الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

التربية والتعليم

كان أحد أهداف بني أمية هو محو وطمس حقيقة الإسلام وآثار النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وقد صرف معاوية بن أبي سفيان أموالاً طائلة للسيطرة على الحكم الإسلامي والأمة الإسلامية ومحاربة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وشيعته، كان معاوية يريد أن لا يبقى من الإسلام إلا الاسم الظاهري، وذلك ضمن الإطار الذي يخدم سلطته وملكه واستمرارية ذلك في عائلته.

وقد أقسم مراراً بأن يطمس ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويدفن اسمه الشريف[1]، ويقتل ذريته ويجعلهم نسياً منسياً.

وقد سار يزيد بن معاوية على تحقيق هذا الهدف أيضاً وتمكن لحد كبير أن يقلب بعض المعادلات ويعكس الوجه الحقيقي للإسلام، وينشر الفساد والإفساد في المجتمع الإسلامي، فقد كان يمارس الفحشاء والمنكر والأعمال التي تخالف الإسلام علناً، وأراد القضاء على شيعة أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فكان يضع العيون عليهم أينما كانوا، وربما اعتقلهم وزج بهم في قعر السجون ويأخذ بتعذيبهم ومن ثم إعدامهم، كما فعل أبوه من قبل، وأخيراً سعى للقضاء على ذرية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) فلايبقى لهم اسم يذكر.

((يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ))[2].

فإنهم وإن قتلوا ذرية الرسول بأجمعهم فلم يبق منهم من أبناء الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) سوى الحسن المثنى ومن أبناء الإمام الحسين (عليه السلام) سوى الإمام زين العابدين (عليه السلام)، إلا أن الله عزّ وجلّ بارك في نسلهم إلى يومنا هذا.

لقد أدى الإمام السجاد (عليه السلام) دوراً مهماً جداً للإبقاء على الإسلام ومعارفه، في تلك الظروف القاسية، فأخذ بتربية أجيال من الفتيان والفتيات تربية صالحة..

فكان يشتري الكثير من العبيد والإماء وفي خلال فترة قصيرة كان (عليه السلام) يشرع بتربيتهم وتثقيفهم بالثقافة الإسلامية حيث يعلّمهم القرآن وأحكامه، ويبين لهم سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) ومن ثم يقوم بتحريرهم وذلك باعتاقهم في سبيل الله، ورويداً رويداً كان هؤلاء يدخلون المجتمع الإسلامي ويقومون بنشر أفكار الإمام (عليه السلام) في أوساط الناس، حتى أن مجموعة من تلك الإماء المتعلمات وصلن إلى داخل القصر الأموي وضمن حريم بني أمية وشرعن بإيصال ظلامة أهل بيت النبوة (عليهم السلام) وكذلك تعليم المطالب الحقة إلى نساء وأبناء السلاطين وحُجّاب بني أمية.

مدرسة الدعاء

مما لا شك فيه أن الدعاء والضراعة إلى الله عزّ وجلّ يوجب تقوية روح الإنسان، فإن طلب المعونة من القوة الإلهية تعين في قضاء الحوائج وتسهيل أمور الدين والدنيا، وغفران الذنوب بعد الموت في الآخرة.

وربما يخطر في ذهن البعض هذا السؤال:

إذا شاءت إرادة الله شفاء المريض مثلاً، فعندئذ لا حاجة إلى الدعاء، وإذا لم تشأ الإرادة الإلهية ذلك فلا أثر للدعاء حينئذ، فما هي فلسفة الدعاء؟

والجواب على ذلك نقول: بأن المسألة لا تنحصر في الحالتين المذكورتين، بل قد تتعلق إرادة الله تعالى بواحدة من الحالات أدناه.. فمثلاً بالنسبة إلى المريض:

1ـ أحياناً تشاء إرادة الله تعالى شفاء المريض من دون دعاء.

2ـ وأحياناً تشاء إرادة الله تعالى بحيث إذا دعا المريض تحسنت حالته وشوفي، وإذا لم يدع لا يشفى.

3ـ أحياناً تشاء إرادة الله تعالى عدم شفاء المريض حتى بالدعاء وذلك لمصلحة يراها الباري عزّ وجلّ.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إن الدعاء يرد القضاء وقد نزل من السماء وأبرم إبراما»[3].

وقال الراوي: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: «إن الدعاء يرد ما قد قدّر وما لم يقدّر» قلت: وما قد قدر عرفته، فما لم يقدر؟ قال: «حتى لا يكون»[4].

وقال علي بن الحسين (عليه السلام): «الدعاء يدفع البلاء النازل وما لم ينزل»[5].

وقال الإمام الكاظم (عليه السلام): «عليكم بالدعاء، فإن الدعاء والطلب إلى الله عزّ وجلّ، يردّ البلاء وقد قدّر وقضي ولم يبق إلا إمضاؤه، فإذا دعي الله وسُئل صرف البلاء صرفاً»[6].

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «إن الله عزّ وجلّ ليدفع بالدعاء الأمر الذي علمه أن يدعى له فيستجيب، ولولا ما وفق العبد من ذلك الدعاء لأصابه منه ما يجثه من جديد الأرض»[7].

وعن علاء بن كامل قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «عليك بالدعاء فإنه شفاء من كل داء»[8].

فبناءً على هذا تعرف أهمية الدعاء وطلب المعونة من الباري عزّ وجلّ، حيث قال تعالى: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ))[9].

وقال سبحانه: ((قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ))[10].

لماذا لا يستجاب الدعاء؟

ومما يسأله البعض أيضاً انه لماذا لا يستجاب الدعاء؟

والجواب: لماذا لا ينفع الدواء؟

وهذا جواب نقضي حسب الاصطلاح، والحلي: إن الله سبحانه جعل للأمراض الدواء، وجعل لبعض الأمراض والمقاصد الدعاء، وكل واحد منهما في الجملة، لا على نحو الكلية، إذ الأمر دائر بين الثلاث:

الأول: عدم الجعل مطلقا.

والثاني: الجعل مطلقا.

والثالث: الجعل في الجملة.

فالأول لا صحة له، لأنه نقص في الخلقة، فكل شيء قابل للخلقة وليس فيه محذور وجب أن يخلق، لأنه مقتضى الفياضية المطلقة منه سبحانه.

والثاني: لا صحة له، وإلا لزم خلاف الحكمة، إذ بذلك تتغير الدنيا عن كونها دنيا هكذا، بل تكون جنة، والمفروض أن الدنيا بهذه الكيفية نوع من الخلقة التي تتطلب الخلق بلسان الواقع، والفياض يخلق كل شيء فيه الحكمة بأن لم يكن فيه محذور.

فيبقى الثالث.

فلا يقال: ما أكثر ما يشفي الدواء؟

لأنه يقال: وما أكثر ما استجيب الدعاء، فإن أحدنا يذكر انه دعا للدين، والفقر، والمرض، والولد، والعدو، وألف شيء وشيء واستجيب، نعم لا يستجاب الكل.

كما استعمل الدواء لعشرات الأمراض وشوفي، نعم ليس كل مرض يعالج بالدواء، وإلا لم يكن هناك مرض وموت وهرم وعقم ونقص خلقة وغيرها.

فالدعاء من الأسباب الكونية المعنوية، كالدواء، لا يصيب كله ولا يخيب كله، كسائر الأسباب والمسببات التي ليست علة تامة، وإنما لها شرائط وموانع ومعدات وقواطع، إلى غير ذلك.

فقوله سبحانه: ((ادعوني استجب لكم))[11] من باب المقتضي لا من باب العلة التامة.

كيفية الدعاء

كيف ينبغي الدعاء؟

وماذا نطلب من الله عزّ وجلّ في أدعيتنا؟

إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) وخاصة الإمام زين العابدين (عليه السلام) قد بينوا في رواياتهم وسيرتهم العملية أسلوب الدعاء، وشروطه وما يوجب الاستجابة وموانعها، وقد ورد عنهم الكثير من الأدعية التي تتضمن سعادة الدنيا والآخرة.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خير وقت دعوتم الله عزّ وجلّ فيه الأسحار وتلا هذه الآية في قول يعقوب (عليه السلام) ((سوف أستغفر لكم ربي))[12] وقال: أخرهم إلى السحر»[13].

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اغتنموا الدعاء عند أربع، عند قراءة القرآن وعند الأذان وعند نزول الغيث وعند التقاء الصفين للشهادة»[14].

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن الله عزّ وجلّ يحب من عباده المؤمنين كل عبد دَعّاء فعليكم بالدعاء في السحر إلى طلوع الشمس فإنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء وتقسم فيها الأرزاق وتقضى فيها الحوائج العظام»[15].

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «اطلبوا الدعاء في أربع ساعات، عند هبوب الرياح وزوال الأفياء ونزول القطر وأول قطرة من دم القتيل المؤمن فإن أبواب السماء تفتح عند هذه الأشياء»[16].

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «يستجاب الدعاء في أربعة مواطن، في الوتر وبعد الفجر وبعد الظهر وبعد المغرب»[17].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا رق أحدكم فليدع فإن القلب لا يرق حتى يخلص»[18].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا اقشعر جلدك ودمعت عيناك ووجل قلبك فدونك دونك فقد قصد قصدك»[19].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان أبي إذا طلب الحاجة طلبها عند زوال الشمس فإذا أراد ذلك قدم شيئا فتصدق به وشم شيئا من طيب وراح إلى المسجد ودعا في حاجته بما شاء الله»[20].

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «إياكم إذا أراد أحدكم أن يسأل من ربه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة، حتى يبدأ بالثناء على الله عزّ وجلّ والمدح له والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم يسأل الله حوائجه»[21].

الصحيفة السجادية

وأفضل شاهد على هذا الأمر الصحيفة السجادية، التي تناولت مختلف الجوانب العلمية والعملية في حياة الإنسان وتبين كيفية سلوكه مع ربه ومع نفسه ومع الآخرين، فهي تشتمل على أصول الدين، والأخلاق، وعلم الاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، وعلم النفس، وأهم المسائل الفكرية والثقافية، كل ذلك في إطار الدعاء والمناجاة مع الباري عزّ وجلّ.

إن للصحيفة السجادية دوراً مهماً جداً في بيان المسائل العقائدية ومعرفة الأصول الإسلامية، وما يوجب سعادة الإنسان في كافة أبعاد الحياة.

وبالطبع فإن أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام) هي أكثر بكثير مما في الصحيفة المذكورة، فإنها لا تشمل جميع الأدعية.

إن هذه الصحيفة السجادية المعروفة قام بنقلها وروايتها أحد أحفاد[22] الإمام السجاد (عليه السلام).

وقد حاز شرف شرحها[23] علماء الإسلام عدة مرات وقاموا بطبعها كراراً ومراراً.

وقد جمع بعض العلماء أدعية أخرى للإمام السجاد (عليه السلام)[24] وهذه المجموعة أيضاً لا تعني جميع الأدعية كما لا يخفى.

[1] مرت الإشارة إلى ذلك في الهامش من الصفحة 40-41 فراجع.

[2] سورة التوبة: 32.

[3] الكافي: ج2 ص469 باب أن الدعاء يرد البلاء والقضاء ح3.

[4] وسائل الشيعة: ج7 ص36-37 ب7 ح8647.

[5] الكافي: ج2 ص469 باب أن الدعاء يرد البلاء والقضاء ح5.

[6] بحار الأنوار: ج90 ص296 ب16 ضمن ح23.

[7] وسائل الشيعة: ج7 ص37 ب7 ح8649.

[8] الكافي: ج2 ص470 باب أن الدعاء شفاء من كل داء ح1.

[9] سورة غافر: 60.

[10] سورة الفرقان: 77.

[11] سورة غافر: 60.

[12] سورة يوسف: 98.

[13] الكافي: ج2 ص477 باب الأوقات والحالات التي ترجى فيها الإجابة ح6.

[14] مكارم الأخلاق: ص271 ب10 ف1 في الأوقات الموجودة لإجابة الدعاء.

[15] الكافي: ج2 ص478 باب الأوقات والحالات التي ترجى فيها الإجابة ح9.

[16] وسائل الشيعة: ج7 ص64 ب23 ح8735.

[17] تهذيب الأحكام: ج2 ص114 ب8 ح196.

[18] غوالي اللآلي: ج4 ص21 الجملة الأولى ح62.

[19] الخصال: ج1 ص81-82 باب الثلاثة ح6.

[20] بحار الأنوار: ج80 ص361-362 ب8 ح15.

[21] الكافي: ج2 ص484 باب الثناء قبل الدعاء ح1.

[22] وهو يحيى بن زيد الشهيد بن الإمام السجاد (عليه السلام).

[23] ومن هذه الشروح: (شرح الصحيفة السجادية) للإمام الشيرازي (قدس سره)، وقد طبع عدة مرات، الطبعة الأخيرة في دار العلوم بيروت لبنان.

[24] وقد طبع أخيراً كتاب يقع في أكثر من800 صفحة باسم (الصحيفة السجادة الجامعة) يشتمل على 270 دعاء منقول عن الإمام السجاد (عليه السلام)، وقد تشرفت بطبعها مؤسسة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) في مدينة قم المقدسة.