الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

استمرارية النهضة الحسينية

قال الله تعالى في القرآن المجيد: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون))[1].

إن الله قد وعد بحفظ القرآن الكريم، ومن الواضح أنه ليس المراد حفظ ظاهر القرآن وكلماته فقط، بل مضافاً إلى حفظ تلك النصوص المباركة عن التحريف، فالمقصود هو أن الله عزّ وجلّ قد تكفل بحفظ الإسلام الواقعي دائماً في ظل القرآن ومفسريه الواقعيين من الأئمة الطاهرين (عليهم السلام).

ولذا يشاهد من خلال صفحات التاريخ أنه كلما كان الإسلام يواجه خطر الفناء الكامل فإن الله سبحانه قد أنجاه وحفظه في كنفه ولو عبر المعجزة والأسباب الغيبية.

إن واقعة عاشوراء كانت واحدة من تلك الموارد التي جعلت الإسلام في منحدر السقوط الكامل، حيث أراد يزيد وجلاوزته القضاء على الإسلام وعلى حملته نهائياً بقتل ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن آخرهم، وإذا ما استشهد الإمام السجاد (عليه السلام) في ذلك اليوم لخلت الأرض من حجة الله وممن يفسر القرآن الكريم ويبين تعاليم الإسلام وأحكامه وشرائعه للناس، ولكن شاء الله أن يصبح الإمام زين العابدين (عليه السلام) مريضاً وبشدة حتى لا يتمكن من الذهاب إلى ساحة القتال ويسقط عنه الجهاد، وإن أراد الأعداء أن يقتلوه أيضاً ولكن الله حفظه من كيدهم.

وبعد شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) حامل راية الإسلام وذلك برفقة عمته عقيلة بني هاشم السيدة زينب الكبرى (سلام الله عليها) فمن خلال خطبه الشريفة في المدن والأماكن المختلفة خصوصاً في مجلس يزيد بن معاوية قد ضمن الإمام (عليه السلام) استمرار تلك النهضة المقدسة، وتمكن وللأبد من فضح يزيد وغيره من أعداء الإسلام، واثبات ظلامة وأحقية أهل البيت (عليهم السلام).

النهضة الثقافية والعاطفية

اتخذ الإمام زين العابدين (عليه السلام) بعد شهادة أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) في فاجعة كربلاء أسلوب (الجهاد الهادئ) ضد الظلم والطغيان، والجهل والكبت.

وقد كان لهذا الأسلوب الحكيم في تلك الظروف الحرجة آثاراً مباركة كثيرة، منها النهضة الثقافية والعاطفية في سبيل توعية الأمة.

فزين العابدين (عليه السلام) سعى جاهداً، سواء كان في ساحة كربلاء، أو الكوفة، أو في طريقه إلى الشام، وفي الشام نفسها أيضاً إلى جذب عواطف الناس وإحياء ضمائرهم لمعرفة ما جرى من ظلامة على أهل بيت الرسالة (عليه السلام) الذين يمثلون الإسلام من قبل طغاة بني أمية الذين يدعون الإسلام كذباً وزوراً، وذلك عن طريق:

أولا: النهضة الفكرية والثقافية: حيث وجه الإمام (عليه السلام) أنظار الناس إلى الهدف السامي الذي قام من أجله أبوه الإمام الحسين (عليه السلام) وضحى بنفسه وأولاده وأهل بيته وأصحابه الكرام في سبيله، وهو إحياء الإسلام، والوقوف أمام المؤامرات التي أرادت القضاء على الإسلام، وأن يعيش الإنسان حراً كما خلقه الله، من دون أن يستسلم للظلم والاستبداد ولا يخنع للجور والطغيان، وأن لا تكون أزمة الأمور ومصير الشعوب بيد حاكم ظالم مستبد.

وفي الواقع إن الإمام الحسين سيد الشهداء (عليه السلام) لم يكن مخالفاً ليزيد بن معاوية فقط بل كان مخالفاً لجميع الظلمة الفاسدون والمفسدون في كل زمان ومكان، كما أراد للإنسان بما هو إنسان أن يعيش سعيداً حراً، في أي زمان ومكان، سواء كان مؤمناً أم كافراً.

قال الإمام الحسين (عليه السلام): «ويحكم.. إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم»[2].

وقال (عليه السلام): «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (صلى الله عليه وآله) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب (عليه السلام) »[3].

وقال: «إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما»[4].

نعم إن من يريد الخلاص من الذل والعبودية، ومن أراد العزة والسعادة، فعليه أن يتعلم من مدرسة أبي الأحرار الحسين بن علي (عليه السلام) درس الشهامة والشجاعة، وسمو النفس وعزة الروح، والاستقلال الفكري وعدم العبودية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح المجتمع وإنقاذ الإنسان، وأخيراً الجهاد في سبيل الله وفي سبيل الإنسانية ضد الظلم والطغيان.

إن المتتبع في صفحات التاريخ يرى بوضوح آثار نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) المباركة، فكم من الحركات الإصلاحية والمنادية بالحرية التي نبعت من هذه النهضة المقدسة وتعلمت منها درس المقاومة والفداء، وذلك منذ يوم عاشوراء عام 60 هجرية وإلى يومنا هذا وستسمر المسيرة إلى أي يوم يوجد هناك سطوة ظالم وصرخة مظلوم في الأرض.

وقد حكي عن غاندي أنه قال: تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر.

ثانياً: النهضة العاطفية: فبالقدر الذي كان قيام سيد الشهداء (عليه السلام) مؤثراً في إحياء الإسلام والقرآن الكريم.. كذلك فإن استمرار وبقاء تلك النهضة له نفس التأثير في استمرارية المفاهيم الإسلامية وشريعتها، وربما كانت أهمية العلة المبقية أكثر من العلة المحدثة على اصطلاح الحكماء، فإذا لم تكن عملية استمرار النهضة المقدسة للإمام الحسين (عليه السلام)، فان تلك النهضة سوف تحجم وتحد بزمانها وتنسى وربما تحرف وتغير عن واقعها الموجود عبر الإعلام المزيف والكاذب، حالها حال الكثير من النهضات والحركات الأخرى، ولكن عملية استمرار النهضة جعلتها حية وخالدة في كل عصر وزمان بكل تفاصيلها وأحداثها.

والنهضة العاطفية التي تحيي فطرة الناس هي من أهم أسباب حفظ واقعة عاشوراء على مر التاريخ، ومن هنا يعرف فلسفة البكاء والعزاء على الإمام الحسين (عليه السلام).

فإن إقامة المجالس وموكب العزاء على سيد الشهداء (عليه السلام) وإحياء الشعائر الحسينية بكل أقسامها وأنواعها المتعارفة من البكاء واللطم والزنجيل والتطبير وما أشبه، تجعل من هذه النهضة غضة طرية كأنها وقعت اليوم، وتبين أهدافها الإنسانية للبشرية بأجمعها وتدعو المجتمعات الإنسانية للاستجابة إلى نداء الفطرة في كافة الأزمنة باتباع أفكار ونهج سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) والسير على خطاه ضد الظلم والطغيان.

من أسرار بقاء نهضة عاشوراء

وقد كان للإمام زين العابدين (عليه السلام) دور أساسي في حفظ نهضة عاشوراء واستمرارية مدرسة كربلاء المقدسة إلى يومنا هذا.

حيث أدى الإمام السجاد (عليه السلام) كل ما بوسعه لإحياء ظلامة أبيه الحسين (عليه السلام) حتى استمرت قضية عاشوراء والنهضة الحسينية المباركة إلى يومنا هذا، بل وستستمر إلى يوم القيامة بإذن الله تعالى.

فقد سعى الإمام زين العابدين (عليه السلام) دائماً إلى تشكيل مجالس الحزن والعزاء على شهداء كربلاء وبيان ما جرى فيها من الظلم والجور..

فكان ببصيرته الثاقبة كلما نظر إلى عماته وأخواته شرع بالبكاء عالياً.

وإذا ما سقط نظره (عليه السلام) على طفل رضيع جرت دموعه على خديه.

وإذا ما شاهدت عينيه رأسا مقطوعاً حتى إذا كان لحيوان، أو عند ما كان يريد الجزار ذبح شاة، فإنه (عليه السلام) كان يتأثر بشدة، فقد مر (عليه السلام) ذات يوم في سوق المدينة على جزار بيده شاه يجرها إلى الذبح، فناداه الإمام: يا هذا هل سقيتها الماء؟ فقال الجزار: نعم نحن معاشر الجزارين لا نذبح الشاة حتى نسقيها الماء، فبكى الإمام (عليه السلام) وصاح:

وا لهفاه عليك أبا عبد الله، الشاة لا تذبح حتى تسقى الماء وأنت ابن رسول الله تذبح عطشاناً.

لم يذبح الكبش حتى يورى من ظمأ              ويذبــــــح ابن رســـــول الله ظـــمآناً

وإذا ما قدموا له طعاماً أو ماءً، تحسر وتأوه حتى يمزج ذلك بدموع عينيه.

يقول أحد مواليه: «كان الإمام السجاد (عليه السلام) صائماً، وعند الإفطار قدمت له مقداراً من الخبز والماء، ولكنه ما أن نظر إلى الماء، بكى عالياً، قلت: يا بن رسول الله، اشرب الماء.

قال (عليه السلام): كيف أشرب الماء وقد قُتل ابن رسول الله عطشاناً.

قلت: يا بن رسول الله كل طعامك!

قال (عليه السلام): كيف آكل طعامي وقد قتل ابن رسول الله جوعاناً»[5].

نعم إن البكاء مدرسة حضارية، استخدمها الإمام زين العابدين (عليه السلام) لفضح الظلم والطغيان مضافاً إلى الأساليب الأخرى كأسلوب الدعاء وإلقاء الخطب وبيان الأحاديث وتنظيم الكوادر الواعية وما أشبه مما هو مذكور في تاريخ الإمام (عليه السلام).

إن الله عزّ وجلّ فطر الناس على حب المظلوم ونصرته، وسلاح الظلامة أقوى وأمضى سلاح على الظالم المعتدي، ومن هنا فإن الإمام زين العابدين (عليه السلام) بعد فاجعة كربلاء جعل من ظلامة أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) شعاراً لفضح وطعن أعداء الحق وأنصار الباطل.

فكان (عليه السلام) وفي كل المناسبات يذكر مصيبة أبيه وأخوته وأصحابهم (عليهم السلام)، وكذلك مسألة الأسر وهتك حرمة بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكان يندب ويذرف الدموع ويقرأ عزاءهم.

وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «بكى علي بن الحسين عشرين سنة وما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال مولى له: جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف أن تكون من الهالكين!

قال: ((إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون))[6]، إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة.

وفي رواية قال الراوي: أما آن لحزنك أن ينقضي؟

فقال له: ويحك أن يعقوب النبي (عليه السلام) كان له اثنا عشر ابناً فغيب الله واحداً منهم فابيضت عيناه من كثرة بكائه عليه واحدودب ظهره من الغم وكان ابنه حياً في الدنيا، وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي فكيف ينقضي حزني»[7].

وهكذا استطاع الإمام زين العابدين (عليه السلام) من إيجاد حركة عاطفية دائمة في أوساط الناس وواقعهم الخارجي، حتى تبقى على إثرها نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) وأهدافه المقدسة حية وخالدة دائماً.

[1] سورة الحجر: 9.

[2] بحار الأنوار: ج45 ص51 ب37.

[3] بحار الأنوار: ج44 ص329 ب37.

[4] المناقب: ج4 ص68 فصل في مكارم أخلاقه.

[5] راجع وسائل الشيعة: ج3 ص282 ب87 ح3658.

[6] سورة يوسف: 86

[7] مناقب ابن شهر آشوب: ج4 ص165-166 فصل في كرمه وصبره وبكائه (عليه السلام).