الفهرس

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

كدح الإنسان في الدنيا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ)(1).

الإنسان في هذه الحياة الدنيا يسعى بجد ليصل إلى هدفه الأخير وهو الكمال، ولذلك يصف الله عزوجل سير الإنسان في الحياة بالكدح وهو العمل الشاق المتعب؛ (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ) أي إن نهاية الأمر هو الرجوع إلى الله تعالى، ولكن غايات البشر متباينة، فالمؤمن يكدح ليحصل على رضا الله، والملحد يكدح ليلتذ بالدنيا، ويتمتع بزخارفها. وكلامنا يخص الإنسان المؤمن وسيرته، وهذه المسيرة الإيمانية عادة تمر بمراحل عديدة، حتى يصل المرء إلى الشوط الأخير. فيبدأ الإنسان يفتش عن خبايا نفسه العجيبة وأسرارها، وهي المرحلة المسماة بـ(معرفة النفس)، أي الاطلاع على حقيقة فقر الذات الإنسانية، وكيف أنها لا تستغني عن خالقها في كل آن. وهو الأمر الذي يدعو الإنسان إلى (معرفة الله)، وهي المرحلة الثانية من مراحل مسيرة الكمال، فيبدأ يبحث عن صفات الله عزوجل ويستشعرها، أما المرحلة الأخرى فهي العيش في الأجواء النورانية التي تفيض عليه نوراً ومعرفة، وهي مرحلة العبور من الإيمان السطحي المتمثل بأداء الواجبات عن خوف وطمع إلى اليقين وأداء الواجبات حباً وطاعة وشكراً، عندها يتهذب السلوك؛ لأنه سوف يتنوّر بالمشارق النورانية الإلهية، وتتبدل أعماله من اشباع للغريزة إلى صفة التقوى وملازمة الطاعة والشكر والقرب إلى الله تعالى. فهذا حال المؤمنين، تراهم يأكلون ويشربون لأجل الكدح المُوصل إلى الله عزوجل، لا لأجل الملذات نفسها، أو لنداء الغرائز الشهويّة، وبذلك يرتفع هؤلاء إلى المستوى الذي يفضلون منه على ملائكة الله عزوجل.

ومنها تبدأ مرحلة الكدح الأخيرة، وهي محاولة الاندكاك والفناء في الله، وهي التي يصلها الأنبياء والأوصياء، ولكن بمراتب متباينة، وقد فاز الرسول الأعظم وأهل بيته (عليهم أفضل الصلوات) بهذه المرتبة العظمى، ولذلك كانت الخلائق كلها في الدنيا والآخرة تنهل من النورانية المحمّدية، والقدسية الشريفة التي يفيضها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) على الخلائق.

أما سائر الناس فانهم يتسافلون إلى حد البهيمة، لأنهم دائموا الطاعة لنداء الغرائز الشهوية، وهكذا هي المسيرة، فهو صراع حادّ بين الايمان والهوى، وبين حب الله وحب الدنيا، وبين الكدح واللامبالاة، إلى أن يصلوا إلى اليقين الذي يقربهم من ربهم، فتتسدّد خطاهم، وتنشرح صدورهم لاستقبال الفيض القدسي، الذي ينشر على جوارح وجوانح الإنسان رحمةً وقراراً وسكينة.

درجات اليقين

إن اليقين صفة ذات مراتب ودرجات، وليس كل المؤمنين الموقنين على درجة واحدة من اليقين، فاليقين عند الأنبياء (عليهم السلام) غير اليقين عند الأوصياء، ويقين الأوصياء غير يقين العلماء، ويقين الشهداء غير يقين الآخرين، وهكذا الأمثل فالأمثل؛ ولذلك كانت الجنة مراتب مختلفة، فمناصب الأنبياء غير مناصب الناس العاديين، ومنصب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) يفوق كل مناصب أهل الجنة، فاليقين الذي تحلّى به الإمام علي (عليه السلام)، ويصفه بقوله: (لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً)(2)، ذلك اليقين بالله هو قطعاً غير يقين همّام، الذي ما إن سمع كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف المتقين(3)، حتى زهقت روحه، فكيف الحال به لو انكشف له الغطاء؟ إن يقين أمير المؤمنين (عليه السلام) يمتاز بان ذاته القدسية قد وصلت إلى مقام الاستغراق في الله فأصبح بعيداً عن فكرة الجنة والنار، بل إنه يرى الله في كل آن، أما يقين همّام فقد كان عبارة عن الخشية من عذاب الله، فهذا فرق واضح، وأعظم من ذلك يقين الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، فلولا عظمة درجة يقينه لما تحمّل رحلة الإسراء والمعراج، فليس كل قلب يستطيع أن يتحمل ذلك.

بل الكثيرين في عصرنا الحاضر ممن يشكك في مسألة الإسراء والمعراج؛ لأنه يراها ثقيلة على فكره الصغير.

ثم إنه لابد من الإشارة إلى أن اليقين قابل للضعف والشدة، وذلك مرتبط بمقدار المعرفة التي يحملها الإنسان عن ربه، فكلما ازدادت معرفته به فقد ارتفع يقينه، وازداد عمله الخيّر، وكلما ضعفت معرفته بربه فقد قلّ يقينه، وخفّت أعماله في الميزان؛ فلذلك ذكر العلماء درجات اليقين، استلهاماً من القرآن الكريم، وهي: عين اليقين، وحق اليقين، وعلم اليقين.

الموقنون وخرق العادة

إن الركون والإيمان بالتوحيد يلهم الإنسان المؤمن قوة روحية عظيمة جداً، لأنه عندما ينظر إلى ربه في تحركه، ويفكر بربه في كل فكرة، ويذكر ربه في كل قول، ويستشعر عظمة الرب في قلبه، فان ذلك يكون مدعاة لانشراح الصدر، واستقبال الفيض الرباني الذي يفيض على الروح قوة، ويجعلها تذلل الصعاب، بل تنقاد لها الأمور.

يروى عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال: (إن عيسى بن مريم(عليه السلام) كان من شرايعه السيح في البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من أصحابه قصير، وكان كثير اللزوم لعيسى (عليه السلام)، فلما انتهى عيسى إلى البحر، قال: بسم الله، بصحة يقين منه، فمشى على ظهر الماء، فقال الرجل القصير، حين نظر إلى عيسى جازه: بسم الله، بصحة يقين منه، فمشى على الماء ولحق بعيسى)(4). لأنه كان على معرفة يقينية تامة بالنبي عيسى (عليه السلام)، وعلى أساس هذه المعرفة مشى على الماء، فالوصول إلى هذه الدرجات ليس خيالاً ولا أمراً مستحيلاً، بل هو واقع لا يمكن إنكاره. ولذلك جاء في الحديث القدسي المشهور: (يا ابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون)(5).

وهكذا يمكن تفسير قلع باب خيبر من قبل أمير المؤمنين (عليه السلام)، والتي لم يكن يقدر على فتحها وإغلاقها إلا أربعون رجلاً، بينما تقدم أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخذه بيده، وقلعه من الحصن، ليجعل منه جسراً على الخندق، تعبر عليه جيوش الإسلام(6)، فقد روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في رسالته إلى سهل بن حنيف (رحمه الله): (والله، ما قلعت باب خيبر ورميت به خلف ظهري أربعين ذراعاً بقوة جسدية ولا حركة غذائية لكن أيدت بقوة ملكوتية، ونفسٌ بنور ربها مضيئة وأنا من أحمد كالضوء من الضوء) الحديث(7).

فهذه الأمور يقف أمامها العقل المادي حائراً مذهولاً لأنه لا يجد لها تفسيراً، بعد أن حجّم الناس أنفسهم، وقيّدوا أفكارهم بالمادة، وابتعدوا عن الغيب والروح، التي لا تعرف لها حدود معينة، فيحاولون أن يكذبوا هذه الأخبار، ويصفوها بالخرافة، ولكن هيهات فان الله يأبى إلا أن يتم نوره، فقد تحدثت الأخبار لدى عامة المسلمين بفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأكدت على هذه الأمور عين الواقع، ولكن حال بين هؤلاء وبين تصديق ذلك، الغشاوات والحجب التي راكموها على قلوبهم. وصاروا كما قال تعالى عنهم: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)(8).

ثمرات اليقين

اليقين ـ كما مرّ ـ صفة كمالية يصل بها الإنسان إلى كماله الروحي المطلق، وهو الأُنس والاكتفاء والاعتماد على الله عزوجل فقط، ولهذه الصفة ثمرات عظيمة جداً في الحياة الدنيا.

السعادة العظمى

منها: إن المتقي يرى السعادة العظمى في خدمة الآخرين لله، حيث يسعد ويفرح عندما يقدّم خدمة أو عملاً ما لشخص من أجل الله، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (كان علي بن الحسين (عليه السلام) لا يسافر إلا مع رفقة لا يعرفونه ويشترط عليهم أن يكون من خدم الرفقة، فيما يحتاجون إليه، فسافر مرة مع قوم، فرآه رجل فعرفه، فقال لهم: أتدرون من هذا؟ قالوا: لا. قال: هذا علي بن الحسين (عليه السلام). فوثبوا، فقبلوا يده ورجله، وقالوا: يا ابن رسول الله، أردت أن تصلينا نار جهنم لو بدرت منا إليك يد أو لسان، أما كنّا قد هلكنا إلى آخر الدهر فما الذي يحملك على هذا؟ فقال: إني كنت سافرت مرة مع قوم يعرفونني، فأعطوني، برسول الله (صلى الله عليه وآله)، ما لا أستحق به، فإني أخاف أن تعطوني مثل ذلك، فصار كتمان أمري أحب لي)(9). هذه صورة وانموذج من أحوال المتقين، الذين تجاوزت أرواحهم وأفكارهم هذه الدنيا وتجاوزت حب الذات، إلى أن صارت تنظر إلى الآخرين وكأنها تنظر إلى نفسها، ويقوم الإنسان الموقن بخدمة الناس، ويشعر بأنه يخدم نفسه، ويقدم الخير إليها، فيسعد حينما يسعد الناس، وكذلك الشهيد، فهو ذلك الإنسان الذي وصل إلى حالة من اليقين بربه، وانقطع عن الدنيا تماماً، وتجاوز أفق الدنيا إلى الآخرة، فهو يجاهد ويخرج مقاسياً الألم ونزف الدماء، من أجل أن يعيش الآخرون؛ إذ أنه يعي تماماً بأنه يموت من أجل أن يعيش الآخرون.

فهذه كلها من ثمرات اليقين، وهي أعمال تخدم البشرية وتؤمّن عيشها الرغيد، وتحافظ عليها.

الرصيد الروحي

ومن الثمرات الأخرى، أن الموقن لا ينفك يقدّم صالح الأعمال، لأنه يشعر أنها الرصيد الروحي له في الدنيا، وانها رصيده في الآخرة، فتراه يقدّم الخدمات الاجتماعية للناس على اختلافها.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة يبين فيها صفة المتقين: (عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ وَ تَجَلْبَبَ الْخَوْفَ فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ وَ أَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ وَ هَوَّنَ الشَّدِيدَ نَظَرَ فَأَبْصَرَ وَ ذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ وَ ارْتَوَى مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ فَشَرِبَ نَهَلا وَ سَلَكَ سَبِيلا جَدَداً قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ وَ تَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ إِلا هَمّاً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى وَ مُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى وَ صَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ الْهُدَى وَ مَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ وَ سَلَكَ سَبِيلَهُ وَ عَرَفَ مَنَارَهُ وَ قَطَعَ غِمَارَهُ وَ اسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا وَ مِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي أَرْفَعِ الْأُمُورِ مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ وَ تَصْيِيرِ كُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ كَشَّافُ عَشَوَاتٍ مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ دَفَّاعُ مُعْضِلَاتٍ دَلِيلُ فَلَوَاتٍ يَقُولُ فَيُفْهِمُ وَيَسْكُتُ فَيَسْلَمُ قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فَاسْتَخْلَصَهُ فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ وَأَوْتَادِ َرْضِهِ قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ يَصِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ لا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلا أَمَّهَا وَ لا مَظِنَّةً

إِلا قَصَدَهَا قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ فَهُوَ قَائِدُهُ وَ إِمَامُهُ يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ وَ يَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ)(10).

الشخصية الطاهرة

يذكر أن أحد العلماء ذهب إلى الشيخ مرتضى الأنصاري(رحمه الله)(11)، فشكى إليه أوضاع أحد الطلبة، وأنه يعاني من أزمة مالية، إضافة إلى مرضه، وبعض الضغوط الأخرى، فقال الشيخ: ليس عندي سوى (ثمانية توامين)(12)، وهي متعلقة بسنتي صوم وصلاة استئجارييّن، فقال ذلك العالم: انه يعاني من المرض، ولا يقدر على ذلك، ففكر الشيخ برهة من الزمن، ثم قال: حسناً أعطه المبلغ، وأنا سأقوم بالصلاة والصوم عنه. إن هذا المستوى من الايمان لا يأتي اعتباطاً، ولا يتولد في النفس منذ الطفولة، بل هو مجموعة ضخمة جداً من المجاهدات، ومكافحة الهوى، والهروب من كل موقف فيه شبهة، لكي تبقى النفس نظيفة طاهرة نقية، عندها تكون مستعدة لأن تحصل على اليقين، الذي هو أعلى مراتب الإيمان.

الوصول إلى الأهداف

ومن ثمرات اليقين، إضافة إلى ما مرّ، وصول الإنسان إلى أهدافه وتحقيقها؛ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (باليقين تدرك الغاية القصوى)(13). وبلا شك فان الغاية القصوى هي الجنة؛ إذ لا يوجد أشرف من الجنة، إلا أمر واحد، وهو حب الله عزوجل، بغض النظر عن الجنة والنار، وهذا ما اختص به الأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم)، ومضافاً إلى ذلك فان الإنسان المتيقن يدرك حتى أهدافه الدنيوية؛ لأنه دائماً تسيطر عليه فكرة الايمان والتقوى، ودائماً يعيش حب الله، والنظر إليه بعين انقطعت عن جميع العلل والأسباب، فالمتيقن يستشعر التوحيد أكثر من غيره، ويدرك جيداً أنه لا مؤثر في الوجود إلا الله، فهو متمسك به في جميع أموره، ومن تمسك واعتمد على الله بدرجة عالية كان الله تعالى يده وعينه وقلبه: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)(14).

وبذلك يكون نظر الإنسان دائماً إلى العلة البعيدة، وهو الله، إلا إنه يراها قريبة جداً بنور إيمانه، واطمئنانه بالله عزوجل، ولا يعني هذا ترك الأسباب والعلل، بل هي أمور لابد منها، ولكن الموقن يهيئ السبب ويعمل به ونظره إلى الله عزوجل، لا إلى السبب.

خليل الرحمن (عليه السلام)

ولذلك نرى إبراهيم الخليل (عليه السلام)، عندما يخاطب قومه، وينكل بالأصنام والآلهة، يقول: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)(15). ثم يعرض لنا صوراً من يقينه الشريف: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ)(16).

فكان (عليه السلام) لا يرى علة حقيقية غيره، حتى سيطر على لبّه الذوبان في الله، والانقطاع التام إليه عن كل شيء، توجّه إلى الله تعالى بكل إخلاص، وكذا الحال مع السحرة الذين تحدّوا موسى(عليه السلام)، لكنهم عندما أيقنوا بأن المسألة ليست سحراً أو تضليلاً، فان نظرتهم قد انقلبت رأساً على عقب، إلى درجة أنهم حين هددهم فرعون بالقتل وتقطيع الأوصال، فقال لهم: (لاَقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَفٍ وَلاَصلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ)(17) أجابوه بجواب المتيقن بربه، الذي لا يرهبه التقطيع أو الموت، (قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ)(18).ولعل أقرب مثال للموقنين هم أصحاب الحسين (صلوات الله عليهم)، الذين لم يكونوا ليشعروا بحرّ السيوف ووقعها.

الاستغناء

والاستغناء عن الناس ثمرة من ثمرات اليقين، فقد قال مولى المتقين أمير المؤمنين (عليه السلام): (استغن بالله عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، وأفضل على من شئت تكن أميره)(19).

فالموقن هو الذي لا يتوسط إلا بالله، ولا يطلب أمره إلا من عند الله، لأنه لم يكن يرى العلة غيره سبحانه، بعد أن عظم الخالق في عينه فصغر ما دونه في نظره، فهذا نزر يسير من فوائد وثمار اليقين.

بعد النظر

ومن ثمرات اليقين هو كون الموقن لديه بعد نظر في الحوادث والأمور الأخرى؛ لأنه شديد التمسك والتوكل على الله عزوجل، إلى درجة تصاغر ذاته (الأنا) وانعدامها أمام الله عزوجل، فلا يرى الموقن لنفسه وجوداً حقيقياً إلا بالله تعالى، وعندما يصل إلى هذه المرحلة، فان الله سوف يسدده في كل حياته.

هذا هو منهج الأئمة (عليهم السلام): (وما أنا يا سيِّدي وما خطري؟.. سيِّدي، أنا الصغير الذي ربيته، وأنا الجاهل الذي علمته، وأنا الضال الذي هديته، وأنا الوضيع الذي رفعته...)(20). وهذا المنهج هو الذي يجعل الرب تبارك وتعالى يفيض على عبده الرحمة والنعمة، والفضل وسعة الصدر، وازدياد العلم وقوة الإيمان واليقين، وبهذا الشكل نرى أن هذا السلوك سوف يجعل من الإنسان الموقن ذا نظر بعيد، فهو حسب منهجيته يتجاوز ذاته دائماً، ليصل بالخير والودّ والحب إلى الآخرين؛ لأنه يشعر بأن ذلك يقربه من الله، فهو دائماً يفكر في المصلحة العامة، ويتخطى المصلحة الخاصة، وينعدم الطمع والحرص في ذاته، ويرى مصلحته ومصيره مع الآخرين، وكأنه يرى نفسه أباً ومسؤولاً عن الأمة ومصالحها، فتراه يلح في العبادة والتقرب ويتعب نفسه في الفروض والمستحبات، ثم يدعو الله، وعندما يدعو تراه يقدم الغير وحاجات الغير، أمام دعاؤه لنفسه أو حاجاته، فان هذا الإحساس يمثل النفس الطاهرة التي ارتقت سلم الكمال، وحلّقت في أعلى مراتبه، كما يروي الإمام الحسن (عليه السلام) عن مولاتنا الزهراء (عليها السلام) أنها (قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أماه لم لا تدعون لنفسك كما تدعون لغيرك؟ فقالت (عليها السلام): يا بني الجار ثم الدار)(21). فهذا هو الأساس في العبادة، وهو الأسلوب الصحيح، حيث يذكر الإنسان الآخرين، وهو الإيثار وعلوّ النفس.

وجاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من دعا للمؤمنين والمؤمنات في كل يوم خمساً وعشرين مرة نزع الله الغل من صدره وكتبه من الأبدال إن شاء الله)(22).

سورة الانشقاق: 6.

كشف الغمة: ج1 ص170 في وصف زهده (عليه السلام) في الدنيا..

أنظر نهج البلاغة، الخطبة: 193 يصف (عليه السلام) فيها المتقين.

الكافي: ج2 ص306 باب الحسد ح3.

بحار الأنوار: ج90 ص376 ب24 ح16.

أنظر أمالي الشيخ الصدوق (رحمه الله): ص399 المجلس 62 ح13، وفيه: عن القاسم بن أبي سعيد قال: أتت فاطمة (عليها السلام) النبي (صلى الله عليه وآله) فذكرت عنده ضعف الحال، فقال لها: (أما تدرين ما منزلة علي عندي كفاني أمري وهو ابن اثنتي عشرة سنة وضرب بين يدي بالسيف وهو ابن ست عشر سنة وقتل الأبطال وهو ابن تسع عشرة سنة وفرَّج همومي وهو ابن عشرين سنة ورفع باب خيبر وهو ابن اثنتين وعشرين سنة كاملة وكان لا يرفعه خمسون رجلاً) قال: فأشرق لون فاطمة (عليها السلام) ولم تقر قدماها حتى أتت علياً (عليه السلام) فأخبرته..

أمالي الشيخ الصدوق (رحمه الله): ص514 المجلس 77 ح10، وانظر الإرشاد: ج1 ص128.

سورة البقرة: 17 و18.

عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج2 ص145 ب40 ح13.

10ـ نهج البلاغة، الخطبة: 87.

11ـ هو الشيخ مرتضى بن محمد أمين الدزفولي الأنصاري (رحمه الله) ينتهي نسبه إلى جابر بن عبد الله الأنصاري (رض)، ولد بدزفول سنة (1214) وتوفي سنة (1281) للهجرة ودفن في المشهد الغروي، وهو الأستاذ الإمام المؤسس شيخ مشايخ الإمامية، قدم العراق وهو في العشرين من عمره فورد كربلاء وكانت الأستاذية والرياسة العلمية فيها لكل من السيد محمد المجاهد وشريف العلماء فرغّب الأول إلى والده أن يتركه في كربلاء للتحصيل على إثر مذاكراته وظهور قابليته فبقي آخذاً من الأستاذين، خرج إلى الكاظمية وعاد منها إلى وطنه واختلف إلى شريف العلماء، مر بكاشان عند خروجه لزيارة مشهد الرضا (عليه السلام) ففاز بلقاء أستاذه النراقي (رحمه الله)، مما دعاه للإقامة ثلاث سنين في كاشان، وحكي عن النراقي قوله: لقيت خمسين مجتهداً لم يكن أحد منهم مثل الشيخ مرتضى، ورد النجف الأشرف عام (1249هـ) أيام الشيخ علي بن الشيخ جعفر وصاحب الجواهر ثم انفرد بالتدريس واستقل ووضع أساس علم الأصول الحديث عند الشيعة الإمامية إلى أن انتهت إليه رياسة الإمامية العامة بعد وفاة الشيخين وصار على كتبه ودراستها معول أهل العلم، وكان (رحمه الله) يملي دروسه في الفقه والأصول كل يوم في الجامع الهندي حيث يغص فضاؤه بما ينيف على الأربعمائة من العلماء والطلاب وقد تخرج منه أكثر الفحول من بعد مثل الميرزا الشيرازي والميرزا حبيب الله الرشتي والسيد حسين الترك والشرابياني والمامقاني والميرزا أبو القاسم الكلانتري، من مصنفاته (رحمه الله) المكاسب وكتاب الطهارة المعروف بطهارة الشيخ وكتاب الصوم والزكاة والخمس ورسائله الخمس المشهورة وكثير غيرها، أنظر أعيان الشيعة: المجلد 10 ص117 حرف (الميم).

12ـ توامين: جمع (تومان) وهي العملة النقدية المتداولة في إيران اليوم.

13ـ نهج البلاغة، الخطبة: 157.

14ـ سورة الطلاق: 3.

15ـ سورة الشعراء: 77.

16ـ سورة الشعراء: 78 ـ 81.

17ـ سورة الشعراء: 49.

18ـ سورة الشعراء: 50.

19ـ كنز الفوائد: ج2 ص194 فصل في ذكر الغنى والفقر.

20ـ مصباح الكفعمي: ص594 دعاء السحر لعلي بن الحسين (عليهما السلام) دعاء أبو حمزة الثمالي.

21ـ علل الشرائع: ص181 ب145 ح1.

22ـ الجعفريات: ص223 باب فضل الدعاء للمؤمنين والمؤمنات.