الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

المداراة

ومن الرفق المداراة مع الناس بحسن صحبتهم واحتمال أذاهم، وعدم مجابهتهم بما يكرهون، وليس هذا من النفاق كما يزعمه الغرّ، فالنفاق هو أن يكون الإنسان ذا وجهين، يلقى صاحبه بوجه ويغيب عنه بوجه... والمداراة ليست منه في شيء، إنّها اللين مع الناس.

والمداراة تحتاج إلى نفس جسور، وعقل رزين، وحِجى راجح، فأنه كيف يتسنّى للإنسان أن يلاقي الناس برفق، وفيهم الخرق والتحامل؟ ولكن عاقبة المداراة حلوة، كعواقب الأخلاق الفاضلة بصورة عامة. إنّ من لا يتحمل من الناس جفاهم وخرقهم لا بد وان يختار أحد طرفين: إما الفرار عن الناس، وفيه كبت مواهب نفسه التي تنمو بالاجتماع والتعاون، وانسحاب عن ميدان الإنسانية، إلى غاب الحيوان! وإما الاصطدام بالناس في كل صغيرة وكبيرة وفيه من الإرهاق والنصب قدر كبير، يضئل أمامه تحمل خرقهم.

ثم إن المداري نفسه في راحة إذ النفس المتفضلة فرحة مسرورة، أما غيره فقد خسر راحة الروح وفضيلة النفس.

ولذا نرى الإسلام حث على هذه الفضيلة آكد الحث قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (المداراة نصف الإيمان والرفق بهم نصف العيش)(1) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم):(ثلاث من لم يكنّ فيه لم يُر له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله، وخلق يداري به الناس، وحلم يردّ به جهل الجاهل)(2) وقال:(أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض)(3).

وقال الباقر (عليه السلام): (في التوراة مكتوب: فيما ناجى الله عز وجل به موسى بن عمران (عليه السلام): يا موسى! اكتم مكتوم سري في سريرتك واظهر في علانيتك المداراة عني لعدوي وعدوك من خلقي...)(4).

وقال الصادق (عليه السلام): (جاء جبرائيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد! ربك يقرؤك السلام ويقول: دار خلقي)(5).

وقال (عليه السلام): (إنّ قوماً من الناس قلت مداراتهم للناس فالقوا من قريش، وأيم الله ما كان بأحسابهم بأس. وإن قوماً من غير قريش حسنت مداراتهم فالحقوا بالبيت الرفيع... ثم قال: من كف يده عن الناس، فإنما يكف عنهم يداً واحدة ويكفون عنه أيدي كثيرة)(6).

إنه الحق، فإن المداري يداري وهو واحد ويداريه كثيرون. وكذلك من خرق مع الناس جرّ على نفسه خرق جماعات، وإن قابلهم بخرقه وهو فرد.. ومن كان على شك من مدى صدق هذا الكلام فلينظر إلى المداري وغيره ثم يرى أيهما في راحة وسعادة وأيهما في شقاء وهدى.

ترفيع النفس

والمتكبر لا بد وأن ينفس عن كبريائه، بقول أو عمل، فيجر ذيل الخيلاء، ويتصدر المجلس ويستهين بكل أحد ويفتخر، ويبغي ويزكي نفسه. و. و...

وكلها من فروع شجرة الكبر المرة، وتوجب هوناً وضعة في أعين الناس.

وقد ورد النهي الأكيد في الإسلام عن جميع ذلك.

في الحديث: (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صعد المنبر ـ يوم فتح مكة ـ فقال: أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتفاخرها بآبائها ألا إنّكم من آدم وآدم من طين، ألا أن خير عباد الله عبدٌ اتّقاه)(7).

وقال له (صلى الله عليه وآله وسلم) عقبة بن بشير الأسدي: أنا في الحسب الضخم عزيز في قومي فقال له (صلى الله عليه وآله وسلم): (تمنّ علينا بحسبك؟! إن الله تعالى رفع بالإيمان من كان الناس يسمونه وضيعاً، إذا كان مؤمناً ووضع بالكفر من كان الناس يسمونه شريفاً، إذا كان كافراً، فليس لأحد فضل على أحد إلا بتقوى الله)(8).

وأتى رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (فقال: يا رسول الله، أنا فلان بن فلان... حتى عدّ تسعة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أما إنّك عاشرهم في النار)(9).

لم يتكبر الفخور، هل لأنه صاحب مال أو جاه أو أولاد أو نفوذ؟؟ إنها كلها طوارئ، ألا ينظر إلى نفسه المليئة بالأقذار؟! قال سيد الساجدين (عليه السلام): (عجباً للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة، ثم هو غداً جيفة)(10). وقال ولده الباقر (عليه السلام): (عجباً للمختال الفخور! وإنما خلق من نطفة، ثم يعود جيفة وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يصنع به)(11).

ولقد فهم الإسلام سلمان الفارسي أحسن فهم ولذا ورد إن قريشاً تفاخروا عنده فقال: (ولكني خلقت من نطفة قذرة، ثم أعود جيفة منتنة، ثم إلى الميزان، فإن ثقل فأنا كريم وإن خف فأنا لئيم)(12).

وتنجم عن ترفيع النفس خلال كلها قذرة وكلها تنافي الإنسانية الرفيعة والنفس الكريمة.

من تلك الخلال: البغي، فيصعب للإنسان أن ينقاد لكبيره، ويكون طوع أمره ونهيه وبذلك يضيع على نفسه وعلى رئيسه ثمرات الطاعة الحلوة، ولذا يكون عقاب البغي مزدوجاً: عقاب الهلاك وعقاب تضييع الحقوق.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ أعجل الشر عقوبة البغي)(13) وهذا أمر مشاهد: إن من لا يطيع آمره لا بد وان يتضرر حسب الوقت المحدد للضرر الناجم من العصيان، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (حق على الله أن لا يبغى شيء على شيء، إلاّ أذلّه الله، ولو أنّ جبلاً بغى على جبل لهدّ الله الباغي منهما)(14). لكن هذا البغي هو قسم من الظلم ليس بالمعنى الأول.

وعلى أي فكلا البغيين تعد على الحق وسدور في الغي بغي على الآمر أو بغي على الغير.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أيها الناس إن البغي يقود أصحابه إلى النار ـ إلى أن قال:

وقد قتل الله الجبابرة على أفضل أحوالهم، وآمن ما كانوا)(15).

ومن هنا المثل المشهور: (السلطنة مع الكفر تدوم، ومع الظلم لا تدوم).

وهذا منطقي مائة في المائة: إن الظالم لا بد وأن يأتي يوم يثور عليه المظلوم أو من يقظّ مضجعه تفشّي الظلم وكم أطاحت الظلامات بالتيجان ونكّست بالعروش!

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (يقول إبليس لجنوده: ألقوا بينهم الحسد والبغي، فأنهما يعدلان عند الله الشرك)(16). وكتب (عليه السلام) إلى بعض أصحابه: (انظر ألا تكلمن بكلمة بغي أبداً، وإن أعجبتك نفسك وعشيرتك)(17).

وهكذا يريد الإسلام مجتمعاً خالياً من البغي ويريد الفرد مهذّباً عن الظلم لا يبغي ولا يظلم!.

ومن الخلال الناجمة عن ترفيع النفس: تزكية الذات بذكر المحاسن، ونفي القبائح، فهناك جملة من الناس بل كثرة غالبة منهم، لا يفتئون من ذكر مناقبهم، ونفي المساوئ عن أنفسهم تعطّشاً إلى الرفعة ومن الجدير بهم أن يسقطوا عن الأعين فإن كل مدح للنفس يورث صدمة في نفوس الآخرين فتريد أن تعاكس المادح حتى فيما له من المزايا، ولذا قيل: (إذا أردت أن يمدحك الناس فامسك عن مدح نفسك، وإذا مدحت نفسك فلا تترجّ قبول الناس).

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):(تزكية المرء لنفسه قبيحة)(18).

ومن الخلال الناجمة عن ترفيع النفس: العصبية، فتهاجم الأعصاب لنيل محبوب أو دفع مكروه مهما كلّف الأمر إن حقّاً وإن باطلاً.

والإنسان قد يتعصّب لنفسه وقد يتعصّب لما يتعلّق به من أثاث أو رياش، أو ذوي لحمة وقرابة، أو أهل محلّة أو بلد أو قطر... أو ما إلى ذلك...

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (من تَعصّب أو تُعصَّب له فقد خلع ربق الإيمان من عنقه)(19) إنّه مؤمن ما دام يمشي بالإنصاف ويضع الحق في نصابه أما إذا تعصب فخرج عن الحق أو تُعصَّب له فرضي فهو يسلك سبيل الباطل، وأجدر به أن يخرج عن عداد المؤمنين.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من كان في قلبه حبّة من خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية(20) وقال الإمام السجاد (عليه السلام): (لم يدخل الجنة حميّة غير حميّة حمزة بن عبد المطلب، وذلك حين أسلم عصباً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث السلا الذي اُلقي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم))(21) إنها دخلت الجنة لما ترتب عليها من نصرة الإسلام إذ هو غريب وتعزيز مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ هو كالمنفرد، وإعلاء كلمة الله في الأرض، حيث لم يكن يعبد إلا بالاضطهاد.

وكثيرا ما تكون الحمية مقدمة لسلسلة من الآثام والجرائم فيلزم على الإنسان أن يجتثها من جذورها حتى لا يقع في موبقات لا منجي منها قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الملائكة كانوا يحسبون إن إبليس منهم وكان في علم الله انه ليس منهم فاستخرج ما في نفسه بالحمية والعصب، فقال: (... خلقتني من نار وخلقته من طين)(22) (23).

الإنصاف

جدير بمن دخل في الإسلام أن ينتهج على منهاجه ويمشي في سبيله وإلا فليس المسلم بـ (م. س. ل. م) إنما هو من يمتثل أوامره ويتحلّى بمثله وقيمه.

ومن أفضل المثل الإسلامية التي يجب أن يتحلّى بها المرء: الإنصاف، أنه يساير الإنسان من يوم عقل إلى حين يقبر، فالانحراف عنه معناه الانحراف عن الحق طول الخط وليس هو بالأمر الهين، انه صفة وملكة ومن لا يتصف بها يجنح إلى الباطل كل يوم مائة مرة والإنسان يحتاج إليها في الدار وفي السوق وفي الطريق وفي المدرسة.. مع الأهل والصديق والمعلم والمتعلم والحاكم والمحكوم.. و.. و...

ولذا أرصد الإسلام لها أكبر قدر ممكن من الترغيب والترهيب.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا علي ثلاث من دقائق الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وإنصاف الناس من نفسك، وبذل العلم للمتعلم)(24).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (طوبى لمن طاب خلقه وطهرت سجيته وصلحت سريرته، وحسنت علانيته وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله وأنصف الناس من نفسه)(25).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (سيد الأعمال: إنصاف الناس من نفسك)(26) إن الأعمال بدون الإنصاف فوضى، كما إن الناس بدون السيد المطاع فوضى.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من واسى الفقير من ماله وأنصف الناس من نفسه فذلك المؤمن حقاً)(27).

وقال (صلى الله عليه واله وسلم): (ثلاث خصال، من كن فيه أو واحدة منهن، كان في ظل عرش الله، يوم لا ظل إلا ظله: رجل أعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم... الحديث)(28).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام):(... إلا إنّه من ينصف من نفسه، لم يزده الله إلا عزّاً)(29).

وقال حفيده الإمام الصادق (عليه السلام): (من يضمن لي أربعة بأربعة أبيات في الجنة؟ أنفق ولا تخف فقراً! وأفش السلام في العالم! واترك المراء وإن كنت محقّاً! وأنصف الناس من نفسك)(30) إنها جماع خير الدنيا والآخرة بها يتحبّب المرء إلى الله والى الناس ولكن هل العمل بها هين؟ إنها تحتاج إلى تدريب طويل وقوة في النفس حديدية.

وقال (عليه السلام) ـ في كلام آخر له ـ: (ألا أخبركم بأشدّ ما فرض الله على خلقه؟! ـ فذكر ثلاثة أشياء ـ أوّلها: إنصاف الناس من نفسك)(31).

وقال (عليه السلام): (من أنصف الناس من نفسه، رُضي به حكماً لغيره)(32).

وقال (عليه السلام): (ما تدارى إثنان في أمر قط فأعطى أحدهما النصف صاحبه فلم يقبل منه إلاّ أُديل منه)(33).

وقال (عليه السلام): (ثلاثة هم أقرب الخلق إلى الله تعالى يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب: رجل لم تدعه قدرة في حال غضبه على أن يحيف على من تحت يده، ورجل مشى بين اثنين فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشعيرة، ورجل قال بالحق فيما له وعليه)(34) إنها اثقل من الجبال الراسيات وهل هناك من يتمكن من حملها؟!.

وقال (عليه السلام): (إن لله جنة لا يدخلها إلا ثلاثة: أحدهم من حكم في نفسه بالحق)(35).

والإنسان كثيراً ما يحاول أن لا يدين نفسه لكنه يرجع بعكس ما يتوخاه، فيبوء بالضعة عوض ما كان يترقبه من الرفعة.. أما إذا أنصف، وقال ما له وما عليه، وأدان ذاته كما يدين غيره، فلا تذهب أيام وليال إلا ويأخذ في السمو ويكون موضع ثقة الناس وأي مقصد أنبل من هذا؟.

الرحمة

هي مبعث الخيرات، ومعدن الفضائل، فبالرحمة تتجمع الصلات وتتوحد البشرية، بها يبر الولد أباه، وبها يصل المرء قريبه، وبها يألف الزوجان أحدهما على الآخر... وبها.. ولشدّ ما يدهش الإنسان لو يتأمل في أوّل السور: (بسم الله الرحمن الرحيم) فلم تبتدأ الآية إلا بصفتين كلتاهما من الرحمة، وكذلك سورة الحمد:(الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم)(36).

والإسلام يهتم بإيجاد هذه الصفة في القلوب، ويؤكد لتركيزها في أعماق النفس، حتى تعطي ثمارها الحلوة: صلة الرحم، بر الوالدين، العطف على الأولاد، إشباع الأفواه الجائعة، إكساء الأجساد العارية، حسن الجوار.. وكلّ خير.. وكلّ خير...

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):(يقول الله تعالى: اطلبوا الفضل من الرحماء من عبادي! تعيشوا في أكنافهم، فإني جعلت فيهم رحمتي ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم، فإني جعلت فيهم سخطي)(37).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (اتقوا الله، وكونوا إخوةً بررة متحابين في الله متواصلين، متراحمين)(38).

وقال (عليه السلام): (تواصلوا وتبارّوا وتراحموا، وكونوا إخوةً بررة كما أمركم الله)(39).

وقال (عليه السلام): (يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل، والتعاون على التعاطف، والمواساة لأهل الحاجة، وتعاطف بعضهم على بعض، حتى تكونوا كما أمركم الله عزّ وجل (رحماء بينكم) متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم، على ما مضى عليه معشر الأنصار، على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم))(40) إلى أحاديث وأحاديث.

وبالعكس من الرحمة: القساوة، فهي مبعث القذارات الروحية، ومجمع الرذائل الخلقية، ولذا ورد في الحديث القدسي المتقدم: (ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم فإني جعلت فيهم سخطي).

والله لا يجعل سخطه في أحد اعتباطاً، وإنما هو لما ران على قلبه وتبع شهوته وأسلم قياده إلى المعاطب والمهالك، وبذلك يستحق اللعنة في الدنيا بما يطبع عليه من القساوة التي هي منبع لذمائم الصفات.

تزكية البدن

لكل ما وهب للإنسان من بدن وروح ومال تزكية وتنمية.

وليس القصد من تنمية البدن وتزكيته التوصل إلى اكتناز العضلات بالرياضة البدنية وإنما القصد تطهير الجسم عن القذارات المعنوية وتطهير الروح بالآلام والأسقام فإن من يصرف أجهزة جسمه إلى حيث الفضيلة والأخلاق يزكي جسمه وروحه ومن يصاب بالآم وأوصاب يزكي روحه ونفسه ولذا يتوسم الإسلام الخير في الطوارئ المؤذية إذا تمكن الشخص من الاستفادة منها والاستقاء من وحيها الأليم.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ يوما لأصحابه ـ: (ملعون كل مال لا يزكى، ملعون كل جسد لا يزكى، ولو في كل أربعين يوماً مرة).

قيل له: يا رسول الله أما زكاة المال فقد عرفناها، فما زكاة الأجساد؟

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أن يصاب بآفة!!)

فتغيرت وجوه الذين سمعوا منه ذلك.

فلما رآهم قد تغيرت ألوانهم قال:

(هل تدرون ما عنيت بقولي؟)

فقالوا: لا يا رسول الله!؟

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الرجل يخدش الخدشة وينكب النكبة، ويعثر العثرة، ويمرض المرضة ويشاك الشوكة وما أشبه هذا.. حتى ذكر في حديثه اختلاج العين)(41).

إنها زكاة الأبدان وتطهير لها عن الغلظة والقسوة والتهور.. إنها تعلم الإنسان الرأفة والرقة والرحمة إنها توحي إلى الإنسان بالهدوء والسكينة وحب المسكين والأرملة.

وإضافة إلى ذلك. إن الإنسان إذا علم بهذه الحقيقة المهمة استغلها لتشفيف روحه وترقيقها بالفضيلة والخير، وترقية مشاعره وترقيق حواسه وما أعظمها ـ إذاً ـ من نعمة وزكاة!!.

والى هذا يشير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: (لكل شيء زكاة وزكاة الأبدان الصيام)(42).

إن الصيام ترقيق وتطهير وتنمية!!.

ويروى عن الإمام الصادق (عليه السلام) تفصيل لهذه الحقيقة قال (عليه السلام): (على كل جزء من أجزائك زكاة واجبة لله عزّ وجلّ.

بل على كل منبت شعر من شعرك.

بل على كل لحظة من لحظاتك زكاة!

فزكاة العين: النظرة بالعبرة، والغض عن الشهوات، وما يضاهيها

وزكاة الأذن إستماع العلم، والحكمة، والقرآن، وفوائد الدين من الموعظة والنصيحة، وما فيه نجاتك، وبالإعراض عمّا هو ضدّه من الكذب والغيبة وأشباههما!

وزكاة اللسان: النصح للمسلمين، والتيقظ للغافلين، وكثرة التسبيح، والذكر، وغيرها!‍‍‍‍‍‍‍

وزكاة اليد: البذل، والعطاء، والسخاء بما أنعم الله عليك به، وتحريكها بكتابة العلم ومنافع ينتفع بها المسلمون في طاعة الله تعالى، والقبض عن الشر!

وزكاة الرجل: السعي في حقوق الله: من زيارة الصالحين، ومجالس الذكر، وإصلاح الناس، وصلة الأرحام، والجهاد، وما فيه صلاح قلبك وسلامة دينك)(43).

هذه الأمور زكاة، وشكر، وترقية ـ على حدّ سواء ـ

وما أحوج للمسلمين ـ اليوم ـ إلى هذه التعاليم الحيّة المتحركة. التي هي أساس سعادة الآخرة ورفاه الدنيا وبها يتكون المجتمع الصالح العام، ولكن!

الزهد

جاء أحد الزهاد إلى سلطان مترف وهو في بذخه وسرفه وجاهه وإمرته فالتفت إليه السلطان قائلاً: أنت زاهد؟ قال الزاهد: وأنت أزهد مني! قال الملك: وكيف؟ قال الزاهد: لأني زهدت في الدنيا الفانية، وأنت زهدت في الآخرة الباقية!

إن القصة على قصرها تعرّفنا بمعنى الزهد: إنّه ترْك لشيء رغبةً عنه... ويراد من الزهد في الدنيا، الانصراف عن ملاذها المحظورة وشهواتها الممقوتة.. أمّا ترك الدنيا فليس من الزهد، إنما هو حمق وانحراف.

ولكن حيث إن الناس يتهافتون على الدنيا ولذاتها تهافت الفراش في النار، جذب الأنبياء والأئمة عليهم الصلاة والسلام الزمام كثيراً حتى يعتدل السير، كراكب الدابة الجاذب زمامها بشدة في مواطن الهلكة.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أصبح وهمّه الدنيا شتّت الله عليه أمره وفرّق عليه صنيعته، وجعل فقره بين عينيه ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمّه الآخرة جمع الله له همّه، وحفظ عليه ضيعته، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة)(44).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا رأيت أخاك قد زهد في الدنيا فاستمع منه فإنه يلقّن الحكمة)(45).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أراد أن يؤتيه الله علماً بغير تعلم وهدىً بغير هداية فليزهد في الدنيا)(46).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إزهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس)(47).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا علي، من عرضت له دنياه وآخرته، فاختار الآخرة وترك الدنيا، فله الجنة، ومن اختار الدنيا إستخفافاً بآخرته فله النار)(48).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه إلا بالقتل والتجبر، ولا الغنى إلا بالغصب والبخل، ولا المحبة إلا باستخراج الدين واتـّباع الهوى، ألا فمن أدرك ذلك الزمان منكم، فصبر على الفقر، وهو يقدر على الغنى، وصبر للبغضاء وهو يقدر على المحبة، وصبر على الذل، وهو يقدر على العز، لا يريد بذلك إلا وجه الله، أعطاه الله ثواب خمسين صدّيقاً ممن صدّق بي)(49).

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا ابن مسعود! فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فإن النور إذا وقع في القلب انشرح وانفسح، قيل يا رسول الله: وهل لذلك من علامة؟ قال: نعم.. التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله)(50).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا لنستحي منه تعالى! قال: ليس كذلك، تبنون ما لا تسكنون؟ وتجمعون ما لا تأكلون؟)(51).

وقدم إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعض الوفود.. فقالوا: إنا مؤمنون! قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (وما علامة إيمانكم؟) فذكروا: الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمواقع القضاء، وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء!! فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن كنتم كذلك فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون)(52).

فهذه الخصال هي الزهد وقد جعلها (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكملات الإيمان.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من جاء بـ (لا إله إلا الله) لا يخلط معها غيرها وجبت له الجنة)(53).

وفسر (غيرها) بحب الدنيا وطلبها.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما زهد عبد في الدنيا إلا أنبت الله الحكمة في قلبه، فأنطق بها لسانه، وبصرّه بعيوب الدنيا ودائها ودوائها، وأخرجه منها سالماً إلى دار السلام)(54).

وروي: (إنّ بعض زوجاته بكت مما رأت به من الجوع، وقالت له: يا رسول الله ألا تستطعم الله فيطعمك؟ فقال: والذي نفسي بيده لو سألت ربي أن يجري معي جبال الدنيا ذهباً لأجراها حيث شئت من الأرض، ولكني اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غناها وحزن الدنيا على فرحها، إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، إن الله لم يرض لأولي العزم من الرسل إلا الصبر على مكروه الدنيا، والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض لي إلا أن يكلّفني مثل ما كلفهم فقال: (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل...)(55) والله ما لي بد من طاعته وإنّي والله لأصبرن كما صبروا بجهدي ولا قوّة إلا بالله)(56).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يستكمل العبد الإيمان، حتى يكون ألا يعرف أحب إليه من أن يعرف، وحتى يكون قلة الشيء أحبّ إليه من كثرته)(57).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا أراد الله بعبد خيراً فقـّهه في الدين، وزهّده في الدنيا، وبصّره بعيوب نفسه)(58).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات، ومن خاف من النار ترك الشهوات، ومن ترقّب الموت أعرض عن اللذات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات)(59).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن ربي عز وجل عرض علي: أن يجعل لي بطحاء مكة ذهباً؟ فقلت: لا يا رب، ولكن أجوع يوماً وأشبع يوماً، فأما اليوم الذي أجوع فيه، فأتضرع إليك، وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه، فأحمدك واُثني عليك)(60).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (قال الله تعالى: إن من أغبط أوليائي عندي: رجلاً خفيف الحال، ذا حظّ من صلاة، أحسن عبادة ربه بالغيب وكان غامضاً في الناس، جعل رزقه كفافاً فصبر عليه عجلت منيته فقلّ تراثه وقلّ بواكيه)(61).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (ثلاثة: زاهد، وصابر، وراغب، فأمّا الزاهد فقد خرجت الأحزان والأفراح من قلبه، فلا يفرح بشيء من الدنيا، ولا يأسى بشيء منها فاته فهو مستريح، وأما الصابر فإنه يتمناها بقلبه، فإذا نال منها ألجم نفسه عنها بسوء عاقبتها وشنأتها ولو اطّلعت على قلبه، لعجبت من عفته وتواضعه وحزمه، وأما الراغب فلا يبالي من أين جاءته الدنيا من حلّها أو حرامها، ولا يبالي ما دنّس فيها عرضه وأهلك نفسه وأذهب مروءته فهم في غمرتهم يعمهون ويضطربون)(62).

وقال (عليه السلام): (إن من أعوان الأخلاق على الدين: الزهد في الدنيا)(63).

وقال (عليه السلام): (من جمع ست خصال، لم يدع للجنة مطلباً ولا عن النار مهرباً: عرف الله فأطاعه، وعرف الشيطان فعصاه، وعرف الدنيا فتركها، وعرف الآخرة فطلبها، وعرف الباطل فاتّقاه، وعرف الحق فاتّبعه)(64).

وقال (عليه السلام): (من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن خاف النار لهى عن الشهوات ومن ترقب الموت ترك اللذات ومن زهد في الدنيا، هانت عليه المصيبات)(65).

وقال (عليه السلام): (إنّ علامة الراغب في ثواب الآخرة: زهده في عاجل زهرة الدنيا. أما إن زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه مما قسم الله عز وجل له فيها وإن زهد، وإنّ حرص الحريص على عاجل زهرة الدنيا لا يزيده فيها وإن حرص، فالمغبون من حُرم حظّه من الآخرة)(66).

وقال زين العابدين (عليه السلام): (ما من عمل بعد معرفة الله عز وجل ومعرفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل من بغض الدنيا)(67).

وقال الباقر (عليه السلام): (أكثر ذكر الموت فإنه لم يكثر إنسان ذكر الموت إلا زهد في الدنيا)(68).

وقال (عليه السلام): (قال الله تعالى: وعزتي وجلالي وعظمتي وبهائي وعلو ارتفاعي لا يؤثر عبد مؤمن هواي على هواه في شيء من أمر الدنيا إلا جعلت غناه في نفسه، وهمّته في آخرته، وضمنت السماوات والأرض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر)(69).

وقال (عليه السلام): (أعظم الناس قدراً من لا يتناول الدنيا في يد من كانت، فمن كرمت عليه نفسه صغرت الدنيا في عينيه، ومن هانت عليه نفسه كبرت الدنيا في عينيه)(70).

وقال الصادق (عليه السلام): (جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا)(71).

وقال (عليه السلام): (ما أعجب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شيء من الدنيا إلا أن يكون فيها خائفاً جائعاً)(72).

وقال (عليه السلام): (إذا أراد الله بعبد خيراً: زهّده في الدنيا وفقّهه في الدين، وبصّره عيوبها ومن اُوتيهنّ فقد اُوتي خير الدنيا والآخرة)(73).

وقال (عليه السلام): (لم يطلب أحد الحق بباب أفضل من الزهد في الدنيا، وهو ضدٌّ لما طلب أعداء الحق)(74) أي الرغبة فيها.

وقال (عليه السلام): (ألا من صبّار كريم؟ فأنما هي أيام قلائل إلا أنه حرام عليكم إن تجدوا طعم الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا)(75).

وقال (عليه السلام): (الزهد مفتاح باب الآخرة والبراءة من النار، وهو تركك كل شيء يشغلك عن الله من غير تأسّف على فوتها، ولا إعجاب في تركها، ولا انتظار فرج منها، ولا طلب محمدة عليها، ولا عوض منها، بل يرى فوتها راحة، وكونها آفة، ويكون أبداً هارباً من الآفة معتصماً بالراحة. والزاهد الذي يختار الآخرة على الدنيا، والذل على العز، والجهـــد على الـــراحة، والجوع عــلـى الشبع، وعافيـــة الآجل على محبة العاجل، والذكر على الغفلة، وتكون نفسه في الدنيا وقلبه في الآخرة)(76).

وقال الرضا (عليه السلام): (من أصــــبح وأمسى معافـــاً في بدنه، آمـــناً في سربه، عنده قـــوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا)(77).

هذه جملة من روايات الزهد.

وقد أكثر الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) قولاً وعملاً في هذا الباب حتى ليظن الظان أنّهم يسوقون الناس إلى تخريب الدنيا كما زعمت الصوفية، ولكن الأمر بالعكس إنّهم يريدون عمارة الدنيا عمارة معتدلة لا غلو فيها ولا تفريط فكل غلو وتفريط تنكب عن الطريق وإهلاك عاجل مع الغض عما يترتب عليه من خسارة الدار الآخرة.

فالماديون يتكالبون على الحطام وبذلك تصبح الدنيا بؤرة من القذارات الخلقية، واُتوناً من الحروب المدمرة والكنيسيون الراهبون وأهل التصوف يطوون عن الدنيا كشحاً، وبذلك تخرب الأرض وقد أرادها الله عامرة.

أما الإسلام فأنه يحب الوسط وفي سيرة الرسول والأئمة (عليهم السلام) خير شاهد لذلك أنّهم (عليهم السلام) وإن أخذوا أنفسهم بالزهد ولكنهم لم ينسوا نصيبهم من الدنيا.

وفي ظل من عمّرت الدنيا وازدهرت الحضارة الحقيقية التي لم ير العالم لها مثيلاً قبل الإسلام ولا من حين خلعت ربقة الإسلام من عنقه منذ نصف قرن ـ تقريباً ـ؟! إنّه في ظل الإسلام (... ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة...)(78).

وليس معنى هذه الأحاديث ترك الدنيا وإنما معناها عدم التكالب عليها وهذا هو مقتضى الجمع بين هذه الأخبار وبين غيرها أما من ينظر إلى هذه فقط أو تلك ـ مما تدل على الغنى والدنيا ـ فقط فهو كبنّاء يريد أن يبني داراً من الآجر فقط أو الجصّ فقط، عمارته موهومة وبناؤه مزعوم.

(سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين)(79).

التورّع عن الحرام

الحرام بمنزلة العقرب يلدغ الإنسان ويفسد دنياه وأُخراه، وإن كان مذاقه حلواً ومنظره بهيجاً، لكنه كالحيّة ليّن مسّها قاتل شمّها، والمتعمقون يعرفون حقيقة ما ذكرنا. يغتر برونقه الجاهلون ويعرف مآله العارفون. وبما يحصل الحرام؟ إنّه لا يحصل إلا بأعمال دنيئة ورذائل فردية أو اجتماعية وسرقة الناس ونهب الضعفاء... ونحوها.

ولذا يحذر الإسلام عن الحرام، ويمدح التورع.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (خير دينكم الورع)(80).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من لقي الله سبحانه ورعاً أعطاه الله ثواب الإسلام كلّه)(81).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (وإنّ أشدّ العبادة: الورع)(82).

وقال (عليه السلام): (ما شيعتنا إلا من اتـّقى الله وأطاعه فاتّقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله تعالى وأكرمهم عليه: أتقاهم وأعملهم بطاعته)(83).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (أُوصيك بتقوى الله، والورع، والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه)(84).

وقال (عليه السلام): (اتقوا الله وصونوا دينكم بالورع)(85).

وقال (عليه السلام): (إن الله ضمن لمن اتّقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب، ويرزقه من حيث لا يحتسب)(86).

وقال (عليه السلام): (عليكم بالورع فإنه لا ينال ما عند الله إلا بالورع)(87).

وقال (عليه السلام): (إنّ قليل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى)(88).

وقال (عليه السلام): (ما نقل الله عبداً من ذلّ المعاصي إلى عزّ التقوى إلا أغناه من غير مال، وأعزّه من غير عشيرة، وآنسه من غير بشر)(89).

وقال (عليه السلام): (ألا وإن من اتـّباع أمرنا وارادته: الورع، فتزينوا به يرحمكم الله وكيدوا أعداءنا به ينعشكم الله)(90).

وقال (عليه السلام): (إنما أصحابي من اشتدّ ورعه، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، فهؤلاء أصحابي)(91).

وسئل (عليه السلام)، عن: (الورع من الناس؟ فقال: الذي يتورّع عن محارم الله عزّ وجل)(92).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (أعينونا بالورع، فإنّ من لقي الله تعالى منكم بالورع كان له عند الله فرجاً، إنّ الله عز وجل يقول: (ومن يطع الله والرسول فاُولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً)(93) فمنّا النبي، ومنّا الصدّيق، والشهداء، والصالحون)(94).

وقال (عليه السلام): (قال الله عز وجل: يا ابن آدم اجتنب ما حرّمت عليك تكن من أورع الناس)(95).

والورع ذو أعضاء وفصول وأحناء ووصول:

ورع في البيع، ورع في الشراء، ورع في الرهن والإجارة، ورع في المأكل والمشرب، ورع في الكلام والخطابة ورع في اللباس والمنزل، ورع في الحركة والسكون.. وبالجملة حفظ الحواس من لامسة وباصرة وسامعة وذائقة... عن كل انحراف وزيغ وإثم وعصيان والورع: قلبه في راحة، ونفسه في هدوء، وباله في اطمئنان. أمّا غيره، فهو شارد اللب، مختبط العقل يدور ولا يجد راحة، ويركض ولا ينتهي إلى مراح.

الاكتساب

يريد الإسلام أن يكون الشخص ذا نشاط في العمل وجد في إكتساب الرزق ليدير شؤون نفسه ويحمل كل عائلته وبعد ذلك ينفق الفضل مما أتاه الله لذوي الحاجة والمسكنة.

لكن الإسلام لا يريد المال من أين اكتسب من حل أو حرام كما يذهب إليه الرأسمالي الغربي، إنّه يريده من طريق الحلال بغير غش وخيانة واحتكار وغلول وربا وفساد.

إنّ الإسلام يقول: إكتسب واجتهد في الطلب ولك ثمرة عملك وأنت تملك ما تجد ولك أن تتصرف فيما ملكت بشرط أن يكون من حلّة.

إنّه منطق صحيح معتدل بين إفراط الرأسماليين الذين يحللون كل ما اكتسبه الإنسان ولو كان الكاسب من تجار الحروب ولو حصل ـ على درهمه بإراقة دم جاره وبين تفريط الشيوعيين الذين يقولون: إن الإنسان آلة في معمل كبير لا حقّ له في أزيد من قوت ومسكن ولباس، حسب ما تفرضه الحكومة!

ولذا يؤكد الإسلام على الاكتساب إلى جنب تأكيده الملكية الفردية إلى جنب تأكيده طلب الحلال.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (طلب الحلال فريضة على كل مسلم ومسلمة)(96).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من بات كالاّ من طلب الحلال بات مغفوراً له)(97).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال)(98).

ولنقف أمام هذا الحديث بخشوع، لنعرف مغزاه:

الصلاة: التي هي عامود الدين، عبادة.

الصيام: الذي هو جنة من النار، عبادة.

الزكاة: التي بها تحقن الدماء، عبادة.

الحج: الذي هو أحد أركان الدين الخمس، عبادة.

وهل تعلم الأفضل من كل ذلك ومن سائر العبادات؟.

إن الأفضل ـ بنص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ: هو طلب الحلال.

فكم ترى الإسلام يعتني بهذين الأمرين: الطلب وكونه من حلال؟!

فإن كنت لا تطلب، فاطلب وإن كنت تطلب كيفما كان فخصص طلبك بالقسم الحلال.

إن العبادة وملء بطن الإنسان حرام لا ثُقل.. والعبادة ويدي الإنسان ملوثة بمال الفقير واليتيم وبالربا واحتكار أقوات الناس وبـ... وبـ... لا تُرفع (... إنّما يتقبّل الله من المتقين)(99) وإنّما يصعد إليه العمل الصالح (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم...)(100) وعلى ضوء هذا نفهم معنى هذا الحديث أيضاً.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (العبادة عشرة أفضل أجزاءها في طلب الحلال)(101).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أكل من كدّ يده مرّ على الصراط كالبرق الخاطف)(102).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أكل من كدّ يده نظر الله إليه بالرحمة، ثم لا يعذبه أبداً)(103).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أكل من كدّ يده حلال فتح الله له أبواب الجنة يدخل من أيّها شاء)(104).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أكل من كدّ يده كان في القيامة في عِداد الأنبياء ويأخذ ثواب الأنبياء)(105).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من طلب الدنيا استعفافاً عن الناس، وسعياً على أهله، وتعطّفاً على جاره، لقي الله عز وجل يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر)(106).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من سعى على عياله من حلّة فهو كالمجاهد في سبيل الله)(107).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من طلب الدنيا حلالاً في عفاف كان في درجة الشهداء)(108).

وقـــال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أكـــل الحلال أربــعـــين يوماً نــــوّر الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه)(109).

وكان (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا نظر إلى الرجل وأعجبه، قال: (هل له حرفة؟ فإن قيل: لا. قال: سقط من عيني. قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟.

قال: لأن المؤمن إذا لم تكن له حرفة يعيش بدينه(110).

وطلب منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعض الصحابة أن يجعله الله مستجاب الدعوة، فقال له: (أطب طعمتك تستجب دعوتك)(111).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (أقرئوا من لقيتم من أصحابكم السلام وقولوا لهم: إن فلان بن فلان يقرئكم السلام ويقول لكسم: عليكم بتقوى الله عز وجل وما ينال به ما عند الله، إنّي والله ما آمركم إلا بما نأمر به أنفسنا فعليكم بالجد والاجتهاد وإذا صـــليتم الصبح وانـــصرفتم فبكّروا فـــي طلب الــــرزق، واطلبوا الحلال فإنّ الله عزّ وجل سيرزقكم ويعينكم عليه)(112).

وربما يتساءل البعض ما ميزان الحلال والحرام في شريعة الإسلام؟.

والجواب: إنّ الله تعالى جمع ذلك كله في كلمتين ضمن أوصاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: (... يحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث...)(113).

فكلّ طيّب لا يضرّ ديناً ولا دنيا فهو حلال وكل خبيث يهدم الدنيا أو يفسد الآخرة فهو حرام. أما التفاصيل فمذكورة في كتب الفقه.

 

1 ـ بحار الأنوار: 75/440 ـ جامع السعادات: 1/340.

2 ـ بحار الأنوار: 75/437 ـ جامع السعادات: 1/340.

3 ـ بحار الأنوار: 75/440 ـ جامع السعادات: 1/340.

4 ـ بحار الأنوار: 75/438 ـ جامع السعادات: 1/340.

5 ـ بحار الأنوار: 75/438 ـ جامع السعادات: 1/340.

6 ـ بحار الأنوار: 75/441 ـ جامع السعادات: 1/340.

7 ـ جامع السعادات: 1/398.

8 ـ أصول الكافي: 2/328 ـ جامع السعادات: 1/399.

9 ـ أصول الكافي: 2/329 ـ جامع السعادات: 1/399.

10 ـ أصول الكافي: 2/328 ـ جامع السعادات: 1/398.

11 ـ أصول الكافي: 2/329 ـ جامع السعادات: 1/398.

12 ـ جامع السعادات: 1/399.

13 ـ أصول الكافي: 2/327 ـ جامع السعادات: 1/399.

14 ـ جامع السعادات: 1/399.

15 ـ جامع السعادات: 1/400.

16 ـ أصول الكافي: 2/327 ـ جامع السعادات: 1/400.

17 ـ جامع السعادات: 1/400.

18 ـ جامع السعادات: 1/401.

19 ـ أصول الكافي: 2/308 ـ جامع السعادات: 1/401.

20 ـ أصول الكافي: 2/308 ـ جامع السعادات: 1/401.

21 ـ أصول الكافي: 2/308 ـ جامع السعادات: 1/402.

22 ـ سورة الأعراف: آية 12.

23 ـ أصول الكافي: 2/308 ـ جامع السعادات: 1/402.

24 ـ بحار الأنوار: 75/27، ب35.

25 ـ بحار الأنوار: 75/30، ب: الإنصاف والعدل ـ جامع السعادات: 1/403.

26 ـ بحار الأنوار: 75/31، ب: الإنصاف والعدل ـ جامع السعادات: 1/403.

27 ـ بحار الأنوار: 75/25، ب: الإنصاف والعدل ـ جامع السعادات: 1/403.

28 ـ بحار الأنوار: 75/39، ب35 ـ جامع السعادات: 1/403.

29 ـ بحار الأنوار: 75/33، ب: الإنصاف والعدل ـ جامع السعادات: 1/403.

30 ـ بحار الأنوار: 75/30، ب: الإنصاف والعدل ـ جامع السعادات: 1/403.

31 ـ بحار الأنوار: 75/34، ب35 ـ جامع السعادات: 1/403.

32 ـ بحار الأنوار: 75/25، ب: الإنصاف والعدل ـ جامع السعادات: 1/403.

33 ـ بحار الأنوار: 75/40، ب35 ـ جامع السعادات: 1/403.

34 ـ بحار الأنوار: 75/26، ب: الإنصاف والعدل ـ جامع السعادات: 1/404.

35 ـ بحار الأنوار: 75/40، ب: الإنصاف والعدل ـ جامع السعادات: 1/404.

36 ـ سورة الحمد: الآيتان 1 ـ 2.

37 ـ جامع السعادات: 1/404.

38 ـ بحار الأنوار: 74/401، ب28 ـ جامع السعادات: 1/404.

39 ـ بحار الأنوار: 74/399، ب28 ـ جامع السعادات: 1/404.

40 ـ جامع السعادات: 1/405.

41 ـ جامع السعادات: 2/139.

42 ـ جامع السعادات: 2/139.

43 ـ جامع السعادات: 2/139.

44 ـ جامع السعادات: 2/59.

45 ـ مكارم الأخلاق: 463.

46 ـ جامع السعادات: 2/59.

47 ـ جامع السعادات: 2/59.

48 ـ جامع السعادات: 2/59.

49 ـ أصول الكافي: 2/91 ـ جامع السعادات: 2/59.

50 ـ مكارم الأخلاق: 447 ـ جامع السعادات: 2/59.

51 ـ جامع السعادات: 2/60.

52 ـ جامع السعادات: 2/60.

53 ـ جامع السعادات: 2/60.

54 ـ مكارم الأخلاق: 463 ـ جامع السعادات: 2/60.

55 ـ سورة الأحقاف: آية 35.

56 ـ جامع السعادات: 2/60.

57 ـ جامع السعادات: 2/60.

58 ـ مكارم الأخلاق 463 ـ جامع السعادات: 2/61.

59 ـ مكارم الأخلاق 447 ـ جامع السعادات: 2/61.

60 ـ جامع السعادات: 2/61.

61 ـ أصول الكافي: 2/140 ـ جامع السعادات: 2/61.

62 ـ جامع السعادات: 2/62.

63 ـ جامع السعادات: 2/62.

64 ـ جامع السعادات: 2/62.

65 ـ جامع السعادات: 2/62.

66 ـ أصول الكافي: 2/129 ـ جامع السعادات: 2/63.

67 ـ أصول الكافي: 2/130 ـ جامع السعادات: 2/63.

68 ـ أصول الكافي: 2/131 ـ جامع السعادات: 2/63.

69 ـ أصول الكافي: 2/137 ـ جامع السعادات: 2/63.

70 ـ جامع السعادات: 2/63.

71 ـ أصول الكافي: 2/128 ـ جامع السعادات: 2/63.

72 ـ أصول الكافي: 2/129 ـ جامع السعادات: 2/63. (نحوه).

73 ـ أصول الكافي: 2/130 ـ جامع السعادات: 2/63.

74 ـ جامع السعادات: 2/63.

75 ـ أصول الكافي: 2/130 ـ جامع السعادات: 2/64.

76 ـ جامع السعادات: 2/64.

77 ـ جامع السعادات: 2/64.

78 ـ سورة البقرة: آية 201.

79 ـ سورة الصافات: الآيات 180 إلى 182.

80 ـ مكارم الأخلاق: 468 ـ جامع السعادات: 2/176.

81 ـ جامع السعادات: 2/176.

82 ـ أصول الكافي: 2/77 ـ جامع السعادات: 2/176.

83 ـ أصول الكافي: 2/74 ـ جامع السعادات: 2/176.

84 ـ أصول الكافي: 2/76 ـ جامع السعادات: 2/176.

85 ـ أصول الكافي: 2/76 ـ جامع السعادات: 2/176.

86 ـ جامع السعادات: 2/177.

87 ـ أصول الكافي: 2/76 ـ جامع السعادات: 2/176.

88 ـ أصول الكافي: 2/76 ـ جامع السعادات: 2/177.

89 ـ أصول الكافي: 2/76 ـ جامع السعادات: 2/177.

90 ـ أصول الكافي: 2/78 ـ جامع السعادات: 2/177.

91 ـ أصول الكافي: 2/77 ـ جامع السعادات: 2/177.

92 ـ أصول الكافي: 2/77 ـ جامع السعادات: 2/177.

93 ـ سورة النساء: آية 69.

94 ـ أصول الكافي: 2/78 ـ جامع السعادات: 2/177.

95 ـ أصول الكافي: 2/77 ـ جامع السعادات: 2/177.

96 ـ جامع السعادات: 2/178.

97 ـ جامع السعادات: 2/178.

98 ـ جامع السعادات: 2/178.

99 ـ سورة المائدة: آية 27.

100 ـ سورة الحج: آية 37.

101 ـ جامع السعادات: 2/178.

102 ـ جامع السعادات: 2/178.

103 ـ جامع السعادات: 2/178.

104 ـ جامع السعادات: 2/178.

105 ـ جامع السعادات: 2/178.

106 ـ جامع السعادات: 2/178.

107 ـ جامع السعادات: 2/178.

108 ـ جامع السعادات: 2/179.

109 ـ جامع السعادات: 2/179.

110 ـ جامع السعادات: 2/179.

111 ـ جامع السعادات: 2/179.

112 ـ جامع السعادات: 2/179.

113 ـ سورة الأعراف: آية 157.