الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

الرضا

الكون كله خاضع تحت إرادة الله الواحد القهار، لا يحيد عنها قيد شعرة، فقد: (قالتا أتينا طائعين)(1) وجزء من هذا الكون ـ وهو الانسان ـ خاضع لهذه الإرادة الإلهية لا يتمكن أن يحيد عنها قيد شعرة، إلا بقدر ما أراد الله سبحانه فأعطاه الزمام، وأثر الانسان في الكون أقل من أثر النملة على الصفاة الملساء.

إنّ الانسان يتمكن من (البناء) ومن (الطيران) ومن السير بوسائل مختلفة، لكن كم تقدر نسبة هذه الأمور إلى الأرض التي تسكنها؟ فكيف بالكون كله؟.

ثم إنّه قد:

جرى قلم القضاء بما يكون***فسيان التحرك والسكون

إلاّ في حدود ضيقة جدّاً شاءت الإرادة الكلية أن يكون للإنسان بعض المصيب (... لنبلوهم أيّهم أحسن عملاً)(2).

فإذا رضي الانسان بما قدّره الله سبحانه، من حياة وموت، وصحة وسقم، وغنى وفقر، وارتفاع وانخفاض، أو ما أشبه، كان مطمئن الخاطر في الحياة، مثاباً بعد الممات وإلا لم يحصل إلا الاضطراب في هذه الدنيا، والعقاب في الآخرة، ولذا يلزم على الانسان أن يدّرب نفسه على (الرضا) وينمي في نفسه هذه الملكة الشريفة.

وليس معنى الرضا الاستسلام والكسل وعدم العمل، بل معناه: أن يعمل الانسان حسب المستطاع، وكما أمر الله، في مختلف شؤون الحياة، ثم إذا جاء القدر لم يغضب ولم يسخط وإنّما يتقبّله بقبول حسن، حتى يوفي في أجره غير منقوص.

وقد أرصد الإسلام لهذه الناحية المهمة أكبر رصيد، ففي الخبر القدسي: (أنا الله لا إله إلا أنا، من لم يصبر على بلائي، ولم يشكر على نعمائي، ولم يرض بقضائي، فليتـّخذ ربّا سواي)(3) وفي خبر قدسي آخر: (قدّرت المقادير ودبّرت التدبير، أحكمت الصنع، فمن رضي، فله الرضا مني حين يلقاني، ومن سخط فله السخط مني حين يلقاني)(4) وقال موسى (عليه السلام) في مناجاته لله سبحانه: (إي رب أي خلقك أحبّ إليك؟ قال: من إذا أخذت منه المحبوب سالمني، قال (عليه السلام): فأي خلقك أنت عليه ساخط؟ قال: من يستخيرني في الأمر، فإذا قضيت له سخط قضائي)(5).

ولعلّ معنى (يستخيرني في الأمر) أنّه يطلب مني أن أجعل الخير في عمله فإذا عمل بذلك، ورأى ضرراً سخط ما قدّرت له!

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (ومن سخط القضاء، مضى عليه القضاء، وأحبط الله أجره)(6) وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (كيف يكون المؤمن مؤمناً وهو يسخط قسمته، ويحقر منزلته، والحاكم عليه الله، وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيستجاب له)(7) إنّ هذا الضمان كبير جدّاً، لكن الشرط أيضاً مشكل، فإن الرضا المطلق لا يحصل إلا بعد طول المجاهدة.

وانظر إلى هذا الحديث الذي فيه التحذير والترغيب على حد سواء، روي إنّه أوحى الله تعالى إلى داود (عليه السلام): (تريد وأريد وإنما يكون ما أريد، فإن أسلمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد، أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد)(8).

وفي الحديث: (إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سأل أصحابه: ما أنتم؟ فقالوا: مؤمنون، فقال: ما علامة إيمانكم؟ فقالوا: نصبر على البلاء، ونشكر عند الرضاء، ونرضى بمواقع القضاء، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): مؤمنون ورب الكعبة)(9) وفي خبر آخر أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء)(10).

وقال (صلى الله عليه واله وسلم): (إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن رضي اصطفاه)(11) ولنقف قليلاً عند هذا الحديث فالله سبحانه لا يحب العبد إلا إذا كان مطيعاً، فإذا أطاع أحبّه وهناك درجة أرقى من درجة الحب ولا ينالها إلا الذي يبتلي فيصبر ولذا يدرج الله محبوبه بالابتلاء والشدائد إلى هذه الدرجة، فإن نجح وذلك بأن صبر في البلاء فلم يجزع ولم يعمل عملاً يكرهه الله تعالى (اجتباه) أي اختاره، والمختار ـ كما نشاهد ـ قسمان: قسم مصفّى من جميع الشوائب، وهذا هو(المصطفى) وقسم ليس بهذه المنزلة فالمبتلى أن رضي بالابتلاء ـ وهو فوق الاصطبار ـ كان جديراً بالاصطفاء، وهذه درجة رفيعة جدّاً لا ينالها إلا الأوحدي من الناس وقليل ما هم!

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا كان يوم القيامة، أنبت الله لطائفة من أمّتي أجنحة، فيطيرون من قبورهم إلى الجنان، يسرحون فيها ويتنعّمون كيف شاؤوا؟ فتقول لهم الملائكة: هل رأيتم الحساب؟ فيقولون: ما رأينا حساباً، فتقول لهم: هل جزتم الصراط؟ فيقولون: ما رأينا صراطاً، فتقول لهم: هل رأيتم جهنم؟ فيقولون: ما رأينا شيئاً، فتقول الملائكة: من أيّة أُمّة أنتم؟ فيقولون: من أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فتقول: ناشدناكم الله، حدّثونا: ما كانت أعمالكم في الدنيا؟ فيقولون: خصلتان كانتا فينا، فبلّغنا الله هذه المنزلة، بفضل رحمته فيقولون: وما هما؟ فيقولون: كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه، ونرضى باليسير مما قسم لنا فتقول الملائكة: يحقّ لكم هذا)(12).

إنّ هاتين الصفتين (الاستحياء في الخلاء) و(الرضى باليسير) في قمّة الفضائل، التي ما وراءها قمّة، فإن الحياء في الخلاء، يدل على ملكة راسخة في القلب تبعث على الخوف والخجل من الله سبحانه ومن المعلوم: إنّ الذي يخجل من الله تعالى لا يعصيه وإنما يفعل ما يأمره الله. والرضا باليسير لا يتسنى لكل أحد، وانما هو صفة راسخة في النفس يرى الإنسان لسبب هذه الصفة إنّ الله محسن إليه، وإن أعطاه اليسير، وإنّ ذلك لمصلحة وحكمة، ولو دققت اليوم في المسلمين لوجدت قلة قليلة منهم بهذه الصفة.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (ان الله بعدله وحكمته وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضى عن الله تعالى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط)(13).

إنّ المتيقن بثواب الله، والراضي بفعل الله، لا بد وأن يرتاح ويفرح بما يأتيه بخلاف الشاك الساخط، فهذه الفضيلة ـ اعني الرضا ـ توجب خير الدنيا قبل خير الآخرة، وأي خير احسن من الروح والفرح؟.

وقال الإمام السجاد (عليه السلام): (الصبر والرضا رأس طاعة الله، ومن صبر ورضي عن الله فيما قضي عليه، فيما أحب أو كره، لم يقض الله عز وجل له فيما أحب أو كره إلا ما هو خير له)(14).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (أحقّ خلق الله أن يسلّم لما قضى الله عز وجل، من عرف الله عز وجل، ومن رضي بالقضاء، أتى عليه القضاء، وعظّم الله أجره، ومن سخط القضاء، مضى عليه القضاء، وأحبط الله أجره)(15).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (أعلم الناس بالله، أرضاهم لقضاء الله)(16) وقال (عليه السلام): (قال الله عز وجل عبدي المؤمن لا أصرفه في شيء إلا جعلته خيرا له فليرض بقضائي، وليصبر على بلائي، وليشكرنعمائي، أكتبه يا محمد من الصديقين عندي)(17).

إنّ الله سبحانه لا يريد بالعبد شرّاً فإذا وصل إليه شيء مما يكره، مما لا يدله في ذلك الشيء، كان له من الله أجراً جزيلاً وثواباً جميلاً، أما اذا لم يرض فما الفائدة؟ إنّه خسر الدنيا، كما خسر الآخرة، وأقل خسران الآخرة ان لا ينال نصيبه من الثواب، أليس ذلك خسارة كبيرة، ولذا كان أعلم الناس بالله وبحكمه في اُموره أرضاهم لقضائه.

انظر إلى هذا الحديث المروي عن الإمام (عليه السلام): انه سبحانه أوحى إلى موسى بن عمران (عليه السلام): (يا موسى بن عمران ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ من عبدي المؤمن، فإنّي إنّما ابتليته لما هو خير له، وأُعافيه لما هو خير له، وأزوي عنه ما هو شرٌّ له، وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي، اكتبه في الصدّيقين عندي، إذا عمل برضائي وأطاع أمري)(18).

وقال (عليه السلام): (عجبت للمرء المسلم، لا يقضي الله عز وجل له قضاء إلا كان خيراً له، إن قرض بالمقاريض كان خيراً له، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له)(19).

وهنا نكتة لا بد من التنبيه عليها، وهي إنّ بعض الناس يظنون أنّ الرضا بالقضاء يلازم الاتكال وترك الأسباب، والانفلات عن قبضة العلل والمعلول، أليس كل شيء بقضاء وقدر؟ أليس من رضي فله من الله الرضا ومن لم يرض جرى عليه القضاء ولا أجر له؟.

ولكن هذا من أعظم الاشتباه، إنّ الله سبحانه جعل الدنيا دار السبب والمسبب وأمر بالتوصل بالأسباب إلى مسبباتها، لكن هناك شيئين خارجين عن مقدور الانسان (الأول) بعض الأسباب (الثاني) الأمور الاتفاقية، مثلاً الانسان الذي ليست له قوة، لا يتمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يزرع الزارع ولكن الرياح الخارجة عن قدرته تسبب فساد الزرع.

فمحل الرضا بالقضاء، هذان الأمران، ومحل العمل والكد والجد، الأمور الإختيارية التي للإنسان شأن فيها وله قدرة عليها.

وكل واحد من الاتكال على القضاء ـ المزعوم ـ بعدم العمل والكد، فيما بيد الانسان طريقه ويتمكن من سببه. ومن عدم الرضا بالقضاء فيما لا إرادة للإنسان فيه، خروج عن سنن الكون وتضييع للواقع، فإذا أصاب الانسان مرض مثلاً، يلزم أن يذهب إلى الطبيب ويستعمل الدواء، فإذا لم ينجح الدواء وأزمن المرض يلزم ان يرضى بالقضاء، أما عدم الذهاب إلى الطبيب ـ بزعم انه قضاء وعليه أن يرضى ـ أو إذا ذهب ولم يبل يغضب ولا يرضى، فكلا الأمرين خبال واشتباه.

ولكن ليعلم أنّ هناك من الناس من يشطّ عن جادة الصواب، ويتّكل على الأسباب فقط ناسياً رب الكون وأنّه المقدر والمسير والموصل إلى النتيجة، هذا جهل وزيغ وانحراف.

ولو مثلنا الواقع ـ ولا مناقشة في الأمثال ـ بإنسان يريد الوصول إلى النجف الأشرف، فاللازم أن يركب السيارة ويسوقها السائق حتى يصل، (ا) فإذا لم يركب السيارة، بزعم أنّ وصوله إلى النجف وعدم وصوله بقضاء وقدر، فلم يتعب نفسه؟ كان إغراقاً من جهة الإتّكال (ب) وإذا ركب السيارة وزعم أنّها هي السائرة بلا وساطة سائق، كان زيغاً وظلالاً (ج) وإذا ركب واعتقد بالسائق، لكنها خربت في الطريق ثم لم توصله، فغضب وأبدى عدم رضاه كان من عدم معرفة بالواقع، ولا يفيد غضبه وسخطه.

والنفس المتوسطة التي لا تكون منحرفة إلى أحد الأطراف الثلاثة الزائفة، لا تحصل إلا بعد طول الفكر والروية، وإعمال القوة الروحية، وإذا حصلت كان الانسان متوسّطاً عدلاً، لم يتحسّر على ما لا حيلة له فيه، ولا يحزن لما يصيبه حزن أهل الدنيا، ولا يعتمد على الأسباب مما يفسد عليه جمال التوكل وسعة الروح المتطلعة إلى عالم الغيب.

ولذا ورد في القرآن الحكيم: (ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)(20) فإنه ليس المراد عدم الحزن مطلقاً، وإلا فقد حزن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على ولده إبراهيم (عليه السلام) وحزن الإمام الحسين (عليه السلام) على ولده علي الأكبر (عليه السلام) إلى غيرهما، بل المراد حزن أهل الدنيا الذين يرون الأسباب والمسبّبات ولا يرون الحكم والمصالح والفوائد الآجلة والعاجلة، والثواب والجزاء، وهكذا الكلام بالنسبة الى (لا خوف عليهم) فإنه لا ينافي خوف موسى (عليه السلام) من فرعون وملائه، فإن المراد خوف أهل الدنيا الذين يرون (ما وراء عبادان قرية).

وقد ورد في الحديث القدسي ان الله سبحانه قال لداود (عليه السلام): (يا داود ما لأوليائي والهمّ بالدنيا، إنّ الهمّ يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم إنّ محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتـّمون)(21).

كما أنّ ما ورد من إنّ الأمور كلها بيد الله تعالى كقوله تعالى: (... وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى...)(22) وقوله سبحانه: (إنّ الله هو الرّزاق...)(23) وما أشبه وكلّها ناظرة إلى جهة السير وواقع المسير والموصل، فالله هو الموصل ولكن بالأسباب.

التوكّل

إيكال الأمور إلى الله من أفضل المقامات التي يصل إليها الانسان، ولا يصل الانسان إلى هذا المقام إلا بعد جد وجهد، ولذا كثير من الناس ـ بل أكثرهم ـ لا يرون للتوكل معنى ـ أو لا يتمكنون أن يصلوا إلى هذا المقام.

ومعنى إيكال الأمر إليه سبحانه، أن لا يحرص الانسان بالإتيان على أكثر من الأسباب الظاهرية، ولا يغتم لما فاته ولا يحزن إذا لم يصل إلى النتيجة، مثلاً اذا عقل الانسان رجل بعيره في المحل الآمن من السبع واللص ووكل الأمر بعد ذلك إليه سبحانه كان معنى التوكّل إنّه يهدأ باله، فلا يتفكر في أمر بعيره هل يصيبه شيء أم لا؟ وإذا أصابه شيء، لم يحزن حزناً لا يرى في ذلك له مصلحة وأجراً.

أما من لا يعقل بعيره، ويقول: (توكلت عليه تعالى) فهذا خلاف ميزان التوكل، إذ التوكل في الأمر الزائد على الأسباب ولذا لما رأى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعيراً بغير عقال، سأل صاحبه عن السبب وحيث أجاب الإعرابي: بأنه توكّل على الله، زجره الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له: إعقل وتوكل.

كما أن من يعقل لكنه لا يرى لله سبحانه دخلاً في حفظه أو يرى أنّ له دخلاً، لكنه لا يستقر قلبه، أو إذا أصابه شيء حزن وجزع، فهو خلاف التوكّل.

وقد يزعم بعض الناس المفرطين: إنّ التوكّل عبارة عن عدم التماس الأسباب، وهذا خبال وجهل، كما إنّه قد يزعم بعض الناس المفرطين: إنّ التوكّل لا معنى له إذ الدنيا دار أسباب، وهذا أيضا جهل وزيغ، فإن الأسباب ليست هي وحدها الموصلة إلى المسببات، وانما هناك إرادة قوية فوق الأسباب، هي المقررة للمصير أرأيت من يزرع، هل هو الذي يأتي بالثمر أومن يباشر هو الذي يأتي بالولد،؟ أومن يتّجر هو الذي يأتي بالأرباح؟ وهكذا، وإنّ كان الأمر كذلك فلم كثيرون ممن يزرع ولا يحصد؟؟ أو يباشر ولا ينجب؟؟ أو يتّجر ويخسر؟؟؟.

التوكل إضافةً إلى انه أمر واقعي، وإنّ من الجهل عدم التوكّل، فإنّه يوجب الارتياح وهدوء البال، واطمئنان النفس.

ثم التوكّل باعتبار كونه ملكة من النفس تبعث على إيكال الأمور إلى الله ـ بعد تحصيل الأسباب اللائقة ـ يحتاج الانسان في تحصيلها إلى المجاهدة، وإلا فالجزع والحزن والحرص هي الغالبة على الانسان في كثير من الأحيان والأشخاص، كما أنّ الكسل وعدم العمل والإهمال هي الغالبة على بعض الناس الذين يزعمون انه التوكّل، فاللازم على الانسان أن يسلك السبيل الأوسط ويمارس هذا المسلك حتى يكون له ملكة، وهناك التوازن والاعتدال والاطمئنان وارتياح البال، وقد أرصد الإسلام لهذا الموضوع المهم في حياة الانسان جدّاً، رصيداً كبيراً من الآيات والأحاديث. قال القرآن الحكيم: (... وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)(24) وقال: (... وعلى الله فليتوكل المؤمنون)(25) وقال: (... إنّ الله يحب المتوكلين)(26) وقال: (... ومن يتوكل على الله فهو حسبه...)(27) وقال: (... ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم)(28).

وقال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): (من انقطع إلى الله كفاه كل مؤنه، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها)(29) ولنقف قليلاً عند هذا الحديث الذي به يتبين سائر الأحاديث أيضاً، لنرى الفرق بين المتوكّل وغيره، إذ كثيراً ما يخطر ببال بعض الناس إنا نرى عدم الفرق بين المتوكل وغير المتوكل ففي هؤلاء أغنياء وفقراء وفي أولئك أغنياء وفقراء؟ فكيف يكفي الله مؤنة المتوكل دون من عداه؟.

والجواب إنّ في الأمر مراحل ثلاث:

أ ـ مرحلة الهدوء النفسي، ولا شك أنّ المتوكّل هادئ النفس بخلاف غيره، كما تقدّم.

ب ـ مرحلة الأجر والثواب، ولا إشكال في إنّ المتوكّل مأجور دون غير المتوكّل.

ج ـ مرحلة الأمور الدنيوية كالربح والمنصب وما أشبه ـ وهذه المرحلة هي مرحلة الإشكال والإشتباه ـ فنقول: إنّ التوكل على الله يورث الاستقامة التي هي بدورها تعطي كل أمر حقه من العلاج والتسبيب والجهد له، بخلاف عدم التوكل فإنه يورث عدم الاستقامة الذي هو بدوره يوجب الزيغ والإفراط والتفريط.

مثلاً، التوكل يوجب الطلب بقدر، والإنفاق في المصارف المقررة بقدر، وهذا

يسبب الغنى والاستقامة في العيش، أما عدم التوكل فإنه يورث التكالب، المنجر إلى الربا والاحتكار والحروب التجارية وغلاء الأسعار والاختلال في التوازن الاقتصادي في البلاد، وما أشبه.

فالانقطاع إلى الله بالتوكل بقدر، والعمل والتسبيب ـ كما أمر تعالى ـ بقدر، موجب لكفاية كل مؤونة، والعيش السعيد، بخلاف الانقطاع إلى الدنيا، فإنه يوجب كل شرّ وبؤس.

وحيث ان بعض الناس يفهم من هذا الحديث وبعض الأحاديث الآتية، تعطيل الأسباب، فلنقدم جملة من الأدلة الدالة على لزوم التسبيب، ثم نرجع إلى ما كنا بصدده من فضيلة التوكل، بعد ما تقدم حديث (إعقل وتوكل) قال الإمام الصادق (عليه السلام): (أوجب الله على عباده أن يطلبوا منه مقاصدهم بالأسباب التي سبّبها لذلك، وأمرهم بذلك) وفي القرآن الحكيم آيات دالّة على لزوم الأخذ بالأسباب، كقوله سبحانه: (يا أيّها النبي حرّض المؤمنين على القتال...)(30) و(ولا تحاضون على طعام المسكين)(31) و(أعدّوا لهم ما استطعتــم من قوّة ومـــن رباط الخيــــل...)(32) و(... خذوا حذركم...)(33) و(... قل اعملوا...)(34). إلى غيرها...

وقد يزعم بعض الناس ان الله هو الذي يأتي بالسبب، أليس هو سبحانه مسبّب الأسباب؟ وهذا اشتباه فإن معنى مسبب الأسباب انه جعل السبب سبباً، لا أن معناه انه تعالى يأتي بالسبب ـ مثلاً ـ الله سبحانه جعل المباشرة سبباً لإنجاب الأولاد، لا إنّ معناه أنّه يأتي بالأولاد بــدون مباشرة، وفي المشهورة أبى الله أن يجري الأمور إلاً بأسبابها وعمل النبي والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) من أقوى الشواهد للزوم التمسك بالأسباب.

فالتحريض بالتوكّل، في مقابل مــن لا يتوكّل ـ وهم غالب أهل المادة ـ لا في مقابل، من يأتي بالأسباب، كما أمـــر الله تعالى، ثم يتوكل في الأمور الخارجية عن يده.

إذا عرفت هذا، فلنرجع إلى سائر أدلة التوكل المرشدة إليه، والمحرضة للتمسّك به، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما عند الله أوثق منه بما في يده)(35) إنّ ما في يد الانسان قد يتلف، أما خزائن الله فلا تنفد: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق...)(36) و(ولله خزائن السماوات والأرض...)(37) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطيور، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)(38) وليس معنى هذا أن يبقى الانسان في بيته، بل معناه أن يغدو في طلب الرزق، كما تغدو الطيور، ومن المعلوم أن الغدو مع التوكل يوجب سوق الرزق الحلال الهنيء ـ كما هو كذلك بالنسبة إلى الطيور ـ فلا يقال: إنّ الغدو لا يحتاج إلى التوكل، لأنا نرى غير المتوكّل أيضا يرزق؟.

واسمع إلى هذا الحديث الطريف المروي عن الامام السجاد (عليه السلام) قال (عليه السلام): (خرجت حتى انتهيت إلى هذا الحائط فاتكأت عليه، فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان، ينظر في اتجاه وجهي ثم قال: يا علي بن الحسين، مالي أراك كئيباً حزيناً، أعلى الدنيا؟ فرزق الله حاضر للبرّ والفاجر، قلت: ما على هذا أحزن وإنّه لكما تقول، قال: فعلى الآخرة، فوعد صادق يحكم فيه ملك قاهر قادر، قلت: ما على هذا أحزن، وإنّه لكما تقول فقال: ممّ حزنك؟ قلت: ممّا نتخوّف من فتنة ابن الزبير وما فيه الناس! قال: فضحك، ثم قال: يا علي بن الحسين هل رأيت أحداً سأل الله فلم يجبه؟ قلت: لا، قال: فهل رأيت أحداً توكّل على الله، فلم يكفه؟ قلت: لا، قال: فهل رأيت أحداً، سأل الله فلم يعطه؟ قلت: لا، ثمّ غاب عني)(39).

ولعل الرجل كان الخضر (عليه السلام) أو من الأرواح الطاهرة وإنّما جاء ليقول للإمام السجاد (عليه السلام) تعليماً للناس، فإنهم كثيراً ما كانوا لا يتمكنون من إظهار علومهم إلا بالإسناد.

وهنا كلامان (الأول) أنّ الخوف كيف يلائم مع علم الإمام بالمستقبل، فإنك إذا علمت أنّ مريضك يموت أو علمت أنّه لا يموت، لا يصح أن تقول: أخاف من موت مريضي، بل الخوف للأمر المترقب المشكوك فيه (الثاني) أنّه على تقدير صحة الخوف مع العلم، فالإمام المطّلع على الثواب والأجر، لا وجه لخوفه.

والجواب (أوّلاً) إنّ في بعض الأحاديث: إنّ الأئمة (عليهم السلام، اذا شاءوا علموا.. فحالهم في علم المستقبل حالنا في رؤية الأشياء، اذا أردنا فتحنا العين لنرى، وإذا لم نشأ لم نفتحها فلا نرى، إذاً فمن الممكن عدم مشيئتهم لعلم المستقبل، لمصلحة في عدم العلم (ثانياً) يصح الخوف مع العلم بالمضرّ المستقبل، ولذا يصح أن تقول أخاف من الموت، مع إنّك تعلم أنّه يأتيك لا محالة (ثالثاً) من المحتمل قريباً أن يكون العلم بواسطة الأسباب العادية هي التي تؤثر في الحالات النفسية المعتادة، أما العلم بواسطة الأسباب غير العادية فتارة تؤثر وتارة لا تؤثر مثلاً إنّك إذا علمت بأنّ عملية جرح الولد تسبب له راحة، لا تحزن وانما تفرح، لأنه علم بواسطة السبب العادي، أما الأمام الحسين (عليه السلام) حيث كان علمه بأن قتل علي الأكبر يوجب له راحة كاملة وكان (عليه السلام) يرى الجنة ونعيمها التي ينعم فيه ابنه الشهيد، بواسطة السبب الخارق للعادة، لم يكن ذلك العلم يؤثر في فرح الامام (عليه السلام) وإنّما كان يحزن ويبكي لقتل ولده ـ وهذا الجواب دقيق جدّاً وبه يمكن أن يحلّ كثيراً من هذا القبيل من الاشكالات ـ.

(رابعاً) إنّ العلم بالثواب لا يسبب عدم الخوف، بل الخوف كالألم نتيجة لعالم الجسم، فكما أن العلم بالثواب لا يسبب عدم ألم الجسم من سيف العدو، كذلك العلم بالثواب لا يسبب عدم الخوف الحاصل من مقدمات الخوف، كالفتنة وما أشبه... ولا يخفى أنّ هذا المبحث مربوط بالفلسفة انسقنا إليه انسياقاً دفعاً، لم يتبادر إلى بعض الأذهان، من أمثال هذا الحديث من الأشكال، والله العالم بحقيقة الحال.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (من أُعطي ثلاثاً لم يمنع ثلاثاً من أُعطي الدعاء: أُعطي الإجابة، ومن أُعطي الشكر: أُعطي الزيادة، ومن أُعطي التوكل: أُعطي الكفاية، ثم قالأتلوت كتاب الله عز وجل؟: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)(40) وقال: (لئن شكرتم لأزيدنكم...)(41) وقال: (... ادعوني أستجب لكم...)(42) (43).

وقال (عليه السلام): (إنّ الغنى والعزّ يجولان، فإذا ظفرا بموضع التوكّل أوطنا)(44) وقال (عليه السلام): (أوحى الله إلى داود (عليه السلام): ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي، عرفت ذلك من نيته، ثم تكيده السموات والأرض ومن فيهن، ألا جعلت له المخرج من بينهن وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السموات والأرض من يديه وأسخت الأرض من تحته ولم أُبال بأي واد هلك)(45).

ثم إنّ كثيراً من الناس يزعمون أنّ التوكل، لقلقة لسان، وقوله. (توكلت على الله). وهذا زعم باطل، أرأيت المريض، لو تلفظ بالدواء ألف مرة، هل كان يكفي ذلك، ويبله من مرضه؟ حتى يستعمل الدواء كذلك (التوكل) لا ينفع لفظه، إلا اذا عمل به الانسان، وأنمى ملكته في نفسه، نعم قولة: (توكلت على الله) إظهار وإيحاء، وما أكثر فائدتهما، أمّا (الإظهار) فلأنه شعار والشعار مهم جدّاً، شرعاً وعقلاً وعرفاً، وأمّا (الإيحاء) فلأن الانسان إذا كرّر شيئاً، خصوصاً إذا كان بصوت، أوحى ذلك الشيء المكرّر إلى نفسه بالالتزام بذلك الشيء ولعلّ هذا هو سرّ ما ورد في الأحاديث الكثيرة من استحباب التلفظ بالفاظ الذكر والدعاء والقرآن وما أشبه، بالإضافة إلى فائدة (التعلم) و(التذكر).

ولذا اعتاد الناس إملاء أذهانهم بالمحفوظات، وإن كان وقت الحفظ قد لا يستفيد الانسان من حفظه شيئاً، إلا إنّ ذلك تذكرة وإيحاء، وما أكثر فائدتهما!

الشكر

هل رأيت إنساناً تقدم إليه (ماء) ثم يشرب، ولا يقول لك شيئاً، كيف تمتعض؟ إنّه ليس بإنسان كامل، وإلا لشكرك وأقلاّ، باللفظ فقط؟.

ثم إئت إلى الأزيد فالأزيد، حتى تصل إلى من أنعم عليك بكل شيء وكل شيء، ألا يحق أن تشكره ليل نهار، وسرّاً وجهاراً وإن لم تشكر، فأنت جاحد كافر، ولا أعني بالكفر كفر العقيدة، فإنه خاص بمن ينكر أو يرتاب في أصول الدين فقط، وإنما أقصد بالكفر كفر العمل، فإن من لا يصلي كافر، ومن لا يحج كافر، ومن لا يشكر كافر، ولذا وردت الآيات والأحاديث في نسبة الكفر إلى هؤلاء وأمثالهم! في حديث ينقله شيخنا المرتضى في كتاب المكاسب: إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ (عليه السلام): (يا عليّ كفر بالله العظيم من هذه الأمة عشرة النمام و....).

والشكر فضيلة جميلة، يوجب كمال إنسانية الانسان، وإلا فالخالي عن الفضيلة، ليس بإنسان إطلاقاً، وإن كان ماشياً على رجلين، فالدبّ وبعض القردة أيضاً تمشي على رجلين، ولذا قال الإمام المرتضى (صلوات الله عليه): ابني: إن مـــن الـرجلـــين بهيمة في صورة الرجل السميع المبصر.

والشكر على ثلاثة أنواع:

1 ـ الشكر باللسان، بأن يتلفظ الانسان بلفظه (الشكر لله أو أشكر الله) أو ما أشبه، بل كل حمد ومدح له سبحانه فهو داخل في إطار الشكر وإن لم يكن بلفظ الشكر.

2 ـ الشكر بالقلب، بأن يعرف الانسان بقلبه، إنّ النعم منه سبحانه، وينوي له شكراً ومدحاً، ويخضع قلباً، أمام منعمه والمتفضّل عليه، حتى يكون القلب ذا ملكة للشكر.

3 ـ الشكر بالــجوارح، بأن يأتي الانسان بما يليق بالنعم، من الاطاعة، والاجتناب عن المعصية، ولذا قال سبحانه: (... اعملوا آل داود شكراً...)(46) أي آتوا بالعمل الذي هو شكر.

قال الله تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم...)(47) وقال: (... لئن شكرتم لأزيدنّكم...)(48) وقال: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون)(49) وقال: (سنجزي الشاكرين)(50) إلى غيرها من الآيات ولكن هل كل أحد يعرف قدر النعم، ويأتي بالشكر حقـّه؟ كلا، قال سبحانه: (... وقليل من عبادي الشكور)(51).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الطاعم الشاكر، له من الأجر كأجر الصائم المحتسب) أليس كل واحد قد أتى بشرائط العبودية، وواجب حق الله تعالى؟ واستطرد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في بقية الحديث السابق قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (و المعافى الشاكر، له من الأجر كأجر المبتلي الصابر، والمعطي الشاكر، له من الأجر كأجر المحروم القانع)(52) وما ألطف هذا الحديث الذي فاه به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: (إنّ للنعم أوابد كأوابد الوحش، فقيّدوها بالشكر)(53) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ينادي مناد يوم القيامة: ليقوم الحمادون! فيقوم زمرة، فينصب لهم لواء، فيدخلون الجنة، فقيل: من الحمادون؟ فقال: الذين يشكرون على كل حال)(54).

وهل من الصحيح أن نشكره على بلائه والبؤس كما نشكره على فضله؟ نعم، فان الله تعالى لا يفعل بعبده إلا خيراً سواء كان نعمة أو نقمة قل: كل من عند الله، والنقمة في المؤمن أما تأديب أو تخفيف ذنب أو رفع درجة؟ وأيّ الثلاثة لا يستحق شكراً؟.

وقال الإمام السجاد (عليه السلام): (إنّ الله سبحانه يحب كل قلب حزين، ويحب كل عبد شكور)(55) والظاهر: إنّ المراد بالحزين، الذي يحزن لأمر آخرته، أو يحزن لضلال الناس وانحرافهم، وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند عائشة ليلتها، فقالت: يا رسول الله لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا عائشة، ألا أكون عبداً شكوراً؟ قال عليه الصلاة والسلام: وكان يقوم على أطراف أصابع رجليه، فأنزل الله تعالى: (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)(56) وفي الحديث تنبيه على انه لا يلزم أن يكون العمل لاجل غفران الذنب، بل ولو علم الانسان أنّ ذنبه مغفور، كان من شرائط الطاعة أن يعمل شكراً لله تعالى، ثم إنّ الظاهرأنّ المراد بالذنب ذنب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمام قريش، فقد فتح الله سبحانه للنبي فتحاً مبيناً، ومن نتائج الفتح غفران ذنبه السابق على الهجرة والمتأخر عنها، كما هي العادة من الناس ينظرون إلى الرؤساء نظرة الإعظام والإكبار، فيغتفرون بذلك ما يعدونه ذنباً، وهذا استعمال عادي كثير في المحاورات، أما كون المراد بالذنب ذنب الأُمّة كما ورد، فذلك من المصاديق لكل غفران الذنب، الصادق على ذنب الرسول بالنسبة إلى قريش ـ كما هو الظاهر من سياق الآيات ـ وعلى ذنب الأُمّة، حيث إنّ ذنب الشعوب يعد ذنب الرؤساء، وكيف كان فللكلام محل آخر.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (ما أنعم الله على عبد من نعمة، عرفها بقلبه، وحمد الله ظاهراً بلسانه، فلم يتم كلامه، حتى يؤمر له بالمزيد)(57) وقال (عليه السلام): (ثلاث لا يضر معهن شيء: الدعاء عند الكرب، والاستغفار عند الذنب، والشكر عند النعمة)(58) فلا كرب مع الدعاء، ولا ذنب مع الاستغفار، ولا خوف من زوال النعمة مع الشكر.

وقال (عليه السلام): (شكر كل نعمة وإن عظمت أن تحمد الله عزّ وجل عليها)(59) وليس المراد الحمد باللسان فقط، بل الحمد بقول مطلق، ولذا قال (عليه السلام) في حديث آخر: (شكر النعم: اجتناب المحارم، وتمام الشكر قول الرجل: الحمد لله رب العالمين)(60) وسئل (عليه السلام): (هل للشكر حد إذا فعله العبد كان شاكراً؟ قال (عليه السلام): نعم، قيل: ما هو؟ قال (عليه السلام): يحمد الله على كل نعمة عليه في أهل ومال، وإن كان فيما أنعم الله عليه في ماله حقٌّ أدّاه)(61).

وقال (عليه السلام): (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ورد عليه أمر يسرّه قال: الحمد لله على هذه النعمة، وإذا ورد عليه أمر يغتمُّ به، قال: الحمد لله على كلّ حال)(62) وقال (عليه السلام): (اذا ذكر أحدكم نعمة الله فليضع خده على التراب، وإن لم يكن يقدر على النزول للشهرة، فليضع خده على قربوسه، وإن لم يقدر فليضع خده على كفه، ثم ليحمد الله على ما أنعم عليه)(63).

ومن الجدير بالإنسان أن يعوّد نفسه الحمد لله، بل ذكره سبحانه في كل مناسبة، نحو: (في أمان الله) و(إن شاء الله) و(عافاك الله) و(أصلحك الله) وما أشبه. وقد روي ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): سأل رجلاً قائلاً: (كيف أصبحت؟ فقال: بخير، فأعاد (صلى الله عليه وآله وسلم) فأعاد الرجل الجواب، فأعاد (صلى الله عليه وآله وسلم) السؤال، فقال الرجل: بخير أحمد الله وأشكره، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا الذي أردت منك)(64) وقد كانت عادة المسلمين الإتيان بذكره سبحانه، وبما أمر حتى جاءت المناهج الغربية فبدّلوا كل شيء، حتى هذا.

فقد كان للقاء (السلام عليكم ورحمة الله)... والآن: أهلاً، أو (هلو).

وللتحية بعد اللقاء: (صبّحكم الله بالخير) أو ما أشبه... والآن: صباح الخير...

وللتوديع (في أمان الله)... والآن: في الأمان.

وللوعد (إن شاء الله)... والآن: صار..

وللجواب عن سؤال الصحة: (الحمد لله): والآن: لا بأس أو ينقضي، وهكذا وهكذا...

ثم ليعرف الانسان، ان التوفيق للشكر، والتمكن على الشكر، من نعم الله التي تستحق أن يشكر الله سبحانه من وفق له، ولذا ورد: (إنّ الله أوحى إلى موسى (عليه السلام): يا موسى اشكرني حق شكري، فقال: يا رب، كيف أشكرك حق شكرك، وليس من شكر أشكرك به إلا وأنت أنعمت به عليّ؟ قال: يا موسى الآن شكرتني، حيث علمت أنّ ذلك منّي)(65) وورد مثل ذلك بالنسبة إلى داود (عليه السلام)..

وقد أخذه بعض العلماء فقال في منظومة له:

شكراً، وأنّى لي بلوغ ما وجب          من شكره والشكر للشكر سبب

ثم إنّ الشكران كما يوجب المزيد من النعمة، فالكفران يوجب المنقصة والزوال، قال الله تعالى: (... لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد)(66) وقال سبحانه: (... فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف...)(67) وما أعجب هذا التعبير، حتى كان الجوع والخوف لباس يشتمل على جميع أعضاء الجسم، فكل عضو وكل جزء من البدن خائف جائع وهو كذلك فإن الخوف إذا اشتدّ يحسّ الشخص إنّ كل جزء من بدنه خائف، وكذلك الجوع.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (مكتوب في التوراة: اُشكر من أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعماء إذا شُكرت، ولا بقاء لها إذا كُفرت، الشكر: زيادة في النعم، وأمان من الغير)(68) أي تغيّر الحال من الحسن إلى السيء.

الصبر

لقد مرّ بنا مراراً، أن الفضيلة هي الوسط بين الإفراط والتفريط، والتحفظ على الوسط مشكل جدّاً، فإنّ الانسان غالباً يميل إلى أحد حافتي الطريق.

والأشياء لها موازين خاصة، ينبغي للإنسان، أن لا يخرج عن تلك الموازين.

فالصبر الذي هو محل الكلام ـ في هذا المبحث ـ اعتدال في السلوك، لا عجلة لسبب الخبال والزيغ، ولا تلكّؤ يوجب الإنحطاط والتأخّر، مثلاً، إنّ أسرع الرجل في زواج ولده قبل البلوغ، كان عجلة وإن أخّر الزواج إلى بعد البلوغ بسنوات كان تفريطاً للأوان، أما اذا بلغ، زوّجه مع صبر وتوئدة ورويّة، ليختار الزوجة الصالحة، فهذا هو الصبر المحبوب.

وبعض الناس يزعم أنه ليس في عمل الخير صبر! وهذا غفلة عن معنى الصبر، فالصبر ليس معناه التأخير، بل معناه الانتقاء والاختيار، مثلاً: إنّ من الضروري أن تسرع في محاربة من يريد الانقضاض على البلاد الإسلامية، لكن ليس معنى ذلك إلا أن تبادر قبل فوات الأوان، لا أنّ معنى ذلك أن لا تعمل الرويّة والفكر في اختيار الأنقى من الطرق، والأنجح من السبل، فالصبر في كل شيء بحسبه.

والصبر بالإضافة إلى ما ورد فيه من الفضل في الآيات والأحاديث، فضيلة إنسانية تأتي بنتائج مدهشة، في الإتقان وصحة العمل وإصلاح الفاسد، ولذا يلزم على الانسان أن يواظب على هذه الفضيلة، ويقوي ملكتها في نفسه، وقد قسم العلماء الصبر إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ الصبر على الطاعة، كالصلاة، والصيام، والحج، وإيتاء الزكاة وما أشبه.

2 ـ الصبر على المعصية، كأن يصبر نفسه عن ارتكاب الجريمة واقتراف الحرام.

3 ـ الصبر على المصيبة، بأن لا يخرج، ولا يعمل عملاً ينافي الشرع أو العقل أو العرف، انسياقاً وراء العاطفة.

أما الصبر على الأعمال حتى يأتي بالثمر الشهي، فالغالب دخوله في باب الصبر في الطاعة.

بل لو دقق الانسان في أعمال البر لوجد كثيراً منها من أقسام الصبر فالتعفـّف عن الزنا، والربا، وأكل المال الحرام، وسائر الجنايات يحتاج إلى الصبر، وإقام الصلاة والإتيان بالواجبات والمندوبات يحتاج إلى الصبر والتعلم والتفقه والوفاء والحياء، وما إلى ذلك يحتاج إلى الصبر، والمشي مع الناس حتى يصلحهم ويرشدهم يحتاج إلى الصبر، وعدم الجزع في النوائب والمصائب والنوازل يحتاج إلى الصبر، وهكذا، ولذا لما سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الإيمان؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): هو الصبر!.

وقد حرّض الإسلام على الصبر أكبر تحريض، وأرصد له من الآيات والأحاديث أكبر رصيد، ففي القرآن الحكيم أكثر من سبعين آية حول هذه الفضيلة الرفيعة كقوله سبحانه: (وجعلنا منهم أئمّة يهدون بأمرنا لما صبروا...)(69) وقال: (... وتمت كلمة ربّـــك الحسنـــى على بني إســـرائيل بـــما صبروا...)(70) وقال: (... ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)(71) وقال: (اُولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا...)(72) وقال: (... واصبروا إنّ الله مع الصابرين)(73) وقال: (... وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)(74) وقال: (بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين)(75) قال: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا...)(76) وقال: (... وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون اُولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واُولئك هم المهتدون)(77).

وكل ذلك حقيقة كونية، بالإضافة إلى الإمدادات الغيبية التي يتلقاها الصابرون، فإن الصبر مفتاح الفرج، وقد قال الشاعر الفارسي: إن الصبر والظفر صديقان من القديم، ففي أثر الصبر يأتي الظفر، وقبله

قال تعالى: (ولمن صبر وغفر إنّ ذلك لمن عزم الأمور)(78) وهو كذلك فإن العزم الأكيد هو الذي يوفق الانسان بسببه على الصبر، وانك اذا رأيت العلماء الكبار، والشعراء العظام، والكتاب النابهين، والمكتشفين الكبراء والخطباء البارعين، وغيرهم من الطبقة العليّة من الناس، ترى السمة البارزة فيهم التي أوصلتهم إلى تلك المرتبة الرفيعة والمنزلة العالية، هي الصبر، وقد قال أحد الكبار من الساسة: (إن الإصلاح يحتاج إلى الصبر اللانهائي) هذا كله في الدنيا، أما في الآخرة فـ (... إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)(79).

و الأحاديث الواردة في فضيلة الصبر، والسيرة النبوية المنهاج العملي للائمة الطاهرين (عليهم السلام)، في باب الصبر كثيرة جدّاً، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الصبر نصف الإيمان)(80) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أقلّ مما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار، ولئن تصبروا على مثل ما أنتم عليه أحبّ إليّ من أن يوافيني كل امرئ منكم بمثل عمل جميعكم، ولكنّي أخاف أن تفتح عليكم الدنيا بعدي، فينكر بعضكم بعضاً، وينكركم أهل السماء عند ذلك فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه، ثم قرأ (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله تعالى: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق...)(81) (82).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الصبر كنز من كنوز الجنة)(83) فكما ان الكنز يوجب رفعة صاحبه في الدنيا، مالاً وجاهاً كذلك الصبر يوجب رفعة صاحبه في الجنة وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أفضل الأعمال ما أُكرهت عليه النفوس)(84) فعدم التكلم باللغو مع شدة رغبة الانسان إلى الكلام وعدم تناول الطعام الزائد فكيف بالحرام مع وفرة رغبة الانسان إليه والقيام في أُخريات الليل مع غلبة المنام وأمثال ذلك مما تُكره النفس عليه من أفضل الأعمال الموجبة للقرب والزلفى لدى ذي الجلال.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (في الصبر على ما تكره خير كثير)(85) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الصبر من الأيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك اذا ذهب الصبر ذهب الإيمان)(86) وسئل (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الإيمان؟ فقال: (الصبر والسماحة)(87) وروي: (أنّ فيما أوحى الله تعالى إلى داود (عليه السلام) أنّه قال: تخلّق بأخلاقي، وإنّ من أخلاقي إنّي أنا الصبور)(88).

واستمع إلى هذا الحديث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما تجرّع عبد قط جرعتين أحبّ إلى الله، من جرعة غيظ ردّها بحلم، وجرعة مصيبة يصبر الرجل لها، ولا قطرت بقطرة اُحبّ إلى الله تعالى من قطرة دم أُهرقت في سبيل الله، وقطرة دمع في سواد الليل وهو ساجد ولا يراه إلا الله، وما خطا عبد خطوتين أحبّ إلى الله تعالى، من خطوة إلى الصلاة الفريضة وخطوة إلى صلة الرحم)(89).

وهذه الأمور بالإضافة إلى ما لها من الثواب توجب خير الدنيا والسعادة فيها، فالصبر عند الغيظ والمصيبة يوجب مهابة الانسان في النفوس، والدم في سبيل الله يوجب التقدم والشوكة، وقطرة الدمع توجب قوّة الاتصال بالله مما هو رأس كل فضيلة، فإن قوة الإيمان تمنع صاحبها من الدنايا، وهكذا الخطوة إلى الصلاة، اتصال بالله وهيبة عند الناس وصلة الرحم تأليف وقوة ونظام.

وروي ـ عن المسيح (عليه السلام) انه قال للحواريين: (إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ما تكرهون)(90) وهذه حقيقة بقدر ما هو تأييد من الغيب، فهل رأيت عالماً لم يسهر، وتاجراً لم يكدح، وملكاً يتلقى البشر من شعبه بدون نصب وعدل..و ؟

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، ومن صبر عــلى المعصية كتب الـــله له تسعمائة درجـــة ما بين الدرجـــة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش)(91) والله وحده يعلم هذه المسافات، ويعلم ما لأصحاب الدرجات الأرقى من الابتهاج والسرور.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (بني الإيمان على أربع دعائم: اليقين، والصبر، والجهاد، والعدل، وقال (عليه السلام): الصبر، وحسن الخلق، والبر، والحلم، من أخلاق الأنبياء)(92) وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (الجنة محفوفة بالمكاره، والصبر، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة، وجهنّم محفوفة باللذات والشهوات، فمن أعطى نفسه لذّتها وشهوتها دخل النار)(93) والمراد الشهوة المحرّمة.

الى غيرها وغيرها من الروايات الواردة بهذا الشأن.

ثم أن معنى الصبر على الطاعة، عدم إطاعة الكسل، والخور في عدم الإتيان بالطاعة.. ومعنى الصبر على المعصية، أن يصبر نفسه فلا يأتي بالعصيان وإن كان فيه لذة وتاقت نفسه إلى الاقتراف.. ومعنى الصبر على المصيبة، أن لا يجزع بقول سيّء أو عمل منافي للحلم.. ومعنى الصبر على العمل، أن يستمر بدون إعارة أهمية للتعب أو كلام الناس والمصادمات.

وما في الروايات، من أن الصبر: الإيمان، أو جزءه، أو نصفه، وكرأسه، أو أمثال ذلك، يراد به مراتب الصبر... والصبر من أهم أسس النجاح في الدنيا والآخرة، فعلى الانسان أن يهتم لتحصيل هذه الفضيلة، أوّلاً، ثم إنماؤها حتى يأتي بأحسن الثمار وأجمل الآثار، والله الموفّق وهو المستعان.

حسن الظن

القلب كالأرض منها مالحة أجاجة، ومنها عذبة طيبة فالأرض المالحة لا تنبت إلا نكداً والطيبة تؤتي نباتاً خضراً... وهكذا القلب منه طيب لا ينبت إلا الطيب ومنه خبيث لا يخرج إلا الخبيث، فالقلب الطيب قوله طيب ونبته طيب وفكره طيب والخبيث، بالعكس.

ومن شؤون القلب الظن بالنسبة إلى الناس والى خالق الناس، فذو القلب الطيب لا يظن بالناس إلا خيراً ولا يظن بإله الناس إلا خيراً وعلى ضده خبيث القلب.

إن رأى الأول شيئاً مريباً حمله على محمل صحيح وإن سمع كلاماً بذيئاً قال: لعلّي لم أفهم معنى الكلام والمتكلم يريد غير ما فهمت، وإن نظر إلى سيئة عفى وقال في صاحبه خيراً.. وهكذا وبذلك يصفو قلبه وتنير نفسه ويخلص ذهنه فهو في راحة والناس منه في راحة وكذا بالنسبة إلى خالق الأرض والسماء الإله الحكيم العليم. وإن سمع شيئاً سلّم أمره إلى الله وقال: الله أعلم بما يعمل وإن ذاق شيئاً مرّاً قال:(.. وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم...)(94) وهكذا... وهكذا...

وذو القلب الخبيث على الضد من ذلك كله، فهو سيء الظن بالناس، سيء الظن بالله تعالى وهو بهذا يؤذي نفسه أكثر مما يؤذي من أساء بهم الظن.

والإسلام يحب الطيب من كل شيء:(وهدوا إلى الطيب من القول)(95) وهكذا يريد أن يكون المسلم حسن الظن، يقول الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم...)(96) اجتنبوا الكثير من الظن لأن بعضه رديء، كمن يجتـــنب أدوية معيّـــنــة، لأنه يعلم أن فـــيها سمّـاً قاتلاً وقال تعالى في آية أخرى:(... وظننتم ظن السوء وكنتم قوماً بورا)(97) هذا بالنسبة إلى سوء الظن بالناس، أما سوء الظن بالله تعالى فاستمع: (وذلكم ظـــنكم الذي ظننـــتم بربكم أرداكـــم...)(98) ، إن الظن السيء بالرب يردي الإنسان!

ثم ماذا يستفيد سيء الظن، إنّه يسيء إلى نفسه من حيث يحتسب أنّه يحسن فإذا استفسرت منه! عن وجه هذه الظنون؟ يقول: لئلا أقع في البئر!عجباً، انه في البئر وقع، وافترسه الأسد الذي هرب منه إذ لا يزال الإنسان ليسيء الظن حتى يظهر أمره على الناس وعند ذلك ينفر منه كل قريب وبعيد ويبقى في وحشة وعزلة...

ولو نظرت إلى أحوال الناس، رأيت هذا الكلام صادقاً فكل سيء الظن، بعيد متنفـّر منه، وبالعكس، كل حسن الظن قريب محبوب لدى الجميع.

فإذ يوصينا الإسلام بحسن الظن، لا يريد من وراء ذلك الإحسان إلى الآخرين فقط، وإنما يهتم بالإحسان إلينا، أكثر.. فأكثر.

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً، وأنت تجد لها في الخير محملاً)(99).

ولا يزال سيء الظن يمادي في غيّه حتى يظن كل خير شراً فمن سلّم عليه رآه هازئاً، أو متكبراً في سلامه ومن ترك السلام عليه أقام الدنيا وأقعدها نقمة عليه فبالله قل له: ماذا يصنع من يلاقيك إذاً؟ وهذا بالعكس من وصية الإمام (على أحسنه) فإن ترددت: إنّه سبّـك أو رحبّ بك، أو سلّم عليك، فقل: سلام، لأنه أحسن من الترحيب.. وهكذا يلقى السلام في القلوب المحبة ويحصد الشوك والحسد كي يسلم المجتمع من الانهيار والبوار.

والى جنب ما وصّى الإسلام بحسن الظن، يوصي بالتنكّب عن مواضع التهمة، فهذا لا يضع نفسه موضعاً مثيراً للشكوك وذلك لا يسيء الظن، أيّة جنة أحسن من هذه؟ قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اتقوا مواقع التهم)(100) وفي الحديث (ومن جلس مجالس السوء أُتهم).

وفي الحديث الآتي أروع الأمثلة، لحياطة الإسلام عن مثار الشكوك.

روي:(أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يكلّم زوجته صفية بنت حي بن أخطب فمر به رجل من الأنصار فدعاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا فلان! هذه زوجتي صفية، فقال: يا رسول الله، أفنظن بك إلاّ خيراً؟! قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فخشيت أن يدخل عليك)(101).

وقد حدث قريباً حادث يدل على مدى الاشتباهات التي تقع من جراء سوء الظن، واليك القصة:(كنت رجلاً أسكن إحدى الغرف في المحلات المعدة للسكنى وذات ليلة بينما كنت نائماً، سمعت صوتاً رقيقاً كأنه صوت شاب يستغيث استغاثة مشجية ويقول: لا تفعل لا تفعل آخ آخ خلني خلني. احترقت احترقت وهكذا كان يكرر مثل هذه العبارات.. فلم أشك في انه عمل قبيح فقمت من فراشي وذهبت إلى الغرفة التي كانت فيها القصة، ومن شق الباب نظرت فإذا رجل يقلع الزفت الذي كان وضعه على قرعة ولده.! قال: وهنالك تيقنت أن كل شيء هو خلاف الواقع).

لكن ينبغي للعاقل أن لا يوقع نفسه في مثل هذه المآزق حتى يساء به الظن وإن فعل فهو السبب ولذا ورد عن الإمام (عليه السلام):(من عرّض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن)(102).

إنه هو السبب فكيف يلوم غيره؟

كظم الغيظ

الإنسان بطبعه يهتاج بما لا يلائمه، قدّيساً كان أو شريراً إذ لكل أحد ما لا يلائم ملكاته ونظرياته، وهذا التوتر والاهتياج أول سلسلة من العمل فالرجل الهائج لا بد وان يبدي ما يكنه عصبه بلسان أو يد أو منجل أو تغيير قيافة.

وإذا كان الشخص مالكاً لأعصابه، مسيطراً على أجهزته يتمكن من إخماد هذه الثائرة: حتى تصبح النار رماداً تذروه الرياح وهذا ما يسمى بكظم الغيظ فهو تحلّم لا حلم.

وكظم الغيظ فضيلة كما أن الحلم والعلم.. وما إليهما فضيلة، يمدح الله عباده المؤمنين.

بقوله: (... والكاظمين الغيظ...)(103). ويقول نبي الإسلام العظيم: من كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه يوم القيامة رضاً)(104).

وكظم الغيظ يعقب روحاً وراحة، وبالعكس الطيش والهياج فأنهما يعقبان حسرة وندامة إذ لا أقل: من انهيار النفس وتعب البدن ودع عنك ما ينجم عن ذلك كثيراً.. من جرح وأذى وربما حبس وقتل ولذا يقول الإمام السجاد (عليه السلام): (ما تجرعت جرعة أحبّ إلّي من جرعة غيظ لا اُكافىء بها صاحبها)(105) ويقول ولده الإمام الباقر (عليه السلام) ـ لبعض ولده ـ: (يا بني ما من شيء أقرّ لعين أبيك من جرعة غيظ عاقبتها صبر وما يسرّني أن لي بذلّ نفسي حُمُر النعم)(106).

فإن في شفاء الصدر ذلاً عاجلاً في الدنيا ومرارةً آجلةً في الآخرة فإن من ينفذ غيظه لا بد وان يقابل بالمثل وفيه مذلة قال الإمام الصادق (عليه السلام):(ما من عبد كظم غيظاً إلا زاده الله عز وجل عزّاً في الدنيا والآخرة، وقد قـــال الله عز وجـــل (... والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)(107) وأثابه الله مكان غيظه ذلك)(108).

أما ثواب الآخرة فحدّث ولا حرج:

قـــال رســـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):(ما جــــرع عبد جرعــــة أعظم أجراً من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى)(109).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن لجهنّم باباً لا يدخله إلا من شفي غيظه بمعصية الله تعالى)(110) وانه كذلك فربما هاجه أحد فيريد الانتقام منه بالغيبة والتهمة وكيل اللوم والذم والتشهير والقذف، وما إليها.. إلى من أغضبه فهو شفاء للغيظ بالمعصية ولا يكون محل هذا إلا النار.

 

1 ـ سورة فصلت: آية 11.

2 ـ سورة الكهف: آية 7.

3 ـ جامع السعادات: 3/201.

4 ـ جامع السعادات: 3/201.

5 ـ جامع السعادات: 3/201.

6 ـ أصول الكافي: 2/62 ـ جامع السعادات: 3/202.

7 ـ أصول الكافي: 2/62 ـ جامع السعادات: 3/202.

8 ـ جامع السعادات: 3/202.

9 ـ جامع السعادات: 3/204.

10 ـ جامع السعادات: 3/204.

11 ـ جامع السعادات: 3/205.

12 ـ جامع السعادات: 3/205.

13 ـ جامع السعادات: 3/205.

14 ـ أصول الكافي: 2/60 جامع السعادات: 3/205.

15 ـ أصول الكافي: 2/62 جامع السعادات: 3/206.

16 ـ أصول الكافي: 2/60 جامع السعادات: 3/206.

17 ـ أصول الكافي: 2/61 جامع السعادات: 3/206.

18 ـ أصول الكافي: 2/61 جامع السعادات: 3/206.

19 ـ أصول الكافي: 2/62 جامع السعادات: 3/206.

20 ـ سورة يونس: آية 62.

21 ـ جامع السعادات: 3/216.

22 ـ سورة الأنفال: 17.

23 ـ سورة الذاريات: آية 58.

24 ـ سورة المائدة: آية 23.

25 ـ سورة آل عمران: آية 122.

26 ـ سورة آل عمران: آية 159.

27 ـ سورة الطلاق: آية 3.

28 ـ سورة الأنفال: آية 49.

29 ـ جامع السعادات: 3/222.

30 ـ سورة الأنفال: آية 65.

31 ـ سورة الفجر: آية 18.

32 ـ سورة الأنفال: 60.

33 ـ سورة النساء: آية 102.

34 ـ سورة التوبة: آية 105.

35 ـ جامع السعادات: 3/222.

36 ـ سورة النحل: آية 96.

37 ـ سورة المنافقون: آية 7.

38 ـ جامع السعادات: 3/222.

39 ـ أصول الكافي: 2/63 ـ جامع السعادات: 3/223.

40 ـ سورة الطلاق: آية 3.

41 ـ سورة إبراهيم: آية 7.

42 ـ سورة غافر: آية 60.

43 ـ أصول الكافي: 2/65 ـ جامع السعادات: 3/223.

44 ـ أصول الكافي: 2/65 ـ جامع السعادات: 3/223.

45 ـ أصول الكافي: 2/63 ـ جامع السعادات: 3/223.

46 ـ سورة سبأ: آية 13.

47 ـ سورة النساء: آية 147.

48 ـ سورة إبراهيم: آية 7.

49 ـ سورة البقرة: آية 152.

50 ـ سورة آل عمران: آية 145.

51 ـ سورة سبأ: آية 13.

52 ـ أصول الكافي: 2/94 ـ جامع السعادات: 3/240.

53 ـ جامع السعادات: 3/240.

54 ـ جامع السعادات: 3/240.

55 ـ أصول الكافي: 2/99 ـ جامع السعادات: 3/240.

56 ـ أصول الكافي: 2/95 ـ جامع السعادات: 3/240.

57 ـ أصول الكافي: 2/95 ـ جامع السعادات: 3/240.

58 ـ أصول الكافي: 2/95 ـ جامع السعادات: 3/240.

59 ـ أصول الكافي: 2/95 ـ جامع السعادات: 3/237.

60 ـ أصول الكافي: 2/95 ـ جامع السعادات: 3/237.

61 ـ أصول الكافي: 2/96 ـ جامع السعادات: 3/237.

62 ـ أصول الكافي: 2/97 ـ جامع السعادات: 3/237.

63 ـ أصول الكافي: 2/95 ـ جامع السعادات: 3/238.

64 ـ جامع السعادات: 3/238.

65 ـ أصول الكافي: 2/99 ـ جامع السعادات: 3/243.

66 ـ سورة إبراهيم: آية 7.

67 ـ سورة النحل: آية 112.

68 ـ أصول الكافي: 2/94 ـ جامع السعادات: 3/242.

69 ـ سورة السجدة: آية 24.

70 ـ سورة الأعراف: آية 137.

71 ـ سورة النحل: آية 96.

72 ـ سورة القصص: آية 54.

73 ـ سورة الأنفال: آية 46.

74 ـ سورة العصر: آية 3.

75 ـ سورة آل عمران: آية 125.

76 ـ سورة آل عمران: آية 200.

77 ـ سورة البقرة: آية 155 ـ 157.

78 ـ سورة الشورى: آية 43.

79 ـ سورة الزمر: آية 10.

80 ـ أصول الكافي: 2/87 ـ جامع السعادات: 3/287.

81 ـ سورة النحل: آية 96.

82 ـ جامع السعادات: 3/287.

83 ـ جامع السعادات: 3/288.

84 ـ جامع السعادات: 3/288.

85 ـ جامع السعادات: 3/288.

86 ـ أصول الكافي: 2/87 ـ جامع السعادات: 3/288 نحوه.

87 ـ جامع السعادات: 3/288.

88 ـ جامع السعادات: 3/288.

89 ـ جامع السعادات: 3/288.

90 ـ جامع السعادات: 3/288.

91 ـ أصول الكافي: 2/91 ـ جامع السعادات: 3/289.

92 ـ جامع السعادات: 3/291.

93 ـ أصول الكافي: 2/89 ـ جامع السعادات: 3/292.

94 ـ سورة البقرة: آية 216.

95 ـ سورة الحج: آية 24.

96 ـ سورة الحجرات: آية 12.

97 ـ سورة الفتح: آية 12.

98 ـ سورة فصلت: آية 23.

99 ـ جامع السعادات: 1/315.

100 ـ جامع السعادات: 1/317.

101 ـ جامع السعادات: 1/317.

102 ـ جامع السعادات: 1/317.

103 ـ سورة آل عمران: آية 134

104 ـ أصول الكافي: 2/110 ـ جامع السعادات: 1/332.

105 ـ أصول الكافي: 2/109 ـ جامع السعادات: 1/333.

106 ـ أصول الكافي: 2/110 ـ جامع السعادات: 1/333.

107 ـ سورة آل عمران: آية 134.

108 ـ أصول الكافي: 2/110 ـ جامع السعادات: 1/333.

109 ـ جامع السعادات: 1/332.

110 ـ جامع السعادات: 1/332.