غائباً.. إنها صفة سبعية تطاولية، فإذا رأى الصديق ذمه، إثباتاً لاعتلائه عليه وإظهاراً، لشجاعته وجرأته، فإذا غاب الصديق، مدحه، حيث لا يجد مانعا عن المدح.

وهذه الصفة، وإن كانت أهون من الأولى، إلا أنها مهلكة، ورذيلة، فالصديق من صدقك، وحفظك شاهداً وغائباً، لا من أطراك في حال، وذمك في حال مهما كان سبب الإطراء والذم، وكيفما وضع الوصفين في المشهد والمغيب.

العجب

الإنسان مجبول على حب الخير والسعي على تحصيله أيما كان نوعه دنيوياً أو أُخروياً فهو يسعى لتحصيل الشرف والمجد والعز والجاه كما يسعى لتحصيل الثواب والرضوان والفضيلة والملكات الحسنة وهذه الفطرة هي التي تسوق الإنسان نحو الكمال وتسبب رقي المجتمعات، وتباري الأمم في الفضيلة أو الجاه ولولاها لاندثر عقد الاجتماع وتلاشت المدنية وأخذت الإنسانية تتقهقر إلى حيث الفناء والانهيار.

والإسلام يحث على تربية هذه الفطرة في النفس مع توجيهها نحو الخير فهو يرغب في أن يرى الإنسان نفسه دون كماله المنشود، حتى يجاهد ويجتهد ويكد ويعمل مدى حياته وقد أرصد الإسلام لهذه الغاية آيات وروايات وذم ما يخالف هذه الفطرة التي تسمى بـ (العجب) ومعناه: أن يرى الإنسان لنفسه كمالاً من غير فرق بين أن يكون متخيله حاصلاً له أم مجرّد خيال!.

إن العجب يشل القوى الخيرة ويوجب الكسل والبطالة ويوقف النشاط عن العمل وبذلك يتدهور الإنسان إلى حيث النقص! أليس من يرى أنه علم القدر الكافي من العلوم يقف عند حده ولا يتعلم؟ أم أليس من يرى إنّه حصّل كماله المنشود، لا يجري نحو الكمال؟ أم أليس من يتخيل أنّه عبد الله حق عبادته، يتكاسل عن الطاعة بعد ذلك؟ وهكذا.

إذاً فليس عجيباً من الإسلام أن يجعل العجب من المهلكات، إنه مهلكةً للدين والدنيا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ثلاث مهلكات شحّ ٌمطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)(66) ويلزم على الإنسان أن يفر من هؤلاء، حتى لا يتلوث بجرعتهم، ولا يكتسب من أخلاقهم، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوى متّبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك)(67).

والعجب في نظر الإسلام أعظم من الذنب إنّ المذنب يذنب وهو يعلم انه مذنب فلا يفتي حتى ينقلع ويتوب. أما المعجب بنفسه، فأنه لا يرى لنفسه ذنباً حتى يتوب فهو كالجاهل جهلاً مركّباً الذي يرى نفسه عالما فلا يتعلم! وخير منه الجاهل جهلاً بسيطاً المعترف بجهله، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك: العجب العجب)(68) المذنب يرى نفسه مقصّراً فيجاهد لرفع ذنبه ويتذكر ربه أما ذو العجب فهو لا يتذكر الله إلا قليلاً!.

والأحاديث في ذم العجب كثيرة واليك نبذاً منها:

في الحديث: (بينما موسى (عليه السلام) جالس إذ أقبل عليه إبليس وعليه برنس ذو ألوان، فلما دنا منه خلع البرنس وقام إلى موسى (عليه السلام) فسلّم عليه فقال له موسى (عليه السلام): من أنت؟ فقال: أنا إبليس. قال (عليه السلام): أنت؟! فلا قرّب الله دارك، قال: إني إنما جئت لأسلّم عليك لمكانك من الله، فقال له موسى (عليه السلام): فما هذا البرنس؟ قال: به أختطف قلوب بني آدم، فقال موسى (عليه السلام): فاخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه؟ قال: إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله وصغر في عينيه ذنبه)(69).

وفي حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (قال الله عز وجل يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين؟! قال: كيف أبشر المذنبين، وانذر الصديقين؟! قال: يا داود بشر المذنبين: أنّي أقبل التوبة وأعفو عن الذنب! وأنذر الصديقين أن لا يعجبوا بأعمالهم، فأنه ليس عبد أنصبه للحساب إلا هلك)(70) والصديق ما لم يبلغ العصمة لا بد وانه اقترف إثما في حضرة الملك العلي الكبير والإثم إذا اُخِذ به هلك صاحبه.

قال الإمام الباقر (عليه السلام): (دخل رجلان المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق فخرجا من المسجد، والفاسق صدّيق، والعابد فاسق. وذلك انّه يدخل العابد المسجد مدلاً بعبادته يدلّ بها فتكون فكرته في ذلك، وتكون فكرة الفاسق في الندم على فسقه ويستغفر الله عز وجل مما صنع من الذنوب)(71) فيأثم العابد، ويطهر الفاسق. وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الله علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب ولولا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب أبداً)(72) وقال (عليه السلام): (من دخله العجب هلك)(73) وقال (عليه السلام): (إن الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه.. ويعمل العمل فيسرّه ذلك، فيتراخى عن حاله تلك... فلئن يكون على حاله تلك خير له مما دخل فيه)(74) وقال (عليه السلام): (العجب ممن يعجب بعمله وهولا يدري بما يختم له!!)(75).

وقيل له (عليه السلام): (الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق ثم يعمل شيئاً من البر فيدخله شبه من العجب به؟ فقال (عليه السلام):هو في الحالة الأولى وهو خائف أحسن منه في حال عجبه)(76).

وبالعكس من العجب انكسار النفس ورؤيتها دون مرتبة الكمال فإنه فطري للبشر، وهو سبب رقيّهم في ميادين العلم والعمل والعبادة والزهادة... في الحديث: (أن الله تعالى أوحى إلى موسى (عليه السلام) أن يا موسى أتدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال: يا رب ولم ذلك فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: أنّي قلبت عبادي ظهراً لبطن فلم أجد فيهم أحداً أذلّ نفساً لي منك، يا موسى، إنّك إذا صليت وضعت خدك على التراب)(77).

الغرور

(... وكل شيء عنده بمقدار)(78) و(... من كل شيء موزون)(79) هكذا يقول الله سبحانه في القرآن الحكيم، فكل شيء مقدر بمقداره، وكل شيء موزون بوزن.

وحيث ان الإنسان ناقص بالطبع، وأمامه درجات لا تتناهى، دنيا وآخره، فكل ظن كمال، خلاف الوزن والتقدير، وخلاف الحق والحقيقة.

وهذا هو(الغرور) إنّك إن اغتررت بمالك ـ والمال عرضة الزوال ـ كنت مغروراً لأنه تقدير للمال، بغير قدرة، وإن اغتررت بجمالك ـ والجمال ظل زائل ـ كنت مغروراً لأنه تقدير للجمال بالدوام وإمكان الاعتماد عليه، بينما ليس هو كذلك، بل يكون حيناً ويعدم أحياناً. وإن اغتررت بعلمك ـ والعلم بحر لجّي، ولا يتمكن الإنسان من احتوائه إلا كمن يقدر من اغتراف غرفة من البحر ـ كنت مغروراً، لأنك ظننت الكمال، وأنت بعد في أوّل المراحل.. وهكذا من اغترّ بسلطانه، وقوته وسائر مزاياه.

أما ان اغترّ بما ليس بمزية واقعية، فهو (مغرور مركّب) مثل (الجاهل المركّب) إنّه مرّة مغرور لأنه حسب النقص كمالاً، ومرّة أُخرى مغرور، لأنه حسب الوصول إلى النهاية في كماله المزعوم.

من هذه الجهة، كان الغرور مذموماً، ـ إنّه كذب وخلاف الواقع.

من جهة أخرى يكون مذموماً، لأنه يوقف بالإنسان إلى المراتب الدانية من الكمال ويجمد الفكر عن الانطلاق نحو آفاق الكمالات الواسعة، ونحو أبعاد الفضيلة الشاسعة.

ولذا ذمّه الإسلام ذمّاً قارصاً، وأرصد له أكبر قدر من التنفير والذم.

قال القرآن الحكيم: (... فلا تغرنّكم الحياة الدنيا...)(80) فتقعدون عن اكتساب الكمال اللائق بكم اعتماداً على الدنيا، وما قدمت اليكم من بهارجها وزيفها (... ولا يغرنّكم بالله الغرور)(81).

فالغرور هو الشيء الذي يسبب غرور الانسان سواءً كان مالاً أو جاهاً أو علماً أو عملاً.. فإنّ هذه الأمور تغرّ الانسان بالله، فلا يدرك ما أراده الله سبحانه في السير السريع الدائب نحو الفضيلة والعمل الصالح.

وفي آية أخرى، تذم أهل الغرور، يقول سبحانه: (... ولكنّكم فتنتم أنفسكم وتربّصتم وارتبتم وغرّتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغرّكم بالله الغرور)(82).

ولنقف قليلاً عند قوله تعالى: (وغرّتكم الأماني) إنّ الانسان يتمنّى(بقاء المال) و(بقاء العمر) و(بقاء الأولاد) و(بقاء المنصب) كما يتمنى الأمور المستقبلة، من جاه يترقبه، أو مال ينتظره، أو ما أشبه، وهذه الأماني هي التي تحول بين الانسان وبين الطاعة، فإذا قلت له:. لم لا تحج؟ قال: في السنة المقبلة ـ لأنه يتمنى بقاء العمر ـ وإذا قلت له: لم لا تزكي؟ قال: سوف أزكي ـ لأنه يتمنّى بقاء ماله أو وفرته.. وإذا قلت له: لم تصرف عمرك باطلاً؟ قال: سأتجرّد للعلم والعمل ـ لأنه يظن أنّ العمر سيمتد به حتى يفعل ما يريد وهكذا (و إذا عصارة كل ذاك أنامه).

ان الخير لا يحصل بالأُمنية، والشر لا يذهب بالاُمنية: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به...)(83).

ولذا ورد الرصيد الكبير من الروايات حول ذمّ الغرور.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (حبّذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون سهر الحمقى واجتهادهم، ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين أفضل من ملاء الأرض من المغترين)(84).

أرأيت كيف يربح المهندس الذي يشتغل ساعة، وينام طول ليله بملأ جفنيه، حينما يخسر العامل وإن كدّليل نهار، إنّ الأول يأخذ بتصميم بناء في نصف ساعة خمسة دنانير، بينما الكادح يأخذ ديناراً لعمل اثني عشرة ساعة؟.

وهكذا الفرق بين (المتقي) الذي يصلّي واجبه، وينام ليله وبين (المغرور) الذي يصلي ليل نهار يظن أنّ صلاته عظيمة، وأنّه قد أسدى بذلك خدمة كبرى لله سبحانه.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (المغرور في الدنيا مسكين، وفي الآخرة مغبون، لأنه باع الأفضل بالأدنى، ولا تعجب من نفسك، فربما اغتررت بمالك وصحة جسدك، أن لعلك تبقى، وربما اغتررت بطول عمرك وأولادك وأصحابك، لعلك تنجو بهم، وربما اغتررت بجمالك ومنيتك وإصابتك مأمولك وهواك، فظننت أنك صادق ومصيب، وربما اغتررت بما ترى من الندم على تقصيرك في العبادة، ولعل الله يعلم الإخلاص، وربما افتخرت بعلمك ونسبك وأنت غافل من مضمرات ما في غيب الله تعالى، وربما توهمت انك تدعو الله تعالى وأنت تدعو سواه، وربما حسبت أنّك ناصح للخلق، وأنت تريدهم لنفسك أن يميلوا إليك، وربما ذممت نفسك وأنت تمدحها على الحقيقة)(85).

وهناك نوع آخر من الغرور يبتلي به كثير من الناس، يدعون بناتهم كيما يحصلون على زوج مرغوب فيه مالاً أو جاهاً أو ما أشبه. أو يتربصون بأنفسهم وهم في ريعان الشباب إبتغاء زوجة يتخيلونها أو يتركون معلّماً لائقاً طلبا لغيره، أو لا يهتبلون فرصة ثمينة تربّصاً لأحسن منها، وهكذا.

واذا بهن عوانس وبهم كهولاً، ويبقون بلا معلم، وقد ذهبت الفرصة، وبان الغرور سراباً خادعاً، وخيالاً باطلاً، فيقولون:

ألا ليت الشباب يعود يوماً          فنخبره بما فعل المشيب

والجواب: ليت، وهل ينفع شيئاً ليت؟.

ونوع آخر من الغرور، الاعتماد على النفس أو القوة أو ما أشبه، مما يحول دون التهيؤ الكامل، لمواجهة الأمر المترّقب، وغالباً ما يسبب هذا النوع من الغرور انحطاط الأمم وتأخر الأذكياء، وانكسار التجار، بينما الذي ليس بمغرور يجد ويجتهد لئلا يبقى في آخر القافلة.

وقصة (الأرنب والسلحفاة) مشهورة، حيث تشارطا على قطع المسافة من مبدأ معلوم إلى شجرة معينة، فأيهما سبق صاحبه كان له السبق، فأشتغل الأرنب بلعبه ولهوه، اعتماداً على سرعته وقفزه، بينما اهتمت السلحفاة في المشي، وإذا بالأرنب يتلفّت، ليرى السلحفاة عند الشجرة، حيث السبق لها إذ تقدمت في السبق.

وفي مقابل (الغرور) الفطانة والكياسة.

الفطن الكيس، هو الذي يقدر الأمور حقّ قدرها، وينظر إلى الأشياء بالمنظار الصحيح، ولذا يدأب أبداً، وإن كان أحسن الناس علماً وعملاً ومالاً وجمالاً وجاهاً ومنصباً.. ومثله حري بالتقدم والفوز، سواء كان كيّساً في أمور دنياه أو في أمور آخرته.

نعم الكياسة الحقة، هي التي كانت بالنسبة إلى أمور الآخرة.

قال الامام الصادق (عليه السلام): (إعلم انك لن تخرج من ظلمات الغرور والتمني، إلا بصدق الانابة إلى الله، وإلاخبات له، ومعرفة عيوب أحوالك، من حيث لا يوافق العقل والعلم، ولا يحتمله الدين والشريعة وسنن القدوة، وأئمة الهدى، وإن كنت راضياً بما أنت فيه، فما أحد أشقى بعملك منك، وأضيع عمراً، فأورثت حسرة يوم القيامة)(86).

فإنه ليس متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، والدنيا ليست إلا لعباً ولهواً... فالكيس الفطن هو الذي يهيء نفسه لأخرته، ويدأب ليل نهار لتحصيل المقامات الرفيعة هناك.

وليس معنى هذا أنّ الانسان يترك الدنيا، فان الدنيا مزرعة الآخرة، ولقد قال أحد الملحدين: (إنّ المسلمين حيث كانوا متوجهين إلى السماء، أتتهم الأرض منقادة، وحيثما توجهوا إلى الأرض، فأتتهم السماء والأرض) فمن الجدير بالإنسان أن يواظب على نفسه حتى لا يغتر.

ومن المشهور أنّ سبب فناء أمّة وقيام أمّة، أو بوار حكومة أو تجدّد حكومة: هو إنّ الأولى من الأمّة أو الحكومة تكسل وتترهّل فتفقد عنصر البقاء ويأخذها الغرور، فلا تعمل، بينما تعمل الأُمّة الثانية وتنشط نواة الحكومة المستقبلة، فتأخذ الثانية مكان الأولى.

 

1 ـ سورة العصر: آية 1 ـ 3.

2 ـ جامع السعادات: 3/49.

3 ـ جامع السعادات: 3/49.

4 ـ جامع السعادات: 3/49.

5 ـ جامع السعادات: 3/49.

6 ـ جامع السعادات: 3/49.

7 ـ جامع السعادات: 3/49.

8 ـ جامع السعادات: 3/49.

9 ـ سورة الشورى: آية 30.

10 ـ جامع السعادات: 3/49.

11 ـ جامع السعادات: 3/50.

12 ـ جامع السعادات: 3/50.

13 ـ جامع السعادات: 3/50.

14 ـ سورة الأعراف: آية 201 ـ 202.

15 ـ سورة البقرة: آية 222.

16 ـ سورة النور: آية 31.

17 ـ جامع السعادات: 3/66.

18 ـ جامع السعادات: 3/66.

19 ـ جامع السعادات: 3/66.

20 ـ جامع السعادات: 3/66.

21 ـ جامع السعادات: 3/67.

22 ـ سورة البقرة: آية 222.

23 ـ سورة غافر: آية 7 ـ 9.

24 ـ سورة الفرقان: آية 68 ـ 70.

25 ـ أصول الكافي: 2/432.

26 ـ سورة الشورى: آية 25.

27 ـ سورة النساء: آية 110.

28 ـ جامع السعادات: 3/68.

29 ـ جامع السعادات: 3/68.

30 ـ جامع السعادات: 3/69.

31 ـ جامع السعادات: 3/69.

32 ـ جامع السعادات: 3/68.

33 ـ جامع السعادات: 3/69.

34 ـ جامع السعادات: 3/69.

35 ـ جامع السعادات: 3/70.

36 ـ سورة الفرقان: آية 74.

37 ـ سورة القصص: آية 83.

38 ـ سورة هود: آية 15 ـ 16.

39 ـ جامع السعادات: 2/350.

40 ـ أصول الكافي: 2/297 ـ جامع السعادات: 2/350.

41 ـ جامع السعادات: 2/350.

42 ـ جامع السعادات: 2/350.

43 ـ جامع السعادات: 2/350.

44 ـ أصول الكافي: 2/297 ـ جامع السعادات: 2/350.

45 ـ أصول الكافي: 2/298 ـ جامع السعادات: 2/350.

46 ـ أصول الكافي: 2/297 ـ جامع السعادات: 2/350.

47 ـ أصول الكافي: 2/299 ـ جامع السعادات: 2/350.

48 ـ سورة النصر: آية 1 ـ 3.

49 ـ جامع السعادات: 2/366.

50 ـ جامع السعادات: 2/366.

51 ـ جامع السعادات: 2/367.

52 ـ جامع السعادات: 2/367.

53 ـ سورة النور: آية 11.

54 ـ سورة العلق: آية 6 ـ 7.

55 ـ جامع السعادات: 2/367.

56 ـ أصول الكافي: 2/140 ـ جامع السعادات: 2/367.

57 ـ سورة النور: آية 11.

58 ـ سورة النساء: آية 145.

59 ـ سورة المنافقون: آية 1.

60 ـ سورة المنافقون: آية 7.

61 ـ جامع السعادات: 2/413.

62 ـ جامع السعادات: 2/412.

63 ـ جامع السعادات: 2/412.

64 ـ جامع السعادات: 2/413.

65 ـ جامع السعادات: 2/413.

66 ـ أصول الكافي: 2/313 ـ جامع السعادات: 1/358.

67 ـ جامع السعادات: 1/358.

68 ـ جامع السعادات: 1/358.

69 ـ أصول الكافي: 2/314 ـ جامع السعادات: 1/358.

70 ـ أصول الكافي: 2/314 ـ جامع السعادات: 1/358.

71 ـ أصول الكافي: 2/314 ـ جامع السعادات: 1/359.

72 ـ أصول الكافي: 2/313 ـ جامع السعادات: 1/359.

73 ـ أصول الكافي: 2/313 ـ جامع السعادات: 1/359.

74 ـ أصول الكافي: 2/313 ـ جامع السعادات: 1/359.

75 ـ جامع السعادات: 1/359.

76 ـ أصول الكافي: 2/314 ـ جامع السعادات: 1/359.

77 ـ أصول الكافي: 2/123 ـ جامع السعادات: 1/378.

78 ـ سورة الرعد: آية 8.

79 ـ سورة الحجر: آية 19.

80 ـ سورة لقمان: آية 33.

81 ـ سورة لقمان: آية 33.

82 ـ سورة الحديد: آية 14.

83 ـ سورة النساء: آية 123.

84 ـ جامع السعادات: 3/7.

85 ـ جامع السعادات: 3/7.

86 ـ جامع السعادات: 3/34.