الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

الأمر بالمعروف

إسعاف المريض معروف..

وإعطاء الفقير معروف..

وحسن الخلق معروف..

وتعليم الجاهل معروف...

وإرشاد الضال معروف..

والصدق، والأمانة، والحياء، والسخاء، والصدقة، والغيرة، والشجاعة معروف.. والصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والخمس، والجهاد، والاعتكاف معروف. والزواج، وصلة الرحم، وبر الوالدين، والضيافة، والهديّة، وحسن الجوار معروف.. أليست هذه أُمور حسنة؟. والعقل يحكم: إنّ الأمر بالحسن حسن أترى إنك لو أمرت الممرضة بإسعاف المريض الست تمدح عند العرف والعقل؟. أو أمرت الثري باعطاء الفقير؟ أو ما أشبه.

والإسلام ـ الذي هو مجمع الفضائل ـ لا يغفل هذه الناحية العامة من الحياة السعيدة إنّه يأمر الناس بأن يأمروا بالمعروف، حتى يشيع المعروف في المجتمع كما إنّه يأمر أيضاً: بالنهي عن المنكر.

وما هو؟.

المنكر: هو القتل..

المنكر: هو الظلم..

المنكر: هو السرقة..

المنكر: هو الزنا...

المنكر: هو الربا...

المنكر: هو الشتم والسب والقذف والإهانة وسوء الخلق...

المنكر: هو القمار واللواط، وسحق النساء والقيادة والدياثة...

المنكر: هو الكذب، والخيانة، والغش، وأكل أموال الناس بالباطل...

المنكر: هو ترك الصلاة ومنع الزكاة وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم.

وحيث أنّ المجتمع لا يخلو من مجرمين يتعدون الحدود وينتهكون الحرمات فقد أوجب الإسلام ردعهم، وأمرهم بالمحاسن وشدّد في ذلك أكبر تشديد.

وقد أبدع الإسلام في هذا المجال، ويظهر ذلك بالمقايسة إلى القوانين الأرضية إنّ القانون إنّما يوجب التنفيذ على أناس خاصة ولذا ترى خرق القوانين، حيث لا تبصر عين السلطة أهون من الماء.

أما الإسلام المبدع ـ وكل حكم في الإسلام إبداع ـ فقد أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الكل.

اسمع إلى هذه الآية المباركة: (كنتم خير أُمّةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)(1).

واسمع إلى هذا الحديث: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفثة في بحر لجي!

وما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي!)(2).

ولأي سبب هذا؟ إنّه واضح جدّاً: فبالجهاد يشق الطريق أمام أعمال البر..وطبعاً يكون الجهاد أفضل من أعمال البر.

ثم.. الجهاد لإبتداء أعمال البر، أما الاستمرار بها فإنما يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أترى، لو أن حكومة وضعت القوانين، وأجرتها بالقوة. فهل ينفع ذلك في استمرار الناس باتّباع المنهج؟ كلا! فالاستمرار يحتاج إلى قوة دائمة: إذاً: فالأمر والنهي اللذان هما عماد الاستمرار أفضل من الجهاد الذي هو بدء السير.

ولهذا السبب نفسه يفضل الإسلام مداد العلماء على دماء الشهداء فإنّ مداد العالم يوجب بقاء الدين، ولولاه لذهب دم الشهيد أدراج الإهمال. فالمداد امتداد لدم الشهيد وإلا فما قيمة الدم إذا اندرس ما لأجله جاهد الشهيد؟.

أرأيت لو لم تكن هذه الكتب التي يعتمد عليها الفقهاء والمسلمون أجمعون فماذا الذي كان يوصل أقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) إلى الناس بعد وفاتهم (عليهم السلام) وحيث ذاك يندرس الدين، ويرجع الناس الى الجاهلية، فتذهب دماء أهل بدر واُحد والأحزاب. شذر مذر.

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إيّاكم والجلوس على الطرقات قالوا: ما لنا بدّ منها. إنما هي مجالسنا نتحدّث فيها.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقّه، قالوا: وما حقّ الطريق؟.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)(3).

واسمع إلى هذا الحديث وما أعجبه من حديث؟!

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما بعث الله نبيّاً إلا وله حواري، فيمكث النبي بين أظهرهم ما شاء الله يعمل فيهم بكتاب الله وبأمره حتى اذا قبض الله نبيه، مكث الحواريون، يعملون بكتاب الله وبأمره وبسنة نبيهم، فإذا انقرضوا كان من بعدهم قوم يركبون رؤوس المنابر يقولون ما يعرفون، ويعملون ما ينكرون، فإذا رأيتم ذلك فحق على كل مؤمن جهادهم بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك إسلام)(4).

إنه تحريض على تنزيه جهاز التبليغ والتوجيه فإنه إذا فسد أفسد وليس بعد ذلك من خير أبداً.. وما أوجب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قبال هؤلاء؟.

الجهاد!

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إن من رأى عدواناً يعمل به ومنكراً يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرىء. ومن أنكره بلسانه فقد أُوجر وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق، ونور في قلبه اليقين)(5).

وقال (عليه السلام): (فمنهم: المنكر للمنكر بقلبه ولسانه ويده فذلك المستكمل لخصال الخير.

ومنهم: المنكر بلسانه وقلبه والتارك بيده. فذلك متمسك بخصلتين من خصال الخير ومضيع خصلة.

ومنهم: المنكر بقلبه، والتارك بيده ولسانه فذلك الذي ضيع أشرف الخصلتين من الثلاث وتمسك بواحدة.

ومنهم: التارك لإنكار المنكر بلسانه وقلبه ويده فذلك ميت الإحياء. وما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إلا كنفثة في بحر لجي.

وانّ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يقرّبان من أجل ولا ينقصان من رزق.

وأفضل من ذلك كلمة عدل عند إمام جائر)(6).

وقد نبه الإمام (عليه السلام) إلى حقيقة، تسد الطريق أمام المعتذرين.

فإنهم يعتذرون بالخوف من القتل أو ما أشبه وقلة الرزق المسببة من انصراف الناس عن الأمر الزاجر لكنه كذب في القول وفرار عن الحق بالأهم.

فهل رأيت آمراً يقتل أو زاجراً ينقص رزقه؟

ولعلك تقول: ألم يقتل الإمام الحسين (عليه السلام) حين خرج إلى كربلاء مريداً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ والجواب: إنّه لمّا خرج الحسين من المدينة خائفاً كخروج موسى (عليه السلام) خائفاً يتكتم، ولم كان الخوف؟ من شياطين بني أمية الذين أمروا بسفك دمه ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة!

وللإمام الباقر (عليه السلام) كلام ظريف حول هذين الواجبين جمع العلة والدليل، قال (عليه السلام): (إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر!

فانكروا بقلوبكم.

وألفظوا بألسنتكم.

وصكّوا بها جباههم.

ولا تخافوا في الله لومة لائم.

فإن اتعظوا والى الحق رجعوا فلا سبيل عليهم: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق اُولئك لهم عذاب اليم)(7).

هنالك..

فجاهدوا بأبدانكم وابغضوهم بقلوبكم غير طالبين سلطاناً ولا باغين مالاً ولا مريدين لظلم ظفراً حتى يفيئوا إلى أمر الله ويمضوا على طاعته)(8).

والإسلام ينهي أشدّ النهي عن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتهاون والمداهنة فيهما فإن في ذلك زيغ المجتمع عن سنن العدل وتحريف الشرائع عن نصابها وجنوح المبطلين إلى العبث والنساء.

يقول القرآن الكريم: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون)(9).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم، فلم يفعل إلا يوشك أن يعمّهم الله بعذاب من عنده)(10).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الله تعالى ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له فقيل له: ما المؤمن الذي لا دين له؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): الذي لا ينهي عن المنكر)(11).

وقيل له (صلى الله عليه وآله وسلم): (أتهلك القرية وفيها الصالحون؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم. قيل: بم يا رسول الله؟ قال: بتهاونهم، وسكوتهم عن معاصي الله)(12). وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لتأمرنّ بالمعروف ولتنهينّ عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم)(13).

وهذه الأحاديث مع الغض عن الأمور ما وراء الطبيعة، تدل على مدى مطابقتها للواقع وللبراهين والحوادث: إن المنكر هو الشيء الضار بالمجتمع والفرد.. فشرب الخمر يوجب المرض، والزنا يوجب الفساد العام، والمقامرة توجب العداوة.. وهكذا!

فإذا تُرك النهي عن المنكر في مجتمع، لا بد وأن ينهار، والانهيار هو العذاب، فإن العذاب ليس منحصراً في الصاعقة أو نحوها أنظر إلى هذه الآية: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض...)(14).

فالآيات: شيعاً وعذاباً في عداد الصاعقة والخسف!

أما الدعاء.. كما في الحديث الأخير، فله شرائط، وهل ينفع دعاء بلا شروط.. أرأيت من يدعو أن يثريه الله أو يملأ صدره علماً.. بغير تعب وعمل وطلب، يجاب دعاؤه؟.

قال تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم...)(15). ولكن قال في آية أخرى:

(... وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم...)(16).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الله تعالى ليسأل العبد: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكر)(17).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله تعالى لا يعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يظهر المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه)(18).

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إنما هلك من كان قبلكم، حيث عملوا بالمعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار عن ذلك.. وأنّهم لما تمادوا في المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار عن ذلك نزلت بهم العقوبات. فأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر)(19).

وقال (عليه السلام): (من ترك إنكار المنكر بقلبه، ويده، ولسانه فهو ميت بين الإحياء)(20).

وهناك أناس لا يتمكنون من شجب المنكر لضعف في مقامهم أو كلامهم أو ما أشبه. فهل يمرون بالمنكر وكأنه لا شيء؟ كلا! بل يلزم عليهم بالإضافة إلى إنكار القلوب، كلح الوجه أمام المنكر، فإنه مرتبة من مراتب الإنكار.

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (أمرنا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة)(21).

لكن ليس معنى ذلك أن يلقى الإنسان كل آت بالمنكر كذلك، فإنه ربما يزيده إصراراً وعناداً، بل البشر الحسن القرين بالقول اللين أنجح في كثير من الموارد، فعلى المريد أمراً وزجراً أن يكون حكيماً في التطبيق فقول اللين لا ينفع لمن لا بد له من العصا، والعصا لا تنفع لمن يلزم ان يقال له لين الكلام، وبين الناس من لا ينفعه إلا العصا وقول اللين، اسمع إلى هاتين الآيتين:

(فقولا له قولاً ليّناً لعلّه يتذكر أو يخشى)(22).

(قال ألقها يا موسى)(23).

وقد أشار الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عصر إنحطاط المسلمين في كل دور وزمان فقال (عليه السلام): (إنّ أوّل ما تغلبون عليه من الجهاد: الجهاد بأيديكم، ثم بألسنتكم، ثم بقلوبكم! فمن لم يعرف بقلبه معروفاً، ولم ينكر منكراً، قلب، فجعل أعلاه أسفله)(24).

وهكذا يتدرج المجتمع إلى الإنحطاط يحدث المنكر، فينكر بيد، ثم يترك، ثم ينكر بلسان، ثم يترك، ثم ينكر بقلب، حتى يكون مألوفاً فلا يعرف كونه منكراً وهناك العقاب!.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (ما قدّست أمة لم يؤخذ لضعيفها من قويّها بحقّه غير متعتع)(25).

وقال (عليه السلام): (ويل لقوم لا يدينون الله بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)(26).

وهناك أناس يظنون أنّه يكفيهم صلاح أنفسهم، فما لهم والدخول في المجتمع، حتى يبتلوا بتلوثه ويكلفوا بالأمر والنهي؟ ولذا يمشون ناحيةً ويبتعدون عن الناس.

لكن.. الإسلام لا يرضى بذلك، بل يريد من كل إنسان، أن يدخل المجتمع، فيقوّم المعوج، ويأمر ويزجر، وإلا كان شريكاً في الإثم، وان كان هو طاهر الذيل، نزيه القلب، ونظيف الجوارح.

قال الإمام الباقر (عليه السلام): (أوحى الله عز وجل إلى شعيب النبي (عليه السلام) إني معذب من قومك مائة ألف، أربعين ألفاً من شرارهم، وستين ألفاً من خيارهم، فقال (عليه السلام): يا رب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار، فأوحى الله عزّ وجل إليه: داهنوا أهل المعاصي، ولم يغضبوا لغضبي)(27).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (حق لي أن آخذ البريء منكم بالسقيم، وكيف لا يحق لي ذلك؟ وأنتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح فلا تنكرون عليه ولا تهجرونه، ولا تؤذونه حتى يتركه)(28).

واسمع إلى هذا الحديث، وهو أشدّ لهجةً من سابقه:

قال (عليه السلام): (لأحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم ما يمنعكم إذا بلغ الرجل منكم ما تكرهون، وما يدخل علينا به الأذى: أن تأتوه فتؤنبوه، وتعذلوه وتقولوا له قولاً بليغاً؟ قيل له: إذاً لا يقبلون منا.

قال (عليه السلام): اهجروهم واجتنبوا مجالستهم)(29).

وبعد هذا كله.. فكم ترى منكراً في المجتمعات الإسلامية؟

وان كنت لا تدري فاستمع:

الأغاني.. دور السينما.. الملاهي..الخمور، الزنا، القمار.

التبرج. وعدد أكبر إلى آخر المحرمات.

وكم قدر ما نقوم بالأمر والزجر؟.

انه لا شيء إطلاقاً!

صلة الرحم

الإسلام حبذ الصلة ـ إطلاقاً ـ كما مرّ بنا في الفصل المتقدم.

إذاً: فمن حقّه أن يوجب صلة الرحم ـ بالخصوص ـ

ومن الرحم؟.

إنه الذي جمعك وإياه رحم واحدة قريبة: كالإخوة والاخوات، أو متوسطة كالأعمام والأخوال، أو بعيدة كسائر من يمت الإنسان اليهم بصلة.

والأرحام لا بد وان يتقاربوا في الجوار، أو في الدار أو في الكسب، أوفي المدينة أو ما إليها لأنهم اشتقوا من فرع واحد.

والى جنب ذلك: لا بد وان تكون بينهم إحن وعداوات وسوابق أليسوا بشراً أو ليس البشر إنّما يسري شرّه إلى الأقرب منه فالأقرب.

ولهذين العاملين: قرب الجوار.. والغضاضة لا بد وأن تقع بينهم هنات.

ولذا يسرع الإسلام إلى التوصية الكافية بالأرحام بصورة عامة من ناحيتين:

إيجابية: فيلزم أن يتواصلوا، ويتباروا، ويتراحموا ويتفقد بعضهم بعضاً.

وسلبية: فيحرم القطيعة بشتى أشكالها، ويوجب غسل القلوب عن ضغائن ربما تستشري بينهم فلا تدع ولا تذر.

وبعد ذلك، فالصلة تعود بالنفع الكبير إلى الأرحام أنفسهم أليست الرحم عضد الرحم وساعدها؟ ومحلّ سرّها ونجواها؟ والتي تحنّ على الإنسان حنواً ذاتياًً؟ فيتم القطيعة؟.

يقول القرآن الحكيم: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى)(30).

ويقول: (... واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إنّ الله كان عليكم رقيباً)(31).

ويقول: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل.. اُولئك لهم عقبى الدار)(32).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ أعجل الخير ثواباً صلة الرحم)(33).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أوصي الشاهد من أمتي والغائب، ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء، إلى يوم القيامة ان يصل الرحم وان كان منه على مسيرة سنة، فإن ذلك من الدين)(34). مسيرة سنة؟.

نعم: إنّ الإسلام يبالغ حتى في مسيرة سنة، كي لا تقطع الرحم، وهي في البلدة، فبقدر بعد المرمى يستعد الرامي ويجمع قواه.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من سرّه النسأ (التأخير) في الأجل والزيادة في الرزق، فليصل رحمه)(35).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ القوم ليكونون فجرة، ولا يكونون بررة فيصلون أرحامهم، فتنمى أعمالهم وتطول أعمارهم، فكيف اذا كانوا أبراراً بررة؟)(36).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الصدقة بعشرة، والقرض بثماني عشرة، وصلة الإخوان بعشرين، وصلة الرحم بأربع وعشرين)(37).

إنّها صدقة، وصلة أخ، وصلة رحم، فلم لا تكون بأربعة وعشرين؟.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من سرّه أن يمدّ الله في عمره، وأن يبسط في رزقه، فليصل رحمه، فإن الرحم لها لسان يوم القيامة ذلق يقول: يا رب صل من وصلني واقطع من قطعني، فالرجل ليرى بسبيل خير، إذا أتته الرحم التي قطعها، فتهوي به في أسفل قعر في النار)(38).

والمدّ في العمر، والبسط في الرزق، طبيعي إلى درجة ما، فإن الوصول هادئ النفس، مرتاح الخاطر، والطمأنينة القلبية تبعث على العمر الطبيعي كما تفرّغ الإنسان للمكسب.

وقيل للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): أي الناس أفضل؟.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أتقاهم لله، وأوصلهم للرحم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر)(39).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ القوم ليكونون فجرة ولا يكونون بررة فيصلون أرحامهم فتنمي أموالهم وتطول أعمارهم فكيف اذا كانوا أبراراً بررة)(40).

وهل تدري أفضل الفضائل؟.

اسمعه من لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول (صلى الله عليه وآله وسلم):

(أفضل الفضائل: أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك)(41).

وهل نتمكن من ذلك؟.

نعم. بعد جهد جهيد!! فإن الإنسان قابل لكل فضيلة كما إنّه قابل لكل ثروة وجاه، ولكن هل يبلغ الجاه الأقصى من كسل ولم يعمل أو يثرى الثروة القصوى من نام عن العمل؟ إنّ الثروة تأتي بعد سهر ليل ونهار، والجاه يتحصل بعد جدّ وجهد.

فهل تحصل الأخلاق الفاضلة، وبالأخص (أفضل الفضائل) في ظرف ساعة، أو مطالعة كتاب؟ إنه ظن خاطئ وإن ظنّه كثير من الناس!!.

إنّ من الناس من يرى نفسه كاملة، وهذا من يرثى لحاله فهو جاهل جهلاً مركّباً، ويصدق في حقه قولة حمار الحكيم:

قال حمـــــــار الحكيـــــم يوماً          لو أنصف الدهر كنت أركب

فإننـــــي جاهـــــــل بسيــــــط          وصاحبي جـاهل مـــــــركّب

ومنهم: من يرى نفسه ناقصة، ولكن لا يهتم بالكمال أو يهتم بقدر وهذا أحسن من أخيه الأول إلا إنّ الفارق بينه وبين الإنسان كبير جداً.

ومنهم: من يرى نفسه ناقصة، ولا يزال يهتم بالإصلاح ـ وهذا نادر ـ إلا انه ينطبق عليه قول الشاعر:

لا تـقولـــــن مضت أيامـــــه          إنّ من جدّ على الدرب وصل

وفي المقام...

هل نتحصل أفضل الفضائل؟ نعم بعد جهد جهيد ومن يقدر على ان يصل من قطعه! أو يعطي من حرمه! أو يعفو عمّن ظلمه!؟

وهل يعود النفع إلى الطرف المقابل فقط؟ كلا! إنّ النفع الذي يجنيه الوصول المعطي العافي. من هذه الخصال أكثر بكثير من النفع الذي يربحه القاطع المانع الظالم انه ينفع ـ أوّلاً ـ ودّاً في القلوب، وثناءً على في الألسنة، وصيتاً في المجتمع وينفع ـ ثانياً ـ راحة القلب وهدوء الخاطر، وارتياح الضمير.

(وما يلقّاها إلا الذين صبروا وما يلقّاها إلا ذو حظٍ عظيم)(42).

والإسلام لا يكلف الناس فوق طاقتهم، فلا يريد من ذي الرحم الفقير، أن يبذل مالاً، أو ينفق نفقة إنه يكتفي ولو بالسلام فإن سلام المعوز يقوم مقام ثراء المثري.

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (صلوا أرحامكم ولو بالسلام يقول الله تبارك وتعالى: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيبا)(43) (44).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (إن الرحم متعلقة يوم القيامة بالعرش.

تقول: اللهم صل من وصلني، واقطع من قطعني)(45).

وقال (عليه السلام): (صلة الأرحام تحسن الخلق، وتسمح الكف، وتطيب النفس، وتزيد في الرزق، وتنسئ في الأجل)(46).

وقال (عليه السلام): (صلة الارحام تزكي الأعمال، وتنمي الأموال وتدفع البلوى، وتيسر الحساب، وتنسئ في الأجل)(47).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (صلة الرحم، والبر، ليهونان الحساب، ويعصمان من الذنوب، فصلوا أرحامكم، وبرّوا بإخوانكم، ولو بحسن السلام ورد الجواب)(48).

وقال (عليه السلام): (صلة الرحم تهوّن الحساب، يوم القيامة وهي منسأة في العمر، وتقي مصارع السوء)(49).

وقال الباقر (عليه السلام): (صلة الرحم، وحسن الجوار: زيادة في الأموال)(50).

وانظر إلى هذا الحديث الصريح، مما لا يدع ليد التأويل في الأخبار السابقة مجال.

قال (عليه السلام): (إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين، فيصيّرها الله عز وجل ثلاثين سنة، ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيـــصيّرها الله ثـــلاث سنين ثـــم تــــلا (عليه السلام): (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)(51) (52).

أما قطع الرحم، فقد جعل الإسلام له لعناً وبيلاً وعذاباً أليماً.

أليس الألفة، والوداد من قواعد المجتمع الذي يبني (عليه الإسلام) كل خير وازدهار؟ وأليست الارحام هي القطعة الكبرى لألف المجتمع بعضه مع بعض: أبوان. فعائلة. فأرحام. فاجتماع. والمجتمع لا يصح إلا اذا صحت الارحام والارحام لا تتشابك إلا اذا اشتبكت العائلة بعضها مع بعض، والعائلة لا تتشابك إلا اذا صلح الأبوان.. والإسلام يؤكد على كل ذلك، ويتوعد ترك الصلة والود، فيما بين مرتبة من هذه المراتب، واستمع إلى الوعيد والتهديد، في لسان الآيات والأخبار:

يقول القرآن الحكيم: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض اُولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)(53).

ويقول: (... وتقطعوا أرحامكم)(54).

وقال رسول الإسلام العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم): (أبغض الأعمال إلى الله الشرك بالله، ثم قطيعة الرحم، ثم الأمر بالمنكر، والنهي عن ا لمعروف)(55).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تقطع رحمك وإن قطعتك)(56).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (قال تعالى: أنا الرحمن وهذه الرحم شققت لها إسماً من إسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته)(57).

و الاشتقاق انما هو الاشتراك في المادة فكل منهما (ر. ح. م) ومعنى المادة التراحم والتعاطف. ولعل تسمية رحم الأنثى أيضاً لهذه العلّة، بعلاقة الحال والمحل، أو بعلاقة الأول أو ما أشبه!

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (حافّتا الصراط ـ يوم القيامة ـ الرحم والأمانة فإذا مر الوصول للرحم المؤدي للأمانة نفذ إلى الجنة، وإذا مرّ الخائن للأمانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل، ويكفأ به الصراط في النار)(58).

ما أبدع التشبيه؟.

إنّ طرفي الشارع لو وقف فيها أعداء المسلمون هل يمكن المرور من الشارع؟.

كلا! وبالعكس: لو كان على الطرفين الأصدقاء الأوفياء إنّهم وإن رامه عدو بشر حفظوه وكذلك هاتان الفضيلتان.

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (أعوذ بالله من الذنوب التي تعجل الفناء!)، فقام إليه عبد الله بن الكواء اليشكري، فقال: يا أمير المؤمنين أو تكون ذنوب تعجل الفناء؟.

فقال: (نعم ويلك! قطيعة الرحم، إنّ أهل البيت ليجتمعون ويتواسون، وهم فجرة فيرزقهم الله. وإنّ أهل البيت ليتفرقون ويقطع بعضهم بعضاً، فيحرمهم الله وهم أتقياء)(59).

أتقياء بالنسبة إلى سائر المآثم، أما القطيعة فهم من أهلها ومرتكبي جريمتها.

وقال (عليه السلام): (إذا قطعت الأرحام، جعلت الأموال في أيدي الاشرار)(60).

وقال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (في كتاب علي (عليه السلام) ثلاث خصال لا يموت صاحبهن ـ أبداً ـ حتى يرى وبالهن:

1 ـ البغي.

2 ـ وقطيعة الرحم.

3 ـ واليمين الكاذبة يبارز الله بها.

وإنّ أعجل الطاعة ثواباً لصلة الرحم وإن القوم ليكونون فجّاراً فيتواصلون فتنمو أموالهم ويثرون، وإن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من أهلها ويثقلان الرحم وان التثقـّل في الرحم انقطاع النسل)(61).

جاء رجل إلى الإمام الصادق (عليه السلام) فشكا أقاربه، فقال (عليه السلام) له: أكظم، فقال: انهم يفعلون ويفعلون..! فقال: أتريد ان تكون مثلهم، فلا ينظر الله اليكم؟)(62).

ولا يغفل الإسلام عن حقيقة مجرّبة، وهي: إنّ التجاور يوجب القطيعة في غالب الناس، ولذا فمن الأفضل ان لا يتجاور الأرحام خوفاً من الوقوع في هذا الإثم العظيم.

كتب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى بعض عمّاله: (مروا الأقارب أن يتزاوروا ولا يتجاوروا)(63).

وهنا قصة ظريفة لا بأس بإيرادها:

قص لي بعض من توطن الغرب من المسلمين، قال: (مرض ذات مرة ابن خال لي فذهبنا به إلى المستشفى وكنت أختلف إليه، كما هو عادة المسلمين. فحدث أن سألني ـ ذات مرة ـ جماعة من الأهالي، عن سبب اختلافي إلى المستشفى بهذه الكثرة، فقصصت لهم القصة، قال: ثم رأيتهم لا يميزون بين ابن الخال والخال، وابن العم والعم فيطلقون لفظاً واحداً على كلا الطائفتين فاستغربت، وكنت أعلم أنّ في اللغة لفظين للمعنيين كسائر اللغات. لكنهم لما رأوا استغرابي اعتذروا: بأن نسيان اللغة نتيجة عدم الارتباط بين هذه الطبقات البعيدة! وهل يحتاج المرء إلى أزيد من أبويه وإخوانه.. أما الأباعد فهم كسائر الناس، إن جمعهم مادة أو صداقة أو ما إليهما فهو، وإلا فأيما حاجة إلى إطلاق خاص عليهم!).

ومن هذه القصة ـ على بساطتها ـ تتجلّى حقيقة هامة، وهي ان الإسلام له اليد الطولى في بناء المجتمع الصحيح، فكما إنّ الدار لا تبنى إلا باستمساك بعض أجزائها مع بعض استمساكاً متيناً، كذلك المجتمع لا يتشابك تشابكاً صحيحاً يشوبه العطف والحنان والألفة والتعاون إلا إذا تشابك كل جزء منه تشابكاً وثيقاً بالأجزاء الاُخرى. ولذا ترى الإسلام يقرره ـ بكل مناسبة ـ عطفاً ووداً وألفة وحقوقاً: من جار أو صديق، أو شريك أو رحم ـ حتى إلى أربعين ظهر ـ أو مصاهرة أو رضاع أو ما أشبه وحيث لا يجد أي ارتباط بجعل ربط الدين كافياً في إيجاب الحقوق: (إنّما المؤمنون إخوة...)(64) وبعد ذلك: (والناس... أو شبيه لك في الخلق).

ولذا ترى السعادة في ظل الإسلام فقط بينما لا تجد في ظلّ غيره إلا الشقاء والتعاسة(65).

بر الوالدين

إنك إن حكم عليك بالشنق فأنقذك رجل منه فكم تقّدره؟ وألست ترى نفسك رهينة إحسانه ما دمت حيّاً؟.

نعم تراه أنت ويراه كل ذي ضمير!

ثم لنا أن نتساءل: ولم هذا التقدير؟.

والجواب: إن الرجل المنقذ حفظ الشخص المحكوم عليه بالإعدام فله حق الحياة على المحكوم عليه، وحيث ان الحياة أجلّ من جميع النعم فشكر المحسن بها يلزم أن يكون أجزل من جميع أنحاء الشكر. إنّ معنى إنقاذ الحياة أنّ المحكوم عليه رهين إحسان المنقذ في كل لحظة من لحظات حياته ألا يحق له شكره في كل آن؟.

إنّ هذا المنطق الواضح يدل على مدى لزوم الإحسان إلى الوالدين بمقايسة بسيطة، وهي إنّ المنقذ من الإعدام لو استحق كل تجلّة واحترام فالأبوان اللذان سبّبا حياة الشخص من أوّلها إلى آخرها يستحقان أضعاف ذلك الإحسان.

أرأيت الفرق الواضح بين من وهبك داراً وبين من أنقذ دارك من يد غاصب؟.

إنّ الأول أحق بالشكر من الثاني.

وهذا هو الفرق بين من أعطاك حياة وبين من أنقذ حياتك.

ولذا نرى الإسلام ـ الإسلام العظيم العارف بالحقوق ـ يمنح الوالدين قسطاً كبيراً من الإحسان والإكرام، ووجوب الطاعة والإتباع وحتى لو كانا مشركين! والمشرك بنظر الإسلام معلوم حاله ـ وحتى لو جاهدا لإشراك الولد فإن الإسلام لا يمنعهما رفده والتوصية بهما: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً...)(66).

هكذا يقول القرآن الكريم.

ويقول: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)(67).

ويقول: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا...)(68).

ويقول... ويقول.

وفي الأحاديث كثرة هائلة للتوصية بالوالدين وبرهما والحذر من معصيتهما وعقوقهما.

قال رســـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (بـــر الوالــــدين أفـــضل من الصلاة والصوم والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله)(69).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أصبح مرضياً لأبويه، أصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة)(70).

وانظر إلى هذا الحديث، ومدى اهتمام الإسلام برضا الأبوين:

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله، من أبرّ؟ قال: أُمّك.. قال: ثم من؟ قال: أُمّك. قال: ثم من؟ قال: أُمّك. قال: ثم من؟ قال: أباك)(71).. (وأتاه رجل آخر، وقال: إنّي رجل شاب نشيط وأحب الجهاد، ولي والدة تكره ذلك، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ارجع، فكن مع والدتك، فو الذي بعثني بالحق، لأُنسها بك ليلة، خير من جهاد في سبيل الله سنة..!)(72).

وهكذا يقدر الإسلام الأبوين، ويفضل اُنس الأُم بابنها ليلةً على الجهاد في سبيل الله سنة.. وما هو الجهاد؟ الجهاد الذي يقول فيه الإسلام: (ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفثة في بحر لجي).

لكن من الخطأ أن يظن الظان، ان هذه المقايسة بين اُنس الأُم والجهاد... إنما هي بالنسبة إلى الجهاد الواجب العيني، فإن الواجب العيني لا يسقط بأمر مندوب كاُنس الأم ـ وانما يراد بالجهاد: الجهاد الكفائي! حيث يوجد من فيه الكفاية.

وهل تريد شاهداً لذلك؟.

اقرأ قول الله عز وجل: (قل ان كان آباؤكم.. أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا...)(73).

ويروي الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّه جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول الله، أوصني، فقال: لا تشرك بالله شيئاً، وإن حرّقت بالنار، وعذّبت، إلا وقلبك مطمئن بالإيمان ووالديك.. فأطعهما وبرّهما حيّين كانا أو ميتين، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فإنّ ذلك من الإيمان)(74).

وهنا تنبيه لا بأس بإيراده، وهو: انه ربما يقال: ان المراد بالخروج من الأهل، طلاق الزوجة، لكنه بعيد جدّاً عن مبادئ الإسلام الحكيمة.. وليس في لفظ الحديث الطلاق، وإلا لكان من الممكن ان يقال: وان أمراك بطلاق زوجتك... إذا فالمراد من الخروج عن الأهل: الابتعاد عنهم لغاية.

وروى الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (ان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): أتته أخت له من الرضاعة، فلما نظر إليها سرّ بها، وبسط ملحفته لها فأجلسها عليها، ثم أقبل يحدّثها ويضحك في وجهها! ثم قامت فذهبت فجاء أخوها، فلم يصنع به ما صنع بها، فقيل: يا رسول الله، صنعت بأخته ما لم تصنع به وهو رجل؟؟! فقال: لأنها كانت أبر بوالديهما منه)(75).

إنّ الجار يستحق من الاحترام ما لا يستحقه غير العباد.. وهو منطقي في نفسه، بالإضافة إلى إنه متلائم مع طبيعة الإسلام، فإن فاعل المعروف لو رأى من المجتمع: الإحسان، وفاعل المنكر: الإهانة، كان ذلك محفّزاً على فعل الخير والإقلاع عن الشر أكثر فأكثر!

وقيل للإمام الصادق (عليه السلام): (أي الأعمال أفضل؟ قال (عليه السلام): الصلاة لوقتها، وبرّ الوالدين، والجهاد في سبيل الله)(76).

وقال له رجل: (إنّ أبي قد كبر جدّاً وضعف، فنحن نحمله إذا أراد الحاجة؟.

فقال: إن استطعت ان تلي ذلك منه، فافعل، ولقّمه بيدك فإنه جنة لك غداً)(77).

وهل يخص الإسلام برّ الوالدين بما إذا كانا مسلمين مؤمنين؟

كلا! إن الأبوين تحمّلا ما تحمّلا، فليبرّهما، سواء كانا عارفين أم ناكرين.

قال رجل للإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ لي أبوين مخالفين؟ فقال (عليه السلام): برّهما كما تبر المسلمين ممن يتولانا)(78).

وقال رجل للإمام الرضا (عليه السلام): (أأدعو لوالدي إذا كانا لا يعرفان الحق؟ قال (عليه السلام): أدع لهما وتصدّق عنهما، وان كانا حيين لا يعرفان الحق، فدارهما. فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق)(79).

والإسلام الذي يعتقد بالدار الآخرة، مثل ما يعتقد بالدار الدنيا يرى بر الوالدين بعد مماتهما، مثل ما يرى برهما في حياتهما.

قال (عليه السلام): (ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين وميّتين ويصلّي عنهما ويتصدّق عنهما، ويحج عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما، وله مثل ذلك، فيزيده الله عز وجل ببرّه وصلاته خيراً كثيراً)(80).

ثم الدنيا دار مكافأة، فمن عمل عملاً خيراً وشرّاً، عمل به مثله ـ غالباً ـ فمن أحسن إلى أبويه وبرهما، أحسن إليه أولاده وبروه، ومن عقّهما وأساء اليهما تلقّى الكيل بالكيل، والصاع بالصاع.. وهذا ما يمكن للإنسان الفحص عنه فاسأل الآباء؟ فمن قال ـ صادقاً ـ انه بر بوالديه رأيت أولاده يبرونه.. والعكس صحيح.

أليس من الجدير بالإنسان ـ والحال هذه ـ أن يبر بالوالدين رجاء ثواب الآجل والعاجل؟

هذا لمن لا يحفزه ضميره على مقابلة إحسان الوالدين بالإحسان أما من له ضمير نقي ووجدان صحيح فالثواب شيء إضافي حتى انه لو لم يكن لزم عليه الإحسان كفاءً لما أسدى الأبوان إليه من معروف وأتعاب.

أما العقوق فهو بنظر الإسلام من أكبر الجرائم! وكيف لا يكون كذلك والحال إنّه مقابلة الإحسان بالإساءة؟ فعقابه ضعف. إنّه لم يشكر النعم.. ثم قابلها بالكفران.. إنّ الإسلام لا يرضى بعدم الشكر فكيف يرضى بالكفران؟.

وقد نهى الإسلام عن أقل مراتب العقوق وهو كلمة أُف فحرّم أن يقابل الأبوين بهذه الكلمة

(وقضى ربّك ألاّ تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفًّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما)(81).

وفي التخصيص بحال الكبر، مع إنّ العقوق محرّمٌ إطلاقاً، بيان نكتة وهي إنّ الكبير لانحراف خلقه ـ كثيراً ما يتطلب فوق حقوقه ويتخاشن بغير حق، فما أجدره بالنهر، وبالكلمة النابية التي توقفه عند حده!

لكن الإسلام لا يرضى بذلك بل:

(قل لهما قولاً كريما) لا هذا فحسب. بل: أجر معهما مجرى المتواضع المتطلب، كما كنت أبان صغرك ونشاطهما (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة...)(82).

أما الأحاديث في باب العقوق فكثيرة كثرة هائلة.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (كن بارّاً واقصر على الجنة، وإن كنت عاقّاً فاقصر على النار)(83).

ويروي الإمام الباقر (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: (إياكم وعقوق الوالدين! فإن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام، ولا يجدها عاق، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جارٌّ إزاره خيلاء إنما الكبرياء لله رب العالمين)(84).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أصبح مسخطاً أبويه، أصبح له بابان مفتوحان إلى النار)(85).

وقال الباقر (عليه السلام): (إن أبي ـ يعني الإمام زين العابدين (عليه السلام) ـ نظر إلى رجل ومعه ابنه يمشي، والابن متكئ على ذراع الأب! فما كلمه أبي مقتاً له، حتى فارق الدنيا)(86).

ولا بد ان نحمل هذا الحديث على ان الابن كان مصرّاً على هذه الرذيلة وإلا فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له.. وعلى أي: فدلالة هذا الخبر على جرم العقوق، كبيرة جدّاً فالاتكاء على ذراع الأب مقت يستحق المقاطعة من الإمام الذي هو معدن اللطف والإحسان فكيف بسائر أقسام العقوق؟.

ومن الناس من يزعم: إنّ العقوق يحتاج إلى لفظ كأن يقول الأب: أنت عاق ولكنه ظنٌ خطأ فإنما العقوق كل ما يؤذي الأبوين وإن تحمّلاه برحابة!

واسمع إلى هذا الحديث:

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (من نظر إلى أبويه نظر ماقت، وهما ظالمان له، لم يقبل الله له صلاة)(87).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا كان يوم القيامة كشف غطاء من أغطية الجنة فوجد ريحها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام إلا صنفاً واحداً، فقيل له: من هم؟ قال (عليه السلام): العاق لوالديه)(88).

وروي: (إنّ أوّل ما كتب الله في اللوح المحفوظ: إنّي أنا الله لا إله إلا أنا، من رضي عنه والداه فأنا عنه راض، ومن سخط عليه والداه فأنا عليه ساخط).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (كل المسلمين يروني يوم القيامة إلا عاق الوالدين، وشارب الخمر، ومن سمع إسمي ولم يصلّ علي)(89).

والظاهر أنه يراد بعدم الصلاة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) تركها تعنتّاً وكبرياءً، فإن الصلاة مندوبة عند المشهور من الفقهاء.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (لو علم الله شيئاً هو أدنى من أُفّ لنهى عنه وهو أدنى العقوق ومن العقوق ان ينظر الرجل إلى والديه، فيحدّ النظر إليهما)(90).

وسئل الإمام الكاظم (عليه السلام): (عن الرجل يقول لإبنه أو ابنته: بأبي أنت وأُمي، أو: بأبوي أترى بذلك بأسا؟ فقال: ان كان أبواه حيين، فأرى ذلك عقوقاً، وإن كانا قد ماتا فلا بأس)(91).

وفي حديث قدسي: (بعزتي وجلالي وارتفاع مكاني، لو أنّ العاق لوالديه يعمل بأعمال الأنبياء جميعا لم أقبلها منه)(92).

وهذا الحديث ربما يثير الدهشة ابتداءً، لكن في القرآن الكريم ما يدلّ عليه: (إنما يتقبّل الله من المتقين...)(93) وهل العاق متّق؟ كلا! اذاً لا يقبل الله منه ولو بلغت ضخامة عمله كل مبلغ.

وبعد هذا لنا أن نتساءل: كم من الأولاد يبرّون آباءهم في هذا العصر؟.

والجواب: واحد من مائة.. لم؟ لأن مناهج الغرب تبعث على العقوق إنّ البر من الفضائل الروحية والغرب لا يؤمن ـ عمليّاً ـ إلا بالمادة فكيف يعمل بما للروح من مثل وفضائل؟ وهذا هو سر نضوب الأخلاق ـ بتمام معنى الكلمة ـ عن قاموس الغرب والمستغربين.

 

1 ـ سورة آل عمران: آية 110.

2 ـ جامع السعادات: 2/238.

3 ـ جامع السعادات: 2/238.

4 ـ جامع السعادات: 2/238.

5 ـ جامع السعادات: 2/238.

6 ـ جامع السعادات: 2/238.

7 ـ سورة الشورى: آية 42.

8 ـ جامع السعادات: 2/239.

9 ـ سورة المائدة: آية 63.

10 ـ جامع السعادات: 2/233.

11 ـ جامع السعادات: 2/233.

12 ـ جامع السعادات: 2/233.

13 ـ جامع السعادات: 2/234.

14 ـ سورة الأنعام: آية 65.

15 ـ سورة غافر: آية 60.

16 ـ سورة البقرة: آية 40.

17 ـ جامع السعادات: 2/234.

18 ـ جامع السعادات: 2/234.

19 ـ جامع السعادات: 2/234.

20 ـ جامع السعادات: 2/234.

21 ـ جامع السعادات: 2/234.

22 ـ سورة طه: آية 44.

23 ـ سورة طه: آية 19.

24 ـ جامع السعادات: 2/234.

25 ـ جامع السعادات: 2/234.

26 ـ جامع السعادات: 2/235.

27 ـ جامع السعادات: 2/234.

28 ـ جامع السعادات: 2/235.

29 ـ جامع السعادات: 2/235.

30 ـ سورة النساء: آية 36.

31 ـ سورة النساء: آية 1.

32 ـ سورة الرعد: آية 21 ـ 22.

33 ـ بحار الأنوار: 74/121، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/259.

34 ـ بحار الأنوار: 74/105، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/259.

35 ـ بحار الأنوار: 74/121، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/259.

36 ـ بحار الأنوار: 74/126، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/259.

37 ـ بحار الأنوار: 74/104، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/259.

38 ـ بحار الأنوار: 74/130، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/260.

39 ـ جامع السعادات: 2/260.

40 ـ أصول الكافي: 2/155 ـ جامع السعادات: 2/259.

41 ـ بحار الأنوار: 74/101، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/260.

42 ـ سورة فصّلت: آية 35.

43 ـ سورة النساء: آية 1.

44 ـ بحار الأنوار: 74/104، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/260.

45 ـ بحار الأنوار: 74/115، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/260.

46 ـ بحار الأنوار: 74/114، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/260.

47 ـ بحار الأنوار: 74/111، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/260.

48 ـ بحار الأنوار: 74/131، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/260.

49 ـ بحار الأنوار: 74/132، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/260.

50 ـ بحار الأنوار: 74/97، ب: صلة الرحم.

51 ـ سورة الرعد: آية 39.

52 ـ بحار الأنوار: 74/93، ب: صلة الرحم.

53 ـ سورة الرعد: آية 25.

54 ـ سورة محمد: آية 22.

55 ـ جامع السعادات: 2/257.

56 ـ بحار الأنوار: 74/104، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/257.

57 ـ جامع السعادات: 2/257.

58 ـ بحار الأنوار: 74/105، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/257.

59 ـ بحار الأنوار: 74/137، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/257.

60 ـ بحار الأنوار: 74/137، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/257.

61 ـ بحار الأنوار: 74/99، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/257.

62 ـ بحار الأنوار: 74/137، ب: صلة الرحم ـ جامع السعادات: 2/258.

63 ـ جامع السعادات: 2/258.

64 ـ سورة الحجرات: آية 10.

65 ـ انظر: دع القلق لديل كارنيجي كي لا تتعجب من هذه الكلمة الجريئة وانظر غيره ممن يتعرضون إلى كيفية العيش في البلاد غير الإسلامية.

66 ـ سورة لقمان: آية 15.

67 ـ سورة الإسراء: آية 24.

68 ـ سورة النساء: آية 36.

69 ـ جامع السعادات: 2/264.

70 ـ جامع السعادات: 2/264.

71 ـ بحار الأنوار: 74/47، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/264.

72 ـ بحار الأنوار: 74/59 ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/264.

73 ـ سورة التوبة: آية 24.

74 ـ أصول الكافي: 2/158 ـ جامع السعادات: 2/264.

75 ـ بحار الأنوار: 74/55، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/265.

76 ـ بحار الأنوار: 74/85، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/265.

77 ـ أصول الكافي: 2/162 ـ جامع السعادات: 2/265.

78 ـ بحار الأنوار: 74/56، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/265.

79 ـ بحار الأنوار: 74/47، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/265.

80 ـ أصول الكافي: 2/159 ـ جامع السعادات: 2/265.

81 ـ سورة الإسراء: آية 23.

82 ـ سورة الإسراء: آية 24.

83 ـ أصول الكافي: 2/348 ـ جامع السعادات: 2/262.

84 ـ بحار الأنوار: 74/62، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/262.

85 ـ جامع السعادات: 2/262.

86 ـ بحار الأنوار: 74/64، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/262.

87 ـ أصول الكافي: 2/349، جامع السعادات: 2/262.

88 ـ أصول الكافي: 2/348، جامع السعادات: 2/263.

89 ـ جامع السعادات: 2/263.

90 ـ بحار الأنوار: 74/64، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/263.

91 ـ بحار الأنوار: 74/69، ب: بر الوالدين والأولاد ـ جامع السعادات: 2/263.

92 ـ جامع السعادات: 2/263.

93 ـ سورة المائدة: آية 27.