الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الولادة المباركة

ولد الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) في العقد الرابع من القرن الأول الهجري في المدينة المنورة يوم النصف من جمادى الأولى، سنة ست وثلاثين أو ثمان وثلاثين من الهجرة النبوية المباركة[1]، وقيل: وُلِد (عليه السلام) في الخميس الخامس من شعبان في أيام جده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقبل وفاته بسنتين، وكانت ولادته في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها أسمه[2].

كان (عليه السلام) كآبائه الطاهرين (عليهم السلام) من تلك الأنوار المباركة التي خلقها الله عزّ وجلّ قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق العرش فجعلها بعرشه محدقة، تسبح الله وتقدسه.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خلقنا الله نحن حيث لا سماء مبنية ولا أرض مدحية ولا عرش ولا جنة ولا نار، كنا نسبحه حين لا تسبيح ونقدسه حين لا تقديس»[3] الخبر.

وقال (صلى الله عليه وآله): «لقد خلقنا الله نورا تحت العرش»[4].

وفي زيارة الجامعة: «خلقكم الله أنوارا فجعلكم بعرشه محدقين حتى من علينا بكم فجعلكم فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ»[5].

أبوه: حجة الله على الخلق سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (عليه السلام) الشهيد بكربلاء.

وأمه المكرمة: (شهربانو) وقيل (شاه زنان)[6] ابنة يزدجرد ملك إيران[7].

وفي الحديث عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «لما قدمت ابنة يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس وخاتمتهم على عمر، وأدخلت المدينة استشرفت لها عذارى المدينة وأشرق المجلس بضوء وجهها ورأت عمر فقالت: آه بيروز باد هرمز، فغضب عمر وقال: شتمتني هذه العلجة، وهم بها.

فقال له علي (عليه السلام): ليس لك إنكار على ما لا تعلمه.

فأمر أن ينادي عليها، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا يجوز بيع بنات الملوك وإن كن كافرات، ولكن أعرض عليها أن تختار رجلا من المسلمين حتى تتزوج منه وحسب صداقها عليه من عطائه من بيت المال يقوم مقام الثمن.

فقال عمر: أفعل، وعرض عليها أن تختار، فجالت فوضعت يدها على منكب الحسين (عليه السلام) فقال: چه نام داري اي كنيزك؟

يعني: ما اسمك يا صبية؟

قالت: جهانشاه، فقال بل شهربانويه...

ثم التفت إلى الحسين فقال: احتفظ بها وأحسن إليها فستلد لك خير أهل الأرض في زمانه بعدك وهي أم الأوصياء الذرية الطيبة، فولدت علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) ويروى أنها ماتت في نفاسها به

وإنما اختارت الحسين (عليه السلام) لأنها رأت في المنام فاطمة الزهراء (عليه السلام) وأسلمت قبل أن يأخذها عسكر المسلمين ولها قصة وهي أنها قالت: رأيت في النوم قبل ورود عسكر المسلمين كأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل دارنا وقعد مع الحسين (عليه السلام) وخطبني له وزوجني منه، فلما أصبحت كان ذلك يؤثر في قلبي وما كان لي خاطر غير هذا، فلما كان في الليلة الثانية رأيت فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) قد أتتني وعرضت علي الإسلام فأسلمت، ثم قالت: إن الغلبة تكون للمسلمين وإنك تصلين عن قريب إلى ابني الحسين سالمة لا يصيبك بسوء أحد، قالت: وكان من الحال أني خرجت إلى المدينة ما مس يدي إنسان»[8].

الكنى والألقاب الشريفة

اسمه الشريف: علي.

وكنيته: أبو الحسن، وأبو محمد.

وألقابه كثيرة، من أشهرها: السجاد، وزين العابدين.

وكان يقال له (عليه السلام): ابن الخيرتين.

التربية الصالحة

لقد عاش الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) في كنف ثلاثة من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) يعني أمير المؤمنين علي (عليه السلام) والإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام) وتربى في حجرهم تربية صالحة تليق بشأن الإمامة.

فقد روي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «ولد علي بن الحسين في سنة ثمان وثلاثين من الهجرة قبل وفاة علي بن أبي طالب بسنتين وأقام مع أمير المؤمنين سنتين ومع أبي محمد الحسن عشر سنين وأقام مع أبي عبد الله الحسين عشر سنين وكان عمره سبعا وخمسين سنة»[9].

خير قدوة للصالحين

كان الإمام (عليه السلام) مثالاً للتقوى والزهد والعبودية لله عزّ وجلّ، وكان من كثرة سجوده وعبادته أن لقب بالسجاد وزين العابدين[10].

كما كان (عليه السلام) ملاذاً للضعفاء والمساكين..

ونموذجاً في خدمة العباد..

ومدرسة في الدعاء والمناجاة..

ودليلاً في العفو والكرم..

والجهاد في سبيل الله..

والزهد والعبادة..

والترحم على الأيتام..

وحب الناس..

وقضاء حوائج المحتاجين.

وكان (عليه السلام) قمة في مكارم الأخلاق مما اعترف بذلك الخاص والعام والعدو والصديق.

وقد كانت آثار الجلال والعظمة واضحة في وجهه النوراني من صغر سنه وقد قال في حقه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل ولادته، على ما رواه ابن عباس:

«إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ أين زين العابدين؟ فكأني أنظر إلى ولدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يخطر بين الصفوف»[11].

وقد أوصى بإمامته والده الإمام الحسين (عليه السلام) على ما عينه نبي الإسلام من قبل الله تعالى[12]، ليكون الإمام الرابع على المسلمين وحجة الله على الخلق أجمعين.

حجة الله في الأرض

إن حجة الله في الأرض هو واسطة الفيض بين الخالق والخلق تشريعاً وتكويناً على ما في الروايات.

وقد ضرب هشام بن الحكم وهو من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) لذلك مثالاً، فقال إن منزلة حجة الله في النظام الكوني كالقلب في بدن الإنسان، فكما أن الإنسان بحاجة إلى القلب كذلك الأمة بحاجة إلى الإمام (عليه السلام)[13].

وكما أن القلب يوصل الدم إلى كافة الأعضاء الصغيرة والكبيرة وجميع الشرايين والأوردة، كذلك الإمام (عليه السلام) هو الواسطة بين الله وخلقه، بحيث لا تستغني من وجوده كافة المخلوقات من إنسان وغير إنسان.

وكما أن القلب إذا ما توقف عن العمل، فانه ستتعطل كافة أعضاء البدن وتموت.. وبموت الإنسان سيتعرض جسده لأنواع مختلفة من الميكروبات وما أشبه وسيؤدى إلى تفسخه وتلاشيه وفنائه، كذلك بالنسبة إلى الإمام المعصوم (عليه السلام) فإذا فرض يوماً ما خلو العالم من الحجة، فسيفنى الكون وينعدم كل شيء، كما ورد في الحديث الشريف: «لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها»[14].

ومن هنا بدأ الله عزّ وجلّ بالخليفة قبل الخليقة لأنه سبحانه حكيم والحكيم من يبدأ بالأهم فالأهم وفي ذلك يقول الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) حيث يقول: «الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق»[15]، وقد خلق الله نور حجحه الطاهرين (عليهم أفضل الصلاة والسلام) قبل أن يخلق الخلق أجمعين، فكان أول مخلوق هو حجة الله، وآخر موجود يغمض عينيه عن الدنيا هو حجة الله أيضاً، حيث بموته يفنى العالم، قال تعالى: ((إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت))[16] والروايات في هذا الباب الكثيرة.

عن الحسين بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تكون الأرض ليس فيها إمام، قال: «لا» قلت: يكون إمامان، قال: «لا إلا وأحدهما صامت»[17].

وعن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إن الأرض لا تخلو إلا وفيها عالم كلما إن زاد المؤمنون شيئا ردهم وإن نقصوا شيئا تممه لهم»[18].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما زالت الأرض إلا ولله فيها الحجة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله»[19].

وعن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: تبقى الأرض بغير إمام، قال: «لا»[20].

وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن الله أجل وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل»[21].

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «اللهم إنك لا تخلي الأرض من حجة لك على خلقك ظاهراً أو خافياً مغموراً لئلا تبطل حجتك وميثاقك»[22].

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «والله ما ترك الله أرضا منذ قبض آدم (عليه السلام) إلا وفيها إمام يهتدى به إلى الله وهو حجته على عباده ولا تبقى الأرض بغير إمام حجة لله على عباده»[23].

وعن أبي حمزة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تبقى الأرض بغير إمام، قال: «لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت»[24].

وعن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام، فقال: «لا» قلت: فإنا نروى عن أبي عبد الله (عليه السلام): «أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله تعالى على أهل الأرض أو على العباد» فقال: «لا تبقى إذاً لساخت»[25].

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله»[26].

وعن ابن الطيار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «لو لم يبق في الأرض إلا اثنان لكان أحدهما الحجة»[27].

وعن كرام قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام، وقال: إن آخر من يموت الإمام لئلا يحتج أحدهم على الله عز وجل تركه بغير حجة لله عليه»[28].

دور الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)

إن علماء الدنيا من المخترعين والمكتشفين والأطباء ومن أشبه يهتمون بتقديم الخدمات المادية للمجتمع الإنساني، أما الأنبياء والأئمة الأطهار (عليهم السلام) وعلماء الدين فإنهم مضافاً إلى ما يقدمونه لسعادة البشر مادياً، يهتمون بالجانب الروحي أيضاً الذي هو أهم من الجانب المادي بكثير، فإن قيمة الإنسان ترتبط بروحه ونفسه أولاً، لا ببدنه المادي فحسب.

يقول الشاعر سعدي الشيرازي[29] ما مضمونه:

قيمة المرء بروحه لا بجسمه، أما اللباس الجيد فلا يكون ميزاناً لإنسانيته[30].

قال الله تعالى: ((إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلاَ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ))[31].

فجاء الأمر بالسجود للإنسان[32] بعد أن سواه الله ونفخ فيه الروح، فيعلم أن قيمة المرء بروحه لا بجسمه.

ومن هنا فإن الفقهاء ذكروا غرامة البدن المادي بالأمور المادية المذكورة في الفقه، فدية قتل الإنسان هي إحدى الموارد المالية التالية:

1: ألف دينار من الذهب[33].

2: عشرة آلاف درهم من الفضة[34].

3: ألف رأس من الغنم.

4: مائة رأس من الإبل.

5: مائتا رأس من البقر.

6: مائتا حُلة[35].

هذا بلحاظ الجانب المادي للإنسان، ولكن عندما يكون الحديث عن الجانب الروحي والمعنوي للإنسان فان القرآن المجيد يقول: ((من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعاً))[36].

نعم، إن علماء الدنيا من المخترعين والمكتشفين يهيئون بعض وسائل الحياة المريحة والمرفهة للإنسان، ولكن أولياء الله يعلمونه كيف يستفيد من تلك الوسائل، فإن الآلات المتطورة والمريحة إذا لم تكن بجانبها تعليمات مناسبة ربما يكون ضررها أكثر من نفعها إذا استفاد الإنسان منها بشكل غير مناسب بحيث أضرته أو أضرت بني نوعه، ومن هنا يتضح أهمية دور المعلم الأخلاقي والطبيب الروحي في حياة الإنسان، وهم الأنبياء والأئمة وتلامذتهم.

فإذا فرضنا للإنسان مجتمعاً لا يمتلك فيه وسائل الرفاه يمكن أن نتصور له عيشاً هادئاً بسيطاً، ولكن إذا كان يمتلك مختلف أنواع وسائل الرفاه من دون أن يعرف الموازين الأخلاقية والإنسانية ومن دون أن يطبق التعاليم المعنوية والروحية فإن الحياة تصبح جحيما على البشرية، ولا يمكنهم الاستمرار في الحياة.

وبهذا يتضح شيئاً عن أهمية دور حجج الله على الخلق، من الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) وضرورة وجودهم المبارك، ومن هؤلاء الطاهرين الإمام السجاد (عليه السلام) فهو من المعلمين الصالحين وأطباء الروح الإلهيين الذين أمرهم الله عزّ وجلّ بهداية الخلق وجعلهم أئمة معصومين وفرض طاعتهم على الناس أجمعين.

قطرة من البحر

يقول أحد الشعراء[37] ما مضمونه:

إذا لم يمكن شرب ماء البحر، فعليه تذوق بعض القطرات منه لرفع العطش.

فإذا أردنا التحدث عن شخصية الإمام السجاد (عليه السلام) وبيان مقامه الرفيع أو أي واحد من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بشكل كامل فإنه لا يمكننا ذلك، لأنهم البحر الواسع والعميق الذي لا ينال أحد أطرافه، بل منتهى ما يمكن هو إلقاء نظرة عابرة على بعض سواحله فقط.. وأخذ بعض القطرات من جوده فحسب.

وقد قال أحد الشعراء في وصفه لأحد الأئمة (عليهم السلام):

هو البحر من أي النواحي أتيته                    فلّجته المعروف والجود ساحله

الخلفاء الإثنا عشر

الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) هو الرابع من خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأثني عشر، الذين عينهم الرسول (صلى الله عليه وآله) واحداً واحداً بالأسماء، فإنه بالإضافة إلى روايات الشيعة فإن هناك العديد مما روي عن طريق العامة وهي تؤكد على أن الخلفاء إثنا عشر حيث رووا في مختلف كتبهم:

قوله (صلى الله عليه وآله): «الخلفاء بعدي اثنا عشر»[38].

وفي بعض رواياتهم تصريح بالأسماء المقدسة لهؤلاء الأئمة الأطهار (عليهم السلام) كما رواه القندوزي الحنفي في ينابيع المودة[39]، وغيره[40].

لماذا هذا العدد الخاص؟

لماذا كان الأئمة (عليهم السلام) اثني عشر إماماً لا يزيدون ولا ينقصون؟

لعل السبب في ذلك أن كل واحد منهم عاش فترة زمنية خاصة، وقد عمل ببرنامج خاص يناسب تلك الفترة، فكان المجموع اثني عشر دوراً تشريعياً وتكوينياً، بحيث إذا لم يؤدَ ذلك الدور كان يحدث شرخ في النظام التكويني والتشريعي في ذلك الزمان.

من هنا نرى أن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) مضافاً إلى كونهم نوراً واحداً من نور واحد، ينبع من ينبوع الوحي والرسالة وقد تغذوا منه العلم والمعرفة، وإنهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) والرسول (صلى الله عليه وآله) منهم (صلوات الله عليهم أجمعين).

فقد أدوا الأمانة الإلهية خلال المائتين والخمسين سنة بعد رحيل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بأحسن ما يمكن، وأخذ كل واحد منهم بزمام هداية المجتمع الإسلامي ـ بل الإنساني ـ وإرشاده إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة، وذلك في مختلف الظروف التي عاشوها.

فتجد بين هؤلاء الاثني عشر، من هو رئيس الدولة والحكومة العالمية، وولي العهد، وصهر الحاكم، والمستشار في الأمور المهمة، والمتصدي لبيان الأحكام الشرعية، وحتى السجين في أحدى زوايا الطامورات، والذي يعيش تحت الإقامة الجبرية، والشهيد في جبهات الحق ضد الظلم والطغيان، وأستاذ العلماء في كافة العلوم المختلفة، ومعلم الإنسانية في مدرسة الدعاء والمناجاة، والغائب الذي غيبه الله عن الأعين حفظاً لوجوده الشريف.

وغير ذلك، مما يكون كل واحد منهم أسوة للناس في المرحلة المشابهة للمرحلة التي عاشها الإمام المعصوم (عليه السلام).

في ظروف القهر والاستبداد

من هؤلاء الأئمة المعصومين وخلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصادقين هو الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، الذي عهد إليه إمامة الأمة وهداية وإرشاد المجتمع الإسلامي بعد شهادة أبيه الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) وكافة إخوته وأقربائه في واقعة كربلاء الأليمة.

فكان هو الابن الوحيد الذي بقى لأبيه الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد تقلد منصب الإمامة في زمن كان أكثر الشيعة في أقبية السجون أو قد استشهدوا، وكان الناس لا يملكون الجرأة على الاعتراض والانتقاد ضد ما يرونه من الظلم والاستبداد ومخالفة الشرع المبين من قبل بني أمية مصاصي الدماء الذين استولوا على الحكم بالقهر والإرهاب.

وإذا ما تكلم شخص بكلمة معترضاً على الظلمة والمعتدين، فيعد مخالفاً لله وخليفة رسوله (صلى الله عليه وآله)! فيوضع تحت الملاحقة والسجن والتعذيب ويتم تصفيته بكل سهولة.

لقد أراد بنو أمية القضاء على الإسلام وعلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذريته النجباء، فقتلوا جميع أولاد النبي (صلى الله عليه وآله) في واقعة عاشوراء الدامية، ولم يبق منهم سوى أحد أبناء الإمام الحسن[41] وأحد أبناء الإمام الحسين (عليه السلام) وهو الإمام السجاد (عليه السلام) وذلك بمعجزة من الله عزّ وجلّ.

وكان هذا بأمر من معاوية وسياسته والذي سعى جاداً في دفن اسم نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) إلى الأبد ومحوه من الأذهان، كما ورد في التاريخ انه لما سمع صوت المؤذن وهو يقول: «أشهد أن محمداً رسول الله» قال: دفناً دفناً[42].

ومن هنا يعلم مدى أهمية قيادة الإمام السجاد (عليه السلام) للأمة والمجتمع الإسلامي في تلك الفترة المظلمة والحساسة من حكومة بني أمية.

والذي يمكن القول وبجرأة إنه لولا إرشادات الإمام السجاد (عليه السلام) الدقيقة في مختلف ميادين الحياة والتي جاءت في قالب الدعاء والمناجاة وكانت في محلها تماماً، لم يبق من الإسلام إلا اسمه ورسمه، ولحُرِفَ مثلما حُرِفَ دين اليهود والنصارى، ولرأت الأجيال القادمة الإسلام من خلال أقوال وأفعال الذين سيطروا على الخلافة الإسلامية من دون استحقاق، ومن خلال المسلمين الذين لايفكرون إلا في مصالحهم الشخصية، ومن خلال علماء السوء ووعاظ السلاطين.

نعم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بما فيهم الإمام السجاد (عليه السلام) حفظت القرآن والإسلام وذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وشريعته إلى يومنا هذا غضاً طرياً كما أراده الله عزّ وجلّ لسعادة البشرية جمعاء في الدنيا والآخرة.

[1] وقيل: سنة 37 هجرية.

[2] إشارة إلى قوله تعالى: ((في بيوت أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار)) سورة النور: 36-37.

[3] بحار الأنوار: ج25 ص16 ب1 ح30.

[4] تفسير فرات الكوفي: ص504 ومن سورة سأل سائل ح504-622.

[5] من لا يحضره الفقيه: ج2 ص613 ح3213 زيارة جامعة لجميع الأئمة (عليهم السلام).

[6] وقيل: كان إسمها غزالة، وقيل: سلامة، وقيل: خولة، وقيل: برة، ولا يبعد أن يكون لها أكثر من إسم، كما ورد في أسماء السيدة نرجس والدة الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه).

[7] يزدجرد: آخر ملوك فارس وهو ابن شهريار بن برويز بن هرمز بن أنوشيروان الساساني، وقد أسرت شهربانو أو شاه زنان في الحرب التي دارت بين المسلمين والجيش الساساني ونقلت إلى المدينة المنورة ثم تزوجها الإمام الحسين (عليه السلام).

[8] بحار الأنوار: ج46 ص10-11 ب1 ح21.

[9] كشف الغمة: ج2 ص105 وثبتت له الإمامة من وجوه.

[10] بحار الأنوار: ج46 ص6 ب1 ح10.

[11] بحار الأنوار: ج46 ص2-3 ب1 ح1.

[12] كما في حديث جابر، انظر كتاب الكافي: ج1 ص527 باب ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم (عليهم السلام) ح3، وإليك نص الحديث:

عن عبد الرحمن بن سالم عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها.

فقال له جابر: أي الأوقات أحببته.

فخلا به في بعض الأيام، فقال له: يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب؟

فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة (عليها السلام) في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهنيتها بولادة الحسين، ورأيت في يديها لوحا أخضر ظننت أنه من زمرد، ورأيت فيه كتابا أبيض شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي وأمي يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما هذا اللوح؟

فقالت: هذا لوح أهداه الله إلى رسوله (صلى الله عليه وآله) فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابنيَ واسم الأوصياء من ولدي وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك.

قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة (عليها السلام) فقرأته واستنسخته.

فقال له أبي: فهل لك يا جابر أن تعرضه عليّ.

قال: نعم، فمشى معه أبي إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رق، فقال: يا جابر انظر في كتابك لأقرأ أنا عليك.

فنظر جابر في نسخة فقرأه أبي، فما خالف حرف حرفا.

فقال جابر: فأشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوبا، بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين، عظّم يا محمد أسمائي واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي، إني أنا الله لا إله إلا أنا، قاصم الجبارين ومديل المظلومين وديان الدين، إني أنا الله لا إله إلا أنا، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فإياي فاعبد وعلي فتوكل، إني لم أبعث نبيا فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصيا، وإني فضلتك على الأنبياء وفضلت وصيك على الأوصياء وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين، فجعلت حسنا معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه، وجعلت حسينا خازن وحيي وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامة معه وحجتي البالغة عنده، بعترته أثيب وأعاقب، أولهم علي سيد العابدين وزين أوليائي الماضين، وابنه شبه جده المحمود محمد الباقر علمي والمعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد عليّ حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر، ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، أتيحت بعد موسى فتنة عمياء حندس، لأن خيط فرضي لا ينقطع وحجتي لا تخفى، وأن أوليائي يسقون بالكأس الأوفى، من جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي، ومن غير آية من كتابي فقد افترى عليّ، ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدي وحبيبي وخيرتي في، علي وليي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمتحنه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلقي، حق القول مني لأسرنه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه، فهو معدن علمي وموضع سري وحجتي على خلقي، لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لابنه علي وليي وناصري، والشاهد في خلقي وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي، والخازن لعلمي الحسن وأكمل ذلك بابنه محمد رحمة للعالمين، به كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيوب، فيذل أوليائي في زمانه، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم ويفشو الويل والرنة في نسائهم، أولئك أوليائي حقا، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل وأدفع الآصار والأغلال، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون». قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك فصنه إلا عن أهله.

[13] راجع الكافي: ج1 ص169 باب الاضطرار إلى الحجة ح3، وبحار الأنوار: ج23 ص6-8 ب1 ح11. ونص الحديث: عن يونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) جماعة من أصحابه فيهم هشام بن الحكم وحمران بن أعين ومؤمن الطاق وهشام بن سالم والطيار وجماعة من أصحابه فيهم هشام بن الحكم وهو شاب، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا هشام».

قال: لبيك يا ابن رسول الله.

قال: «ألا تحدثني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته».

قال هشام: جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أجلك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك.

فقال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): «يا هشام إذا أمرتكم بشيء فافعلوه».

قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة وعظم ذلك علي فخرجت إليه ودخلت البصرة في يوم الجمعة فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة وإذا أنا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء متزر بها من صوف وشملة مرتد بها والناس يسألونه فاستفرجت الناس فأفرجوا لي ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي ثم قلت: أيها العالم أنا رجل غريب تأذن لي فأسألك عن مسألة؟

قال: فقال: نعم.

قال: قلت له: ألك عين.

قال: يا بني أي شيء هذا من السؤال؟

فقلت: هكذا مسألتي.

فقال: يا بني سل وإن كانت مسألتك حمقا.

قال: فقلت: أجبني فيها.

قال: فقال لي: سل.

فقلت: ألك عين؟

قال: نعم.

قال: قلت: فما ترى بها؟

قال: الألوان والأشخاص.

قال: فقلت: ألك أنف؟

قال: نعم.

قال: قلت: فما تصنع بها؟

قال: أتشمم بها الرائحة.

قال: قلت: ألك فم؟

قال: نعم.

قلت: وما تصنع به؟

قال: أعرف به طعم الأشياء.

قال: قلت: ألك لسان؟

قال: نعم.

قلت: وما تصنع به؟

قال: أتكلم به.

قال: قلت: ألك أذن؟

 قال: نعم.

قلت: وما تصنع بها؟

قال: أسمع بها الأصوات.

قال: قلت: ألك يد؟

قال: نعم.

قلت: وما تصنع بها؟

قال: أبطش بها وأعرف بها اللين من الخشن.

قال: قلت: ألك رجلان؟

قال: نعم.

قلت: ما تصنع بهما؟

قال: أنتقل بهما من مكان إلى مكان.

قال: قلت: ألك قلب؟

قال: نعم.

قلت: وما تصنع به؟

قال: أميز به كل ما ورد على هذه الجوارح.

قال: قلت: أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟

قال: لا.

قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة.

قال: يا بني إن الجوارح إذا شكت في شيء شمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته أو لمسته ردته إلى القلب فتقن اليقين ويبطل الشك.

قال: فقلت: إنما أقام الله القلب لشك الجوارح.

قال: نعم.

قال: قلت: فلابد من القلب وإلا لم يستقم الجوارح.

قال: نعم.

قال: فقلت: يا أبا مروان إن الله تعالى ذكره لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح ويتقن ما شك فيه ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم لا يقيم لهم إماما يردون إليهم شكهم وحيرتهم ويقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك؟

قال: فسكت ولم يقل شيئا.

قال: ثم التفت إلي فقال: أنت هشام؟

فقلت: لا.

فقال لي: أجالسته؟

فقلت: لا.

فقال: فمن أين أنت؟

قلت: من أهل الكوفة.

قال: فأنت إذا هو.

قال: ثم ضمني إليه وأقعدني في مجلسه وما نطق حتى قمت.

فضحك أبو عبد الله (عليه السلام) ثم قال: «يا هشام من علمك هذا؟ ».

قال: فقلت: يا ابن رسول الله جرى على لساني؟

قال: «يا هشام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى».

[14] راجع دلائل الإمامة: ص231 معرفة أن الله تعالى لا يخلي الأرض من حجة.

[15] كمال الدين: ج1 ص4 الخليفة قبل الخليقة.

[16] سورة الانفطار: 1-2.

[17] الكافي: ج1 ص178 باب أن الأرض لا تخلو من حجة ح1.

[18] بصائر الدرجات: ص331 ب10 ح2.

[19] غيبة النعماني: ص138 ب8 ح4.

[20] بحار الأنوار: ج23 ص55 ب1 ح117.

[21] الكافي: ج1 ص178 باب أن الأرض لا تخلو من حجة ح6.

[22] دلائل الإمامة: ص232 معرفة أن الله تعالى لا يخلي الأرض من حجة.

[23] الكافي: ج1 ص178-179 باب أن الأرض لا تخلو من حجة ح8.

[24] علل الشرائع: ج1 ص196 ب153 ح5.

[25] كمال الدين: ج1 ص201-202 ب21 ح2.

[26] منتخب الأنوار المضيئة: ص33 ف3.

[27] الكافي: ج1 ص179 باب انه لو لم يبق في الأرض إلا رجلان ح1.

[28] علل الشرائع: ج1 ص196 ب153 ح6.

[29] سعدي الشيرازي (1189-1291): شاعر وناثر إيراني كبير ولد في شيراز تعلم في نظامية بغداد، له (البستان) و (كلستان) و (الديوان) وقد نقلت إلى عدة لغات.

[30] أصل الشعر بالفارسية:

 تن آدمي شريف است به جان آدميت نه همين لباس زيباست نشان آدميت

[31] سورة ص: 71-74.

[32] إن هذا السجود للإنسان لا يعني عبادته، بل كان احتراماً لمقام الإنسان وعبادة لله عزوجل، فإن الملائكة في سجودهم لآدم (عليه السلام) قد عبدوا الله عزوجل وأطاعوه، أما إبليس فقد عصا أمر ربه فكان من الكافرين.

[33] كل دينار ذهب شرعي عبارة عن مثقال واحد من الذهب عيار 18 حمصة.

[34] كل درهم فضة شرعي عبارة عن مثقال واحد من الفضة عيار 12 أو 14 حمصة.

[35] الحُلة الواحدة ما تغطي جميع البدن.

[36] سورة المائدة: 32.

[37] هو الشاعر الفارسي جلال الدين الرومي (1207-1273): شاعر فارسي صوفي المسلك، ولد في بلخ واستقر في قونية، صاحب الطريقة المولوية له (المثنوي)، وأصل الشعر بالفارسية:

آب دريا را اگر نتوان كشيد                  هم بقدر تشنكى بايد چشيد

[38] راجع صحيح مسلم: ج6 ص2-4 كتاب الإمارة الناشر دار الفكر بيروت، صحيح ابن حبان: ج15 ص43-45 ط2 مؤسسة الرسالة بيروت، المستدرك على الصحيحين: ج3 ص715-716 وج4 ص546 ط دار الكتب العلمية بيروت.

[39] راجع ينابيع المودة: ج3 ص282 ب76 في بيان الأئمة الاثني عشر باسمائهم، ط دار الأسوة.

[40] فرائد السمطين: ج2 ص132 ح431، غاية المرام: ص743 ح57.

[41] هو الحسن ابن الإمام الحسن المجتبى (المعروف بالحسن المثنى) والذي قد جرح بشدة في واقعة كربلاء وسقط في وسط الشهداء فزعموا أنه مات، ولما صدر أمر اللعين بقطع رؤوس الشهداء من الأبدان، رأوا فيه رمقاً ونفساً في بدنه، فقامت مجموعة من أخواله بأخذه معهم وعالجوه، فشفي بحمد الله، وبسببه حفظ نسل الإمام المجتبى (عليه السلام) واستمر إلى يومنا هذا، وهم السادة الطباطبائيون.

[42] روى الزبير بن بكار في الموفقيات وهو من المنحرفين عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال المطرف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية وكان أبي يأتيه فيتحدث معه، ثم ينصرف إليّ فيذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة، فأمسك عن العشاء ورأيته مغتماً، فانتظرته ساعة وظننت أنه لأمر حدث فينا، فقلت: ما لي أراك مغتماً منذ الليلة؟ فقال: يا بني، جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم. قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت سناً يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً، فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى اخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فوالله ما عندهم شيء تخافه، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه، فقال: هيهات، هيهات، أيُّ ذكر أرجو بقاءه؟ ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: أبو بكر، ثم ملك أخو عدي، فاجتهد وشمر عشر سنين فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل: عمر، وإن ابن أبي كبشه ليصاح به كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله، فأي عملي يبقى؟ وأي ذكر يدوم بعد هذا؟ لا أباً لك، لا والله إلا دفناً دفناً». شرح نهج البلاغة: ج5 ص129 أخبار متفرقة عن معاوية.