الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

طول ألأمل

(إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً)(حديث شريف) وهذا الحديث هو عنوان المؤمن الفطن حقّاً، يعمل لإصلاح الدنيا وتقدّم الحضارة، عمل من يرى أنّ الدنيا أبديّة دائمية، فيعبّد الأرض، ويشقّ الأنهار، ويزرع الفيافي، ويعمّر البلاد، وما إلى ذلك من زينة الحياة الدنيا، وبهجة الحضارة البشرية... هذا من جانب، ومن جانب آخر يعمل للآخرة، كأنه يموت غداً، فيصلّي لربه الفرائض، ويؤدي الصدقة الواجبة، ويحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً، ويــصوم الصوم الواجب، ويأمر بالمعروف ويتحلّى بالفضيلة، ويجتنب المحــرمات والمآثم، حتى لا يبالي أمات غداً أو بعد ألف سنة.

وهكذا إنسان هو الجامع بين خير الدنيا وخير الآخرة.

أما الذي يؤخر أمر الآخرة كأنه يعيش أبداً، ويقدّم أمر الدنيا فهو الذي له (أمل خاطئ) ومثل هذا الأمل مذموم مُهلك، إنّه يعتقد بقاءه مدة متمادية، فيهيء لنفسه لوازم لهذه المدة من مال ودار وأثاث ورياش، ثم لا يلتفت إلى الآخرة يرجئ الحج ويؤخّر الخمس، ولا يخرج عن المظالم، ولا يبادر بقضاء ما فاته من صلاة وصيام وهكذا فجأة يأتيه الموت، فيقول: (... رب ارجعون لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت...)(1) فيجاب بـ (كلا!).

يقول الشاعر:

يا من بدنياه اشتغل          قد غــرّه طــول الأمل

والموت يأتــي بغتةً            والقبر صندوق العمل

وهذه الصفة أعني (طول الأمل) تفسد الدنيا، قبل إفسادها للآخرة، إنّ من طال أمله لم يجعل الموت والآخرة نصب عينيه لا بد وأن يتعدّى عن الحدود المُصلحة للاجتماع، والموازين المقررة لإصلاح النفس، وقتله يفسد ويسبب التأخر والانحطاط.

ولذا حذر الإسلام من طول الأمل أشدّ تحذير.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ أشدّ ما أخاف عليكم خصلتان: إتّباع الهوى وطول الأمل، فأمّا إتّباع الهوى فإنّه يصدّ عن الحق، وأمّا طول الأمل فإنّه الحبّ للدنيا)(2) إتباع الهوى يصد عن الحق، وكيف؟ فإنه من اتبع هواه كان الهوى قائده، ولم ينظر إلى الحق، انه يتبع هواه في تحصيل المال، فيغضب ويرابي ويحتكر، ويظلم الفقراء والأيتام والضعفاء في سلبهم لقمة العيش هكذا، ويتبع هواه في تحصيل الجاه، فيقتل الناس بغير الحق، ويضرب، ويحبس، ويبعد، وهكذا، أما من كان الحق رائده، فإنه مقيد بالحق، إن أباح له الحق تبع، وإن خطر عليه الحق اجتنب.

وأمّا طول الأمل، فإنه الحب للدنيا فقط، وهذا ميزان مائل فإن أحب يجب أن يقسم بين الدنيا والآخرة، فيجعل للدنيا من الحب: مقدار العبور والانتقال، وللآخرة من الحب: مقدار البقاء والاستقرار، كمن يريد أن يعبر قنطرة إلى روضة، إنّه يحب القنطرة ويصلحها، وإلا كيف يمكن العبور عليها وكفى حبه لها حب عرضي مرحلي، لا حب ذاتي أصلي، أما حبه للروضة التي يقصدها، فهو حب بالذات، وهذا هو الميزان العادل.

وقد قال الإمام المرتضى هذا الكلام مع اختلاف يسير في اللفظ والاحتفاظ بجوهر المعنى، قال (عليه السلام): (إنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنتين: اتباع الهوى وطول الأمل، أما اتباع الـــهوى: فإنه يصـــد عن الحق، وامـــا طول الأمل: فإنه ينسي الآخرة)(3).

ثم.. أردف الرسول الأعظم بكلمته السابقة قوله: (.. إنّ الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض، وإذا أحبّ عبداً أعطاه الإيمان، إلاّ أن للدين أبناء، وللدنيا أبناء، فكونوا من أبناء الدين، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا أنّ الدنيا قد ارتحلت مولّية، إلا إنّ الآخرة قد أتت مقبلة، ألا وأنّكم في يوم عمل ليس فيه حساب، ألا وأنّكم يوشك أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل)(4).

والمراد بأبناء الدين، من ينظر إلى كل من الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: (ومنهم من يقول ربّنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة...)(5) فإن العمل للدنيا أيضاً من الدين، أما المراد بأبناء الدنيا، فهم الذين يتكالبون على حبها والتزود منها، كيفما كان، ناسين الآخرة: (... وهم عن الآخرة هم غافلون)(6).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلمةٍ أخرى يذمّ فيها الأمل: (نجا أوّل هذه الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل)(7).. ولعلّ مراده (صلى الله عليه وآله وسلم) من (النجاة) نجاة الدنيا والآخرة، ومن الهلاك (هلاك) الدنيا والآخرة، فإن الزاهد المتيقن، لا يترك الدنيا لكي يستغلها الفساق والظالمون، فيملؤنها فساداً وتباراً، بل يجاهد في سبيل الله والمستضعفين وبذلك تعمر الدنيا، كما يعمر آخرته بالعمل الصالح، الذي يحفز إليه زهده ويقينه، بخلاف البخيل الطويل الأمل، فإنه حيث يحب الدنيا وزينتها ولا يكافح في سبيل الحق، وكيف يكافح؟ أليس الكفاح قد يؤدي بالإنسان، فيهلك وقد يؤدي بماله فيتلفه، ولذا يستغل الدنيا الآثمون، الذين يُفسدون ويَفسدون.

وقال الرسول الأعظم في كلمة أخرى: (اذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري ما اسمك غداً)(8).

وسمع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): أنّ أسامة اشترى وليدة بمائة دينار إلى شهر، فقال: (إنّ أسامة لطويل الأمل، والذي نفسي بيده، ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان، حتى يقبض الله روحي، ولا رفعت طرفي فظننت أنّي واضعه حتى أُقبض، ولا لقمت حتى ظننت إني لا أسيغها حتى أغُض بها من الموت ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدّوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إنّ ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين)(9).

ما أروعها من كلمة، وما أجملها من حكمة، وما أصدقها من قولة..

ألم تر ـ وخصوصاً في هذه الايــام التي انطوت فيها مناهج الصحة الإسلامية عن المجتمع ـ أُناسا ماتوا بالفجأة، حيث يضحكون أو يتكلمون، أو يأكلون أو ما أشبه.. وقد كان أبي، رحمه الله، يتوضأ عصراً، تهيؤاً لصلاة المغرب والعشاء، وفي أثناء الوضوء لبى داعية الموت، ولم يمهله الأجل حتى يكمل وضوءه.. وأخت لي كانت في ريعان الشباب، ذهبت أول الليل إلى سطح الدار لتنام، وفي الصباح أتينا بها جثة هامدة، حيث لم يعرف الذين كانت نائمة في وسطهم في أية لحظة، سلّمت روحها إلى بارئها، وهكذا، وهكذا.. فبعد ذلك يكون الانسان طويل الأمل إذا رجا بقاءه شهراً؟ وليس معنى ذلك ان تبطل المعاملات والمداينات، بل معناه أن يهتم الانسان بإتقان اُموره حتى إذا مات في اللحظة حيث لا يحتسب لا يكون بدون تهيئة واستعداد.

وفي حديث آخر: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (يا أبا ذر أتحب أن تدخل الجنة؟ قال: نعم، فداك أبي. قال: أقصر من الأمل، واجعل الموت بين عينيك، واستح من الله حق الحياء)(10) ان الاستحياء من الله حق الحياء كافي في سوق الانسان إلى أعلى مراتب الجنان، لكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أكّد على (قصر الأمل) و(ذكر الموت) لأنهما من أهم المحفزات لصلاح الانسان، المنتهى به إلى الجنّةِ قطعاً.

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في دعائه: (اللهم إنّي أعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة، وأعوذ بك من حياة تمنع خير الممات، وأعوذ بك من أمل يمنع خير العمل)(11).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما أطال عبد الأمل، إلا أساء العمل)(12).

فليقصر الانسان من أمله ويهتم بعمله، وإذا حدثته نفسه بالآمال، فليزمها بزمام الزهد والموعظة، فإن قصر الأمل موجب لخير الدنيا وسعادة الآخرة.

من أهم ما يوجب قصر الأمل، والإقبال على العمل (ذكر الموت) والذهاب إلى المقابر، وتذكر أحوال الماضي من الأقارب والأصدقاء، ومطالعة كتب السابقين الذين عاشوا في الدنيا طويلاً، ثم:

جرت الرياح على محل ديارهم          فكأنهـــــم كانـــــوا على ميعاد

أحسنوا أم أساؤوا، بنوا أو هدموا، أصلحوا أو أفسدوا، كسلوا أم نشطوا، ثم ذهبوا، ولم تبق منهم باقية، فهم رهائن القبور، ومضامين اللحود، ورهائن التراب، لا يتنفس منهم أحد، ولا يعمل منهم إنسان، ولا يفرحون بأفراح الدنيا ولا يحزنون بأحزانها، فكأنهم لم يكونوا، وكأنهم لم يأتوا ولم يذهبوا.

وكذلك التفكير في أحوال الأموات الذين يموتون من أقارب الإنسان وأصدقائه أو من الأبعدين.

فإذا حمــــلت إلى القبور جنازة          فاعلـم بأنك بعدها مــــحمول

كل ابن أُنثى وإن طالت سلامته          يوماً على آلةٍ حدباء محمول

وخصوصاً اذا صاروا جماعة من أهل التقوى، وأخذوا في تذكّر أحوال الأموات، وتفكروا في الفناء وتذاكروا قصص الماضين، وبكوا وتباكوا، وانتحبوا وأكثروا من الاسترجاع، فإنه ينبت في القلب حب الآخرة والزهادة في الدنيا، والتهيؤ للعمل الصالح، والتجافي عن زخارف الحياة، والكفّ عن الظلم والفساد.

ولذا يقال: إنّ الصالحين من السابقين كانوا يعقدون مثل هذه المجالس، ويكثرون الترداد على المقابر، وقد نقل لي أحد الثقات: إنّه ذات مرّة ذهب إلى المقبرة حيث هي مقفرة ـ حتى من الزائرين ـ واذا به يسمع صوتاً ضعيفاً من قبر، قال فدنوت، واذا بقبر غير مصموم، وأسمع من داخله إنسانا يقول: (... ربّ ارجعون لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت...)(13) وبعد الإلحاح والترداد والتكرار، وإذا بالقائل يرد على نفسه: قد رجعناك فاعمل صالحاً، قال الرواي: واذا بي أرى (السيد ميرزا مهدي) ـ ويقصد والدي، رحمه الله ـ قد خرج من القبر وهو مغبر مترب كاسف البال، قال: فلما رآني أخذ منّي العهود والمواثيق أن لا أذكر ذلك لأحد ما دام في الحياة.

ويروى أنّ أحد الملوك كان جالساً في قصره وحوله وزراؤه، وإذا به يرى أنّ زاهداً يريد الدخول في القصر والخدم يدفعونه فيحتج عليهم، بأنه لمَ يمنعوه عن الاستراحة برهة في هذا (الخان) ـ أي محل المسافرين ـ فاستشاط السلطان غضباً، وأمر من يحضر الزاهد لديه، فلما حضر، قال له: وكيف تقول هذا خان؟ قال الزاهد: فما هذا؟ قال الملك: إنه قصر ملوكي. قال الزاهد: لمن كان قبلك؟ قال الملك: لجدّي، قال الزاهد: ثم لمن؟ قال الملك: لأبي، قال الزاهد: ثم لمن؟ قال الملك: لي، قال الزاهد: ثم لمن؟ قال الملك: لولدي. فقال الزاهد: فقد أقررت انه خان أليس الخان محل المسافرين؟ وأليس أبوك وجدك كانا مسافرين نزلا فيه ثم ارتحلا؟ وهكذا أنت تعترف بنزولك فيه وارتحالك بعد قليل ليخلفك ابنك؟ فانتبه الملك، ثم تسلّل ليلاً عن القصر، والتحق بالزاهد.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أكثروا ذكر هادم اللذات قيل: وما هو يا رسول الله؟؟ قال: الموت، فما ذكره عبد على الحقيقة في سعة إلا ضاقت عليه الدنيا، ولا في شدّة إلا اتسعت عليه)(14).

إن الانسان ربما تضيق عليه الدنيا، بسبب فقر أو مرض، أو موت قريب أو ذهاب جاه، أو ما أشبه فإذا ذكر الموت، وتذكّر فناء الدنيا، وإن كان حاله إلى زوال، لابد وأن ينشرح، وأن تتسع نفسه، ويجلو همّه.. وبالعكس، ربما تتسع الدنيا لإنسان، ويفرح فرحاً كثيراً، حتى انه اذا بقيت له تلك الحالة، سببت طغياناً، وخبالاً، فإذا تذكّر وتفكّر، وذكر الموت والبلاء، لا بد وأن يحزن لانه يعلم عدم بقاء الحالة، وعدم مبرر للفرح بما أوتي من مال أو جاه أو ما أشبه، فحبذا تذكر الموت دواءً ناجعاً للحالتين.

وقـــال (صلى الله عليه وآله وسلم): (تحفـــة المؤمن المـــوت)(15) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الموت كفّارة لكل مسلم)(16).

ومن الطبيعي أن يكون الموت تحفةً للمؤمن، أليست الدنيا سجن المؤمن؟ كما أن من الطبيعي أن يكون الموت كفّارة، فإن شدائدها وأهوالها تذهب بالذنوب التي اقترفها المؤمن جهلاً وخطأً.

وسئل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (نعم من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة)(17) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أكثروا من ذكر الموت فإنّه يمحّص الذنوب ويزهّد في الدنيا)(18). وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (كفى بالموت واعظاً)(19).

فإن آخر ما يعظ الواعظ أن يقول: إعمل الصلاح، واترك الفساد، فإن وراءك موتاً وحساباً... والموت ـ تفكّره وتذكّره ـ يولد في النفس نفس هذا الشعور الذي يولّده الواعظ الخبير.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الموت الموت، ألا ولا بدّ من الموت، جاء الموت بما فيه، وجاء بالروح والراحة، والكرّة المباركة إلى جنة عالية، لأهل دار الخلود، الذين كان لها سعيهم، وفيها رغبتهم)(20).

ان الانسان هبط من الجنة ـ كما في قصة آدم (عليه السلام) ـ فإذا ذهب الانسان إلى الجنة كانت كرّة إلى ما اُهبط منه، وفيها من البركة والخير الدائم، ما ليس لشيء غيره إطلاقاً.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا استحقت ولاية الله والسعادة، جاء الأجل بين العينين، وذهب الأمل وراء الظهر، وإذا استحقت ولاية الشيطان والشقاوة جاء الأمل بين العينين، وذهب الأجل وراء الظهر)(21).

تشبيه لطيف.. والاستحقاق لا يكون إلا بالمقدمات التي يهيئ الانسان لها، من تفكّر وتذكّر وعمل وما أشبه.

ولنقف قليلا عند هذا الحديث لننظر كيف ذكر الموت يؤثر في ميزان الإنسان؟.. فقد ذكر عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل، فأحسن الحاضرون الثناء عليه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف ذكر صاحبكم للموت؟ قالوا: ما كنّا نكاد نسمعه يذكر الموت.. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فإنّ صاحبكم ليس هنالك)(22).

انه ليست له مرتبة راقية، وكيف تكون له، وهو لا يذكر الموت؟ إنّ من لا يعد نفسه للحساب لا يعمل عمل من يعد نفسه للحساب، والذي يعد نفسه للحساب لا بد وأن يذكر الحساب كثيراً، أرأيت من يكون له مستقبل خطر، كيف يكون دائماً في ذكره، وإعداد العدّة له؟ فإذا رأيت من له مستقبل خطير ثم لا يفكر ولا يتذاكر حوله، فاعلم أنّه أبله وليس بحازم عاقل.

وسئل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (أي المؤمنين أكيس وأكرم؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أكثرهم ذكراً للموت وأشدّهم استعدادا له، أولئك هم الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة)(23).

إنّ الآخرة شيء مدهش ثوابها ومدهش عقابها، حتى أنّ أشد الناس اغتباطاً ومقاماً في الدنيا، لا يصل إلى أقل مستويات الصالحين في الآخرة، كما أنّ أشد الناس عذاباً وسوءاً في الدنيا لا يصل إلى اُقل الناس عذاباً في الآخرة.. ولذا كان الأكيس هو الذي يحصر أمره في الآخرة، وليس معنى هذا أن يترك الدنيا فإنّ تارك الدنيا بنظر الإسلام ممقوت، بل معناه أن يترك الدنيا التي هي وبال وخبال.

وقال الامام الباقر (عليه السلام): (أكثروا ذكر الموت فإنه لم يكثر ذكره إنسان إلا زهد في الدنيا)(24).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا أنت حملت جنازة، فكن كأنك أنت المحمول، وكأنك سألت ربك الرجوع إلى الدنيا ففعل، فانظر ماذا تستأنف)(25) ثم قال (عليه السلام): (عجباً لقوم حبس أوّلهم عن آخرهم، ثم نودي فيهم بالرحيل، وهم يلعبون)(26) لقد حبس الأموات الذين قبلنا، عن الارتحال إلى الآخرة، حتى نلحق بهم، فإذا التحق البشر كلهم بقافلة الأموات كانت القيامة الكبرى، ثم الجنة أو النار ـ وقد علمنا إنا نموت جميعاً، فكأنّه نودي فينا بالموت ـ فهذان سببان لأن نجد في العمل الصالح: الأموات الذين قبلنا وهم عبرة، وعلمنا بأنّا نموت لكنّا مشغولون باللعب واللهو، بالدنيا التي ليست إلاّ لهواً ولعباً. أليس في هذا ما يستدعي أشدّ العجب؟!

وقال الامام الصادق (عليه السلام) لأبي بصير: (اذكر يا أبا محمد، تقطّع أوصالك في قبرك، ورجوع أحبائك عنك، اذا دفنوك في حفرتك، وخروج نبات الماء من منخريك، وأكل الدود لحمك، فإنّ ذلك يسلّي عليك ما أنت فيه قال أبو بصير: فو الله ما ذكرته إلاّ سلّى عني ما أنا فيه من همّ الدنيا(27).

(نبات الماء) هي الدود، وما أهوله من فجيعة.

من كان لا يطأ التراب برجله          يطأ التــراب بناعـــــم الخد

(تقطع الأوصال): يالله، لقد كنا نداوي بألف دواء جرحاً صغيراً في جسمنا، فما أهوننا حتى تتقطع أوصالنا ولا دواء؟ (رجوع الأحباء): أين هم، وقد كانوا يهتمون بأمورنا، ويفدون أنفسهم لأقل كارثة تنزل بنا؟ لقد أصبح الانسان في القبر وحيداً فريداً، فلا قريب ولا صديق، إنّهم اشتغلوا بأنفسهم، ونسوا من كان يكدح ويتعب ويسهر لهم (خروج نبات الماء) لقد كنا نطارد البعوض وذرّة من التراب إذا سقطت على وجوهنا، فما هذه الديدان التي تختلف ذاهبة وراجعة من أعز موضع هو المخ إلى أجمل موضع هو الوجه، ثم لا نملك حولاً ولا طولاً حتى في الذبّ والدفع، وأخيراً أخذت الديدان تأكل اللحوم بكل اطمئنان... يا لها من فجيعة؟ ويا له من هول؟ لو بكينا له طول العمر لم نؤدَّ حقّه.

ناداهم صارخٌ من بعد ما دفنوا          أيــــن الأسرّة والتيـــــجان والحلل

فأصبح القبر عنهم حين سائلهم          تلك الـوجوه عليــــــها الدود تنتقل

قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا          فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

وقال (عليه السلام): (ذكر الموت يميت الشهوات في النفس، ويقلع منابت الغفلة ويقوي القلب بمواعيد الله، ويرق الطبع، ويكسر أعلام الهوى، ويُطفي نار الحرص، ويحقر الدنيا)(28).

فاللازم على الانسان أن يهيئ برنامجاً للموت:

أولاً: فيتذكر كل يوم صباحاً الموت، ولو مقدار خمس دقائق.

ثانياً: ثم يعمل بما يقتضي الاستعداد له من الإيمان والعمل الصالح والانقلاع عن المأثم والمظالم.

ثالثاً: أن يذكّر الناس بالموت.

رابعاً: أن يزور المقابر أسبوعيّاً ولو مرّة.

خامساً: أن يكتب وصيته ويحضر كفنه.

سادساً: أن يطالع الكتب التي تتعرض لهذا الشأن كل أسبوع ولو مرّة.

سابعاً: أن يحضر الجنائز والمغتسلات والمآتم والفواتح، وما أشبه.

ثامناً: ولو تمكن أن يعقد المجالس الدورية المنعقدة من أهل التقوى والصلاح كل أسبوع مرة.، لتذاكر الموت فيها ونعي الدنيا.

ذهبت ذات مرة إلى زيارة ثري كان مريضاً، فسألت عن عمره، فقال: ما يقارب المائة، ثم أردف قائلا: ولكن ليس بي من مرض إلا رخاوة في الركبتين، وهي التي أجلستني عن الخروج عن المنزل!!

وذهبت ذات مرة أخرى إلى ثري آخر كان قد أصيب بالفالج، وعمره ما يقارب التسعين ـ كما قال أهله ـ فقال ـ بلسان يتلعثم من أثر المرض فلا يكاد يُفهم كلامه إلا نتفاً مبعثرة ـ: لقد ذهبت إلى الأطباء فقالوا لي: ليس بك من مرض، إلا (نوم بعض الأعصاب) وقد نذرت أن لو رجعت إلى حالتي السابقة ـ ويقصد قبل عشرين سنة ـ أن أفعل كذا!!

ونقل أحد الأصدقاء... إنّ إمرأة معمرة، في دارهم، أصيبت بالسكتة، حتى لم تتمكّن أن تحرّك من جسدها شيئاً إلا الوسطى والبنصر من أصابعها، تحريكاً بكل صعوبة.. قالوا لها: أوصي.. فقالت: ماذا تريدون مني وليس بي شيء من المرض ألا ترون كيف أحرّك أصابعي!! عجيب أمر الانسان، وعجيب جدّاً!!!

يرجي المرء ما أن لا يراه          وبين يديه عزرائيل حاضر

انه يهرب حتى من ذكر الموت، وكأنّ الهرب ينفع؟ لكن القلب اذا قسى، وأطبق الجهل على العقل، تكون النتيجة كهذه!

فانظر البون الشاسع بين القصص المتقدمة وبين قول الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما أنزل الموت حقّ منزلته من عدَّ غداً من أجلِهِ)(29) وقول الامام الصادق (عليه السلام): (ما من أهل بيت شعر ولا وبر إلا وملك الموت يــتصفحه كل يـــوم خمس مرات)(30) وقـــول الإمـــام أمير المؤمنين (عليه السلام): (والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بمحالب أمه)(31).

وقد كان الصالحون ينتظرون الموت، إنتظارهم لمن وعدهم بعد ساعة.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أحبّ لقاء الله، ولا تكره لقاءه، فإن الله يحب لقاء من يحب لقاءه، ويكره لقاء من يكره لقاءه)(32).

المكر والخديعة

ربما يتطلب الإنسان شيئاً لكن لا يتمكن من التوصل إليه بالطرق المستقيمة، وهنا يلتجئ لنيله بالطرق الملتوية وهذه الطرق وإن كانت ربما تهدف المقصد إلا أنّ بها يلتاث الضمير وتخدش كرامة الحق وهذا الالتواء يسمى بالمكر والخدعة ـ وقد نهى الإسلام عنهما لما لهما من الضرر، فالإسلام يريد كل شيء مستقيماً صريحاً، أما المكر والخدعة فهما بعيدان عن الحق، فإنه لا بد للماكر من الرياء والنفاق، والكذب والغش.. وما إليها وكلها محرّمة في نظر الإسلام.

يقول رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): (ليس منا من ماكر مسلماً)(33) ويقول تلميذه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (لولا أنّ المكر والخديعة في النار لكنت أمكر الناس)(34) ولا يزال الماكر يمكر.. ويمكر... حتى يتجلى للناس مكره وخديعته فيجتنب ويرمى بكل شر، وصحيح أن من لا يمكر تفوته منافع عظيمة، إلا إن الإبقاء على طهارة النفس وسلامة الضمير، وحسن السمعة، والذكر الجميل في الأجيال، منافع تتضاءل أمامها كل منفعة.

واليك مثلاً: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) عاصره معاوية وكان الإمام يتجنب عن المكر وربما كان فوّت بعض المنافع عنه (عليه السلام) مستنداً إلى هذا التحرج، أما معاوية فما من طرق ملتوية إلا كان يتبعها رغبة في الاستعلاء وطلبا لعلو الكلمة، حتى إن التاريخ يحدثنا (بأنه كلما غضب على بطريق من علماء الروم ـ النصارى ـ كان يهدي إليه هدايا، ويكتب إليه كتاباً يتشكر منه مواقفه تجاه معاوية على ضد حكومته، وكان يوصي الرسول، بأن يتعرض إلى مواقع الشرطة وأمثالهم كي يقع في أيديهم.

وهناك الطامة الكبرى على ذلك البطريق، فرسول معاوية كان يقع في أيدي السلطة، وبعد التفتيش كانوا يظنون بذلك العالم كل شر وله الصلب أو الحبس أو ما إليهما! فيتشفى معاوية ويستلقي ضاحكاً!).

وأخيراً: من حاز حسن الذكر؟ أمعاوية أم الإمام (عليه السلام)؟.

كان الإمام (عليه السلام): (كثيراً ما يتنفس الصعداء ويقول: واويلاه يمكرون بي ويعلمون أني بمكرهم عالم، وأعرف منهم بوجوه المكر ولكنّي أعلم إن المكر والخديعة في النار، فأصبر على مكرهم ولا أرتكب مثل ما ارتكبوا)(35).

ثم أليس الله رقيب الأعمال؟ وأليس هو لا يصلح عمل المفسدين، وإذا مكر الإنسان فهل يخفى ذلك على الله؟ وإذا مكر الشخص فالله أقوى مكراً، وهو يقول في كتابه الحكيم: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)(36) وليس المراد من مكر الله معناه المصطلح عندنا بل معناه نقض المكر بما يخفى سببه.

العداوة وفروعها

الإنسان الكبير لا يشتغل بالمحقرات إنّه أكبر من ذلك ولا وقت له يصرفه في التوافه، إن وقته أثمن منها ولذا نرى إن العظماء لا يأبهون بكلمة تجرح كرامة النفس أو عداوة أورثتها نفس صغيرة، وكلما كانت النفس أكبر وكان الشخص أعظم كان عفوه وصفحه أكثر، وبالعكس صغار الناس ذو نفوس ضيقة وعقول خفيفة لا تشتغل إلا بمعاداة فلان وتتبع عورات فلان...

والعداوة غالباً لا تقطن إلا في النفوس العفنة ولا تورق إلا في الأرواح القذرة وهي وفروعها، من حقد وضرب وفحش ولعن وطعن وتربص للانتقام إلى غيرها.. كلها دليل على وساخة النفس والتياثها بالأقذار مما ليس إلا من شأن رجل الشارع العديم الشرف.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (المؤمن ليس بحقود)(37).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما كان جبرائيل يأتيني إلا قال: يا محمد اتق شحناء الرجال وعداوتهم)(38).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما عُهد إلى جبرائيل قط في شيء ما عهد إليّ في معاداة الرجال)(39).

الرجل العادي يحتاج إلى اتقاء شحناء الرجال حتى يعيش فكيف بنبي عظيم يريد أن يبث الدعاية إلى كل خير وفضيلة؟ وهذا تعليم جليل لمن يريد توجيه الناس، إنّه يلزم جهده أن يجتنب عن معاداتهم، إذ القيام بالتوجيه كافٍ في جلب عداوات من صغار النفوس وضعاف الأرواح، فليتق عن جلب العداوات بما يصنعه بنفسه!

ثم إن العداوة لا تسبب إلا الخسارة يقول الشاعر: إنّك لا تجني من الشوك العنب، ولذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): (من زرع العداوة حصد ما بذر)(40).

وقد أرصد الإسلام لمكافحة العداوة وثمراتها أحاديث كثيرة ترغيبية وترهيبية ليأمن المجتمع الإسلامي من هذه الثمار البشعة.

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ليس المؤمن بالطعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء)(41).

وقال (صلى الله عليـه وآله وسلم): (إياكم والفحش، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش)(42).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها)(43).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام في شيء)(44).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (البذاء والبيان شعبتان من شعب النفاق)(45) والبيان كشف ما لا يجوز كشفه.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى ـ وعدّ منهم ـ رجلاً يسيل فوه قيحاً وهو من كان في الدنيا فاحشاً)(46).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تسبّوا الناس فتكسبوا العداوة منهم)(47).

وقـــال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله حرم الجـــنة على كل فحـــّاش بذيء، قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له...)(48).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا رأيتم الرجل لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه فإنّه لِغيّه أو شرك شيطان)(49).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله ليبغض الفاحش البذيء والسائل الملحف)(50).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن من شرار عباد الله من تكره مجالسته لفحشه)(51).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (سباب المؤمن كالمشرف على الهلكة)(52).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (المتسابان شيطانان متعاديان ومتهاتران)(53).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر وأكل لحمه معصية وحرمة ماله كحرمة دمه)(54).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (شر الناس عند الله تعالى يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرّهم)(55).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (المؤمن ليس بلعّان)(56).

أتريد أكثر من هذا؟ إن من يقوّم الحق تكفيه واحدة منها، ومن لا يعتدل لم تكفه مجلدات.

وللأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) أحاديث بهذا النسق وإليك بعضها:

قـــال الــصادق (عليه السلام): (من علامـــات شرك الشيطان الــذي لا يـــشك فيه أن يكون فحّاشاً لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه)(57).

وقال (عليه السلام): (البذاء من الجفاء، والجفاء في النار)(58).

وقال (عليه السلام): (من خاف الناس لسانه فهو في النار)(59).

وقال (عليه السلام): (إنّ أبغض خلق الله تعالى عبد اتقى الناس لسانه)(60).

وقال الكاظم (عليه السلام): (في رجلين يتسابّان البادئ منهما أظلم ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يتعد المظلوم)(61).

وقال الباقر (عليه السلام): (إن اللعـــنة إذا خرجـــت من فم صاحبهــــا ترددت بينهما فإن وجدت مساغاً وإلا رجعت إلى صاحبها)(62).

وقال (عليه السلام): (إياكم والطعن على المؤمنين)(63).

وقال (عليه السلام): (ما من إنسان يطعن في عين مؤمن إلا مات شرّ ميتة وكان قمناً ألا يرجع إلى خير)(64).

وليس عدم اللعن والطعن مختصّاً بالإنسان بل الإسلام ينزّه الفرد من أن يخرج من فيه لعن أصلاً وإن كان على حيوان أو جماد، أليس الإسلام دين النظافة والطهارة في اللسان والعمل والقلب؟ وأليس اللعن قذراً مهما كان الملعون جماداً أو حيواناً أو إنساناً؟ إذا فالإسلام يمنع عنه فقد روي: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنكر على امرأة لعنت ناقة وعلى رجل لعن بعيراً)(65) بل فوق ذلك، ففي الحديث: (انه ما لعن أحد الأرض إلا قالت: اللعن على أعصانا لله)(66) ومن أعصاهما؟ انّه اللاعن، فالأرض مطيعة لأمر ربها: (... فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين)(67).

وهكذا يريد الإسلام أن يهذّب أمته حتى لا يبدر منهم ولا لفظ جاف وليس هذا فحسب، بل يأخذ الإسلام جانب الإيجاب شوطاً آخر، فيحبذ دعاء الشخص للآخر وبذلك تتأكّد الاخوّة وتقوى الصلة وينقلع جذر العداوة عن النفوس، فإن من يتعاهد نفسه بالدعاء لشخص لا بد وأن تلين نفسه إلى ذكره، وتتصل بنفسه، فللنفوس أمواج تتصل كما إن إلقاء الحجر في الماء يحدث أمواجاً، ولذا من دعا لأخيه بظهر الغيب، لا يمضي زمان، حتى يحبه وبذلك يربح خير الآخرة، مع ارتياح النفس في الدنيا: (المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب فيقول له الملك: آمين ويقول العزيز الجبار: ولك مثلا ما سألت وقد أُعطيت ما سألت بحبك إياه)(68).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يستجاب للرجل في أخيه، ما لا يستجاب له في نفسه)(69).

وقال علي بن الحسين (عليهما السلام): (إن الملائكة إذا سمعوا المؤمن يدعو لأخيه المؤمن بظهر الغيب، أو يذكره بخير قالوا: نعم الأخ أنت لأخيك تدعو له بالخير وهو غائب عنك وتذكره بالخير وقد أعطاك الله عز وجل مثلي ما سألت له وأثنى عليك مثلي ما أثنيت عليه، ولك الفضل عليه)(70).

وأفضل من الدعاء للحي الدعاء للميت إذ إنّه انقطع عن الدنيا ويتحسر على ما قدمت يداه، وليس له مغيث ولا مجير، ولذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (مثل الميت في قبره مثل الغريق، يتعلق بكل شيء، ينتظر دعوة من ولد أو والد أو أخ أو قريب، وانه ليدخل على قبور الأموات من دعاء الأحياء من الأنوار مثل الجبال، وهو للأموات: بمنزلة الهدايا للأحياء، فيدخل الملك على الميت، معه طبق من نور عليه منديل من نور فيقول: هذه هدية لك من عند أخيك فلان أو من عند قريبك فلان فيفرح كما يفرح الحي بالهدية)(71).

وبالعكس الدعاء على الأموات ولعنهم فإن وزره عظيم!

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تسبّوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)(72).

ثم لعن الميت والدعاء عليه: يدل على خسّة نفس الداعي اللاعن وإلا فما يأتي من الميت؟ وأي نفع في الدعاء عليه ولعنه؟.

السؤال

يكره الإسلام السؤال أشدّ كراهية ويذمّ السائل ذمّاً كبيراً، ولم يسأل الإنسان؟ وقد أتاح له القدر فرصة الاكتساب والخدمة نعم إذا اضطر فلا بأس عملاً بقوله تعالى: (إلا ما اضطررتم)(73) وفي الحديث: (ما من شيء حرّمه الله تعالى إلا وقد أحلّه لمن اضطر إليه).

أما غالب الفقراء الذين يسعهم الكسب والعمل ويحبون البطالة ويلقون كلّهم على الناس، فهم في نظر الإسلام مجرمون من حيث البطالة ومن حيث إلقاء أنفسهم على الناس.

ومن ظرائف ما ينقل: (إن الميرزا الشيرازي الكبير الحاج السيد محمد حسن (رحمه الله) مرّ على فقير تام الخلقة، وافر النشاط، فأعطاه درهماً ليمد يده، ففعل ودرهماً ثانياً ليمد رجله ففعل، ودرهما ثالثاً ليقوم ويمشي ففعل، فقال له الميرزا: فلماذا تكسل عن العمل وتلقي كلّك على الناس؟!).

أما الإعانة مع مثل هؤلاء ـ إن علم الشخص بحالهم لا أن يعمل بالظن ـ فإن لم يكن من الإعانة على الحرام فإنه إعانة على المكروه وموجبة لتماديهم في الغنى

وعلى أي فالإسلام ينهي عن هكذا سؤال.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (مسألة الناس من الفواحش)(74).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من سأل عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم، ومن سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ووجهه عظم يتقعقع ليس عليه لحم)(75).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من سأل الناس وعنده قوت ثلاثة أيام لقى الله يوم يلقاه وليس على وجهه لحم)(76).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما من عبد فتح على نفسه باباً من المسألة إلا فتح الله عليه سبعين باباً من الفقر)(77).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن المسألة لا تحل إلا لفقر مدقع أو غرم مفظع)(78).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (السؤال عن ظهر غنى: صداع في الرأس وداء في البطن)(79).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من سأل الناس أموالهم تكثّراً، فإنما هي جمرة، فليستقل منه أو ليستكثر)(80).

وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) غالباً يأمر بالتعفّف عن السؤال ويقول: (من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله ومن لم يسألنا فهو أحبّ إلينا)(81).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما قل من السؤال فهو خير) قالوا: ومنك يا رسول الله؟ قال: (ومني ولو أن أحدكم أخذ حبلاً فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها ويكف بها وجهه خير له من أن يسأل)(82).

وتدري لم السؤال مكروه حتى من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ إنّه يوجب مهانة النفس وضعف الثقة بالذات، أما من يعتمد على نفسه، ويلقي بذاته في ضوضاء العمل فإنه قلما يفشل، ولو كان العمل الاحتطاب والاحتشاش أما رأيت عمياناً يعملون؟ إنّهم لثقتهم بأنفسهم وصلوا إلى هذا الحد وأمام نظري الآن صورة رجل عمي بالجدري في الرابعة من عمره ومع ذلك فهو يعد من أكبر الكتاب الآن وله كتب جنى منها ثروة طائلة.

وقال الإمام السجاد (عليه السلام): (ضمنت على ربي انه لا يسأل أحد أحداً من غير حاجة، إلا اضطرّته المسألة يوماً إلى أن يسأل من حاجة)(83).

ونظر (عليه السلام) يوم عرفة إلى رجال ونساء يسألون فقال: (هؤلاء شرار خلق الله!! الناس مقبلون على الله، وهم مقبلون على الناس)(84).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (اُقسم بالله وهو حقّ: ما فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)(85).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (من سأل من غير حاجة فكأنّما يأكل الجمر)(86).

والإسلام يكره السؤال مطلقاً ولو سؤال عن المال باستثناء العلم، الذي مدح السؤال فيه كما قال تعالى: (... فسئلوا أهل الذكر...)(87) وذلك لأن الإسلام يريد من الناس النشاط والعمل والاعتماد على النفس والاعتزاز بالذات أما السؤال عن السؤال وإلقاء النصب عليهم فهو خلاف الرجولة والمروءة.

روي: (انه جاء فخذ من الأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسلموا عليه فرد عليهم السلام فقالوا: يا رسول الله إن لنا إليك حاجة؟ فقال: هاتوا حاجتكم، فقالوا: إنها حاجة عظيمة؟ فقال: هاتوها ما هي؟ قالوا: تضمن لنا على ربك الجنة! فنكس رأسه ثم نكث في الأرض ثم رفع رأسه، فقال: أفعل ذلك بكم على ألا تسألوا أحداً شيئاً)(88).

فكان الرجل منهم يكون في السفر فيسقط سوطه فيكره أن يقول لإنسان: ناولنيه، فراراً من المسألة وينزل فيأخذه ويكون على المائدة فيكون بعض الجلساء أقرب إلى الماء منه، فلا يقول: ناولني حتى يقوم فيشرب.

وبايع (صلى الله عليه وآله وسلم) قوماً على الإسلام، فاشترط عليهم السمع والطاعة ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم خفية: (ولا تسألوا الناس شيئاً.. فكان بعد ذلك تقع المخصرة من يد أحدهم، فينزل لها، ولا يقول لأحد: ناولنيها).

وقد حدثني سماحة السيد محسن الحكيم (دام ظله): (انه كان بخدمة الميرزا الشيرازي الثاني الشيخ ميرزا محمد تقي (رحمه الله)، حين تشرّفه إلى السهلة، ومعه جمّ غفير، قال: ولما خرج من المسجد ومشى ما يقرب من غلوة سهم وإذا به يرجع قافلا وسألوا عنه: هل من حاجة؟ فلم يقل شيئاً حتى وصل إلى مكانه الذي بارحه ـ من المسجد ـ وإذا به قد نسي شيئاً هناك فأخذه وخرج إلى مقصده وكان ذلك منه (رحمه الله) كراهية أن يكلّف أحداً ولو بمثل هذا التكليف البسيط).

قال الإمام الصادق (عليه السلام):(طلب الحوائج إلى الناس استلاب للعز مذهبة للحياء، واليأس مما في أيدي الناس عز للمؤمن في دينه، والطمع هو الفقر الحاضر)(89).

وقد يأخذ بعض الناس ـ وخصوصاً الأغنياء ـ هذه الأحاديث حجة لبخلهم وعدم إعطائهم للفقير والسائل شيئاً.

فليتذكروا هؤلاء قوله تعالى: (وأما السائل فلا تنهر)(90) وقوله تعالى: (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)(91) وقوله تعالى: (وأطعموا القانع والمعتر)(92).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تردوا السائل ولو بشقّ تمرة)(93).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لولا أن السائل يكذب ما قُدّس من ردّه)(94).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (للسائل حق وان جاء على فرس)(95).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تردّوا السائل ولو بظلف محترق)(96).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (لو يعلم السائل ما عليه من الوزر ما سأل أحد أحداً ولو يعلم المسؤول ما عليه إذا منع ما منع أحد أحداً)(97).

فهناك تكليفان:

1 ـ الشخص أن لا يسأل.

2 ـ المسؤول أن لا يمنع.

أما أن يعتذر به البخلاء من أن الفقراء يكذبون ويلفقون لذلك قصصاً وخرافات فليس ذلك إلا التستر وراء المعاذير تبريراً لموقفهم السلبي وشحّهم الكامن وهل ليس في السائلين من لا يملك شيئاً وقد اضطرته الظروف إلى السؤال؟.

يقال: (إنّ فقيراً سأل غنيّاً فنهره وبعد أيام تفقده الغني وإذا به في غرفته ميّتاً من الجوع وقد أغلق على نفسه الباب!!).

 

1 ـ سورة المؤمنون: آية 99 ـ 100.

2 ـ جامع السعادات: 3/36.

3 ـ أصول الكافي: 2/336 ـ جامع السعادات: 3/36، الهامش.

4 ـ جامع السعادات: 3/36.

5 ـ سورة البقرة: آية 201.

6 ـ سورة الروم: آية 7.

7 ـ جامع السعادات: 3/36.

8 ـ مكارم الأخلاق: 459 ـ جامع السعادات: 3/37.

9 ـ جامع السعادات: 3/37.

10 ـ مكارم الأخلاق: 465 ـ جامع السعادات: 3/38، نحوه.

11 ـ جامع السعادات: 3/38.

12 ـ جامع السعادات: 3/37.

13 ـ سورة المؤمنون: آية 99 ـ 100.

14 ـ جامع السعادات: 3/40.

15 ـ جامع السعادات: 3/40.

16 ـ جامع السعادات: 3/40.

17 ـ جامع السعادات: 3/40.

18 ـ جامع السعادات: 3/40.

19 ـ جامع السعادات: 3/40.

20 ـ جامع السعادات: 3/40.

21 ـ جامع السعادات: 3/40.

22 ـ جامع السعادات: 3/40.

23 ـ جامع السعادات: 3/40.

24 ـ جامع السعادات: 3/40.

25 ـ جامع السعادات: 3/41.

26 ـ جامع السعادات: 3/41.

27 ـ جامع السعادات: 3/41.

28 ـ جامع السعادات: 3/41.

29 ـ جامع السعادات: 3/42.

30 ـ جامع السعادات: 3/42.

31 ـ جامع السعادات: 3/42.

32 ـ مكارم الأخلاق، 453 ـ جامع السعادات: 3/45 نحوه.

33 ـ أصول الكافي: 2/337 ـ جامع السعادات: 1/237.

34 ـ أصول الكافي: 2/336 ـ جامع السعادات: 1/237.

35 ـ جامع السعادات: 1/238.

36 ـ سورة آل عمران: آية 54.

37 ـ جامع السعادات: 1/346.

38 ـ أصول الكافي: 2/301 ـ جامع السعادات: 1/347.

39 ـ أصول الكافي: 2/301 ـ جامع السعادات: 1/347.

40 ـ أصول الكافي: 2/302 ـ جامع السعادات: 1/347.

41 ـ جامع السعادات: 1/349.

42 ـ جامع السعادات: 1/349.

43 ـ جامع السعادات: 1/349.

44 ـ جامع السعادات: 1/349.

45 ـ جامع السعادات: 1/349.

46 ـ جامع السعادات: 1/349.

47 ـ أصول الكافي: 2/360 ـ جامع السعادات: 1/349.

48 ـ أصول الكافي: 2/323 ـ جامع السعادات: 1/349.

49 ـ جامع السعادات: 1/349.

50 ـ أصول الكافي: 2/325 ـ جامع السعادات: 1/349.

51 ـ أصول الكافي: 2/325 ـ جامع السعادات: 1/349.

52 ـ أصول الكافي: 2/359 ـ جامع السعادات: 1/350.

53 ـ جامع السعادات: 1/350.

54 ـ مكارم الأخلاق: 470 ـ جامع السعادات: 1/349.

55 ـ أصول الكافي: 2/327 ـ جامع السعادات: 1/350.

56 ـ جامع السعادات: 1/351.

57 ـ أصول الكافي: 2/323 ـ جامع السعادات: 1/350.

58 ـ أصول الكافي: 2/325 ـ جامع السعادات: 1/350.

59 ـ أصول الكافي: 2/327 ـ جامع السعادات: 1/350.

60 ـ جامع السعادات: 1/350.

61 ـ أصول الكافي: 2/360 ـ جامع السعادات: 1/350.

62 ـ أصول الكافي: 2/360 ـ جامع السعادات: 1/351.

63 ـ أصول الكافي: 2/361 ـ جامع السعادات: 1/355.

64 ـ أصول الكافي: 2/361 ـ جامع السعادات: 1/355.

65 ـ جامع السعادات: 1/354.

66 ـ جامع السعادات: 1/354.

67 ـ سورة فصّلت: آية 11.

68 ـ أصول الكافي: 2/507.

69 ـ جامع السعادات: 1/354.

70 ـ أصول الكافي: 2/508 ـ جامع السعادات: 1/354.

71 ـ جامع السعادات: 1/355.

72 ـ جامع السعادات: 1/354.

73 ـ سورة الأنعام: آية 119.

74 ـ جامع السعادات: 2/97.

75 ـ جامع السعادات: 2/97.

76 ـ جامع السعادات: 2/97.

77 ـ جامع السعادات: 2/98.

78 ـ جامع السعادات: 2/98.

79 ـ جامع السعادات: 2/98.

80 ـ جامع السعادات: 2/98.

81 ـ جامع السعادات: 2/98.

82 ـ جامع السعادات: 2/98.

83 ـ جامع السعادات: 2/99.

84 ـ جامع السعادات: 2/99.

85 ـ مكارم الأخلاق: 137 ـ جامع السعادات: 2/99.

86 ـ جامع السعادات: 2/99.

87 ـ سورة النحل: آية 43.

88 ـ جامع السعادات: 2/98.

89 ـ جامع السعادات: 2/99.

90 ـ سورة الضحى: آية 10.

91 ـ سورة المعارج: الآيتان 24 ـ 25.

92 ـ سورة الحج: آية 36.

93 ـ جامع السعادات: 2/99.

94 ـ جامع السعادات: 2/99.

95 ـ جامع السعادات: 2/99.

96 ـ جامع السعادات: 2/99.

97 ـ جامع السعادات: 2/99.