الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

الإخلاص بين السر والعلانية

هذا سؤال يسأله الكثير، في هذا الصدد.. كيف نصنع بما فطرنا عليه من حب إطلاع الناس، وإن كنّا نكره هذه الحالة من أنفسنا، أليس الإنسان يسرّ بإطّلاع الناس على أعماله الخيرية؟.

والجواب: إنّ الإسلام لا يكره هذا، بل يجعل له ثواباً ضعفاً.

روي: (إنّ رجلاً جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّي أسرّ العمل.. لا اُحبّ أن يطّلع عليه أحد، فيطّلع عليه، فيسرّني؟.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): لك أجران: أجر السرّ وأجر العلانية)(1).

أجر السرّ واضح، إنّه عمل مخلص فيه، وكم له من أجر، وأمّا أجر العلانية فلأنه يسبب إقتداء الناس، وقوة الدين، وإشاعة الخير.

وسئل الإمام الباقر (عليه السلام): (عن الرجل يعمل الشيء من الخير، فيراه إنسان، فيسرّه ذلك.

قال (عليه السلام): لا بأس، ما من أحد إلا وهو يحب أن يظهر الله له في الناس الخير، اذا لم يكن صنع ذلك لذلك)(2).

وعن لسان النبي إبراهيم (عليه السلام) يحكي القرآن الكريم: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين)(3).

لكن مقام استواء الناس بنظر العامل، حتى أنّه لا يفرح بإطلاعهم، ولا يحزن بعدمه ـ إلا من جهة الأسوة وما أشبه: مما هو راجع إلى الله تعالى أيضا ـ مقام رفيع ومنزلة سامية لا يلقّاها إلا الذين جاهدوا وراقبوا، حتى لم يروا إلا الله تعالى.

ودعاء إبراهيم (عليه السلام) سؤال للأجل الأسوة والإقتداء والله العالم، وهو المستعان.

الحياء

إن من الأمور ما يقبح كون الانسان عليه سواء أطّلع عليه أحد أم لا؟ ومن الأمور ما يقبح أن يُرى الانسان عليه، ومن الأمور ما يقبح أن يتكّلم الانسان به.

و (الحياء) هو التحفظ من الأمور الثلاثة.. نعم أخذ في معنى (الحياء) فرض طرف مقابل، ففي الوحدة والخلوة، يكون الحياء من (النفس) كمن يلعب بلحمه فإنه خلاف الحياء من النفس، أو من (الرب) سبحانه أو (الملائكة) مثلاً.. وفي المجلس، يكون الحياء من (الطرف المقابل الحاضر) والقبيح، قد يكون قبيحاً ذاتاً ـ كالقبائح التي تطابق العقل والشرع على قبحها ـ وإن زالت قباحتها لدى الناس لانحراف في عاداتهم، كالتضارط عند الفساق.. وقد يكون قبيحاً لعرف خاص...

وعلى أي حال فـ (الحياء) محبوب و(الوقاحة) وهي ضد الحياء مذمومة.

قال الامام الصادق (عليه السلام): (الحياء من الأيمان، والإيمان في الجنة)(4).

وقال (عليه السلام): (الحياء والعفاف والعي ـ أعني عي اللسان لا عي القلب ـ من الإيمان)(5).

و (العي) السكوت، تشبيها له بالذي لا يفصح.. فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم)(6).

وقال الامام الصادق (عليه السلام) أيضاً: (الحياء والإيمان مقرونان في قرن فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه)(7).

فمن ذهب حياؤه لا أيمان له، ومن ذهب إيمانه لا حياء له، فإن الإيمان عبارة عن مجموعة من الفضائل، فإذا انتقص أحدها لم يكن الإيمان، كما أنّ المركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه.

وقال (عليه السلام) ـ بهذا المعنى: (لا إيمان لمن لا حياء له)(8).

وقد وكل الله سبحانه حب الناس بالحي العفيف، بخلاف الوقح المستهتر، فإنه لدى الناس مذموم ممقوت.. ولذا يلزم على الانسان أن يواظب حتى يتصف بهذه الصفة الحسنة، وحتى يطرد من نفسه صفة الوقاحة، إن كان متّصفاً بها لينال مرضات الله سبحانه، ومرضات الناس.

الرقابة

أرأيت كيف يراقب الشريك شريكه لئلاّ يبخسه حقّه؟ والعدو عدوّه لئلاّ يغلبه ويهضم حقّه.

إنّ الرقابة طبيعية للإنسان، لأجل جلب المنفعة ودفع المضرة وهل هناك أعظم من الخير العام لنفسه وللبشر أجمع في الدنيا والآخرة؟ وهل هناك ضرر، أنكر من الشر العام لنفسه وللإنسانية جمعاً في الأُولى والأُخرى؟ كلا! والخير العام يتمثل في خطوط الإسلام التي وضعها لإسعاد البشر، والشرّ العام يتمثل في مخالفة تلك الخطوط.

لذا كان من اللازم على الانسان أن يراقب نفسه ويراقب مجتمعه لئلاّ تحيد نفسه عن منهاج الإسلام ولئلاّ يزيغ المجتمع عن الخطوط المبينة في الإسلام.

يقول الله سبحانه: (... ولتنظر نفس ما قدّمت لغد...)(9).

وقال رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلم): (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا)(10).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئاً إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم، ولا يكون له رجاء إلا من عند الله تعالى، فإذا علم الله تعالى ذلك من قلبه لا يسأله شيئاً إلا أعطاه فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها، فإن للقيامة خمسين موقفاً كل موقف مقام ألف سنة، ثمّ تلا: (... في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)(11) (12).

وهل تنقضي خمسون ألف سنة؟ إن عمر الانسان في الدنيا بمعدّل خمسون سنة ويراها طويلة، فكيف بمقام القيامة وحدها، وهي خمسون ألف سنة، ألا يجب على الانسان أن يحاسب نفسه في هذه الايام القلائل ليأتي آمنا يوم الفزع الأكبر؟.

والمحاسبة والمراقبة، بمعنى أن تكون نوايا الانسان وأعماله تحت الحساب فلا يعمل عملاً ولا ينوي نية إلا ويراقب: هل أن ذلك يعود إليه بالنفع أو الضرر؟ ثم إذا أفلت العمل أو النية عن يده وجاء بما يعود عليه بالإثم تداركه فوراً بالتوبة والعمل الصالح، وقد كان الزّهاد يراقبون أنفسهم في كل عمل، ثم إذا جاء الليل حاسبوها ليروا هل ربحوا أم خسروا.

نيّة العمل لله

القلب مبعث الخير والشر، ولذا قال سبحانه (... آثم قلبه...)(13) حتى إنّ العمل الصالح الصادر من الانسان بدون قصد نيّة، لا يعد حسنا فاعليّاً، وإن كان حسناً بذاته، وكذلك العمل السيء الصادر من الشخص بدون نية وعزم، لا يعد قبيحا فاعليّاً، وان كان في نفسه قبيح... فلو أنك في مشيك قتلت عقرباً تريد لدغ إنسان،، وأنت لم تشعر بذلك، لا يقال لك: أحسنت، وإن كان قتلك حسناً ولو إنّك في مشيك كسرت إناء فقير بدون أن تشعر، لا يقال لك: أسأت، وإن كان الفعل سيّئاً بنفسه.

ولذا يجب الاهتمام البالغ بأمر القلب، فهو ميزان الخير والشر والحسن والقبح والجميل والمشوه، فالعمل الصالح إن كان خالص لوجه الله سبحانه، كان خيراً وثواباً، وإن كان مشوباً بالأغراض الدنيوية، كالرياء والسمعة، وحب الاستعلاء، والشهرة والأنانية وجلب المادة، وما أشبه كان باطلاً وموجباً للعقاب كثيراً.

فعلى الانسان أن يصرف إرادته كلها لله سبحانه... ولا يظنّ ظان إنّه أقل ربحاً من الذين يخالط بإرادته الأغراض إنّ الأمر بالعكس تماماً، أمّا خير الآخرة فهو للذين لا يريدون إلا وجه الله سبحانه، وأما خير الدنيا فقد فطر الله الناس على حب المخلص، وكره المرائي والذي أشبهه من الذين يعمل لغير الله تعالى.

أرأيت لو علم الناس بأنّ أكبر العلماء إنّما تعلّم وعلّم وألّف لغير الله.. ولو علموا بأن أعظم الزهاد إنما تعبد وصلى وصام لأجل دنيا أو جاه أو ما أشبه، سقط ذلك العالم والزاهد عن أعينهم ولم تكن لهما قيمة في نفوسهم؟.

ولهذا السبب أكّد الإسلام تأكيداً بليغاً حول تصفية النية وتخليص العمل.

قال الله سبحانه: (ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه...)(14).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (انما الأعمال بالنيات، ولكلّ إمرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إمرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)(15).

ان كانت الهجرة لله، كان أجر المهاجر على الله، وإن كانت الهجرة للدنيا، كان ثواب الهجرة هي الدنيا، وليس لهذا المهاجر عند الله من خلاف، إنه هاجر للدنيا، فهل يصح أن يطلب ثواب الهجرة من الله؟.

وقد أطلق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الكلمة الذهبية حين سمع أنّ بعض الذين هاجروا إلى المدينة المنورة، حفزهم على الهجرة تحصيل دنيا مرفّهة، من مال أو جاه أو ما أشبه... إنّهم وإن كانوا عدوّا في جهاز الإسلام خصوصاً في يوم غربته، وحين كان يحتاج إلى أكبر قدر من الناصر والسواد لكن الرسول لم يبعث لسادة الدنيا كالفاتحين، وإنما بعث لإنقاذ الناس من الظلمات إلى النور، فإذا كان من ينصره يريد الدنيا لم يكن له في مقياس الرسول أية قيمة.

وهذه الكلمة الذهبية إكليل على رأس كل من يعمل عمل الآخرة من تعلم العلم إلى التبليغ لرسالات السماء، إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى إعانة الضعفاء والمعوزين، إلى تأسيس المؤسسات وتكوين المشاريع إلى غير ذلك، فإن كانت أعماله لله ورسوله، أثابه الله جنات تجري من تحتها الأنهار، وإن كانت أعماله لشهرة أو صرف وجوه الدنيا إلى نفسه، فعمله لما عمل له وماله في الآخرة من خلاق، وشر الناس من عمل بإسم الله، وهو يريد غير الله.

وقد روي أنه فيما أوحى الله سبحانه إلى داود النبي (عليه السلام) أنّه قال: (يا داود لا تتطاول على المريدين ولو علم أهل محبتي منزلة المريدين عندي، لكانوا لهم أرضاً يمشون عليها، يا داود لئن تخرج مريداً من كربة هو فيها تسعده، كتبتك عندي حميداً، ومن كتبته حميداً لا يكون له وحشة ولا فارقة إلى المخلوقين)(16).

إنّ المريد هو الذي جعل إرادته رضى الله سبحانه، وهذا أعظم من الكبريت الأحمر، وأهل المحبة هم الذين يحبون الله سبحانه ولم يصلوا تلك المرتبة ودرجة (حميد) كدرجة (مشير) في الجيش رتبة رفيعة جدّاً، مما لا تصل جميع رتب الدنيا إلى أقل مستواها، ولكن هل بالإمكان تحصيل مثل هذه الرتبة بسهولة؟ إنّ الانسان كثيراً ما يتمكن على زمام جسمه، ولكن النادر النادر أن يتمكن على زمام قلبه.

واسمع هذا الحديث الذي فاه به الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنّما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم وانما ينظر إلى القلوب لأنها مظنة النية)(17) إنّ القلب إذا استقام استقامت الصورة وكان المال بميزان، أما استقامة الصورة وكثرة المال فليستا بميزان صحة الانسان.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ العبد ليعمل أعمالاً حسنة، فتصعد بها الملائكة في صحف مختـّمة، فتلقي بين يدي الله تعالى، فيقول إلقوا هذه الصحيفة فإنه لم يرد بما فيها وجهي، ثم ينادي الملائكة: اكتبوا له كذا وكذا فيقولون: يا ربنا إنّه لم يعمل شيئاً من ذلك؟! فيقول الله تعالى: إنّه نواه)(18).

العمل الذي لا يراد به وجهه تعالى لا فائدة فيه، أما النية لعمل خير ففيها كل الفائدة، فإذا وفق الانسان أن يحفظ عمله عن الزيغ، فكم له من فائدة؟.

وكما أنّ نيّة الخير فيها ثواب، فكثيراً ما يكون لنية الشر عقاب، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الناس أربعة: رجل آتاه الله عزّ وجل علماً ومالاً، فهو يعمل بعلمه في ماله، فيقول رجل: لو آتاني الله مثل ما آتاه لعملت كما يعمل، فهما في الأجر سواء، رجل آتاه الله مالاً، ولم يؤته علماً، فهو يتخبّط بجهله في ماله، فيقول رجل: لو آتاني الله مثل ما آتاه لعملت كما يعمل، فهما في الوزر سواء)(19).

وقد قال القرآن الحكيم: (... وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه، يحاسبكم به الله...)(20).

وفي زيارة عاشوراء المأثورة: (ولعن الله أُمّةً سمعت بذلك فرضيت به).

وفي الحديث إن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا خرج إلى غزوة تبوك، قال: (إن بالمدينة أقواماً، ما قطعنا وادياً، ولا وطئناً موطئا يغيظ الكفار ولا أنفقنا نفقة، ولا أصابتنا مخمصة، إلا شاركونا في ذلك، وهم في المدينة، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا؟ قال: حبسهم العذر، فشاركونا بحسن النية)(21).

وفي الحقيقة أنّ الأمر في الإسلام في باب الخير ليوسع جدّاً، إنّ القاعدة المطردة عند الناس، بالنسبة إلى الأعمال الدنيوية، إنّهم يعطون الاُجراء الأجر بعد تمام العمل، لكن الإسلام يضع الثواب لمجرّد النية.

وورد في خبر: (إنّ رجلاً قتل في سبيل الله بأيدي بعض الكفار، وكان يدعى بين المسلمين؟ (قتيل الحمار) لأنه قاتل رجلاً من الكافرين، نية أن يأخذ حماره ويسلبه، فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته، وهاجر رجل إلى الجهاد مع اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانت نيّته من المهاجرة أن يأخذ إمرأة كانت في عساكر الكفـّار ويتزوجها، وتسمى أم قيس، فاشتهر هذا الرجل عند أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بـ (مهاجر أم قيس)).

وفي حديث: (إنّ مسلمين تقاتلا، فقتل أحدهما الآخر، فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): القاتل والمقتول كلاهما في النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال (صلى الله عليه واله وسلم): لأنه أراد قتل صاحبه).

ولا منافاة بين الأحاديث التي دلت على أنّ من هم بالسيئة فلم يعملها لم يكتب له وزر، وبين ما دلّ على كتابة الوزر إذ الطائفة الأولى فيما لم يأت بالمظهر لما نواه من الإثم، والطائفة الثانية فيما إذا أتى بالمظهر، كما رأينا في هذا الحديث الأخير: إنه أراد قتل صاحبه وتقاتل معه...

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا التقى الصفـّان، نزلت الملائكة تكتب الخلق على مراتبهم: فلان يقاتل للدنيا، فلان يقاتل حميّة، فلان يقاتل عـــصبيّة، ألا فــــلا تـــقولوا: قتل فلان في سبيل الله، إلاّ لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا)(22) إنّ الله لا يريد إلا تقدم الله بالدين، وليس عند الإسلام (الغاية تبرّر الواسطة).

وقال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): (من تزوج إمرأة على صداق وهو لا ينوي إداءه، فهو زان، ومن استدان ديناً، وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق، ومن تطيّب لله تعالى، جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة)(23).

ولعلّ المراد من التطيب لغير الله، التطيب المحرم، كتطيب المرأة لغير زوجها أو الرجل لاغراء النساء الأجنبيات، أما التطيّب للمسلمين فهو من النظافة والطيب الذي أمر الله تعالى به.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ العبد المؤمن الفقير ليقول: يا رب، ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البرّ ووجوه الخير، فإذا علم الله عزّ وجل ذلك منه بصدق النيّة كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله، إنّ الله واسع كريم)(24).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (نيّة المؤمن خير من عمله).

وذلك لأنه ينوي من الخير ما لا يدركه، (ونيّة الكافر شرٌّ من عمله)(25) وذلك لأن الكافر ينوي الشر ويأمل من الشر ما لا يدركه).

فعلى الانسان العاقل أن: (ا) يعمل الخير (ب) ويكثر من عمل الخير ج ـ وينوي الخير د ـ ويكثر من نية الخير، كأن ينوي: أنّه لو كان بإمكانه هدي العالم كلّهم إلى الإيمان والعمل الصالح، وما أشــبه، ليكون من أوفى البرية عند الله سبحانه في الحسنات يوم يلقاه.

حب الله والحب لله

إنّ كل خير أصاب الانسان، أو يصيبه في المستقبل، إنّما هو من الله سبحانه.

وإنّ كل شرّ دفع عن الانسان في الماضي، أو يدفع عن الانسان في المستقبل إنّما يدفعه الله سبحانه.

إذاً.. فالله سبحانه أحقّ بالحب، من كل شيء وكل شخص وإذا أحبّ الانسان الله عن معرفة خلا قلبه عن حبّ سواه، إذ كل محبوب ما خلاه مجازي لا حقيقة له، وإن شئت قلت يلزم ان تحب الانسان ما عدا الله سبحانه حبّاً بالعرض أما حبّ الله فهو حب بالذات، فمثلاً: إنّ الانسان يحب أبويه لكن حبه لهما دون حب الله تعالى إذ أن الله هو الموجد الحقيقي والأبوان واسطة، والإنسان يحب الأنبياء والصالحين، لأنهم مرتبطون بالله ومقربون إليه، وهكذا سائر أقسام الحب.

أما الحب لله، فهو أن يحب الانسان كل شيء محسوب لله سبحانه، أما ما يكرهه الله تعالى، فاللازم على الانسان أن لا يحبه وإن وصل إلى الشخص من ذلك الانسان خير وإحسان وأي عاقل يترك الأهم ويأخذ بغيره؟ مثلاً: إذا أحسن إليك كافر، كان اللازم إنّ لا تحبه لإحسانه لأنه لا يجمع بين حب الله وبين حب ذلك الكافر، والله أولى بالحب لأنه مصدر كل خير، حتى ان الخير الذي وصل إليك من ذلك الكافر، مصدره الحقيقي هو الله تعالى.

وقد أمر الإسلام بحب الله وحـــب من أمر الله بحبه، إرشاداً إلى هذه الحقيقة ففي القرآن الحكيم في وصف المؤمنين: (... يحبّهم ويحبّونه...)(26) وفي آية أخرى: (... والذين آمنوا أشدّ حبّاً لله...)(27) وفي آية ثالثة: (قل إن كان آباؤكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا...)(28).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما(29).

وقال (صلى الله عليه واله وسلم): (الحب من شروط الإيمان)(30).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أحبّوا الله لما يغدوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله)(31) وفي دعائه له (صلى الله عليه وآله وسلم): (اللهم أرزقنـــي حبك وحب من يحـــبك، وحب من يقربني إلـــى حبك، واجعل حبك احب الي من الماء البارد)(32).

أرأيت كيف يشتاق الانسان إلى بعض مطالب الروح، حتى أنّ مطالب الجسد تكون في جنبه كالصفر بما للنسبة إلى العدد؟ وهكذا يكون الانسان المحب لله تعالى، إنّ الملاذ الجسدية كالماء البارد، والطعام الشهي، والزوجة الجميلة، والقصر الفخم وما أشبه كلها تكون حينئذ بمنزلة الأصفار بالنسبة إلى حبّ الله حتى أنّه يرجح رضى الله على تلك الأشياء لا ترجيحاً عقليّاً فقط، بل ترجيحاً خالط روحه وملأ نفسه، إنّ الانسان قد يرجح شرب الدواء على أكل الطعام اللذيذ لكنه ترجيح عقلي، أما ترجيحه لحب ولده على حب إنسان بعيد عنه ترجيح روحي عاطفي بالإضافة إلى كونه عقلياً أيضاً.

واسمع إلى هذا الحديث الذي يكاد يسيل رقّة ولطفاً: (لقد نظر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أحد أصحابه مقبلاً، وعليه إهاب كعبش، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (انظروا إلى هذا الرجل قد نوّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبويه يغذيانه بأطيب الطعام والشراب فدعاه حب الله وحب رسوله إلى ما ترون)(33) انه ترك عطف الأبويين، وما فيه من الرفاه، لأجل الله تعالى، وأخذ يقاسي الشدائد لأجل محبوبه.

وروي: (إنّه جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام، إلاّ إنّي اُحبُّ الله ورسوله، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): المرء مع من أحب)(34).

ولا يغرن الانسان ما يزعمه من ظاهر هذا الحديث، من أنّ المرء مع من أحبّ ولو خالفه في الطريقة إذ المخالف في الطريقة لا يسمى محبّاً وإن زعم الحب، أرأيت أن اليهود الذين يزعمون حبّهم لموسى (عليه السلام) والنصارى الذين يزعمون حبهم لعيسى (عليه السلام) وربما أحبوهما عاطفيّاً حبّاً غامراً تسيل معه دموعهم ـ إذا ذكروهما ـ هل يحشرون معهما وهل يكونون في زمرتهما؟.

إنّ الحب كاذب إذا لم يكن معه عمل، ولو كان هناك عاطفة ورقة، فإن الحب شيء والعاطفة شيء آخر.

وفي دعاء كميل بن زياد: (فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربي: صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك؟) إنّ علم الانسان أنّ من يحبه ساخط عليه، أشدّ ألماً من الآلام الجسدية، إذ الروح أكبر تألّماً من الجسد، ومعنى الفراق البعيد روحاً، لا البعد جسماً فإن الله سبحانه منزّه عن الجسم والجسمانية، وفي دعاء عرفة لسيد الشهداء (عليه السلام): (أنت الذي أذللت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبّوا سواك، ولم يلجأوا إلى غيرك) وقال (عليه السلام): (يا من أذاق أحباؤه حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متملّقين).

وليعلم الانسان الذي يريد تحصيل حب الله تعالى انه لا يحصل الحب إلا بالعلم والفكر، فمن المحال ان يحب الانسان من لا يعرفه، أولا يفكر في لطفه. وحسنه وإحسانه! ولذا يلزم على الانسان أن ينمي ملكة حب الله في نفسه أوّلاً: بالعلم بالله وبسعة فضله وكمال قدرته وسائر محامده، وثانياً: بالتفكر والتذكر في لطفه، وإنّ ما عداه لا يعدّ شيئاً في قباله، أرأيت لو إنّك كنت تحب جنديّاً واحداً لأنه يدافع عن بلادك ثم علمت أنّ الحكومة العليا هي التي تدافع وإنما هذا الجندي فرد واحد صغير في جنب تلك القوة الهائلة التي تدير البلاد يجب النفع لها ودفع الضرر عنها كيف تنصرف عن حب الجندي إلى حب الحكومة؟ حتى إنك تقدم رضاها على رضاه، وهكذا يكون من عرف الله سبحانه ـ ولا مناقشة في الأمثال ـ.

وقد روي: (إنّ عيسى (عليه السلام) مرّ بثلاثة نفر، قد نحلت أبدانهم، وتغيّّرت ألوانهم، فقال لهم: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ فقالوا: الخوف من النار، فقال: حق على الله أن يؤمن الخائف، ثم جاوزهم إلى ثلاثة أُخر، فإذا هم أشدّ نحولاً وتغيراً، فقال لهم: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ فقالوا: الشوق إلى الجنة، فقال: حق على الله أن يعطيكم ما ترجون، ثم جاوزهم إلى ثلاثة أُخر، فإذا هم أشدّ نحولاً وتغيّراً، كأنّ على وجوههم المرايا من النور، فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ قالوا: حب الله عزّ وجل، فقال: أنتم المقرّبون)(35).

الجنة نعيم جسدي، والنار عذاب جسمي، أما حب الله فهو نعيم روحي، ومن ذاق ذلك كان أشدّ فرحاً وانبساطاً وانشراحاً ممن ذاق حلاوة النعيم الجسدي، كما أن من خاف قوّته وعدم الوصول إليه، كان أشدّ نحولاً وتغيّراً وهولاً، ممن خاف حرمان، الجنة، أو الابتلاء بالنار.

وحب الله الذي لا يمكن أن يتصور لذته، من لا نصيب له منه، كالطفل الذي لا يمكن أن يدرك لذة الوجاهة عند السلطان، أو كالجاهل الذي لا يمكن أن يدرك لذة حل المسألة المستعصية، لدى العالم، أو كالأعمى من الأم، الذي لا يمكن أن يدرك لذة المبصرات الجميلة.

أما الحب لله، فهو أيضاً ممّا حرّض (عليه الإسلام) أبلغ تحريض، وبقدر أنّه يوجب رفعة الانسان، مشكل وصعب، فإن الانسان بحكم ميوله واتجاهاته ومصالحه، يذهب يميناً وشمالاً في حبه، أما أن يصرف حبه كله في الله، فلا يحب إلا الله، ولا يكره إلاّ في الله، فذلك صعب، مشكل جدّاً.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ودّ المؤمن للمؤمن في الله أعظم شعب الإيمان، ألا ومن أحبّ في الله، وأبغض في الله، وأعطى في الله، ومنع في الله، فهو من أصفياء الله)(36).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً لأصحابه: (أي عُرى الإيمان أوثق؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، وقال بعضهم: الصلاة، وقال بعضهم: الزكاة، وقال بعضهم: الصيام، وقال بعضهم: الحج والعمرة، وقال بعضهم: الجهاد، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لكل ما قلتم فضل، وليس به، ولكن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، وتولّي أولياء الله والتبرّي من أعداء الله)(37).

إن كان الأمر كذلك فإنّ الحبّ في الله والبغض في الله، لا يكون إلا إذا كانت وجهة الانسان مصروفة إلى الله تماماً ومن المعلوم إنّ من صرفت وجهته إلى الله، يتأتّى العمل الصالح تلقائيّاً، فالجهاد والصلاة والصيام وما أشبه أثر من آثار الحب في الله.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (المتحابون في الله يوم القيامة على أرض زبرجد خضراء في ظلّ عرشه عن يمينه ـ وكلتا يديه يمين ـ وجوههم أشدّ بياضاً من الثلج وأضوء من الشمس الطالعة، يغبطهم بمنزلتهم كل ملك مقرب ونبي مرسل يقول الناس: من هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحابون في الله)(38).

المراد بـ (عن يمينه): إنّه لو فرض شخص في العرش مقبلاً بوجهه على الناس، كان طرفه الأيمن محل هؤلاء، ولما كان الكلام مشار شبهة الجسميّة، ضرب (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (كلتا يديه يمين) دفعاً لإيهام الجسمية.

وقال الامام السجّاد (عليه السلام): (إذا جمع الله الأولين والآخرين قام مناد فينادي بنداء يسمع الناس، فيقول: أين المتحابون في الله؟ قال: فيقوم عنق من الناس، فيقال لهم: اذهبوا إلى الجنة بغير حساب، قال: فتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة بغير حساب، فيقولون: أي ضرب أنتم من الناس؟ فيقولون: نحن المتحابون في الله، قال: فيقولون: وأي شيء كانت أعمالكم؟ قالوا: كنا نحب في الله ونبغض في الله، قال: فيقولون: نعم أجر العاملين)(39).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (إذا أردت أن تعلم أنّ فيك خيراً، فانظر إلى قلبك، فإن كان يحب أهل طاعة الله، ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبك، وإذا كان يبغض، أهل طاعة الله، ويحب أهل معصيته، فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع من أحب)(40).

وانظر إلى هذا الحديث الذي قاله الامام الباقر (عليه السلام) لترى قيمة المحبة في الله، قال (عليه السلام): (لو أنّ رجلاً أحبّ رجلاً لله أثابه الله على حبّه إياه وإن كان المحبوب في علم الله من أهل النار، ولو أنّ رجلاً أبغض رجلاً لله لأثابه الله على بغضه إياه، وإن كان المبغض في علم الله من أهل الجنة)(41).

إنّ الحب في الله، موضوعي، لا طريقي، إذ الحب هو الباعث للخير في الدنيا والسعادة في الآخرة، فأيّهم أن يكون المحبوب من آل الله أو من أعداء الله، وكذلك البغض في الله موضوعي وليس طريقياً.

ثم إنّ ملكة الحب في الله والبغض في الله، كسائر الملكات التي تكون قابلة للإيجاد ثم تكون قابلة للإنماء، فإنك اذا أكثرت التفكر في الكون، وإنّ جميع الخيرات من الله سبحانه، وجميع الشرور ليست من الله سبحانه، ثم تذكرت عظمة الله سبحانه وسعة ملكه، لأحببته حبّاً يشغف قلبك ويمتزج بروحك ويخالط نفسك، فإن الانسان مجبول على حب المحسنين وعلى حب العظماء... ثم إذا أحببت الله سبحانه، أحببت كل ما يتعلق بالله، فقد قالوا: (كل شيء من الحبيب حبيب) وإذا غمر قلبك حب الله وحب ما يتعلق به ـ وهو الحب في الله ـ كأنه لا بد وأن تبغض ما هو على خلاف الله، وعلى خلاف محبوب الله، وهناك كمال الإيمان والخير في الدارين.

قال الصادق (عليه السلام): (من أحب لله، وأبغض لله وأعطى لله، فهو من كمُل إيمانه)(42) وقال (عليه السلام): (إنّ المتحابّين في الله يوم القيامة، على منابر من نور، قد أضاء نور أجسادهم ونور منابرهم كل شيء حتى يعرفوا به، فيقال: هؤلاء المتحابّون في الله)(43).

فإذا نظّم الانــسان كل يوم، ولو ربع ساعة، للتفكر حول هذا الموضوع، لم تنته سنة إلا ويرى نفسه متّصفاً بهذه الملكة الثمينة التي هي مبعث سائر الفضائل والكمالات، فإذا أحبّ الإنسان ربه، لم يأت بمحرم ولم يترك واجباً، فإن الحب يؤسر صاحبه حتى لا يأتي بما يكره المحبوب.

العزلة

يقول الشاعر الفارسي:

(الصمت والجوع والسهر والعزلة ودوام ذكر الله) هذه الخمسة تكمل الناقصين. والأمر كما قال هذا الشاعر، فإن البدن كلما ربي ضعف جانب الروح وقويت البهيمية في الانسان، وبالعكس كلما ريّض البدن، قويت الحالة الملكوتية في الانسان، وصفى الروح، والأمور الخمسة المذكورة هي التي تريّض البدن وتقويّ الروح.

فحفظ اللسان عن الكلام، وتخلية المعدة عن الطعام، وإفراغ العين عن المنام، والانعزال عن الأنام، وذكر الله على الدوام، كلها من مصفيات الروح، ومضعفات البدن.

لكن هل يجوز حفظ اللسان عن الإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعليم والوعظ وما أشبه؟.

وهل يجوز عدم الأكل حتى يضعف الانسان عن الواجبات، ويكون بدنه معرّضاً للأمراض؟.

وهل يجوز عدم النوم حتى يمرض الانسان، وينعس عند أداء الواجبات، ويكسل عن إقامة السنن؟.

وهل يجوز ترك الناس بدون واعظ منذر، والفرار إلى الكهوف والثغور؟.

كلا! والإسلام ينهي عن ذلك، ويأمر بخلافه، إنما المهم الرقابة الكاملة على النفس، حتى لا تنزلق إلى حضيض البهيمية. والأئمة الطاهرون خير أُسوة في تطبيق الحياة المتوسطة بين الإفراط والتفريط، فهم كانوا يتكلمون بخير أو يصمتون وكانوا يأكلون بمقدار تقوية ألابدان وتقويم الأجساد ويجوعون، وكانوا ينامون شطراً ويسهرون شطراً: (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون)(44) وكانوا يخالطون الناس لإرشادهم، ويعتزلون بقدر، أما ذكر الله قلباً ولساناً، فقد كان يغمر أوقاتهم.

نعم مختلف الظروف والأحوال في تقدير هذه الأمور، فربما كان الظرف ملائماً للصمت، فلا مجال للكلام، وربما كان العكس، فلا مجال للصمت وهكذا سائر الأمور المذكورة، فالعزلة التي كلامنا فيها الآن إن كانت موجبة لحفاظ الانسان من المعاصي والمحرمات فيما لم يكن اختلاطه سبب هداية وإصلاح تكون واجبة... وان كانت بالعكس كانت محرّمة، ولذا ورد قسماً من الأدلّة في هذا الباب.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الله يحبّ العبد التقي الخفي)(45) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب)(46) وسأل رجل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق النجاة؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ليسعك بيتك، وامسك عليك دينك، وابك على خطيئتك)(47) وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (فَسد الزمان، وتغيّر الإخوان، وصار الإنفراد أسكن للفؤاد)(48) وقال (عليه السلام): (أقلل معارفك، وانكر من تعرف منهم)(49) وقال (عليه السلام): (صاحب العزلة متحصن بحصن الله تعالى، ومتحرّس بحراسته، فيا طوبى لمن تفرّد به سرّاً وعلانية)(50) إلى غيرها من الأحاديث التي هي بهذه اللهجة والأسلوب... وفي الحقيقة إنّ بعض الظروف تتطلّب العزلة إذ الاختلاط لا يوجب ألا الفساد والإفساد، كما إنّ لبعض الناس العزلة لهم خير، لأنهم في المجتمع يَفسدون ويُفسدون.

أما الظروف العادية، بالنسبة إلى الانسان العادي، فالأختلاط هو اللازم حتى إنّ العزلة ـ لاستلزامها ترك الإرشاد، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ تكون محرّمة.

ولذا وردت الأحاديث في ذمّ العزلة، ومدح الاختلاط، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (المؤمن ألف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف)(51) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من فارق الجماعة مات ميتة الجاهلية)(52) فإن رهبان الجاهلية كانوا يفارقون الجماعة ولا رهبانية في الإسلام، بل سيرة النبي والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) خير شاهد للإلفة والاختلاط، لكن الانسان يجب أن يحافظ على دينه، لئلاّ يغمره تيار الإنحرافات التي ينخرط الناس في مسلكها في كل زمان ومكان خصوصاً في زماننا الحاضر.

إنّ المجتمع قبل سقوط الدولة الإسلامية، كانت قمّتها الزهاد، وبعدهم العدول وباقي الهرم العاديون الذين قد تأتي منهم المعاصي الأولية، كالغيبة والكذب، وما أشبه، ولذا كان المخالط يجد ـ من ناحية الأسوة الصالحة ـ ومن ناحية المتدينين... أما اليوم فالقمّة: العدول، وبعدهم: الفساق ـ بلوني الفسق البدائية والمغلظة، كالزنا والخمر والقمار وترك الصلاة وما أشبه ـ وباقي الهرم المنحرفون عقائديّاً، والمنكرون للضروريات، وما أشبه، ولذا كانت الاستقامة في مثل هذا المجتمع من أشكل الأمور، لكن، من الضروري على المتدين أن يبقى في المجتمع، ويأخذ زمام الإرشاد والهداية وإلا كان مسؤولاً أمام الله سبحانه.

 

1 ـ جامع السعادات: 2/383.

2 ـ جامع السعادات: 2/383.

3 ـ سورة الشعراء: آية 84.

4 ـ أصول الكافي: 2/106 ـ جامع السعادات: 3/47.

5 ـ أصول الكافي: 2/106 ـ جامع السعادات: 3/47.

6 ـ أصول الكافي: 2/115 ـ جامع السعادات: 3/47.

7 ـ أصول الكافي: 2/115 ـ جامع السعادات: 3/47.

8 ـ أصول الكافي: 2/106 ـ جامع السعادات: 3/48.

9 ـ سورة الحشر: آية 18.

10 ـ جامع السعادات: 3/93.

11 ـ سورة المعارج: آية 4.

12 ـ جامع السعادات: 3/93.

13 ـ سورة البقرة: آية 283.

14 ـ سورة الأنعام: آية 52.

15 ـ جامع السعادات: 3/113.

16 ـ جامع السعادات: 3/113.

17 ـ جامع السعادات: 3/114.

18 ـ جامع السعادات: 3/114.

19 ـ جامع السعادات: 3/114.

20 ـ سورة البقرة: آية 284.

21 ـ جامع السعادات: 3/114.

22 ـ جامع السعادات: 3/115.

23 ـ جامع السعادات: 3/115.

24 ـ جامع السعادات: 3/115.

25 ـ جامع السعادات: 3/122.

26 ـ سورة المائدة: آية 54.

27 ـ سورة البقرة: آية 165.

28 ـ سورة التوبة: آية 24.

29 ـ جامع السعادات: 3/153.

30 ـ جامع السعادات: 3/153.

31 ـ جامع السعادات: 3/153.

32 ـ جامع السعادات: 3/153.

33 ـ جامع السعادات: 3/153.

34 ـ جامع السعادات: 3/153.

35 ـ جامع السعادات: 3/153.

36 ـ أصول الكافي: 2/125 ـ جامع السعادات: 3/185.

37 ـ أصول الكافي: 2/125 ـ جامع السعادات: 3/185.

38 ـ بحار الأنوار: 74/399، ب28 ـ جامع السعادات: 3/185.

39 ـ أصول الكافي: 2/126 ـ جامع السعادات: 3/185.

40 ـ أصول الكافي: 2/126 ـ جامع السعادات: 3/185.

41 ـ أصول الكافي: 2/127 ـ جامع السعادات: 3/185.

42 ـ أصول الكافي: 2/124 ـ جامع السعادات: 3/186.

43 ـ بحار الأنوار: 74/399، ب28 ـ جامع السعادات: 3/186.

44 ـ سورة الذاريات: آية 17 ـ 18.

45 ـ جامع السعادات: 3/197.

46 ـ جامع السعادات: 3/197.

47 ـ جامع السعادات: 3/197.

48 ـ جامع السعادات: 3/197.

49 ـ جامع السعادات: 3/197.

50 ـ جامع السعادات: 3/197.

51 ـ جامع السعادات: 3/198.

52 ـ جامع السعادات: 3/198.